Ar-RaziYusuf · 12:88–93

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:88–93

12:88–90Page 246

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨

So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."

قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩

He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"

قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠

They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا ياأيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ ﴿قالُوا أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ قالَ أنا يُوسُفُ وهَذا أخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ هَهُنا مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا قالَ لِبَنِيهِ: ﴿اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قَبِلُوا مِن أبِيهِمْ هَذِهِ الوَصِيَّةَ، فَعادُوا إلى مِصْرَ ودَخَلُوا عَلى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالُوا لَهُ: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ يَعْقُوبُ أمَرَهم أنْ يَتَحَسَّسُوا أمْرَ يُوسُفَ وأخِيهِ فَلِماذا عَدَلُوا إلى الشَّكْوى وطَلَبُوا إيفاءَ الكَيْلِ ؟

قُلْنا: لِأنَّ المُتَحَسِّسِينَ يَتَوَسَّلُونَ إلى مَطْلُوبِهِمْ بِجَمِيعِ الطُّرُقِ، والِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ، وضِيقُ اليَدِ، ورِقَّةُ الحالِ، وقِلَّةُ المالِ، وشِدَّةُ الحاجَةِ مِمّا يُرَقِّقُ القَلْبَ فَقالُوا: نُجَرِّبُهُ في ذِكْرِ هَذِهِ الأُمُورِ، فَإنْ رَقَّ قَلْبُهُ لَنا ذَكَرْنا لَهُ المَقْصُودَ وإلّا سَكَتْنا.

فَلِهَذا السَّبَبِ قَدَّمُوا ذِكْرَ هَذِهِ الواقِعَةِ وقالُوا: ﴿ياأيُّها العَزِيزُ﴾ والعَزِيزُ هو المَلِكُ القادِرُ المَنِيعُ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وهو الفَقْرُ والحاجَةُ وكَثْرَةُ العِيالِ وقِلَّةُ الطَّعامِ، وعَنَوْا بِأهْلِهِمْ مَن خَلْفَهم ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:

صفحة ١٦١

البَحْثُ الأوَّلُ: مَعْنى الإزْجاءِ في اللُّغَةِ الدَّفْعُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ومِثْلُهُ التَّزْجِيَةُ، يُقالُ: الرِّيحُ تُزْجِي السَّحابَ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ (النُّورِ: ٤٣) وزَجَّيْتُ فُلانًا بِالقَوْلِ دافَعْتُهُ، وفُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالحِيلَةِ.

والبَحْثُ الثّانِي: إنَّما وصَفُوا تِلْكَ البِضاعَةَ بِأنَّها مُزْجاةٌ، إمّا لِنُقْصانِها أوْ لِرَداءَتِها أوْ لَهُما جَمِيعًا.

والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ، قالَ الحَسَنُ: البِضاعَةُ المُزْجاةُ القَلِيلَةُ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها كانَتْ رَدِيئَةً واخْتَلَفُوا في تِلْكَ الرَّداءَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَتْ دَراهِمَ رَدِيئَةً لا تُقْبَلُ في ثَمَنِ الطَّعامِ، وقِيلَ: خَلِقُ الغِرارَةِ والحَبْلِ وأمْتِعَةٌ رَثَّةٌ، وقِيلَ: مَتاعُ الأعْرابِ الصُّوفُ والسَّمْنُ. وقِيلَ: الحَبَّةُ الخَضْراءُ، وقِيلَ: الأقِطُ، وقِيلَ: النِّعالُ والأُدْمُ، وقِيلَ: سَوِيقُ المُقْلِ، وقِيلَ: صُوفُ المَعْزِ، وقِيلَ: إنَّ دَراهِمَ مِصْرَ كانَتْ تُنْقَشُ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، والدَّراهِمُ الَّتِي جاءُوا بِها ما كانَ فِيها صُورَةُ يُوسُفَ، فَما كانَتْ مَقْبُولَةً عِنْدَ النّاسِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: في بَيانِ أنَّهُ لِمَ سُمِّيَتِ البِضاعَةُ القَلِيلَةُ الرَّدِيئَةُ مُزْجاةً ؟ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: هي مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُزْجِي العَيْشَ أيْ يَدْفَعُ الزَّمانَ بِالقَلِيلِ، والمَعْنى أنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ نُدافِعُ بِها الزَّمانَ، ولَيْسَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ وعَلى هَذا الوَجْهِ فالتَّقْدِيرُ بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٌ بِها الأيّامُ.

الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّما قِيلَ لِلدَّراهِمِ الرَّدِيئَةِ: مُزْجاةٌ، لِأنَّها مَرْدُودَةٌ مَدْفُوعَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ مِمَّنْ يُنْفِقُها، قالَ: وهي مِنَ الإزْجاءِ، والإزْجاءُ عِنْدَ العَرَبِ السَّوْقُ والدَّفْعُ.

الثّالِثُ: بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ أيْ مُؤَخَّرَةٍ مَدْفُوعَةٍ عَنِ الإنْفاقِ لا يُنْفِقُ مِثْلَها إلّا مَنِ اضْطُرَّ واحْتاجَ إلَيْها لِفَقْدِ غَيْرِها مِمّا هو أجْوَدُ مِنها.

الرّابِعُ: قالَ الكَلْبِيُّ: مُزْجاةٌ لُغَةُ العَجَمِ، وقِيلَ: هي مِن لُغَةِ القِبْطِ، قالَ أبُو بَكْرٍ الأنْبارِيُّ: لا يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ لَفْظٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفُ الِاشْتِقاقِ والتَّصْرِيفِ مَنسُوبًا إلى القِبْطِ.

البَحْثُ الرّابِعُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (مُزْجاةٍ) بِالإمالَةِ، لِأنَّ أصْلَهُ الياءُ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ والتَّفْخِيمِ.

واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ الكَلامِ في كَوْنِ البِضاعَةِ مُزْجاةً إمّا لِقِلَّتِها أوْ لِنُقْصانِها أوْ لِمَجْمُوعِها، ولَمّا وصَفُوا شِدَّةَ حالِهِمْ، ووَصَفُوا بِضاعَتَهم بِأنَّها مُزْجاةٌ قالُوا لَهُ: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾، والمُرادُ أنْ يُساهِلَهم إمّا بِأنْ يُقِيمَ النّاقِصَ مَقامَ الزّائِدِ، أوْ يُقِيمَ الرَّدِيءَ مَقامَ الجَيِّدِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾، والمُرادُ المُسامَحَةُ بِما بَيْنَ الثَّمَنَيْنِ، وأنْ يُسَعِّرَ لَهم بِالرَّدِيءِ كَما يُسَعِّرُ بِالجَيِّدِ.

واخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّهُ هَلْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا مِنهم لِلصَّدَقَةِ ؟ فَقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: إنَّ الصَّدَقَةَ كانَتْ حَلالًا لِلْأنْبِياءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بِهَذِهِ الآيَةِ.

وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، كَأنَّهم طَلَبُوا القَدْرَ الزّائِدَ عَلى سَبِيلِ الصَّدَقَةِ، وأنْكَرَ الباقُونَ ذَلِكَ وقالُوا: حالُ الأنْبِياءِ وحالُ أوْلادِ الأنْبِياءِ يُنافِي طَلَبَ الصَّدَقَةِ؛ لِأنَّهم يَأْنَفُونَ مِنَ الخُضُوعِ لِلْمَخْلُوقِينَ، ويَغْلُبُ عَلَيْهِمُ الِانْقِطاعُ إلى اللَّهِ تَعالى والِاسْتِغاثَةُ بِهِ عَمَّنْ سِواهُ.

ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّهُما كَرِها أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ في دُعائِهِ: اللَّهُمَّ تَصَدَّقْ عَلَيَّ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ لا يَتَصَدَّقُ، إنَّما يَتَصَدَّقُ الَّذِي يَبْتَغِي الثَّوابَ، وإنَّما يَقُولُ: اللَّهُمَّ أعْطِنِي أوْ تَفَضَّلْ، فَعَلى هَذا التَّصَدُّقُ هو إعْطاءُ الصَّدَقَةِ، والمُتَصَدِّقُ المُعْطِي، وأجازَ اللَّيْثُ أنْ يُقالَ لِلسّائِلِ: مُتَصَدِّقٌ، وأباهُ الأكْثَرُونَ.

ورُوِيَ أنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ اغْرَوْرَقَتْ عَيْناهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾، وقِيلَ: دَفَعُوا إلَيْهِ كِتابَ يَعْقُوبَ فِيهِ: مِن يَعْقُوبَ إسْرائِيلِ اللَّهِ، ابْنِ إسْحاقَ ذَبِيحِ اللَّهِ، ابْنِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ إلى عَزِيزِ مِصْرَ، أمّا بَعْدُ: فَإنّا أهْلُ بَيْتٍ مُوَكَّلٌ بِنا البَلاءُ، أمّا جَدِّي فَشُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ ورُمِيَ في النّارِ لِيُحْرَقَ؛ فَنَجّاهُ اللَّهُ، وجَعَلَها بَرْدًا وسَلامًا عَلَيْهِ، وأمّا أبِي فَوُضِعَ السِّكِّينُ عَلى قَفاهُ لِيُقْتَلَ فَفَداهُ اللَّهُ، وأمّا أنا فَكانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ

صفحة ١٦٢

أحَبَّ أوْلادِي إلَيَّ، فَذَهَبَ بِهِ إخْوَتُهُ إلى البَرِّيَّةِ، ثُمَّ أتَوْنِي بِقَمِيصِهِ مُلَطَّخًا بِالدَّمِ، وقالُوا: قَدْ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَذَهَبَتْ عَيْنايَ مِنَ البُكاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ كانَ لِيَ ابْنٌ وكانَ أخاهُ مِن أُمِّهِ وكُنْتُ أتَسَلّى بِهِ، فَذَهَبُوا بِهِ إلَيْكَ، ثُمَّ رَجَعُوا وقالُوا: إنَّهُ قَدْ سَرَقَ وإنَّكَ حَبَسْتَهُ عِنْدَكَ، وإنّا أهْلُ بَيْتٍ لا نَسْرِقُ ولا نَلِدُ سارِقًا، فَإنْ رَدَدْتَهُ عَلَيَّ وإلّا دَعَوْتُ عَلَيْكَ دَعْوَةً تُدْرِكُ السّابِعَ مِن ولَدِكَ، فَلَمّا قَرَأ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ الكِتابَ لَمْ يَتَمالَكْ، وعِيلَ صَبْرُهُ وعَرَّفَهم أنَّهُ يُوسُفُ.

ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ﴾ قِيلَ: إنَّهُ لَمّا قَرَأ كِتابَ أبِيهِ يَعْقُوبَ ارْتَعَدَتْ مَفاصِلُهُ، واقْشَعَرَّ جِلْدُهُ ولانَ قَلْبُهُ وكَثُرَ بُكاؤُهُ، وصَرَّحَ بِأنَّهُ يُوسُفُ.

وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا رَأى إخْوَتَهُ تَضَرَّعُوا إلَيْهِ ووَصَفُوا ما هم عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الزَّمانِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ أدْرَكَتْهُ الرِّقَّةُ فَصَرَّحَ حِينَئِذٍ بِأنَّهُ يُوسُفُ، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ اسْتِفْهامٌ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الواقِعَةِ، ومَعْناهُ: ما أعْظَمَ ما ارْتَكَبْتُمْ في يُوسُفَ ! وما أقْبَحَ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ ! وهو كَما يُقالُ لِلْمُذْنِبِ: هَلْ تَدْرِي مَن عَصَيْتَ وهَلْ تَعْرِفُ مَن خالَفْتَ ؟

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَصْدِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ (يُوسُفَ: ١٥) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وأخِيهِ﴾ فالمُرادُ ما فَعَلُوا بِهِ مِن تَعْرِيضِهِ لِلْغَمِّ بِسَبَبِ إفْرادِهِ عَنْ أخِيهِ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، وأيْضًا كانُوا يُؤْذُونَهُ، ومِن جُمْلَةِ أقْسامِ ذَلِكَ الإيذاءِ قالُوا في حَقِّهِ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ (يُوسُفَ: ٧٧) وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ فَهو يَجْرِي مَجْرى العُذْرِ كَأنَّهُ قالَ: أنْتُمْ إنَّما أقْدَمْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ القَبِيحِ المُنْكَرِ حالَ ما كُنْتُمْ في جَهالَةِ الصِّبا أوْ في جَهالَةِ الغُرُورِ، يَعْنِي والآنَ لَسْتُمْ كَذَلِكَ، ونَظِيرُهُ ما يُقالُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ (الِانْفِطارِ: ٦) قِيلَ: إنَّما ذَكَرَ تَعالى هَذا الوَصْفَ المُعَيَّنَ لِيَكُونَ ذَلِكَ جارِيًا مَجْرى الجَوابِ، وهو أنْ يَقُولَ العَبْدُ: يا رَبِّ غَرَّنِي كَرَمُكَ، فَكَذا هَهُنا إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ الكَلامَ إزالَةً لِلْخَجالَةِ عَنْهم وتَخْفِيفًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِمْ.

ثُمَّ إنَّ إخْوَتَهُ قالُوا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (إنَّكَ) عَلى لَفْظِ الخَبَرِ، وقَرَأ نافِعٌ: (أيِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ) بِفَتْحِ الألْفِ غَيْرَ مَمْدُودَةٍ وبِالياءِ، وأبُو عَمْرٍو: (آيِنَّكَ) بِمَدِّ الألِفِ وهو رِوايَةُ قالُونَ عَنْ نافِعٍ، والباقُونَ (أئِنَّكَ) بِهَمْزَتَيْنِ، وكُلُّ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ أُبَيٌّ: (أوَ أنْتَ يُوسُفُ)، فَحُصِّلَ مِن هَذِهِ القِراءاتِ أنَّ مِنَ القُرّاءِ مَن قَرَأ بِالِاسْتِفْهامِ، ومِنهم مَن قَرَأ بِالخَبَرِ.

أمّا الأوَّلُونَ فَقالُوا: إنَّ يُوسُفَ لَمّا قالَ لَهم: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ وتَبَسَّمَ فَأبْصَرُوا ثَناياهُ، وكانَتْ كاللُّؤْلُؤِ المَنظُومِ شَبَّهُوهُ بِيُوسُفَ، فَقالُوا لَهُ اسْتِفْهامًا: ﴿أئِنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ﴾ ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ قالَ: (أنا يُوسُفُ) وإنَّما أجابَهم عَمّا اسْتَفْهَمُوا عَنْهُ.

وأمّا مَن قَرَأ عَلى الخَبَرِ فَحُجَّتُهُ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتّى وضَعَ التّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وكانَ في فَرْقِهِ عَلامَةٌ، وكانَ لِيَعْقُوبَ وإسْحاقَ مِثْلُها شِبْهُ الشّامَةِ، فَلَمّا رَفَعَ التّاجَ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ العَلامَةِ، فَقالُوا: (إنَّكَ لَأنْتَ يُوسُفُ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ كَثِيرٍ أرادَ الِاسْتِفْهامَ ثُمَّ حَذَفَ حَرْفَ الِاسْتِفْهامِ، وقَوْلُهُ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: اللّامُ لامُ الِابْتِداءِ، وأنْتَ مُبْتَدَأٌ، ويُوسُفُ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ إنَّما صَرَّحَ بِالِاسْمِ تَعْظِيمًا لِما نَزَلْ بِهِ مِن ظُلْمِ إخْوَتِهِ وما عَوَّضَهُ اللَّهُ مِنَ الظَّفَرِ والنَّصْرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: أنا الَّذِي ظَلَمْتُمُونِي عَلى أعْظَمِ الوُجُوهِ، واللَّهُ تَعالى أوْصَلَنِي إلى أعْظَمِ المَناصِبِ، أنا ذَلِكَ العاجِزُ الَّذِي قَصَدْتُمْ قَتْلَهُ وإلْقاءَهُ في البِئْرِ ثُمَّ صِرْتُ كَما تَرَوْنَ، ولِهَذا قالَ: ﴿وهَذا أخِي﴾ مَعَ أنَّهم كانُوا

صفحة ١٦٣

يَعْرِفُونَهُ لِأنَّ مَقْصُودَهُ أنْ يَقُولَ: وهَذا أيْضًا كانَ مَظْلُومًا كَما كُنْتُ ثُمَّ إنَّهُ صارَ مُنْعَمًا عَلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى كَما تَرَوْنَ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: بِكُلِّ عِزٍّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: بِالجَمْعِ بَيْنَنا بَعْدَ التَّفْرِقَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ﴾ مَعْناهُ: مَن يَتَّقِ مَعاصِيَ اللَّهِ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ والمَعْنى: إنَّهُ مَن يَتَّقِ ويَصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهم، فَوَضَعَ المُحْسِنِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُتَّقِينَ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَ نَفْسَهُ في هَذا المَقامِ الشَّرِيفِ بِكَوْنِهِ مُتَّقِيًا، ولَوْ أنَّهُ أقْدَمَ عَلى ما يَقُولُهُ الحَشْوِيَّةُ في حَقِّزُلَيْخا؛ لَكانَ هَذا القَوْلُ كَذِبًا مِنهُ، وذِكْرُ الكَذِبِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الَّذِي يُؤْمِنُ فِيهِ الكافِرُ ويَتُوبُ فِيهِ العاصِي لا يَلِيقُ بِالعُقَلاءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ قُنْبُلٍ: (إنَّهُ مَن يَتَّقِي) بِإثْباتِ الياءِ في الحالَيْنِ، ووَجْهُهُ أنْ يُجْعَلَ ”مَن“ بِمَنزِلَةِ الَّذِي؛ فَلا يُوجِبُ الجَزْمَ، ويَجُوزُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويَصْبِرْ﴾ في مَوْضِعِ الرَّفْعِ إلّا أنَّهُ حُذِفَ الرَّفْعُ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما يُخَفَّفُ في عَضْدٍ وشَمْعٍ، والباقُونَ بِحَذْفِ الياءِ في الحالَيْنِ.

12:91–93Page 246

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١

They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."

قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢

He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.

ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣

Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا ذَكَرَ لِإخْوَتِهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَّ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن يَتَّقِ المَعاصِيَ ويَصْبِرْ عَلى أذى النّاسِ فَإنَّهُ لا يُضَيِّعُهُ اللَّهُ صَدَّقُوهُ فِيهِ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ والمَزِيَّةِ ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: آثَرَكَ إيثارًا، أيْ: فَضَّلَكَ اللَّهُ، وفُلانٌ آثَرَ عَبْدَ فُلانٍ؛ إذا كانَ يُؤْثِرُهُ بِفَضْلِهِ وصِلَتِهِ، والمَعْنى: لَقَدْ فَضَّلَكَ اللَّهُ عَلَيْنا بِالعِلْمِ والحِلْمِ والعَقْلِ والفَضْلِ والحُسْنِ والمُلْكِ، واحْتَجَّ بَعْضُهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ إخْوَتَهُ ما كانُوا أنْبِياءَ، لِأنَّ جَمِيعَ المَناصِبِ الَّتِي تَكُونُ مُغايِرَةً لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ كالعَدَمِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، فَلَوْ شارَكُوهُ في مَنصِبِ النُّبُوَّةِ لَما قالُوا: ﴿تاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَذْهَبُ سُؤالُ مَن يَقُولُ لَعَلَّ المُرادَ كَوْنُهُ زائِدًا عَلَيْهِمْ في المُلْكِ وأحْوالِ الدُّنْيا، وإنْ شارَكُوهُ في النُّبُوَّةِ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ أحْوالَ الدُّنْيا لا يُعْبَأُ بِها في جَنْبِ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ قِيلَ: الخاطِئُ هو الَّذِي أتى بِالخَطِيئَةِ عَمْدًا، وفُرِّقَ بَيْنَ الخاطِئِ والمُخْطِئِ، فَلِهَذا الفَرْقِ يُقالُ لِمَن يَجْتَهِدُ في الأحْكامِ فَلا يُصِيبُ إنَّهُ مُخْطِئٌ، ولا يُقالُ: إنَّهُ خاطِئٌ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الَّذِي اعْتَذَرُوا مِنهُ هو إقْدامُهم عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ وبَيْعِهِ وتَبْعِيدِهِ عَنِ البَيْتِ والأبِ، وقالَ

صفحة ١٦٤

أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: إنَّهم لَمْ يَعْتَذِرُوا إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِنهم قَبْلَ البُلُوغِ فَلا يَكُونُ ذَنْبًا فَلا يُعْتَذَرُ مِنهُ، وإنَّما اعْتَذَرُوا مِن حَيْثُ إنَّهم أخْطَئُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْ لَمْ يُظْهِرُوا لِأبِيهِمْ ما فَعَلُوهُ، لِيَعْلَمَ أنَّهُ حَيٌّ وأنَّ الذِّئْبَ لَمْ يَأْكُلْهُ، وهَذا الكَلامُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ الأعْمالِ في زَمَنِ الصِّبا لِأنَّهُ مِنَ البَعِيدِ في مِثْلِ يَعْقُوبَ أنْ يَبْعَثَ جَمْعًا مِنَ الصِّبْيانِ غَيْرِ البالِغِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَبْعَثَ مَعَهم رَجُلًا عاقِلًا يَمْنَعُهم عَمّا لا يَنْبَغِي ويَحْمِلُهم عَلى ما يَنْبَغِي.

الوَجْهُ الثّانِي: هَبْ أنَّ الأمْرَ عَلى ما ذَكَرَهُ الجُبّائِيُّ إلّا أنّا نَقُولُ: غايَةُ ما في البابِ أنَّهُ لا يَجِبُ الِاعْتِذارُ عَنْ ذَلِكَ إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَحْسُنُ الِاعْتِذارُ عَنْهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ المُذْنِبَ إذا تابَ زالَ عِقابُهُ، ثُمَّ قَدْ يُعِيدُ التَّوْبَةَ والِاعْتِذارَ مَرَّةً أُخْرى، فَعَلِمْنا أنَّ الإنْسانَ أيْضًا قَدْ يَتُوبُ عِنْدَما لا تَكُونُ التَّوْبَةُ واجِبَةً عَلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّهم لَمّا اعْتَرَفُوا بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ وبِكَوْنِهِمْ مُجْرِمِينَ خاطِئِينَ قالَ يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: التَّثْرِيبُ التَّوْبِيخُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم؛ فَلْيَضْرِبْها الحَدَّ، ولا يُثَرِّبْها» أيْ: ولا يُعَيِّرْها بِالزِّنا، فَقَوْلُهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا تَوْبِيخَ ولا عَيْبَ، وأصْلُ التَّثْرِيبِ مِنَ الثَّرْبِ وهو الشَّحْمُ الَّذِي هو غاشِيَةُ الكِرْشِ. ومَعْناهُ إزالَةُ الثَّرْبِ كَما أنَّ التَّجْلِيدَ إزالَةُ الجِلْدِ، قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: طَلَبُ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنها إلى الشُّيُوخِ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِإخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وقَوْلِ يَعْقُوبَ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ (يُوسُفَ: ٩٨) ؟

البَحْثُ الثّانِي: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِماذا، وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا أُثَرِّبُكُمُ اليَوْمَ، وهو اليَوْمُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ التَّثْرِيبِ، فَما ظَنُّكم بِسائِرِ الأيّامَ، وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنِّي حَكَمْتُ في هَذا اليَوْمِ بِأنْ لا تَثْرِيبَ مُطْلَقًا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ نَفْيٌ لِلْماهِيَّةِ، ونَفْيُ الماهِيَّةِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَمِيعِ أفْرادِ الماهِيَّةِ، فَكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِلنَّفْيِ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: اليَوْمَ حَكَمْتُ بِهَذا الحُكْمِ العامِّ المُتَناوِلِ لِكُلِّ الأوْقاتِ والأحْوالِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمّا بَيَّنَّ لَهم أنَّهُ أزالَ عَنْهم مَلامَةَ الدُّنْيا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُزِيلَ عَنْهم عِقابَ الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والمُرادُ مِنهُ الدُّعاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿اليَوْمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ كَأنَّهُ لَمّا نَفى التَّثْرِيبَ مُطْلَقًا بَشَّرَهم بِأنَّ اللَّهَ غَفَرَ ذَنْبَهم في هَذا اليَوْمِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا انْكَسَرُوا وخَجِلُوا واعْتَرَفُوا وتابُوا فاللَّهُ قَبِلَ تَوْبَتَهم وغَفَرَ ذَنْبَهم، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ، وقالَ لِقُرَيْشٍ: ”ما تَرَوْنِي فاعِلًا بِكُمْ“ فَقالُوا: نَظُنُّ خَيْرًا أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ وقَدْ قَدَرْتَ، فَقالَ: ”أقُولُ ما قالَ أخِي يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾“» ورُوِيَ «أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا جاءَ لِيُسَلِّمَ قالَ لَهُ العَبّاسُ: إذا أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فاتْلُ عَلَيْهِ: ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ فَفَعَلَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ولِمَن عَلَّمَكَ“»، ورُوِيَ أنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ لَمّا عَرَفُوهُ أرْسَلُوا إلَيْهِ: إنَّكَ تُحْضِرُنا في مائِدَتِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا، ونَحْنُ نَسْتَحِي مِنكَ

صفحة ١٦٥

لِما صَدَرَ مِنّا مِنَ الإساءَةِ إلَيْكَ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ أهْلَ مِصْرَ وإنْ مُلِّكْتُ فِيهِمْ فَإنَّهم يَنْظُرُونِي بِالعَيْنِ الأُولى، ويَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَّغَ عَبْدًا بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شَرُفْتُ الآنَ بِإتْيانِكم، وعَظُمْتُ في العُيُونِ لَمّا جِئْتُمْ وعَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي، وأنِّي مِن حَفَدَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ثُمَّ قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَألْقُوهُ عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ بَصِيرًا﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا عَرَفَهم يُوسُفُ سَألَهم عَنْ أبِيهِ فَقالُوا: ذَهَبَتْ عَيْناهُ، فَأعْطاهم قَمِيصَهُ، قالَ المُحَقِّقُونَ: إنَّما عَرَفَ أنَّ إلْقاءَ ذَلِكَ القَمِيصِ عَلى وجْهِهِ يُوجِبُ قُوَّةَ البَصَرِ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَوْلا الوَحْيُ لَما عَرَفَ ذَلِكَ، لِأنَّ العَقْلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَعَلَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلِمَ أنَّ أباهُ ما صارَ أعْمى، إلّا أنَّهُ مِن كَثْرَةِ البُكاءِ وضِيقِ القَلْبِ ضَعُفَ بَصَرُهُ، فَإذا أُلْقِيَ عَلَيْهِ قَمِيصُهُ فَلا بُدَّ أنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ، وأنْ يَحْصُلَ في قَلْبِهِ الفَرَحُ الشَّدِيدُ، وذَلِكَ يُقَوِّي الرُّوحَ ويُزِيلُ الضَّعْفَ عَنِ القُوى، فَحِينَئِذٍ يَقْوى بَصَرُهُ، ويَزُولُ عَنْهُ ذَلِكَ النُّقْصانُ، فَهَذا القَدْرُ مِمّا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالقَلْبِ، فَإنَّ القَوانِينَ الطِّبِّيَّةَ تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى.

وقَوْلُهُ: ﴿يَأْتِ بَصِيرًا﴾ أيْ يَصِيرُ بَصِيرًا، ويَشْهَدُ لَهُ ﴿فارْتَدَّ بَصِيرًا﴾ (يُوسُفَ: ٩٦) ويُقالُ: المُرادُ يَأْتِ إلَيَّ وهو بَصِيرٌ، وإنَّما أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لَهُ، وقالَ في الباقِينَ: ﴿وأْتُونِي بِأهْلِكم أجْمَعِينَ﴾، قالَ الكَلْبِيُّ: كانَ أهْلُهُ نَحْوًا مِن سَبْعِينَ إنْسانًا، وقالَ مَسْرُوقٌ: دَخَلَ قَوْمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِصْرَ، وهم ثَلاثَةٌ وتِسْعُونَ مِن بَيْنِ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، ورُوِيَ أنَّ يَهُودا حَمَلَ الكِتابَ وقالَ: أنا أحْزَنْتُهُ بِحَمْلِ القَمِيصِ المُلَطَّخِ بِالدَّمِ إلَيْهِ؛ فَأُفْرِحُهُ كَما أحْزَنْتُهُ، وقِيلَ: حَمَلَهُ وهو حافٍ وحاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ، وبَيْنَهُما مَسِيرَةُ ثَمانِينَ فَرْسَخًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском