Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:32–37
13:32–34Page 253
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢
And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤
For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ يَتَأذّى مِن تِلْكَ الكَلِماتِ، فاللَّهُ تَعالى أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَصْبِيرًا لَهُ عَلى سَفاهَةِ قَوْمِهِ، فَقالَ لَهُ: إنَّ أقْوامَ سائِرِ الأنْبِياءِ اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ كَما أنَّ قَوْمَكَ يَسْتَهْزِئُونَ بِكَ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أطَلْتُ لَهُمُ المُدَّةَ بِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ، ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِي لَهم.
واعْلَمْ أنِّي سَأنْتَقِمُ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ كَما انْتَقَمْتُ مِن أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ، والإمْلاءُ الإمْهالُ وأنْ يُتْرَكُوا مُدَّةً مِنَ الزَّمانِ في خَفْضٍ وأمْنٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها في المَرْعى. وهَذا وعِيدٌ لَهم وجَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أوْرَدَ عَلى المُشْرِكِينَ ما يَجْرِي مَجْرى الحِجاجِ، وما يَكُونُ تَوْبِيخًا لَهم وتَعْجِيبًا مِن عُقُولِهِمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِجَمِيعِ أحْوالِ النُّفُوسِ، وقادِرًا عَلى تَحْصِيلِ مَطالِبِها مِن تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ومِن إيصالِ الثَّوابِ إلَيْها عَلى كُلِّ الطّاعاتِ، وإيصالِ العِقابِ إلَيْها عَلى كُلِّ المَعاصِي، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ وما ذاكَ إلّا الحَقُّ سُبْحانَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨].
صفحة ٤٥
واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذا الكَلامِ مِن جَوابٍ، واخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى وُجُوهٍ:
الوجه الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ كَمَن لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؟ وهي الأصْنامُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وهَذا الجَوابُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كَشُرَكائِهِمُ الَّتِي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] وما جاءَ جَوابُهُ؛ لِأنَّهُ مُضْمَرٌ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: ٢٢] فَكَذا هاهُنا، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: يَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ ما يَقَعُ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ يُعْطَفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: أفَمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُوَحِّدُوهُ ولَمْ يُمَجِّدُوهُ وجَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ.
الوجه الثّانِي: وهو الَّذِي ذَكَرَهُ السَّيِّدُ صاحِبُ حَلِّ العَقْدِ، فَقالَ: نَجْعَلُ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ واوَ الحالِ ونُضْمِرُ لِلْمُبْتَدَأِ خَبَرًا يَكُونُ المُبْتَدَأُ مَعَهُ جُمْلَةً مُقَرِّرَةً لِإمْكانِ ما يُقارِنُها مِنَ الحالِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ مَوْجُودٌ، والحالُ أنَّهم جَعَلُوا لَهُ شُرَكاءَ، ثُمَّ أُقِيمَ الظّاهِرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ﴾ مَقامَ المُضْمَرِ تَقْرِيرًا لِلْإلَهِيَّةِ وتَصْرِيحًا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ: جَوادٌ يُعْطِي النّاسَ ويُغْنِيهِمْ مَوْجُودٌ ويَحْرِمُ مِثْلِي.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الحُجَّةَ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: [ قُلْ سَمُّوهم ] وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في الأمْرِ المُسْتَحْقَرِ الَّذِي بَلَغَ في الحَقارَةِ إلى أنْ لا يُذْكَرَ ولا يُوضَعَ لَهُ اسْمٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُقالُ: سَمِّهِ إنْ شِئْتَ، يَعْنِي أنَّهُ أخَسُّ مِن أنْ يُسَمّى ويُذْكَرَ، ولَكِنَّكَ إنْ شِئْتَ أنْ تَضَعَ لَهُ اسْمًا فافْعَلْ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: سَمُّوهم بِالآلِهَةِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، والمَعْنى: سَواءٌ سَمَّيْتُمُوهم بِهَذا الِاسْمِ أوْ لَمْ تُسَمُّوهم بِهِ، فَإنَّها في الحَقارَةِ بِحَيْثُ لا تَسْتَحِقُّ أنْ يَلْتَفِتَ العاقِلُ إلَيْها، ثُمَّ زادَ في الحِجاجِ، فَقالَ: ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ﴾ والمُرادُ: أتَقْدِرُونَ عَلى أنْ تُخْبِرُوهُ وتُعْلِمُوهُ بِأمْرٍ تَعْلَمُونَهُ وهو لا يَعْلَمُهُ، وإنَّما خَصَّ الأرْضَ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ عَنْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكٌ البَتَّةَ؛ لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ لَهُ شُرَكاءَ في الأرْضِ لا في غَيْرِها ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ يَعْنِي تُمَوِّهُونَ بِإظْهارِ قَوْلٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٠] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ بَعْدَ هَذا الحِجاجِ سُوءَ طَرِيقَتِهِمْ، فَقالَ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ لِما هم عَلَيْهِ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ قالَ الواحِدِيُّ: مَعْنى ”بَلْ“ هاهُنا، كَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ ما كُنّا فِيهِ زُيِّنَ لَهم مَكْرُهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ عَلى إفْسادِ قَوْلِهِمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: دَعْ ذِكْرَ الدَّلِيلِ فَإنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهم كُفْرُهم ومَكْرُهم فَلا يَنْتَفِعُونَ بِذِكْرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، قالَ القاضِي: لا شُبْهَةَ في أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَذُمَّهم بِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المُزَيِّنُ هو اللَّهَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ إمّا شَياطِينُ الإنْسِ وإمّا شَياطِينُ الجِنِّ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ المُزَيِّنُ أحَدَ شَياطِينِ الجِنِّ أوِ الإنْسِ فالمُزَيِّنُ في قَلْبِ ذَلِكَ الشَّيْطانِ إنْ كانَ شَيْطانًا آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، وإنْ كانَ هو اللَّهَ فَقَدْ زالَ السُّؤالُ.
والثّانِي أنْ يُقالَ: القُلُوبُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ.
والثّالِثُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ تَرْجِيحَ الدّاعِي لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وعِنْدَ حُصُولِهِ يَجِبُ الفِعْلُ.
أما قوله: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”وصُدُّوا“ بِضَمِّ الصّادِ، وفي حم: ﴿وصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافِرٍ: ٣٧] عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ بِمَعْنى أنَّ الكُفّارَ صَدَّهم غَيْرُهم، وعِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ صَدَّهم. ولِلْمُعْتَزِلَةِ فِيهِ وجْهانِ:
قِيلَ الشَّيْطانُ، وقِيلَ أنْفُسُهم وبَعْضُهم لِبَعْضٍ كَما يُقالُ: فُلانٌ مُعْجِبٌ وإنْ
صفحة ٤٦
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ غَيْرُهُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ والباقُونَ، وصَدُّوا بِفَتْحِ الصّادِ في السُّورَتَيْنِ يَعْنِي أنَّ الكُفّارَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، أيْ أعْرَضُوا، وقِيلَ: صَرَفُوا غَيْرَهم، وهو لازِمٌ ومُتَعَدٍّ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الأُولى مُشاكَلَتُها لِما قَبْلَها مِن بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وحُجَّةُ القِراءَةِ الثّانِيَةِ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
ثم قال: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وُجُوهٍ:
أوَّلُها قَوْلُهُ: ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ وقَدْ بَيَّنّا بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ هو اللَّهُ.
وثانِيها: قَوْلُهُ: ﴿وصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ بِضَمِّ الصّادِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ الصّادَّ هو اللَّهُ.
وثالِثُها: قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وهو صَرِيحٌ في المَقْصُودِ وتَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ المُزَيِّنَ وذَلِكَ الصّادَّ لَيْسَ إلّا اللَّهَ.
ورابِعُها: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيَقَعُونَ في عِقابِ الآخِرَةِ وإخْبارُ اللَّهِ مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، وإذا امْتَنَعَ وُقُوعُ التَّغَيُّرِ في هَذا الخَبَرِ امْتَنَعَ صُدُورُ الإيمانِ مِنهُ، وكُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ لَقَدْ لَخَّصْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا، قالَ القاضِي: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ عَنْ ثَوابِ الجَنَّةِ لِكُفْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ مُنْبِئٌ بِذَلِكَ أنَّ الثَّوابَ لا يُنالُ إلّا بِالطّاعَةِ خاصَّةً فَمَن زاغَ عَنْها لَمْ يَجِدْ إلَيْها سَبِيلًا، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ مَن حَكَمَ بِأنَّهُ ضالٌّ وسَمّاهُ ضالًّا، وقِيلَ: المُرادُ مَن يُضْلِلِهُ اللَّهُ عَنِ الإيمانِ بِأنْ يَجِدَهُ كَذَلِكَ، ثم قال: والوجه الأوَّلُ أقْوى.
واعْلَمْ أنَّ الوجه الأوَّلَ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما وقَعَ في شَرْحِ إيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ في الدُّنْيا ولَمْ يَجْرِ ذِكْرُ ذَهابِهِمْ إلى الجَنَّةِ البَتَّةَ، فَصَرْفُ الكَلامِ عَنِ المَذْكُورِ إلى غَيْرِ المَذْكُورِ بَعِيدٌ، وأيْضًا فَهَبْ أنّا نُساعِدُ عَلى أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرُوهُ، إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَقَدْ حَصَلَ المَقْصُودُ لِأنَّ خِلافَ مَعْلُومِ اللَّهِ ومُخْبَرِهِ مُحالٌ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِتِلْكَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَيَّنَ أنَّهُ جَمَعَ لَهم بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا، وبَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ الَّذِي هو أشَقُّ، وأنَّهُ لا دافِعَ لَهم عَنْهُ لا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ، والقِتالِ، واللَّعْنِ، والذَّمِّ، والإهانَةِ، وهَلْ يَدْخُلُ المَصائِبُ والأمْراضُ في ذَلِكَ أمْ لا؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قالَ بَعْضُهم: إنَّها تَدْخُلُ فِيهِ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها لا تَكُونُ عِقابًا، لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ نَزَلَتْ بِهِ مُصِيبَةٌ فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِالصَّبْرِ عَلَيْها، ولَوْ كانَ عِقابًا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ، فالمُرادُ عَلى هَذا القَوْلِ مِنَ الآيَةِ: القَتْلُ، والسَّبْيُ، واغْتِنامُ الأمْوالِ، واللَّعْنُ، وإنَّما قالَ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ لِأنَّهُ أزْيَدُ إنْ شِئْتَ بِسَبَبِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الأنْواعِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَخْتَلِطُ بِها شَيْءٌ مِن مُوجِباتِ الرّاحَةِ، وإنْ شِئْتَ بِسَبَبِ الدَّوامِ وعَدَمِ الِانْقِطاعِ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن واقٍ﴾ أيْ أنَّ أحَدًا لا يَقِيهِمْ ما نَزَلَ بِهِمْ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ الواحِدِيُّ: أكْثَرُ القُرّاءِ وقَفُوا عَلى القافِ مِن غَيْرِ إثْباتِ ياءٍ في قَوْلِهِ: [واقٍ] وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ﴾ وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ ﴿والٍ﴾ [الرَّعْدِ: ١] وهو الوجه لِأنَّكَ تَقُولُ في الوَصْلِ: هَذا هادٍ، ووالٍ، وواقٍ، فَتَحْذِفُ الياءَ لِسُكُونِها والتِقائِها مَعَ التَّنْوِينِ، فَإذا وقَفْتَ انْحَذَفَ التَّنْوِينُ في الوَقْفِ في الرَّفْعِ والجَرِّ، والياءُ كانَتِ انْحَذَفَتْ فَيُصادِفُ الوَقْفُ الحَرَكَةَ الَّتِي هي كَسْرَةٌ في غَيْرِ فاعِلٍ، فَتَحْذِفُها كَما تَحْذِفُ سائِرَ الحَرَكاتِ الَّتِي تَقِفُ عَلَيْها، فَيَصِيرُ هادٍ، ووالٍ، وواقٍ. وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقِفُ بِالياءِ في هادِي، ووالِي، وواقِي. ووَجْهُهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ بَعْضَ مَن يُوثَقُ بِهِ مِنَ العَرَبِ يَقُولُ: هَذا داعِي فَيَقِفُونَ بِالياءِ.
13:35Page 254
۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥
The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ .
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ عَذابَ الكُفّارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ثَوابِ المُتَّقِينَ وفي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”مَثَلُ الجَنَّةِ“ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ.
والثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ مِن صِفَتِها كَذا وكَذا.
والثّالِثُ: مَثَلُ الجَنَّةِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ اسْمٌ.
والرّابِعُ: الخَبَرُ هو قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ لِأنَّهُ الخارِجُ عَنِ العادَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ كَما تَعْلَمُونَ مِن حالِ جَنّاتِكم إلّا أنَّ هَذِهِ أُكُلُها دائِمٌ.
المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ الجَنَّةَ بِصِفاتٍ ثَلاثٍ:
أوَّلُها: تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ.
وثانِيها: أنَّ أُكُلَها دائِمٌ، والمَعْنى: أنَّ جَنّاتِ الدُّنْيا لا يَدُومُ ورَقُها وثَمَرُها ومَنافِعُها. أمّا جَنّاتُ الآخِرَةِ فَثِمارُها دائِمَةٌ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ.
وثالِثُها: أنَّ ظِلَّها دائِمٌ أيْضًا، والمُرادُ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ حَرٌّ ولا بَرْدٌ ولا شَمْسٌ ولا قَمَرٌ ولا ظُلْمَةٌ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ولا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنْسانِ: ١٣] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةِ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا يَعْنِي: عاقِبَةُ أهْلِ التَّقْوى هي الجَنَّةُ، وعاقِبَةُ الكافِرِينَ النّارُ. وحاصِلُ الكَلامِ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ثَوابَ المُتَّقِينَ مَنافِعُ خالِصَةٌ عَنِ الشَّوائِبِ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةِ الدَّوامِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فِيهِ مَسائِلُ ثَلاثٌ:
المسألة الأُولى: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُكُلَ الجَنَّةِ لا تَفْنى كَما يُحْكى عَنْ جَهْمٍ وأتْباعِهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَرَكاتِ أهْلِ الجَنَّةِ لا تَنْتَهِي إلى سُكُونٍ دائِمٍ، كَما يَقُولُهُ أبُو الهُذَيْلِ وأتْباعُهُ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الجَنَّةَ لَمْ تُخْلَقْ بَعْدُ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَخْلُوقَةً لَوَجَبَ أنْ تَفْنى وأنْ يَنْقَطِعَ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٢٦]. و﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القَصَصِ: ٨٨] لَكِنْ لا يَنْقَطِعُ أُكُلُها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُكُلُها دائِمٌ﴾ فَوَجَبَ أنْ لا تَكُونَ الجَنَّةُ مَخْلُوقَةً، ثم قال: فَلا نُنْكِرُ أنْ يَحْصُلَ الآنَ في السَّماواتِ جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ يَتَمَتَّعُ بِها المَلائِكَةُ ومَن يُعَدُّ حَيًّا مِنَ الأنْبِياءِ والشُّهَداءِ وغَيْرِهِمْ عَلى ما رُوِيَ في ذَلِكَ، إلّا أنَّ الَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ جَنَّةَ الخُلْدِ خاصَّةً إنَّما تُخْلَقُ بَعْدَ الإعادَةِ.
والجَوابُ: أنَّ دَلِيلَهم مُرَكَّبٌ مِن آيَتَيْنِ:
أحَدُهُما: قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ والأُخْرى قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها﴾ فَإذا أدْخَلْنا التَّخْصِيصَ في أحَدِ هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ سَقَطَ دَلِيلُهم، فَنَحْنُ نُخَصِّصُ أحَدَ هَذَيْنِ العُمُومَيْنِ بِالدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ٤٨
﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٣٣] .
13:36Page 254
وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦
And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في المُرادِ بِالكِتابِ قَوْلَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ القُرْآنُ والمُرادُ أنَّ أهْلَ القُرْآنِ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ مِن أنْواعِ التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والأحْكامِ والقَصَصِ، ومِنَ الأحْزابِ الجَماعاتُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وسائِرِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ.
فَإنْ قِيلَ: الأحْزابُ يُنْكِرُونَ كُلَّ القُرْآنِ.
قُلْنا: الأحْزابُ لا يُنْكِرُونَ كُلَّ ما في القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ ورَدَ فِيهِ إثْباتُ اللَّهِ تَعالى وإثْباتُ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ وأقاصِيصِ الأنْبِياءِ، والأحْزابُ ما كانُوا يُنْكِرُونَ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ ﷺ مِن أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وأصْحابِهِما ومَن أسْلَمَ مِنَ النَّصارى، وهم ثَمانُونَ رَجُلًا أرْبَعُونَ بِنَجْرانَ وثَمانِيَةٌ بِاليَمَنِ، واثْنانِ وثَلاثُونَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ وفَرِحُوا بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ والأحْزابُ بَقِيَّةُ أهْلِ الكِتابِ وسائِرُ المُشْرِكِينَ، قالَ القاضِي: وهَذا الوجه أوْلى مِنَ الأوَّلِ؛ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ مَن أُوتِيَ القُرْآنَ فَإنَّهم يَفْرَحُونَ بِالقُرْآنِ، أمّا إذا حَمَلْناهُ عَلى هَذا الوجه ظَهَرَتِ الفائِدَةُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا القُرْآنَ يَزْدادُ فَرَحُهم بِهِ لِما رَأوْا فِيهِ مِنَ العُلُومِ الكَثِيرَةِ والفَوائِدِ العَظِيمَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ حَكى اللَّهُ تَعالى فَرَحَهم بِهِ.
والثّانِي: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ اليَهُودُ أُعْطُوا التَّوْراةَ، والنَّصارى أُعْطُوا الإنْجِيلَ، يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ في هَذا القُرْآنِ؛ لِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم، ومِنَ الأحْزابِ مِن سائِرِ الكُفّارِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، قالَ القاضِي: وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعُمُّ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، ومَعْلُومٌ أنَّهم لا يَفْرَحُونَ بِكُلِّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ فَيُقالُ إنَّ قَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ لا يُفِيدُ العُمُومَ بِدَلِيلِ جَوازِ إدْخالِ لَفْظَتَيِ الكُلِّ والبَعْضِ عَلَيْهِ، ولَوْ كانَتْ كَلِمَةُ ”ما“ لِلْعُمُومِ لَكانَ إدْخالُ لَفْظِ الكُلِّ عَلَيْهِ تَكْرِيرًا وإدْخالُ لَفْظِ البَعْضِ عَلَيْهِ نَقْصًا.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذا جَمَعَ كَلَّ ما يَحْتاجُ المَرْءُ إلَيْهِ في مَعْرِفَةِ المَبْدَأِ والمَعادِ في ألْفاظٍ قَلِيلَةٍ مِنهُ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ وهَذا الكَلامُ جامِعٌ لِكُلِّ ما ورَدَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وفِيهِ فَوائِدُ:
أوَّلُها: أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ ومَعْناهُ إنِّي ما أُمِرْتُ إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا تَكْلِيفَ ولا أمْرَ ولا نَهْيَ إلّا بِذَلِكَ.
وثانِيها: أنَّ العِبادَةَ غايَةُ التَّعْظِيمِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ مُكَلَّفٌ بِذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى لا تُمْكِنُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ إلّا بِالدَّلِيلِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْءَ مُكَلَّفٌ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ في مَعْرِفَةِ ذاتِ الصّانِعِ وصِفاتِهِ، وما يَجِبُ ويَجُوزُ ويَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ.
ورابِعُها: أنَّ عِبادَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ،
صفحة ٤٩
وهُوَ يُبْطِلُ قَوْلَ نُفاةِ التَّكْلِيفِ، ويُبْطِلُ القَوْلَ بِالجَبْرِ المَحْضِ.
وخامِسُها: قَوْلُهُ: ﴿ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ والأضْدادِ بِالكُلِّيَّةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ إبْطالُ قَوْلِ كُلِّ مَن أثْبَتَ مَعْبُودًا سِوى اللَّهِ تَعالى سَواءٌ قالَ: إنَّ ذَلِكَ المَعْبُودَ هو الشَّمْسُ أوِ القَمَرُ أوِ الكَواكِبُ أوِ الأصْنامُ والأوْثانُ والأرْواحُ العُلْوِيَّةُ، أوْ يَزْدانُ وأهْرِمَنُ عَلى ما يَقُولُهُ المَجُوسُ، أوِ النُّورُ والظُّلْمَةُ عَلى ما يَقُولُهُ الثَّنَوِيَّةُ.
وسادِسُها: قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ أدْعُو﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ كَما وجَبَ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِهَذِهِ العِباداتِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّعْوَةُ إلى عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، وهو إشارَةٌ إلى نُبُوَّتِهِ.
وسابِعُها: قَوْلُهُ: ﴿وإلَيْهِ مَآبِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى الحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ، فَإذا تَأمَّلَ الإنْسانُ في هَذِهِ الألْفاظِ القَلِيلَةِ ووَقَفَ عَلَيْها عَرَفَ أنَّها مُحْتَوِيَةٌ عَلى جَمِيعِ المَطالِبِ المُعْتَبَرَةِ في الدِّينِ.
13:37Page 254
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧
And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ .
وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَبَّهَ إنْزالَهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا بِما أنْزَلَ إلى مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأنْبِياءِ، أيْ كَما أنْزَلْنا الكُتُبَ عَلى الأنْبِياءِ بِلِسانِهِمْ، كَذَلِكَ أنْزَلْتُ عَلَيْكَ القُرْآنَ، والكِنايَةُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلْناهُ﴾ تَعُودُ إلى ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: حِكْمَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَرْجَمَةٌ بِلِسانِ العَرَبِ.
الثّانِي: القُرْآنُ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ أقْسامِ التَّكالِيفِ، فالحكم لا يُمْكِنُ إلّا بِالقُرْآنِ، فَلَمّا كانَ القُرْآنُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ جُعِلَ نَفْسَ الحكم عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى حَكَمَ عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ بِقَبُولِ القُرْآنِ والعَمَلِ بِهِ، فَلَمّا حَكَمَ عَلى الخَلْقِ بِوُجُوبِ قَبُولِهِ جَعَلَهُ حُكْمًا.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، والمَعْنى: أنْزَلْناهُ حالَ كَوْنِهِ حُكْمًا عَرَبِيًّا.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى حُدُوثِ القُرْآنِ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَهُ بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا، وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُحْدَثِ.
الثّانِي: أنَّهُ وصَفَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، والعَرَبِيُّ هو الَّذِي حَصَلَ بِوَضْعِ العَرَبِ واصْطِلاحِهِمْ، وما كانَ كَذَلِكَ كانَ مُحْدَثًا.
الثّالِثُ: أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ إنَّما كانَ حُكْمًا عَرَبِيًّا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ كَذَلِكَ ووَصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وكُلُّ ما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.
والجَوابُ: أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ مُحْدَثٌ، ولا نِزاعَ فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الرّابِعَةُ: رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَدْعُونَهُ إلى مِلَّةِ آبائِهِ فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مُتابَعَتِهِمْ في تِلْكَ المَذاهِبِ مِثْلَ أنْ يُصَلِّيَ إلى قِبْلَتِهِمْ بَعْدَ أنْ حَوَّلَهُ اللَّهُ عَنْها.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الخِطابُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ، وقِيلَ: بَلِ الغَرَضُ مِنهُ حَثُّ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى القِيامِ بِحَقِّ الرِّسالَةِ وتَحْذِيرُهُ مِن خِلافِها، ويَتَضَمَّنُ
صفحة ٥٠
ذَلِكَ أيْضًا تَحْذِيرَ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ؛ لِأنَّ مَن هو أرْفَعُ مَنزِلَةً إذا حُذِّرَ هَذا التَّحْذِيرَ فَهم أحَقُّ بِذَلِكَ وأوْلى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences