Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:10–12
14:10Page 256
۞ قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٠
Their messengers said, "Can there be doubt about Allāh, Creator of the heavens and earth? He invites you that He may forgive you of your sins, and He delays you [i.e., your death] for a specified term." They said, "You are not but men like us who wish to avert us from what our fathers were worshipping. So bring us a clear authority [i.e., evidence]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَتْ رُسُلُهم أفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكم ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لَمّا قالُوا لِلرُّسُلِ: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ . قالَتْ رُسُلُهم: وهَلْ تَشُكُّونَ في اللَّهِ، وفي كَوْنِهِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ وفاطِرًا لِأنْفُسِنا وأرْواحِنا وأرْزاقِنا وجَمِيعِ مَصالِحِنا ؟ وإنّا لا نَدْعُوكم إلّا إلى عِبادَةِ هَذا الإلَهِ المُنْعِمِ، ولا نَمْنَعُكم إلّا عَنْ عِبادَةِ غَيْرِهِ. وهَذِهِ المَعانِي يَشْهَدُ صَرِيحُ العَقْلِ بِصِحَّتِها، فَكَيْفَ قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونَنا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ؟ وهَذا النَّظْمُ في غايَةِ الحُسْنِ. وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، فَلَمّا ذَكَرَ هَذا المَعْنى أرْدَفَهُ بِالدَّلالَةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وقَدْ ذَكَرْنا في هَذا الكِتابِ أنَّ وُجُودَ السَّماواتِ والأرْضِ كَيْفَ يَدُلُّ عَلى احْتِياجِهِ إلى الصّانِعِ المُخْتارِ الحَكِيمِ مِرارًا وأطْوارًا فَلا نُعِيدُها هَهُنا.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: أُدْخِلَتْ هَمْزَةُ الإنْكارِ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ الكَلامَ لَيْسَ في الشَّكِّ إنَّما هو في أنَّ وُجُودَ اللَّهِ تَعالى لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ، وأقُولُ: مِنَ النّاسِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ قَبْلَ الوُقُوفِ عَلى الدَّلائِلِ الدَّقِيقَةِ فالفِطْرَةُ شاهِدَةٌ بِوُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الأوَّلِيَّةَ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ وُجُوهٌ:
الوجه الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ العُقَلاءِ: إنَّ مَن لَطَمَ عَلى وجْهِ صَبِيٍّ لَطْمَةً فَتِلْكَ اللَّطْمَةُ تَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الصّانِعِ وعَلى حُصُولِ التَّكْلِيفِ وعَلى وُجُوبِ دارِ الجَزاءِ وعَلى وُجُوبِ النَّبِيِّ، أمّا دَلالَتُها عَلى وُجُودِ
صفحة ٧٣
الصّانِعِ المُخْتارِ، فَلِأنَّ الصَّبِيَّ العاقِلَ إذا وقَعَتِ اللَّطْمَةُ عَلى وجْهِهِ يَصِيحُ ويَقُولُ: مَنِ الَّذِي ضَرَبَنِي ؟ وما ذاكَ إلّا أنَّ شَهادَةَ فِطْرَتِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّطْمَةَ لَمّا حَدَثَتْ بَعْدَ عَدَمِها وجَبَ أنْ يَكُونَ حُدُوثُها لِأجْلِ فاعِلٍ فَعَلَها، ولِأجْلِ مُخْتارٍ أدْخَلَها في الوُجُودِ فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِافْتِقارِ ذَلِكَ الحادِثِ مَعَ قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ إلى الفاعِلِ فَبِأنْ تَشْهَدَ بِافْتِقارِ جَمِيعِ حَوادِثِ العالَمِ إلى الفاعِلِ كانَ أوْلى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ التَّكْلِيفِ، فَلِأنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ يُنادِي ويَصِيحُ ويَقُولُ: لِمَ ضَرَبَنِي ذَلِكَ الضّارِبُ ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ فِطْرَتَهُ شَهِدَتْ بِأنَّ الأفْعالَ الإنْسانِيَّةَ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ والنَّهْيِ ومُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ التَّكْلِيفِ، وأنَّ الإنْسانَ ما خُلِقَ حَتّى يَفْعَلَ أيَّ فِعْلٍ شاءَ واشْتَهى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ حُصُولِ دارِ الجَزاءِ فَهو أنَّ ذَلِكَ الصَّبِيَّ يَطْلُبُ الجَزاءَ عَلى تِلْكَ اللَّطْمَةِ وما دامَ يُمْكِنُهُ طَلَبُ ذَلِكَ الجَزاءِ فَإنَّهُ لا يَتْرُكُهُ، فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِوُجُوبِ الجَزاءِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ القَلِيلِ فَبِأنْ تَشْهَدَ عَلى وُجُوبِ الجَزاءِ عَلى جَمِيعِ الأعْمالِ كانَ أوْلى، وأمّا دَلالَتُها عَلى وُجُوبِ النُّبُوَّةِ فَلِأنَّهم يَحْتاجُونَ إلى إنْسانٍ يُبَيِّنُ لَهم أنَّ العُقُوبَةَ الواجِبَةَ عَلى ذَلِكَ القَدْرِ مِنَ الجِنايَةِ كَمْ هي ؟ ولا مَعْنى لِلنَّبِيِّ إلّا الإنْسانُ الَّذِي يُقَدِّرُ هَذِهِ الأُمُورَ ويُبَيِّنُ لَهم هَذِهِ الأحْكامَ، فَثَبَتَ أنَّ فِطْرَةَ العَقْلِ حاكِمَةٌ بِأنَّ الإنْسانَ لا بُدَّ لَهُ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ.
الوجه الثّانِي: في التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الصّانِعِ بَدِيهِيٌّ هو أنَّ الفِطْرَةَ شاهِدٌ بِأنَّ حُدُوثَ دارٍ مَنقُوشَةٍ بِالنُّقُوشِ العَجِيبَةِ، مَبْنِيَّةٍ عَلى التَّرْكِيباتِ اللَّطِيفَةِ المُوافِقَةِ لِلْحُكْمِ والمَصْلَحَةِ يَسْتَحِيلُ إلّا عِنْدَ وُجُودِ نَقّاشٍ عالِمٍ، وبانٍ حَكِيمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ آثارَ الحِكْمَةِ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ أكْثَرُ مِن آثارِ الحِكْمَةِ في تِلْكَ الدّارِ المُخْتَصَرَةِ، فَلَمّا شَهِدَتِ الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ بِافْتِقارِ النَّقْشِ إلى النَّقّاشِ، والبِناءِ إلى البانِي، فَبِأنْ تَشْهَدَ بِافْتِقارِ كُلِّ هَذا العالَمِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ الحَكِيمِ كانَ أوْلى.
الوجه الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا وقَعَ في مِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ وبَلِيَّةٍ قَوِيَّةٍ لا يَبْقى في ظَنِّهِ رَجاءُ المُعاوَنَةِ مَن أحَدٍ، فَكَأنَّهُ بِأصْلِ خِلْقَتِهِ ومُقْتَضى جِبِلَّتِهِ يَتَضَرَّعُ إلى مَن يُخَلِّصُهُ مِنها ويُخْرِجُهُ عَنْ عَلائِقِها وحَبائِلِها، وما ذاكَ إلّا شَهادَةُ الفِطْرَةِ بِالِافْتِقارِ إلى الصّانِعِ المُدَبِّرِ.
الوجه الرّابِعُ: أنَّ المَوْجُودَ إمّا أنْ يَكُونَ غَنِيًّا عَنِ المُؤَثِّرِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ غَنِيًّا عَنِ المُؤَثِّرِ فَهو المَوْجُودُ الواجِبُ لِذاتِهِ، فَإنَّهُ لا مَعْنى لِلْواجِبِ لِذاتِهِ إلّا المَوْجُودُ الَّذِي لا حاجَةَ بِهِ إلى غَيْرِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا عَنِ المُؤَثِّرِ فَهو مُحْتاجٌ، والمُحْتاجُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ المُحْتاجِ إلَيْهِ وذَلِكَ هو الصّانِعُ المُخْتارُ.
الوجه الخامِسُ: أنَّ الِاعْتِرافَ بِوُجُودِ الإلَهِ المُخْتارِ المُكَلِّفِ، وبِوُجُودِ المَعادِ أحْوَطُ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ فَهَذِهِ مَراتِبُ أرْبَعَةٌ:
أوَّلُها: أنَّ الإقْرارَ بِوُجُودِ الإلَهِ أحْوَطُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَلا ضَرَرَ في الإقْرارِ بِوُجُودِهِ وإنْ كانَ مَوْجُودًا فَفي إنْكارِهِ أعْظَمُ المَضارِّ.
وثانِيها: الإقْرارُ بِكَوْنِهِ فاعِلًا مُخْتارًا لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُوجَبًا فَلا ضَرَرَ في الإقْرارِ بِكَوْنِهِ مُخْتارًا. أمّا لَوْ كانَ مُخْتارًا فَفي إنْكارِ كَوْنِهِ مُخْتارًا أعْظَمُ المَضارِّ.
وثالِثُها: الإقْرارُ بِأنَّهُ كَلَّفَ عِبادَهُ، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا مِن عَبِيدِهِ شَيْئًا فَلا ضَرَرَ في اعْتِقادِ أنَّهُ كَلَّفَ العِبادَ، أما إنَّهُ لَوْ كَلَّفَ فَفي إنْكارِ تِلْكَ التَّكالِيفِ أعْظَمُ المَضارِّ.
ورابِعُها: الإقْرارُ بِوُجُودِ المَعادِ فَإنَّهُ إنْ كانَ الحَقُّ أنَّهُ لا مَعادَ فَلا ضَرَرَ في الإقْرارِ بِوُجُودِهِ، لِأنَّهُ لا يَفُوتُ إلّا هَذِهِ اللَّذّاتُ الجُسْمانِيَّةُ وهي حَقِيرَةٌ ومَنقُوصَةٌ وإنْ كانَ الحَقُّ هو وُجُوبَ المَعادِ فَفي إنْكارِهِ أعْظَمُ المَضارِّ. فَظَهَرَ أنَّ الإقْرارَ بِهَذِهِ المَقاماتِ أحْوَطُ فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ بَدِيهَةَ العَقْلِ حاكِمَةٌ بِأنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ النَّفْسِ بِقَدْرِ الإمْكانِ.
صفحة ٧٤
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ عَلى وُجُودِ الإلَهِ بِدَلِيلِ كَوْنِهِ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ وصَفَهُ بِكَمالِ الرَّحْمَةِ والكَرَمِ والجُودِ وبَيَّنَ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَوْ قالَ قائِلٌ: ما مَعْنى التَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ؟ ثُمَّ أجابَ فَقالَ: ما جاءَ هَكَذا إلّا في خِطابِ الكافِرِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ ﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٣] . ﴿ياقَوْمَنا أجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١] وقالَ في خِطابِ المُؤْمِنِينَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] إلى أنْ قالَ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: ١٢] والِاسْتِقْراءُ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ، ثم قال: وكَأنَّ ذَلِكَ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الخِطابَيْنِ، ولِئَلّا يُسَوّى بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في المَعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ أنَّهُ يَغْفِرُ لَهم ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى بِخِلافِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِبادِ مِنَ المَظالِمِ. هَذا كَلامُ هَذا الرَّجُلِ.
وقالَ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ [ مِن ] زائِدَةٌ، وأنْكَرَ سِيبَوَيْهِ زِيادَتَها في الواجِبِ، وإذا قُلْنا: إنَّها لَيْسَتْ زائِدَةً فَهَهُنا وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ ذُكِرَ البَعْضُ هَهُنا وأُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ تَوَسُّعًا.
والثّانِي: أنَّ ”مِن“ هَهُنا لِلْبَدَلِ والمَعْنى لِتَكُونَ المَغْفِرَةُ بَدَلًا مِنَ الذُّنُوبِ فَدَخَلَتْ ”مِن“ لِتَضَمُّنِ المَغْفِرَةِ مَعْنى البَدَلِ مِنَ السَّيِّئَةِ، وقالَ القاضِي: ذَكَرَ الأصَمُّ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ هَهُنا تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى أنَّكم إذا تُبْتُمْ فَإنَّهُ يَغْفِرُ لَكُمُ الذُّنُوبَ الَّتِي هي مِنَ الكَبائِرِ، فَأمّا الَّتِي تَكُونُ مِن بابِ الصَّغائِرِ فَلا حاجَةَ إلى غُفْرانِها لِأنَّها في أنْفُسِها مَغْفُورَةٌ، قالَ القاضِي: وقَدْ أبْعَدَ في هَذا التَّأْوِيلِ؛ لِأنَّ الكُفّارَ صَغائِرُهم كَكَبائِرِهِمْ في أنَّها لا تُغْفَرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ وإنَّما تَكُونُ الصَّغِيرَةُ مَغْفُورَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ المُوَحِّدِينَ مِن حَيْثُ يَزِيدُ ثَوابُهم عَلى عِقابِها، فَأمّا مَن لا ثَوابَ لَهُ أصْلًا فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذُنُوبِهِ صَغِيرًا ولا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها مَغْفُورًا. ثم قال: وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الكافِرَ قَدْ يَنْسى بَعْضَ ذُنُوبِهِ في حالِ تَوْبَتِهِ وإنابَتِهِ فَلا يَكُونُ المَغْفُورُ مِنها إلّا ما ذَكَرَهُ وتابَ مِنهُ، فَهَذا جُمْلَةُ أقْوالِ النّاسِ في هَذِهِ الكَلِمَةِ.
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: أقُولُ هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ في حَقِّ أهْلِ الإيمانِ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ: ﴿يَدْعُوكم لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ وعَدَ بِغُفْرانِ بَعْضِ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ اشْتِراطِ التَّوْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَغْفِرَ بَعْضَ الذُّنُوبِ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ وذَلِكَ البَعْضُ لَيْسَ هو الكُفْرَ لِانْعِقادِ الإجْماعِ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُ الكُفْرَ إلّا بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ والدُّخُولِ في الإيمانِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ البَعْضُ الَّذِي يَغْفِرُ لَهُ مِن غَيْرِ التَّوْبَةِ هو ما عَدا الكُفْرَ مِنَ الذُّنُوبِ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ كَلِمَةُ ”مِن“ صِلَةٌ عَلى ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنَ البَعْضِ هَهُنا هو الكُلُّ عَلى ما قالَهُ الواحِدِيُّ، أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنها إبْدالُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ عَلى ما قالَهُ الواحِدِيُّ أيْضًا أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنهُ تَمْيِيزُ المُؤْمِنِ عَنِ الكافِرِ في الخِطابِ عَلى ما قالَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنهُ تَخْصِيصُ هَذا الغُفْرانِ بِالكَبائِرِ عَلى ما قالَهُ الأصَمُّ. أوْ نَقُولَ: المُرادُ مِنهُ الذُّنُوبُ الَّتِي يَذْكُرُها الكافِرُ عِنْدَ الدُّخُولِ في الإيمانِ عَلى ما قالَهُ القاضِي ؟ فَنَقُولُ: هَذِهِ الوُجُوهُ بِأسْرِها ضَعِيفَةٌ: أما قوله: إنَّها صِلَةٌ فَمَعْناهُ الحكم عَلى كَلِمَةٍ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِأنَّها حَشْوٌ ضائِعٌ فاسِدٌ، والعاقِلُ لا يُجَوِّزُ المَصِيرَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَأمّا قَوْلُ الواحِدِيِّ: المُرادُ مِن كَلِمَةِ ”مِن“ هَهُنا هو الكُلُّ فَهو عَيْنُ ما قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ لِأنَّ حاصِلَهُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ هو أنَّهُ يَغْفِرُ لَكم ذُنُوبَكم وهَذا عَيْنُ ما نَقَلَهُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، وحُكِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ إنْكارُهُ، وأمّا
صفحة ٧٥
قَوْلُهُ: المُرادُ مِنهُ إبْدالُ السَّيِّئَةِ بِالحَسَنَةِ فَلَيْسَ في اللُّغَةِ أنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ تُفِيدُ الإبْدالَ، وأمّا قَوْلُ صاحِبِ ”الكَشّافِ“: المُرادُ تَمْيِيزُ خِطابِ المُؤْمِنِ عَنْ خِطابِ الكافِرِ بِمَزِيدِ التَّشْرِيفِ فَهو مِن بابِ الطّامّاتِ؛ لِأنَّ هَذا التَّبْعِيضَ إنْ حَصَلَ فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الجَوابِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ كانَ هَذا الجَوابُ فاسِدًا، وأمّا قَوْلُ الأصَمِّ فَقَدْ سَبَقَ إبْطالُهُ، وأمّا قَوْلُ القاضِي فَجَوابُهُ: أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ صارَتْ ذُنُوبُهُ بِأسْرِها مَغْفُورَةً لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» “ فَثَبَتَ أنَّ جَمِيعَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ تَعَسُّفٌ ساقِطٌ بَلِ المُرادُ ما ذَكَرْنا أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ بَعْضَ ذُنُوبِهِ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ وهو ما عَدا الكُفْرَ، وأمّا الكُفْرُ فَهو أيْضًا مِنَ الذُّنُوبِ وأنَّهُ تَعالى لا يَغْفِرُهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ كَبائِرَ كافِرٍ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ بِشَرْطِ أنْ يَأْتِيَ بِالإيمانِ فَبِأنْ تَحْصُلَ هَذِهِ الحالَةُ لِلْمُؤْمِنِ كانَ أوْلى، هَذا ما خَطَرَ بِالبالِ عَلى سَبِيلِ الِارْتِجالِ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
النوع الثّانِي: مِمّا وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: المَعْنى أنَّكم إنْ آمَنتُمْ أخَّرَ اللَّهُ مَوْتَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى وإلّا عاجَلَكم بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ.
الثّانِي: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَعْنى يُمَتِّعَكم في الدُّنْيا بِالطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ إلى المَوْتِ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] فَكَيْفَ قالَ هَهُنا: ﴿ويُؤَخِّرَكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ ؟
قُلْنا: قَدْ تَكَلَّمْنا في هَذِهِ المسألة في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلًا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ الرُّسُلَ لَمّا ذَكَرُوا هَذِهِ الأشْياءَ لِأُولَئِكَ الكُفّارِ قالُوا: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مُشْتَمِلٌ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الشُّبَهِ:
فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّ الأشْخاصَ الإنْسانِيَّةَ مُتَساوِيَةٌ في تَمامِ الماهِيَّةِ، فَيَمْتَنِعُ أنْ يَبْلُغَ التَّفاوُتُ بَيْنَ تِلْكَ الأشْخاصِ إلى هَذا الحَدِّ، وهو أنْ يَكُونَ الواحِدُ مِنهم رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مُطَّلِعًا عَلى الغَيْبِ مُخالِطًا لِزُمْرَةِ المَلائِكَةِ والباقُونَ يَكُونُونَ غافِلِينَ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، أيْضًا كانُوا يَقُولُونَ: إنْ كُنْتَ قَدْ فارَقْتَنا في هَذِهِ الأحْوالِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ الشَّرِيفَةِ وجَبَ أنْ تُفارِقَنا في الأحْوالِ الخَسِيسَةِ، وفي الحاجَةِ إلى الأكْلِ والشُّرْبِ والحَدَثِ والوِقاعِ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ .
والشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِطَرِيقَةِ التَّقْلِيدِ، وهي أنَّهم وجَدُوا آباءَهم وعُلَماءَهم وكُبَراءَهم مُطْبِقِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى عِبادَةِ الأوْثانِ. قالُوا: ويَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ أُولَئِكَ القُدَماءَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّةِ خَواطِرِهِمْ لَمْ يَعْرِفُوا بُطْلانَ هَذا الدِّينِ، وأنَّ الرَّجُلَ الواحِدَ عَرَفَ فَسادَهُ ووَقَفَ عَلى بُطْلانِهِ، والعَوامُّ رُبَّما زادُوا في هَذا البابِ كَلامًا آخَرَ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ العالِمَ إذا بَيَّنَ ضَعْفَ كَلامِ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ قالُوا لَهُ: إنَّ كَلامَكَ إنَّما يَظْهَرُ صِحَّتُهُ لَوْ كانَ المُتَقَدِّمُونَ حاضِرِينَ، أمّا المُناظَرَةُ مَعَ المَيِّتِ فَسَهْلَةٌ، فَهَذا كَلامٌ يَذْكُرُهُ الحَمْقى والرَّعاعُ وأُولَئِكَ الكُفّارُ أيْضًا ذَكَرُوهُ، وهَذِهِ الشُّبْهَةُ هي المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ .
والشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: أنْ قالُوا المُعْجِزُ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ أصْلًا، وإنْ كانُوا سَلَّمُوا عَلى أنَّ المُعْجِزَ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، إلّا أنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ طَعَنُوا فِيهِ وزَعَمُوا أنَّها أُمُورٌ مُعْتادَةٌ، وأنَّها لَيْسَتْ مِن بابِ
صفحة ٧٦
المُعْجِزاتِ الخارِجَةِ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ، وإلى هَذا النوع مِنَ الشُّبْهَةِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ الوُسْعِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
14:11–12Page 257
قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١١
Their messengers said to them, "We are only men like you, but Allāh confers favor upon whom He wills of His servants. It has never been for us to bring you evidence except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ١٢
And why should we not rely upon Allāh while He has guided us to our [good] ways. And we will surely be patient against whatever harm you should cause us. And upon Allāh let those who would rely [indeed] rely."
قالَ تَعالى: ﴿قالَتْ لَهم رُسُلُهم إنْ نَحْنُ إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ شُبُهاتِهِمْ في الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ، حَكى عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جَوابَهم عَنْها.
أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: وهي قَوْلُهم: ﴿إنْ أنْتُمْ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ فَجَوابُهُ: أنَّ الأنْبِياءَ سَلَّمُوا أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهم بَيَّنُوا أنَّ التَّماثُلَ في البَشَرِيَّةِ والإنْسانِيَّةِ لا يَمْنَعُ مِنَ اخْتِصاصِ بَعْضِ البَشَرِ بِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ لِأنَّ هَذا المَنصِبَ مَنصِبٌ يَمُنُّ اللَّهُ بِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ سَقَطَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا المَقامَ فِيهِ بَحْثٌ شَرِيفٌ دَقِيقٌ، وهو أنَّ جَماعَةً مِن حُكَماءِ الإسْلامِ قالُوا: إنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ وبَدَنِهِ مَخْصُوصًا بِخَواصَّ شَرِيفَةٍ عُلْوِيَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ عَقْلًا حُصُولُ صِفَةِ النُّبُوَّةِ لَهُ. وأمّا الظّاهِرِيُّونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ فَقَدْ زَعَمُوا أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى يَهَبُها لِكُلِّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ حُصُولُها عَلى امْتِيازِ ذَلِكَ الإنْسانِ عَنْ سائِرِ النّاسِ بِمَزِيدِ إشْراقٍ نَفْسانِيٍّ وقُوَّةٍ قُدُسِيَّةٍ، وهَؤُلاءِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ حُصُولَ النُّبُوَّةِ لَيْسَ إلّا بِمَحْضِ المِنَّةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والعَطِيَّةِ مِنهُ، والكَلامُ مِن هَذا البابِ غامِضٌ غائِصٌ دَقِيقٌ، والأوَّلُونَ أجابُوا عَنْهُ بِأنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا فَضائِلَهُمُ النَّفْسانِيَّةَ والجَسَدانِيَّةَ تَواضُعًا مِنهم، واقْتَصَرُوا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [إبراهيم: ١١] بِالنُّبُوَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّهُ تَعالى لا يَخُصُّهم بِتِلْكَ الكَراماتِ إلّا وهم مَوْصُوفُونَ بِالفَضائِلِ الَّتِي لِأجْلِها اسْتَوْجَبُوا ذَلِكَ التَّخْصِيصَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] .
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: وهي قَوْلُهم: إطْباقُ السَّلَفِ عَلى ذَلِكَ الدِّينِ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَظْهَرَ لِلرَّجُلِ الواحِدِ ما لَمْ يَظْهَرْ لِلْخَلْقِ العَظِيمِ، فَجَوابُهُ: عَيْنُ الجَوابِ المَذْكُورِ عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى؛ لِأنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والصِّدْقِ والكَذِبِ عَطِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وفَضْلٌ مِنهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَخُصَّ بَعْضَ عَبِيدِهِ بِهَذِهِ العَطِيَّةِ وأنْ يَحْرِمَ الجَمْعَ العَظِيمَ مِنها.
وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: وهي قَوْلُهم: إنّا لا نَرْضى بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أتَيْتُمْ بِها، وإنَّما نُرِيدُ مُعْجِزاتٍ قاهِرَةً قَوِيَّةً.
صفحة ٧٧
فالجَوابُ عَنْها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وشَرْحُ هَذا الجَوابِ: أنَّ المُعْجِزَةَ الَّتِي جِئْنا بِها وتَمَسَّكْنا بِها حُجَّةٌ قاطِعَةٌ وبَيِّنَةٌ قاهِرَةٌ ودَلِيلٌ تامٌّ، فَأمّا الأشْياءُ الَّتِي طَلَبْتُمُوها فَهي أُمُورٌ زائِدَةٌ والحكم فِيها لِلَّهِ تَعالى فَإنْ خَلَقَها وأظْهَرَها فَلَهُ الفَضْلُ، وإنْ لَمْ يَخْلُقْها فَلَهُ العَدْلُ ولا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بَعْدَ ظُهُورِ قَدْرِ الكِفايَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهم قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الأنْبِياءَ لَمّا أجابُوا عَنْ شُبُهاتِهِمْ بِذَلِكَ الجَوابِ فالقَوْمُ أخَذُوا في السَّفاهَةِ والتَّخْوِيفِ والوَعِيدِ، وعِنْدَ هَذا قالَتِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: لا نَخافُ مِن تَخْوِيفِكم ولا نَلْتَفِتُ إلى تَهْدِيدِكم فَإنَّ تَوَكُّلَنا عَلى اللَّهِ واعْتِمادَنا عَلى فَضْلِ اللَّهِ، ولَعَلَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كانَ قَدْ أوْحى إلَيْهِمْ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لا يَقْدِرُونَ عَلى إيصالِ الشَّرِّ والآفَةِ إلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصَلَ هَذا الوَحْيُ فَلا يَبْعُدُ مِنهم أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى سَفاهَتِهِمْ لَمّا أنْ أرْواحُهم كانَتْ مُشْرِقَةً بِالمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ مُشْرِقَةً بِأضْواءِ عالَمِ الغَيْبِ، والرُّوحُ مَتّى كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفاتِ فَقَلَّما يُبالِي بِالأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ وقَلَّما يُقِيمُ لَها وزْنًا في حالَتَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ وطَوْرَيِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ وعَوَّلُوا عَلى فَضْلِ اللَّهِ وقَطَعُوا أطْماعَهم عَمّا سِوى اللَّهِ.
والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ وقَدْ هَدانا سُبُلَنا ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى لَمّا خَصَّنا بِهَذِهِ الدَّرَجاتِ الرُّوحانِيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ الرَّبّانِيَّةِ فَكَيْفَ يَلِيقُ بِنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ ؟ بَلِ اللّائِقُ بِنا أنْ لا نَتَوَكَّلَ إلّا عَلَيْهِ ولا نُعَوِّلَ في تَحْصِيلِ المُهِمّاتِ إلّا عَلَيْهِ، فَإنَّ مَن فازَ بِشَرَفِ العُبُودِيَّةِ ووَصَلَ إلى مَكانِ الإخْلاصِ والمُكاشَفَةِ يَقْبُحُ بِهِ أنْ يَرْجِعَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلى غَيْرِ الحَقِّ سَواءً كانَ مَلِكًا لَهُ أوْ مَلَكًا أوْ رُوحًا أوْ جِسْمًا، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَعْصِمُ أوْلِياءَهُ المُخْلِصِينَ في عُبُودِيَّتِهِ مِن كَيْدِ أعْدائِهِمْ ومَكْرِهِمْ.
ثم قال وا: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا﴾ فَإنَّ الصَّبْرَ مِفْتاحُ الفَرَجِ، ومَطْلَعُ الخَيْراتِ، والحَقُّ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ غالِبًا قاهِرًا، والباطِلُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا، ثُمَّ أعادُوا قَوْلَهم: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهم أمَرُوا أنْفُسَهم بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ ثُمَّ لَمّا فَرَغُوا مِن أنْفُسِهِمْ أمَرُوا أتْباعَهم بِذَلِكَ وقالُوا: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآمِرَ بِالخَيْرِ لا يُؤَثِّرُ قَوْلُهُ إلّا إذا أتى بِذَلِكَ الخَيْرِ أوَّلًا، ورَأيْتُ في كَلامِ الشَّيْخِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَصْلًا حَسَنًا وحاصِلُهُ: أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا أوْ كامِلًا أوْ خالِيًا عَنِ الوَصْفَيْنِ. أمّا النّاقِصُ فَإمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا في ذاتِهِ ولَكِنَّهُ لا يَسْعى في تَنْقِيصِ حالِ غَيْرِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ ناقِصًا ويَكُونَ مَعَ ذَلِكَ ساعِيًا في تَنْقِيصِ حالِ الغَيْرِ، فالأوَّلُ هو الضّالُّ، والثّانِي هو الضّالُّ المُضِلُّ، وأمّا الكامِلُ فَإمّا أنْ يَكُونَ كامِلًا ولا يَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ وهُمُ الأوْلِياءُ، وإمّا أنْ يَكُونَ كامِلًا ويَقْدِرُ عَلى تَكْمِيلِ النّاقِصِينَ وهُمُ الأنْبِياءُ ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» “ .
ولَمّا كانَتْ مَراتِبُ النُّقْصانِ والكَمالِ ومَراتِبُ الإكْمالِ والإضْلالِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، لا جَرَمَ كانَتْ مَراتِبُ الوِلايَةِ والحَياةِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ بِحَسَبِ الكَمالِ والنُّقْصانِ، فالوَلِيُّ هو الإنْسانُ الكامِلُ الَّذِي لا يَقْوى عَلى التَّكْمِيلِ، والنَّبِيُّ هو الإنْسانُ الكامِلُ المُكَمِّلُ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ قُوَّتُهُ الرُّوحانِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ وافِيَةً بِتَكْمِيلِ إنْسانَيْنِ ناقِصَيْنِ وقَدْ تَكُونُ أقْوى مِن ذَلِكَ فَيَفِي بِتَكْمِيلِ عَشَرَةٍ ومِائَةٍ، وقَدْ تَكُونُ تِلْكَ القُوَّةُ قاهِرَةً قَوِيَّةً تُؤَثِّرُ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ في العالَمِ فَيَقْلِبُ أرْواحَ أكْثَرِ أهْلِ العالَمِ مِن مَقامِ الجَهْلِ إلى مَقامِ المَعْرِفَةِ ومِن طَلَبِ الدُّنْيا إلى طَلَبِ الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِثْلُ رُوحِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ وقْتَ ظُهُورِهِ كانَ العالَمُ مَمْلُوءًا مِنَ اليَهُودِ وأكْثَرُهم كانُوا مُشَبِّهَةً، ومِنَ النَّصارى وهم حُلُولِيَّةٌ، ومِنَ المَجُوسِ وقُبْحُ مَذاهِبِهِمْ
صفحة ٧٨
ظاهِرٌ، ومِن عَبْدَةِ الأوْثانِ وسُخْفُ دِينِهِمْ أظْهَرُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى بَيانٍ، فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ سَرَتْ قُوَّةُ رُوحِهِ في الأرْواحِ فَقَلَبَ أكْثَرَ أهْلِ العالَمِ مِنَ الشِّرْكِ إلى التَّوْحِيدِ، ومِنَ التَّجْسِيمِ إلى التَّنْزِيهِ، ومِنَ الِاسْتِغْراقِ في طَلَبِ الدُّنْيا إلى التَّوَجُّهِ إلى عالَمِ الآخِرَةِ، فَمِن هَذا المَقامِ يَنْكَشِفُ لِلْإنْسانِ مَقامُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا ألّا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما كانَتْ حاصِلَةً لَهم مِن كَمالاتِ نُفُوسِهِمْ، وقَوْلُهم في آخِرِ الأمْرِ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ إشارَةٌ إلى تَأْثِيرِ أرْواحِهِمُ الكامِلَةِ في تَكْمِيلِ الأرْواحِ النّاقِصَةِ، فَهَذِهِ أسْرارٌ عالِيَةٌ مَخْزُونَةٌ في ألْفاظِ القُرْآنِ، فَمَن نَظَرَ في عِلْمِ القُرْآنِ وكانَ غافِلًا عَنْها كانَ مَحْرُومًا مِن أسْرارِ عُلُومِ القُرْآنِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ أنَّ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ سائِرَ المُعْجِزاتِ وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَوَكَّلُوا في حُصُولِها عَلى اللَّهِ تَعالى لا عَلَيْها، فَإنْ شاءَ أظْهَرَها وإنْ شاءَ لَمْ يُظْهِرْها.
وأما قوله في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ولَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ المُرادُ مِنهُ الأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ في دَفْعِ شَرِّ النّاسِ الكُفّارِ وسَفاهَتِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرارُ غَيْرُ حاصِلٍ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ وارِدٌ في مَوْضِعَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ بِحَسَبِ مَقْصُودَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وقِيلَ أيْضًا:
الأوَّلُ: ذُكِرَ لِاسْتِحْداثِ التَّوَكُّلِ.
والثّانِي: لِلسَّعْيِ في إبْقائِهِ وإدامَتِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences