Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:81–85
12:81–82Page 245
ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١
Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1
وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢
And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾
صفحة ١٥١
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا تَفَكَّرُوا في الأصْوَبِ ما هو ظَهَرَ لَهم أنَّ الأصْوَبَ هو الرُّجُوعُ، وأنْ يَذْكُرُوا لِأبِيهِمْ كَيْفِيَّةَ الواقِعَةِ عَلى الوَجْهِ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ قالَهُ ذَلِكَ الكَبِيرُ الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ قِيلَ: إنَّهُ رُوبِيلُ، وبَقِيَ هو في مِصْرَ وبَعَثَ سائِرَ إخْوَتِهِ إلى الأبِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ حَكَمُوا عَلَيْهِ بِأنَّهُ سَرَقَ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ، لا سِيَّما وهو قَدْ أجابَ بِالجَوابِ الشّافِي، فَقالَ: الَّذِي جَعَلَ الصُّواعَ في رَحْلِي هو الَّذِي جَعَلَ البِضاعَةَ في رَحْلِكم.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهم شاهَدُوا أنَّ الصُّواعَ كانَ مَوْضُوعًا في مَوْضِعٍ ما كانَ يَدْخُلُهُ أحَدٌ إلّا هم، فَلَمّا شاهَدُوا أنَّهم أخْرَجُوا الصُّواعَ مِن رَحْلِهِ؛ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ هو الَّذِي أخَذَ الصُّواعَ.
وأمّا قَوْلُهُ: وضَعَ الصُّواعَ في رَحْلِي مَن وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِكم، فالفَرْقُ ظاهِرٌ، لِأنَّ هُناكَ لَمّا رَجَعُوا بِالبِضاعَةِ إلَيْهِمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ وضَعُوها في رِحالِهِمْ، وأمّا هَذا الصُّواعُ فَإنَّ أحَدًا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ هو الَّذِي وضَعَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ فَظَهَرَ الفَرْقُ، فَلِهَذا السَّبَبِ غَلَبَ عَلى ظُنُونِهِمْ أنَّهُ سَرَقَ، فَشَهِدُوا بِناءً عَلى هَذا الظَّنِّ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم غَيْرُ قاطِعِينَ بِهَذا الأمْرِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ .
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ في قَوْلِ المَلِكِ وأصْحابِهِ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
قالَ تَعالى: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (هُودٍ: ٨٧) أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وقالَ تَعالى: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ (الدُّخانِ: ٤٩) أيْ عِنْدَ نَفْسِكَ، وأمّا عِنْدَنا فَلا، فَكَذا هَهُنا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ ابْنَكَ ظَهَرَ عَلَيْهِ ما يُشْبِهُ السَّرِقَةَ، ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ يُسَمّى سَرِقَةً، فَإنَّ إطْلاقَ اسْمِ أحَدِ الشَّبِيهَيْنِ عَلى الشَّبِيهِ الآخَرِ جائِزٌ في القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ (الشُّورى: ٤٠) .
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ القَوْمَ ما كانُوا أنْبِياءَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّهم ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى سَبِيلِ المُجازَفَةِ لا سِيَّما وقَدْ شاهَدُوا شَيْئًا يُوهِمُ ذَلِكَ.
الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ يَقْرَأُ (إنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ) بِالتَّشْدِيدِ، أيْ نُسِبَ إلى السَّرِقَةِ، فَهَذِهِ القِراءَةُ لا حاجَةَ بِها إلى التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ القَوْمَ نَسَبُوهُ إلى السَّرِقَةِ، إلّا أنّا ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ أمْثالَ هَذِهِ القِراءاتِ لا تَدْفَعُ السُّؤالَ، لِأنَّ الإشْكالَ إنَّما يُدْفَعُ إذا قُلْنا: القِراءَةُ الأُولى باطِلَةٌ، والقِراءَةُ الحَقَّةُ هي هَذِهِ، أمّا إذا سَلَّمْنا أنَّ القِراءَةَ الأُولى حَقَّةٌ كانَ الإشْكالُ باقِيًا سَواءٌ صَحَّتْ هَذِهِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ أوْ لَمْ تَصِحَّ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ فَمَعْناهُ ظاهِرٌ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّهادَةَ غَيْرُ العِلْمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما شَهِدْنا إلّا بِما عَلِمْنا﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّهادَةِ مُغايِرَةً لِلْعِلْمِ ولِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: إذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشَّمْسِ فاشْهَدْ، وذَلِكَ أيْضًا يَقْتَضِي ما ذَكَرْنا ولَيْسَتِ الشَّهادَةُ أيْضًا عِبارَةً عَنْ قَوْلِهِ: أشْهَدُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: أشْهَدُ إخْبارٌ عَنِ الشَّهادَةِ، والإخْبارُ عَنِ الشَّهادَةِ غَيْرُ الشَّهادَةِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: الشَّهادَةُ عِبارَةٌ عَنِ الحُكْمِ الذِّهْنِيِّ، وهو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ بِكَلامِ النَّفْسِ.
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنّا قَدْ رَأيْنا أنَّهم أخْرَجُوا الصُّواعَ مِن رَحْلِهِ، وأمّا حَقِيقَةُ الحالِ فَغَيْرُ مَعْلُومَةٍ لَنا، فَإنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
والثّانِي: قالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: لَعَلَّ الصُّواعَ دُسَّ في مَتاعِهِ
صفحة ١٥٢
بِاللَّيْلِ، فَإنَّ الغَيْبَ اسْمٌ لِلَّيْلِ عَلى بَعْضِ اللُّغاتِ.
والثّالِثُ: قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ: وما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ ابْنَكَ يَسْرِقُ، ولَوْ عَلِمْنا ذَلِكَ ما ذَهَبْنا بِهِ إلى المَلِكِ وما أعْطَيْناكَ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ في رَدِّهِ إلَيْكَ.
والرّابِعُ: نُقِلَ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: فَهَبْ أنَّهُ سَرَقَ ولَكِنْ كَيْفَ عَرَفَ المَلِكُ أنَّ شَرْعَ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ ؟ بَلْ أنْتُمْ ذَكَرْتُمُوهُ لَهُ لِغَرَضٍ لَكم، فَقالُوا عِنْدَ هَذا الكَلامِ: إنّا قَدْ ذَكَرْنا لَهُ هَذا الحُكْمَ قَبْلَ وُقُوعِنا في هَذِهِ الواقِعَةِ، وما كُنّا نَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ نَقَعُ فِيها، فَقَوْلُهُ: ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى.
فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ مِن يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْعى في إخْفاءِ حُكْمِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذا القَوْلِ ؟
قُلْنا: لَعَلَّهُ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَخْصُوصًا بِما إذا كانَ المَسْرُوقُ مِنهُ مُسْلِمًا فَلِهَذا أنْكَرَ ذِكْرَ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ المَلِكِ الَّذِي ظَنَّهُ كافِرًا.
ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ .
واعْلَمْ أنَّهم لَمّا كانُوا مُتَّهَمِينَ بِسَبَبِ واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بالَغُوا في إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، فَقالُوا: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾، والأكْثَرُونَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ القَرْيَةِ مِصْرُ، وقالَ قَوْمٌ: بَلِ المُرادُ مِنهُ قَرْيَةٌ عَلى بابِ مِصْرَ جَرى فِيها حَدِيثُ السَّرِقَةِ والتَّفْتِيشِ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ المُضافُ لِلْإيجازِ والِاخْتِصارِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ المَجازِ مَشْهُورٌ في لُغَةِ العَرَبِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ودافَعُ جَوازِ هَذا في اللُّغَةِ كَدافِعِ الضَّرُورِيّاتِ، وجاحِدِ المَحْسُوساتِ.
والثّانِي: قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: المَعْنى: اسْألِ القَرْيَةَ والعِيرَ والجِدارَ والحِيطانَ؛ فَإنَّها تُجِيبُكَ وتَذْكُرُ لَكَ صِحَّةَ ما ذَكَرْناهُ لِأنَّكَ مِن أكابِرِ أنْبِياءِ اللَّهِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُنْطِقَ اللَّهُ هَذِهِ الجَماداتِ مُعْجِزَةً لَكَ حَتّى تُخْبِرَكَ بِصِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ.
وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّ الشَّيْءَ إذا ظَهَرَ ظُهُورًا تامًّا كامِلًا فَقَدْ يُقالُ فِيهِ: سَلِ السَّماءَ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ عَنْهُ، والمُرادُ أنَّهُ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى الغايَةِ الَّتِي ما بَقِيَ لِلشَّكِّ فِيهِ مَجالٌ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ فَقالَ المُفَسِّرُونَ: كانَ قَدْ صَحِبَهم قَوْمٌ مِنَ الكَنْعانِيِّينَ فَقالُوا: سَلْهم عَنْ هَذِهِ الواقِعَةِ.
ثُمَّ إنَّهم لَمّا بالَغُوا في التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ قالُوا: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ يَعْنِي: سَواءٌ نَسَبْتَنا إلى التُّهْمَةِ أوْ لَمْ تَنْسِبْنا إلَيْها فَنَحْنُ صادِقُونَ، ولَيْسَ غَرَضُهم أنْ يُثْبِتُوا صِدْقَ أنْفُسِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، بَلِ الإنْسانُ إذا قَدَّمَ ذِكْرَ الدَّلِيلِ القاطِعِ عَلى صِحَّةِ الشَّيْءِ فَقَدْ يَقُولُ بَعْدَهُ: وأنا صادِقٌ في ذَلِكَ، يَعْنِي: فَتَأمَّلْ فِيما ذَكَرْتُهُ مِنَ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ لِتَزُولَ عَنْكَ الشُّبْهَةُ.
12:83–85Page 245
قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣
[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."
وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤
And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2
قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥
They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾
اعْلَمْ أنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سَمِعَ مِن أبْنائِهِ ذَلِكَ الكَلامَ لَمْ يُصَدِّقْهم فِيما ذَكَرُوا كَما في واقِعَةِ
صفحة ١٥٣
يُوسُفَ فَقالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ فَذَكَرَ هَذا الكَلامَ بِعَيْنِهِ في هَذِهِ الواقِعَةِ إلّا أنَّهُ قالَ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٨) وقالَ هَهُنا: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ هَهُنا الكَذِبَ والِاحْتِيالَ كَما في قَوْلِهِ في واقِعَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ لَكِنَّهُ عَنى: سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم إخْراجَ بِنْيامِينَ عَنِّي، والمَصِيرَ بِهِ إلى مِصْرَ طَلَبًا لِلْمَنفَعَةِ، فَعادَ مِن ذَلِكَ شَرٌّ وضَرَرٌ، وألْحَحْتُمْ عَلَيَّ في إرْسالِهِ مَعَكم، ولَمْ تَعْلَمُوا أنَّ قَضاءَ اللَّهِ إنَّما جاءَ عَلى خِلافِ تَقْدِيرِكم.
وقِيلَ: بَلِ المَعْنى سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا؛ خَيَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أنَّهُ سَرَقَ، وما سَرَقَ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قِيلَ: إنَّ رُوبِيلَ لَمّا عَزَمَ عَلى الإقامَةِ بِمِصْرَ أمَرَهُ المَلِكُ أنْ يَذْهَبَ مَعَ إخْوَتِهِ فَقالَ: اتْرُكُونِي، وإلّا صِحْتُ صَيْحَةً لا تَبْقى بِمِصْرَ امْرَأةٌ حامِلٌ إلّا وتَضَعُ حَمْلَها؛ فَقالَ يُوسُفُ: دَعُوهُ، ولَمّا رَجَعَ القَوْمُ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخْبَرُوهُ بِالواقِعَةِ؛ بَكى وقالَ: يا بَنِيَّ لا تَخْرُجُوا مِن عِنْدِي مَرَّةً إلّا ونَقَصَ بَعْضُكم، ذَهَبْتُمْ مَرَّةً فَنَقَصَ يُوسُفُ، وفي الثّانِيَةِ نَقَصَ شَمْعُونُ، وفي هَذِهِ الثّالِثَةِ نَقَصَ رُوبِيلُ وبِنْيامِينُ، ثُمَّ بَكى وقالَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا.
وإنَّما حَكَمَ بِهَذا الحُكْمِ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا طالَ حُزْنُهُ وبَلاؤُهُ ومِحْنَتُهُ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى سَيَجْعَلُ لَهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا عَنْ قَرِيبٍ، فَقالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ حُسْنِ الظَّنِّ بِرَحْمَةِ اللَّهِ.
والثّانِي: لَعَلَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَهُ مِن بَعْدِ مِحْنَةِ يُوسُفَ أنَّهُ حَيٌّ أوْ ظَهَرَتْ لَهُ عَلاماتُ ذَلِكَ وإنَّما قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهم حِينَ ذَهَبُوا بِيُوسُفَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ فَضاعَ يُوسُفُ وبَقِيَ أحَدَ عَشَرَ، ولَمّا أرْسَلَهم إلى مِصْرَ عادُوا تِسْعَةً لِأنَّ بِنْيامِينَ حَبَسَهُ يُوسُفُ، واحْتَبَسَ ذَلِكَ الكَبِيرُ الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ فَلَمّا كانَ الغائِبُونَ ثَلاثَةً لا جَرَمَ قالَ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ .
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي هو العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، الحَكِيمُ فِيها عَلى الوَجْهِ المُطابِقِ لِلْفَضْلِ والإحْسانِ والرَّحْمَةِ والمَصْلَحَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences