Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:21–22
14:21Page 258
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١
And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ .
صفحة ٨٥
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أصْنافَ عَذابِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ أنَّ أعْمالَهم تَصِيرُ مُحْبَطَةً باطِلَةً، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ خَجالَتِهِمْ عِنْدَ تَمَسُّكِ أتْباعِهِمْ وكَيْفِيَّةَ افْتِضاحِهِمْ عِنْدَهم. وهَذا إشارَةٌ إلى العَذابِ الرُّوحانِيِّ الحاصِلِ بِسَبَبِ الفَضِيحَةِ والخَجالَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: بَرَزَ: مَعْناهُ في اللُّغَةِ ظَهَرَ بَعْدَ الخَفاءِ. ومِنهُ يُقالُ لِلْمَكانِ الواسِعِ: البَرازُ لِظُهُورِهِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧] أيْ ظاهِرَةً لا يَسْتُرُها شَيْءٌ، وامْرَأةٌ بَرْزَةٌ إذا كانَتْ تَظْهَرُ لِلنّاسِ. ويُقالُ: بَرَزَ فُلانٌ عَلى أقْرانِهِ إذا فاقَهم وسَبَقَهم، وأصْلُهُ في الخَيْلِ إذا سَبَقَ أحَدُها قِيلَ: بَرَزَ عَلَيْها كَأنَّهُ خَرَجَ مِن غِمارِها فَظَهَرَ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا أبْحاثٌ:
البحث الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا﴾ ورَدَ بِلَفْظِ الماضِي وإنْ كانَ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّ كُلَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَهو صِدْقٌ وحَقٌّ، فَصارَ كَأنَّهُ قَدْ حَصَلَ ودَخَلَ في الوُجُودِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠] .
البحث الثّانِي: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ البُرُوزَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الظُّهُورِ بَعْدَ الِاسْتِتارِ وهَذا في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا يَسْتَتِرُونَ مِنَ العُيُونِ عِنْدَ ارْتِكابِ الفَواحِشِ ويَظُنُّونَ أنَّ ذَلِكَ خافٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ انْكَشَفُوا لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أنْفُسِهِمْ وعَلِمُوا أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
الثّانِي: أنَّهم خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ فَبَرَزُوا لِحِسابِ اللَّهِ وحُكْمِهِ.
الثّالِثُ - وهو تَأْوِيلُ الحُكَماءِ -: أنَّ النَّفْسَ إذا فارَقَتِ الجَسَدَ فَكَأنَّهُ زالَ الغِطاءُ والوِطاءُ وبَقِيَتْ مُتَجَرِّدَةً بِذاتِها عارِيَةً عَنْ كُلِّ ما سِواها وذَلِكَ هو البُرُوزُ لِلَّهِ.
البحث الثّالِثُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: قَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ: ﴿ومِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ﴾ قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ٩، ١٠] وذَلِكَ لِأنَّ البَواطِنَ تَظْهَرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ والأحْوالَ الكامِنَةَ تَنْكَشِفُ فَإنْ كانُوا مِنَ السُّعَداءِ بَرَزُوا لِلْحاكِمِ الحَكِيمِ بِصِفاتِهِمُ القُدُسِيَّةِ، وأحْوالِهِمُ العُلْوِيَّةِ، ووُجُوهِهِمُ المُشْرِقَةِ، وأرْواحِهِمُ الصّافِيَةِ المُسْتَنِيرَةِ فَيَتَجَلّى لَها نُورُ الجَلالِ؛ ويَعْظُمُ فِيها إشْراقُ عالَمِ القُدُسِ، فَما أجَلَّ تِلْكَ الأحْوالَ. وإنْ كانُوا مِنَ الأشْقِياءِ بَرَزُوا لِمَوْقِفِ العَظَمَةِ، ومَنازِلِ الكِبْرِياءِ ذَلِيلِينَ مَهِينِينَ خاضِعِينَ خاشِعِينَ واقِعِينَ في خِزْيِ الخَجالَةِ، ومَذَلَّةِ الفَضِيحَةِ، ومَوْقِفِ المَهانَةِ والفَزَعِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها.
ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى أنَّ الضُّعَفاءَ يَقُولُونَ لِلرُّؤَساءِ: هَلْ تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ عَذابِ اللَّهِ عَنّا ؟ والمَعْنى: أنَّهُ إنَّما اتَّبَعْناكم لِهَذا اليَوْمِ، ثُمَّ إنَّ الرُّؤَساءَ يَعْتَرِفُونَ بِالخِزْيِ والعَجْزِ والذُّلِّ، قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ اعْتِرافَ الرُّؤَساءِ والسّادَةِ والمَتْبُوعِينَ بِمِثْلِ هَذا العَجْزِ والخِزْيِ والنَّكالِ يُوجِبُ الخَجالَةَ العَظِيمَةَ والخِزْيَ الكامِلَ التّامَّ، فَكانَ المَقْصُودُ مَن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ: اسْتِيلاءَ عَذابِ الفَضِيحَةِ والخَجالَةِ والخِزْيِ عَلَيْهِمْ مَعَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن سائِرِ وُجُوهِ أنْواعِ العَذابِ والعِقابِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنها. واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٨٦
المسألة الثّانِيَةُ: كَتَبُوا ”الضُّعَفاؤُ“ بِواوٍ قَبْلَ الهَمْزَةِ في بَعْضِ المَصاحِفِ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ كُتِبَ عَلى لَفْظِ مَن يُفَخِّمُ الألِفَ قَبْلَ الهَمْزَةِ فَيُمِيلُها إلى الواوِ، ونَظِيرُهُ ”عُلَماؤُ بَنِي إسْرائِيلَ“ .
المسألة الثّالِثَةُ: الضُّعَفاءُ الأتْباعُ والعَوامُّ، والَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا هُمُ السّادَةُ والكُبَراءُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ أكابِرُهُمُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ أيْ في الدُّنْيا. قالَ الفَرّاءُ وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: التَّبَعُ تابِعٌ مِثْلُ خادِمٍ وخَدَمٍ وباقِرٍ وبَقَرٍ وحارِسٍ وحَرَسٍ وراصِدٍ ورَصَدٍ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا سُمِّيَ بِهِ، أيْ كُنّا ذَوِي تَبَعٍ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ التَّبَعِيَّةَ يُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: المُرادُ مِنها التَّبَعِيَّةُ في الكُفْرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها التَّبَعِيَّةَ في أحْوالِ الدُّنْيا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ هَلْ يُمْكِنُكم دَفْعُ عَذابِ اللَّهِ عَنّا.
فَإنْ قِيلَ: فَما الفَرْقُ بَيْنَ مِن في قَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ وبَيْنَهُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ .
قُلْنا: كِلاهُما لِلتَّبْعِيضِ بِمَعْنى: هَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا بَعْضَ شَيْءٍ هو عَذابُ اللَّهِ ؟ أيْ بَعْضُ عَذابِ اللَّهِ، وعِنْدَ هَذا حَكى اللَّهُ تَعالى عَنِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أنَّهم قالُوا: ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لَوْ أرْشَدَنا اللَّهُ لَأرْشَدْناكم، قالَ الواحِدِيُّ: مَعْناهُ أنَّهم إنَّما دَعَوْهم إلى الضَّلالِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أضَلَّهم ولَمْ يَهْدِهِمْ فَدَعَوْا أتْباعَهم إلى الضَّلالِ ولَوْ هَداهم لَدَعَوْهم إلى الهُدى. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: لَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ مَعَ أنَّهم كَذَبُوا فِيهِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] .
واعْلَمْ أنَّ المُعْتَزِلَةَ لا يُجَوِّزُونَ صُدُورَ الكَذِبِ عَنْ أهْلِ القِيامَةِ فَكانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ مُخالِفًا لِأُصُولِ مَشايِخِهِ فَلا يُقْبَلُ مِنهُ.
الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَوْ كُنّا مِن أهْلِ اللُّطْفُ فَلَطَفَ بِنا رَبُّنا واهْتَدَيْنا لَهَدَيْناكم إلى الإيمانِ. وذَكَرَ القاضِي هَذا الوجه وزَيْفَهُ بِأنْ قالَ: لا يَجُوزُ حَمْلُ هَذا عَلى اللُّطْفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى لَوْ خَلَّصَنا اللَّهُ مِنَ العِقابِ وهَدانا إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ لَهَدَيْناكم، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الهُدى هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ أنَّ هَذا هو الَّذِي التَمَسُوهُ وطَلَبُوهُ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ هَذا المَعْنى.
ثم قال: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾ أيْ مُسْتَوٍ عَلَيْنا الجَزَعُ والصَّبْرُ، والهَمْزَةُ وأمْ لِلتَّسْوِيَةِ، ونَظِيرُهُ: ﴿فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦] ثم قال وا: ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ مَنجًى ومَهْرَبٍ، والمَحِيصُ قَدْ يَكُونُ مَصْدَرًا كالمَغِيبِ والمَشِيبِ، ومَكانًا كالمَبِيتِ والمَضِيقِ، ويُقالُ: حاصَ عَنْهُ وحاضَ بِمَعْنًى واحِدٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
14:22Page 258
وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢
And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ المُناظَرَةَ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ الرُّؤَساءِ والأتْباعِ مِن كَفَرَةِ الإنْسِ، أرْدَفَها بِالمُناظَرَةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ الشَّيْطانِ وبَيْنَ أتْباعِهِ مِنَ الإنْسِ فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ وُجُوهٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، أخَذَ أهْلُ النّارِ في لَوْمِ إبْلِيسَ وتَقْرِيعِهِ فَيَقُومُ في النّارِ فِيما بَيْنَهم خَطِيبًا ويَقُولُ: ما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ .
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ لَمّا انْقَضَتِ المُحاسَبَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّ آخِرَ أمْرِ أهْلِ القِيامَةِ اسْتِقْرارُ المُطِيعِينَ في الجَنَّةِ واسْتِقْرارُ الكافِرِينَ في النّارِ، ثُمَّ يَدُومُ الأمْرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: وهو أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الفُسّاقَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ ذَلِكَ الوَقْتَ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ تَنْقَطِعُ الأحْوالُ المُعْتَبَرَةُ، ولا يَحْصُلُ بَعْدَهُ إلّا دَوامُ ما حَصَلَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، وأمّا الشَّيْطانُ فالمُرادُ بِهِ إبْلِيسُ؛ لِأنَّ لَفْظَ الشَّيْطانِ لَفْظٌ مُفْرَدٌ فَيَتَناوَلُ الواحِدَ وإبْلِيسُ رَأْسُ الشَّياطِينِ ورَئِيسُهم، فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى، لا سِيَّما وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا جَمَعَ اللَّهُ الخَلْقَ وقَضى بَيْنَهم يَقُولُ الكافِرُ: قَدْ وجَدَ المُسْلِمُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم فَمَن يَشْفَعُ لَنا ما هو إلّا إبْلِيسُ هو الَّذِي أضَلَّنا فَيَأْتُونَهُ ويَسْألُونَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ هَذا القَوْلَ» “ .
* * *
أما قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
البحث الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ وهو البَعْثُ والجَزاءُ عَلى الأعْمالِ فَوَفى لَكم بِما وعَدَكم، ووَعَدْتُكم خِلافَ ذَلِكَ فَأخْلَفْتُكم. وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّ النَّفْسَ تَدْعُو إلى هَذِهِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولا تَتَصَوَّرُ كَيْفِيَّةَ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ والكَمالاتِ النَّفْسانِيَّةِ، واللَّهُ يَدْعُو إلَيْها ويُرَغِّبُ فِيها كَما قالَ: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] .
البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وعْدَ الحَقِّ﴾ مِن بابِ إضافَةِ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾، ومَسْجِدِ الجامِعِ عَلى قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، والمَعْنى: وعَدَكُمُ الوَعْدَ الحَقَّ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وعْدَ اليَوْمِ الحَقِّ أوِ الأمْرِ الحَقِّ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: وعَدَكُمُ الحَقَّ. ثُمَّ ذَكَرَ المَصْدَرَ تَأْكِيدًا.
البحث الثّالِثُ: في الآيَةِ إضْمارٌ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ فَصَدَقَكم ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وحَذَفَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ تِلْكَ الحالَةِ عَلى صِدْقِ ذَلِكَ الوَعْدِ؛ لِأنَّهم كانُوا يُشاهِدُونَها ولَيْسَ وراءَ العِيانِ بَيانٌ ولِأنَّهُ ذَكَرَ في وعْدِ الشَّيْطانِ الإخْلافَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى الصِّدْقِ في وعْدِ اللَّهِ تَعالى.
الثّانِي: أنَّ في قَوْلِهِ: ﴿ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ الوَعْدُ يَقْتَضِي مَفْعُولًا ثانِيًا وحُذِفَ هَهُنا لِلْعِلْمِ بِهِ، والتَّقْدِيرُ: ووَعَدْتُكم أنْ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا حَشْرَ ولا حِسابَ.
صفحة ٨٨
أما قوله: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ قُدْرَةٍ ومَكِنَةٍ وتَسَلُّطٍ وقَهْرٍ فَأقْهَرَكم عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي وأُلْجِئَكم إلَيْها ﴿إلّا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ أيْ إلّا دُعائِي إيّاكم إلى الضَّلالَةِ بِوَسْوَسَتِي وتَزْيِينِي، قالَ النَّحْوِيُّونَ: لَيْسَ الدُّعاءُ مِن جِنْسِ السُّلْطانِ فَقَوْلُهُ: (﴿إلّا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ مِن جِنْسِ قَوْلِهِمْ: ما تَحِيَّتُهم إلّا الضَّرْبُ، وقالَ الواحِدِيُّ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ دَعَوْتُكم. وعِنْدِي أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: كَلِمَةُ ”إلّا“ هَهُنا اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ قُدْرَةَ الإنْسانِ عَلى حَمْلِ الغَيْرِ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ تارَةً يَكُونُ بِالقَهْرِ والقَسْرِ، وتارَةً يَكُونُ بِتَقْوِيَةِ الدّاعِيَةِ في قَلْبِهِ بِإلْقاءِ الوَساوِسِ إلَيْهِ، فَهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّسَلُّطِ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَصْرِيعِ الإنْسانِ وعَلى تَعْوِيجِ أعْضائِهِ وجَوارِحِهِ، وعَلى إزالَةِ العَقْلِ عَنْهُ كَما يَقُولُهُ العَوامُّ والحَشْوِيَّةُ، ثم قال: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ يَعْنِي ما كانَ مِنِّي إلّا الدُّعاءُ والوَسْوَسَةُ، وكُنْتُمْ سَمِعْتُمْ دَلائِلَ اللَّهِ وشاهَدْتُمْ مَجِيءَ أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيْكم أنْ لا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِي ولا تَلْتَفِتُوا إلَيَّ، فَلَمّا رَجَّحْتُمْ قَوْلِي عَلى الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ، كانَ اللَّوْمُ عَلَيْكم لا عَلَيَّ في هَذا البابِ. وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أشْياءَ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَوْ كانَ الكُفْرُ والمَعْصِيَةُ مِنَ اللَّهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: فَلا تَلُومُونِي ولا أنْفُسَكم فَإنَّ اللَّهَ قَضى عَلَيْكُمُ الكُفْرَ وأجْبَرَكم عَلَيْهِ.
الثّانِي: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَصْرِيعِ الإنْسانِ وعَلى تَعْوِيجِ أعْضائِهِ وعَلى إزالَةِ العَقْلِ عَنْهُ كَما تَقُولُ الحَشْوِيَّةُ والعَوامُّ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجُوزُ ذَمُّهُ ولَوْمُهُ وعِقابُهُ بِسَبَبِ فِعْلِ الغَيْرِ، وعِنْدَ هَذا يَظْهَرُ أنَّهُ لا يَجُوزُ عِقابُ أوْلادِ الكُفّارِ بِسَبَبِ كُفْرِ آبائِهِمْ.
أجابَ بَعْضُ الأصْحابِ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ: بِأنَّ هَذا قَوْلُ الشَّيْطانِ فَلا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهِ.
وأجابَ الخَصْمُ عَنْهُ: بِأنَّهُ لَوْ كانَ هَذا القَوْلُ مِنهُ باطِلًا لَبَيَّنَ اللَّهُ بُطْلانَهُ وأظْهَرَ إنْكارَهُ، وأيْضًا فَلا فائِدَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الباطِلِ والقَوْلِ الفاسِدِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ كَلامٌ حَقٌّ، وقَوْلَهُ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ قَوْلٌ حَقٌّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] .
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الشَّيْطانَ الأصْلِيَّ هو النَّفْسُ، وذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْطانَ بَيَّنَ أنَّهُ ما أتى إلّا بِالوَسْوَسَةِ، فَلَوْلا المَيْلُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ والوَهْمِ والخَيالِ لَمْ يَكُنْ لِوَسْوَسَتِهِ تَأْثِيرٌ البَتَّةَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الشَّيْطانَ الأصْلِيَّ هو النَّفْسُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: بَيِّنُوا لَنا حَقِيقَةَ الوَسْوَسَةِ.
قُلْنا: الفِعْلُ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ الإنْسانِ عِنْدَ حُصُولِ أُمُورٍ أرْبَعَةٍ يَتَرَتَّبُ بَعْضُها عَلى البَعْضِ تَرْتِيبًا لازِمًا طَبِيعِيًّا، وبَيانُهُ أنَّ أعْضاءَ الإنْسانِ بِحُكْمِ السَّلامَةِ الأصْلِيَّةِ والصَّلاحِيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ والتَّرْكِ، والإقْدامِ والإحْجامِ، فَما لَمْ يَحْصُلْ في القَلْبِ مَيْلٌ إلى تَرْجِيحِ الفِعْلِ عَلى التَّرْكِ أوْ بِالعَكْسِ فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ صُدُورُ الفِعْلِ، وذَلِكَ المَيْلُ هو الإرادَةُ الجازِمَةُ، والقَصْدُ الجازِمُ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الإرادَةَ الجازِمَةَ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ حُصُولِ عِلْمٍ أوِ اعْتِقادٍ أوْ ظَنٍّ بِأنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ سَبَبٌ لِلنَّفْعِ أوْ سَبَبٌ لِلضَّرَرِ، فَإنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ هَذا الِاعْتِقادُ لَمْ يَحْصُلِ المَيْلُ لا إلى الفِعْلِ ولا إلى التَّرْكِ، فالحاصِلُ أنَّ الإنْسانَ إذا أحَسَّ بِشَيْءٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ شُعُورُهُ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا لَهُ أوْ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا لَهُ أوْ بِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلائِمٍ ولا مُنافِرٍ، فَإنْ حَصَلَ الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ مُلائِمًا لَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَيْلُ الجازِمُ إلى الفِعْلِ
صفحة ٨٩
وإنْ حَصَلَ الشُّعُورُ بِكَوْنِهِ مُنافِرًا لَهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ المَيْلُ الجازِمُ إلى التَّرْكِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ لا هَذا ولا ذاكَ لَمْ يَحْصُلِ المَيْلُ لا إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ ولا إلى ضِدِّهِ، بَلْ بَقِيَ الإنْسانُ كَما كانَ، وعِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ المَيْلِ الجازِمِ تَصِيرُ القُدْرَةُ مَعَ ذَلِكَ المَيْلِ مُوجِبَةً لِلْفِعْلِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: صُدُورُ الفِعْلِ عَنْ مَجْمُوعِ القُدْرَةِ والدّاعِي الحاصِلِ أمْرٌ واجِبٌ فَلا يَكُونُ لِلشَّيْطانِ مَدْخَلٌ فِيهِ، وصُدُورُ المَيْلِ عَنْ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ خَيْرًا أوْ تَصَوُّرِ كَوْنِهِ شَرًّا أمْرٌ واجِبٌ فَلا يَكُونُ لِلشَّيْطانِ فِيهِ مَدْخَلٌ، وحُصُولُ كَوْنِهِ خَيْرًا أوْ تَصَوُّرُ كَوْنِهِ شَرًّا عَنْ مُطْلَقِ الشُّعُورِ بِذاتِهِ أمْرٌ لازِمٌ فَلا مَدْخَلَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ، فَلَمْ يَبْقَ لِلشَّيْطانِ مَدْخَلٌ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَقاماتِ إلّا في أنْ يُذَكِّرَهُ شَيْئًا بِأنْ يُلْقِيَ إلَيْهِ حَدِيثَهُ، مِثْلُ أنَّ الإنْسانَ كانَ غافِلًا عَنْ صُورَةِ امْرَأةٍ فَيُلْقِي الشَّيْطانُ حَدِيثَها في خاطِرِهِ، فالشَّيْطانُ لا قُدْرَةَ لَهُ إلّا في هَذا المَقامِ، وهو عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي﴾ يَعْنِي ما كانَ مِنِّي إلّا مُجَرَّدُ هَذِهِ الدَّعْوَةِ، فَأمّا بَقِيَّةُ المَراتِبِ فَما صَدَرَتْ مِنِّي وما كانَ لِي فِيها أثَرٌ البَتَّةَ.
* * *
بَقِيَ في هَذا المَقامِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: كَيْفَ يُعْقَلُ تَمَكُّنُ الشَّيْطانِ مِنَ النُّفُوذِ في داخِلِ أعْضاءِ الإنْسانِ وإلْقاءِ الوَسْوَسَةِ إلَيْهِ ؟
والجَوابُ: لِلنّاسِ في المَلائِكَةِ والشَّياطِينِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ ما سِوى اللَّهِ بِحَسَبِ القِسْمَةِ العَقْلِيَّةِ عَلى أقْسامٍ ثَلاثَةٍ: المُتَحَيِّزِ، والحالِّ في المُتَحَيِّزِ، والَّذِي لا يَكُونُ مُتَحَيِّزًا ولا حالًّا فِيهِ، وهَذا القِسْمُ الثّالِثُ لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ البَتَّةَ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِهِ، بَلِ الدَّلائِلُ الكَثِيرَةُ قامَتْ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِهِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالأرْواحِ فَهَذِهِ الأرْواحُ إنْ كانَتْ طاهِرَةً مُقَدَّسَةً مِن عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ القُدُسِيَّةِ فَهُمُ المَلائِكَةُ وإنْ كانَتْ خَبِيثَةً داعِيَةً إلى الشُّرُورِ وعالَمِ الأجْسادِ ومَنازِلِ الظُّلُماتِ فَهُمُ الشَّياطِينُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ الشَّيْطانُ لا يَكُونُ جِسْمًا يَحْتاجُ إلى الوُلُوجِ في داخِلِ البَدَنِ بَلْ هو جَوْهَرٌ رُوحانِيٌّ خَبِيثُ الفِعْلِ مَجْبُولٌ عَلى الشَّرِّ، والنَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ أيْضًا كَذَلِكَ فَلا يَبْعُدُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ في أنْ يُلْقِيَ شَيْءٌ مِن تِلْكَ الأرْواحِ أنْواعًا مِنَ الوَساوِسِ والأباطِيلِ إلى جَوْهَرِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ في هَذا البابِ احْتِمالًا ثانِيًا، وهو أنَّ النُّفُوسَ النّاطِقَةَ البَشَرِيَّةَ مُخْتَلِفَةٌ بِالنوع، فَهي طَوائِفُ، وكُلُّ طائِفَةٍ مِنها في تَدْبِيرِ رُوحٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ بِعَيْنِها، فَنَوْعٌ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ تَكُونُ حَسَنَةَ الأخْلاقِ كَرِيمَةَ الأفْعالِ مَوْصُوفَةً بِالفَرَحِ والبِشْرِ وسُهُولَةِ الأمْرِ، وهي تَكُونُ مُنْتَسِبَةً إلى رُوحِ مُعَيَّنٍ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، وطائِفَةٌ أُخْرى مِنها تَكُونُ مَوْصُوفَةً بِالحِدَّةِ والقُوَّةِ والغِلْظَةِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وهي تَكُونُ مُنْتَسِبَةً إلى رُوحٍ آخَرَ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، وهَذِهِ الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ كالأوْلادِ لِذَلِكَ الرُّوحِ السَّماوِيِّ وكالنَّتائِجِ الحاصِلَةِ، وكالفُرُوعِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْها، وذَلِكَ الرُّوحُ السَّماوِيُّ هو الَّذِي يَتَوَلّى إرْشادَها إلى مَصالِحِها، وهو الَّذِي يَخُصُّها بِالإلْهاماتِ حالَتَيِ النَّوْمِ واليَقَظَةِ. والقُدَماءُ كانُوا يُسَمُّونَ ذَلِكَ الرُّوحَ السَّماوِيَّ بِالطِّباعِ التّامِّ، ولا شَكَّ أنَّ لِذَلِكَ الرُّوحِ السَّماوِيِّ الَّذِي هو الأصْلُ واليَنْبُوعُ شُعَبًا كَثِيرَةً ونَتائِجَ كَثِيرَةً وهي بِأسْرِها تَكُونُ مِن جِنْسِ رُوحِ هَذا الإنْسانِ وهي لِأجْلِ مُشاكَلَتِها ومُجانَسَتِها يُعِينُ بَعْضُها بَعْضًا عَلى الأعْمالِ اللّائِقَةِ بِها والأفْعالِ المُناسِبَةِ لِطَبائِعِها، ثُمَّ إنَّها إنْ كانَتْ خَيِّرَةً طاهِرَةً طَيِّبَةً كانَتْ مَلائِكَةً وكانَتْ تِلْكَ الإعانَةُ مُسَمّاةً بِالإلْهامِ. وإنْ كانَتْ
صفحة ٩٠
شِرِّيرَةً خَبِيثَةً قَبِيحَةَ الأعْمالِ كانَتْ شَياطِينَ وكانَتْ تِلْكَ الإعانَةُ مُسَمّاةً بِالوَسْوَسَةِ، وذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أيْضًا فِيهِ احْتِمالًا ثالِثًا، وهو أنَّ النُّفُوسَ البَشَرِيَّةَ والأرْواحَ الإنْسانِيَّةَ إذا فارَقَتْ أبْدانَها قَوِيَتْ في تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي اكْتَسَبَتْها في تِلْكَ الأبْدانِ وكَمَلَتْ فِيها، فَإذا حَدَثَتْ نَفْسٌ أُخْرى مُشاكِلَةٌ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ في بَدَنٍ مُشاكِلٍ لِبَدَنِ تِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ، حَدَثَ بَيْنَ تِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ وبَيْنَ هَذا البَدَنِ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِسَبَبِ المُشاكَلَةِ الحاصِلَةِ بَيْنَ هَذا البَدَنِ وبَيْنَ ما كانَ بَدَنًا لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ، فَيَصِيرُ لِتِلْكَ النَّفْسِ المُفارِقَةِ تَعَلُّقٌ شَدِيدٌ بِهَذا البَدَنِ، وتَصِيرُ تِلْكَ النَّفْسُ المُفارِقَةُ مُعاوِنَةً لِهَذِهِ النَّفْسِ المُتَعَلِّقَةِ بِهَذا البَدَنِ ومُعاضِدَةً لَها عَلى أفْعالِها وأحْوالِها بِسَبَبِ هَذِهِ المُشاكَلَةِ، ثُمَّ إنْ كانَ هَذا المَعْنى في أبْوابِ الخَيْرِ والبَرَكاتِ كانَ ذَلِكَ إلْهامًا، وإنْ كانَ في بابِ الشَّرِّ كانَ وسْوَسَةً، فَهَذِهِ وُجُوهٌ مُحْتَمَلَةٌ تَفْرِيعًا عَلى القَوْلِ بِإثْباتِ جَواهِرَ قُدُسِيَّةٍ مُبَرَّأةٍ عَنِ الجِسْمِيَّةِ والتَّحَيُّزِ، والقَوْلُ بِالأرْواحِ الطّاهِرَةِ والخَبِيثَةِ كَلامٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ فَلَيْسَ لَهم أنْ يُنْكِرُوا إثْباتَها عَلى صاحِبِ شَرِيعَتِنا مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأمّا القَوْلُ الثّانِي: وهو أنَّ المَلائِكَةَ والشَّياطِينَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ أجْسامًا فَنَقُولُ: إنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ إنَّها أجْسامٌ كَثِيفَةٌ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ القَوْلِ بِأنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ رَكَّبَها تَرْكِيبًا عَجِيبًا وهي أنْ تَكُونَ مَعَ لَطافَتِها لا تَقْبَلُ التَّفَرُّقَ والتَّمَزُّقَ والفَسادَ والبُطْلانَ، ونُفُوذُ الأجْرامِ اللَّطِيفَةِ في عُمْقِ الأجْرامِ الكَثِيفَةِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، ألا تَرى أنَّ الرُّوحَ الإنْسانِيَّةَ جِسْمٌ لَطِيفٌ، ثُمَّ إنَّهُ نَفَذَ في داخِلِ عُمْقِ البَدَنِ، فَإذا عُقِلَ ذَلِكَ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ نُفُوذُ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأجْسامِ اللَّطِيفَةِ في داخِلِ هَذا البَدَنِ ؟ ألَيْسَ أنَّ جِرْمَ النّارِ يَسْرِي في جِرْمِ الفَحَمِ، وماءَ الوَرْدِ يَسْرِي في ورَقِ الوَرْدِ، ودُهْنَ السِّمْسِمِ يَجْرِي في جِسْمِ السِّمْسِمِ ؟ فَكَذا هَهُنا، فَظَهَرَ بِما قَرَّرْنا: أنَّ القَوْلَ بِإثْباتِ الجِنِّ والشَّياطِينِ أمْرٌ لا تُحِيلُهُ العُقُولُ ولا تُبْطِلُهُ الدَّلائِلُ، وأنَّ الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ لَيْسَ إلّا مِن نَتِيجَةِ الجَهْلِ وقِلَّةِ الفِطْنَةِ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِالشَّياطِينِ مُمْكِنٌ في الجُمْلَةِ فَنَقُولُ: الأحَقُّ والأوْلى أنْ يُقالَ: المَلائِكَةُ - عَلى هَذا القَوْلِ - مَخْلُوقُونَ مِنَ النُّورِ، والشَّياطِينُ مَخْلُوقُونَ مِنَ الدُّخانِ واللَّهَبِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وهَذا الكَلامُ مِنَ المَشْهُوراتِ عِنْدَ قُدَماءِ الفَلاسِفَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالعاقِلِ أنْ يَسْتَبْعِدَهُ مِن صاحِبِ شَرِيعَتِنا مُحَمَّدٍ ﷺ ؟
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ الشَّيْطانُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وهو أيْضًا مَلُومٌ بِسَبَبِ إقْدامِهِ عَلى تِلْكَ الوَسْوَسَةِ الباطِلَةِ ؟
والجَوابُ: أرادَ بِذَلِكَ فَلا تَلُومُونِي عَلى ما فَعَلْتُمْ ولُومُوا أنْفُسَكم عَلَيْهِ، لِأنَّكم عَدَلْتُمْ عَمّا تُوجِبُهُ هِدايَةُ اللَّهِ تَعالى لَكم. ثم قال اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ الشَّيْطانِ أنَّهُ قالَ: ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِمُغِيثِكم ولا مُنْقِذِكم، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الصّارِخُ المُسْتَغِيثُ والمُصْرِخُ المُغِيثُ. يُقالُ: صَرَخَ فُلانٌ إذا اسْتَغاثَ وقالَ: واغَوْثاهُ وأصْرَخْتُهُ أغَثْتُهُ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ: ”بِمُصْرِخِيِّ“ بِكَسْرِ الياءِ. قالَ الواحِدِيُّ: وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ ويَحْيى بْنِ وثّابٍ. قالَ الفَرّاءُ: ولَعَلَّها مِن وهْمِ القُرّاءِ فَإنَّهُ قَلَّ مَن سَلِمَ مِنهم عَنِ الوَهْمِ ولَعَلَّهُ ظَنَّ أنَّ الباءَ في قَوْلِهِ ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ خافِضَةٌ لِجُمْلَةِ هَذِهِ الكَلِمَةِ وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ الياءَ مِنَ المُتَكَلِّمِ خارِجَةٌ مِن ذَلِكَ، قالَ: ومِمّا نَرى
صفحة ٩١
أنَّهم وهِمُوا فِيهِ قَوْلُهُ: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١١٥] بِجَزْمِ الهاءِ. ظَنُّوا واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ الجَزْمَ في الهاءِ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ الهاءَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ وقَدِ انْجَزَمَ الفِعْلُ قَبْلَها بِسُقُوطِ الياءِ مِنهُ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن تَكَلَّفَ في ذِكْرِ وجْهٍ لِصِحَّتِهِ إلّا أنَّ الأكْثَرِينَ قالُوا إنَّهُ لَحْنٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ثم قال تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ والمَعْنى: كَفَرْتُ بِإشْراكِكم إيّايَ مَعَ اللَّهِ تَعالى في الطّاعَةِ، والمَعْنى: أنَّهُ جَحَدَ ما كانَ يَعْتَقِدُهُ أُولَئِكَ الأتْباعُ مِن كَوْنِ إبْلِيسَ شَرِيكًا لِلَّهِ تَعالى في تَدْبِيرِ هَذا العالَمِ وكَفَرَ بِهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهم كانُوا يُطِيعُونَ الشَّيْطانَ في أعْمالِ الشَّرِّ كَما كانُوا قَدْ يُطِيعُونَ اللَّهَ في أعْمالِ الخَيْرِ وهَذا هو المُرادُ بِالإشْراكِ.
والثّانِي - وهو قَوْلُ الفَرّاءِ -: أنَّ المَعْنى أنَّ إبْلِيسَ قالَ: إنِّي كَفَرْتُ بِاللَّهِ الَّذِي أشْرَكْتُمُونِي بِهِ مِن قَبْلِ كُفْرِكم، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ كُفْرُهُ قَبْلَ كُفْرِ أُولَئِكَ الأتْباعِ ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”ما“ في هَذا المَوْضِعِ ”مَن“ والقَوْلُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَنْتَظِمُ بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ أيْضًا: الكَلامُ مُنْتَظِمٌ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ كَأنَّهُ يَقُولُ: لا تَأْثِيرَ لِوَسْوَسَتِي في كُفْرِكم بِدَلِيلِ أنِّي كَفَرْتُ قَبْلَ أنْ وقَعْتُمْ في الكُفْرِ، وما كانَ كُفْرِي بِسَبَبِ وسْوَسَةٍ أُخْرى وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ سَبَبَ الوُقُوعِ في الكُفْرِ شَيْءٌ آخَرُ سِوى الوَسْوَسَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَنْتَظِمُ الكَلامُ.
أما قوله: ﴿إنَّ الظّالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فالأظْهَرُ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ كَلامَ إبْلِيسِ تَمَّ قَبْلَ هَذا الكَلامِ، ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بَقِيَّةِ كَلامِ إبْلِيسَ قَطْعًا لِأطْماعِ أُولَئِكَ الكُفّارِ عَنِ الإعانَةِ والإغاثَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences