Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:37–45
14:37–41Page 260
رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧
Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.
رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨
Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩
Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.
رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠
My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.
رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١
Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ طَلَبَ في دُعائِهِ أُمُورًا سَبْعَةً:
المَطْلُوبُ الأوَّلُ: طَلَبَ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةَ الأمانِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ والِابْتِداءُ بِطَلَبِ نِعْمَةِ الأمْنِ في هَذا الدُّعاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ أنْواعِ النِّعَمِ والخَيْراتِ، وأنَّهُ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِن مَصالِحِ الدِّينِ والدُّنْيا إلّا بِهِ، وسُئِلَ بَعْضُ العُلَماءِ: الأمْنُ أفْضَلُ أمِ الصِّحَّةُ ؟ فَقالَ: الأمْنُ أفْضَلُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ شاةً لَوِ انْكَسَرَتْ رِجْلُها فَإنَّها تَصِحُّ بَعْدَ زَمانٍ، ثُمَّ إنَّها تُقْبِلُ عَلى الرَّعْيِ والأكْلِ، ولَوْ أنَّها رُبِطَتْ في مَوْضِعٍ ورُبِطَ بِالقُرْبِ مِنها ذِئْبٌ فَإنَّها تُمْسِكُ عَنِ العَلَفِ ولا تَتَناوَلُهُ إلى أنْ تَمُوتَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ مِنَ الخَوْفِ أشَدُّ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ألَمِ الجَسَدِ.
والمَطْلُوبُ الثّانِي: أنْ يَرْزُقَهُ اللَّهُ التَّوْحِيدَ، ويَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ .
والمَطْلُوبُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي وهو إسْماعِيلُ ومَن وُلِدَ مِنهُ. ﴿بِوادٍ﴾ هو وادِي مَكَّةَ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن زَرْعٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] بِمَعْنى لا يَحْصُلُ فِيهِ اعْوِجاجٌ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ، وذَكَرُوا في تَسْمِيَتِهِ المُحَرَّمَ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ التَّعَرُّضَ لَهُ والتَّهاوُنَ بِهِ، وجَعَلَ ما حَوْلَهُ حَرَمًا لِمَكانِهِ.
الثّانِي: أنَّهُ كانَ لَمْ يَزَلْ مُمْتَنِعًا عَزِيزًا يَهابُهُ كُلُّ جَبّارٍ كالشَّيْءِ المُحَرَّمِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُجْتَنَبَ.
الثّالِثُ: سُمِّيَ مُحَرَّمًا لِأنَّهُ مُحْتَرَمٌ عَظِيمُ الحُرْمَةِ لا يَحِلُّ انْتِهاكُهُ.
الرّابِعُ: أنَّهُ حَرُمَ عَلى الطُّوفانِ أيِ امْتَنَعَ مِنهُ، كَما سُمِّيَ عَتِيقًا لِأنَّهُ أُعْتِقَ مِنهُ فَلَمْ يُسْتَعْلَ عَلَيْهِ.
الخامِسُ: أمَرَ الصّائِرِينَ إلَيْهِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أشْياءَ كانَتْ تَحِلُّ لَهم مِن قَبْلُ.
السّادِسُ: حَرَّمَ مَوْضِعَ البَيْتِ حِينَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وحَفَّهُ بِسَبْعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وهو مِثْلُ البَيْتِ المَعْمُورِ الَّذِي بَناهُ آدَمُ، فَرُفِعَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ.
السّابِعُ: حَرَّمَ عَلى عِبادِهِ أنْ يَقْرَبُوهُ بِالدِّماءِ والأقْذارِ وغَيْرِها. رُوِي أنَّ هاجَرَ كانَتْ أمَةً لِسارَّةَ فَوَهَبَتْها لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَلَدَتْ لَهُ
صفحة ١٠٨
إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ سارَّةُ: كُنْتُ أرْجُو أنْ يَهَبَ اللَّهُ لِي ولَدًا مِن خَلِيلِهِ فَمَنَعْنِيهِ ورَزَقَهُ خادِمَتِي، وقالَتْ لِإبْراهِيمَ: أبْعِدْهُما مِنِّي فَنَقَلَهُما إلى مَكَّةَ وإسْماعِيلُ رَضِيعٌ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَتْ هاجَرُ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ. ثُمَّ دَعا اللَّهَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ إنَّها عَطِشَتْ وعَطِشَ الصَّبِيُّ فانْتَهَتْ بِالصَّبِيِّ إلى مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَضَرَبَ بِقَدَمِهِ فَفارَتْ عَيْنًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَحِمَ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ لَوْلا أنَّها عَجِلَتْ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا“»، ثُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عادَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ واشْتَغَلَ هو مَعَ إسْماعِيلَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ. قالَ القاضِي: أكْثَرُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الحِكايَةِ بَعِيدَةٌ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَنْقُلَ ولَدَهُ إلى حَيْثُ لا طَعامَ ولا ماءَ مَعَ أنَّهُ كانَ يُمْكِنُهُ أنْ يَنْقُلَهُما إلى بَلْدَةٍ أُخْرى مِن بِلادِ الشّامِ لِأجْلِ قَوْلِ سارَّةَ، إلّا إذا قُلْنا: إنَّ اللَّهَ أعْلَمَهُ أنَّهُ يَحْصُلُ هُناكَ ماءٌ وطَعامٌ. وأقُولُ: أمّا ظُهُورُ ماءِ زَمْزَمَ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إرْهاصًا لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَنا جائِزٌ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
ثم قال: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأسْكَنْتُ أيْ أسْكَنْتُ قَوْمًا مِن ذُرِّيَّتِي وهم إسْماعِيلُ وأوْلادُهُ بِهَذا الوادِي الَّذِي لا زَرْعَ فِيهِ لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ.
ثم قال: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البحث الأوَّلُ: قالَ الأصْمَعِيُّ: هَوِيَ يَهْوِي هَوِيًّا بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ. وقِيلَ: ﴿تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُرِيدُهم، وقِيلَ: تُسْرِعُ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: تَنْحَطُّ إلَيْهِمْ وتَنْحَدِرُ إلَيْهِمْ وتَنْزِلُ، يُقالُ: هَوِيَ الحَجَرُ مِن رَأسِ الجَبَلِ يَهْوِي إذا انْحَدَرَ وانْصَبَّ، وهَوِيَ الرَّجُلُ إذا انْحَدَرَ مِن رَأسِ الجَبَلِ.
البحث الثّانِي: أنَّ هَذا الدُّعاءَ جامِعٌ لِلدِّينِ والدُّنْيا. أمّا الدِّينُ فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى الذَّهابِ إلى تِلْكَ البَلْدَةِ بِسَبَبِ النُّسُكِ والطّاعَةِ لِلَّهِ تَعالى. وأمّا الدُّنْيا فَلِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ مَيْلُ النّاسِ إلى نَقْلِ المَعاشاتِ إلَيْهِمْ بِسَبَبِ التِّجاراتِ، فَلِأجْلِ هَذا المَيْلِ يَتَّسِعُ عَيْشُهم، ويَكْثُرُ طَعامُهم ولِباسُهم.
البحث الثّالِثُ: كَلِمَةُ ﴿مِن﴾ في قَوْلِهِ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ تُفِيدُ التَّبْعِيضَ، والمَعْنى: فاجْعَلْ أفْئِدَةَ بَعْضِ النّاسِ مائِلَةً إلَيْهِمْ. قالَ مُجاهِدٌ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فارِسُ والرُّومُ والتُّرْكُ والهِنْدُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ قالَ: أفْئِدَةَ النّاسِ لَحَجَّتِ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ﴾ فَهُمُ المُسْلِمُونَ.
ثم قال: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البحث الأوَّلُ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وارْزُقْهُمُ الثَّمَراتِ، بَلْ قالَ: ﴿وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ بِالدُّعاءِ إيصالُ بَعْضِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ.
البحث الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِإيصالِ الثَّمَراتِ إلَيْهِمْ إيصالَها إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التِّجاراتِ، وإنَّما يَكُونُ المُرادُ عِمارَةَ القُرى بِالقُرْبِ مِنها لِتَحْصِيلِ الثِّمارِ مِنها.
ثم قال: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ لِلْعاقِلِ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا أنْ يَتَفَرَّغَ لِأداءِ العِباداتِ وإقامَةِ الطّاعاتِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما طَلَبَ تَيْسِيرَ المَنافِعِ عَلى أوْلادِهِ لِأجْلِ أنْ
صفحة ١٠٩
يَتَفَرَّغُوا لِإقامَةِ الصَّلَواتِ وأداءِ الواجِباتِ.
* * *
المَطْلُوبُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَيْسِيرَ المَنافِعِ لِأوْلادِهِ وتَسْهِيلَها عَلَيْهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ لا يَعْلَمُ عَواقِبَ الأحْوالِ ونِهاياتِ الأُمُورِ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِها المُحِيطُ بِأسْرارِها، فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ أعْلَمُ بِأحْوالِنا ومَصالِحِنا ومَفاسِدِنا مِنّا، قِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الوَجْدِ بِسَبَبِ حُصُولِ الفُرْقَةِ بَيْنِي وبَيْنَ إسْماعِيلَ، وما نُعْلِنُ مِنَ البُكاءِ، وقِيلَ: ما نُخْفِي مِنَ الحُزْنِ المُتَمَكِّنِ في القَلْبِ، وما نُعْلِنُ: يُرِيدُ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ هاجَرَ حَيْثُ قالَتْ لَهُ عِنْدَ الوَداعِ: إلى مَن تَكِلُنا ؟ فَقالَ: إلى اللَّهِ أكِلُكم، قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا نَخْشى.
ثم قال: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَصْدِيقًا لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] .
والثّانِي: أنَّهُ مِن كَلامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: وما يَخْفى عَلى الَّذِي هو عالِمُ الغَيْبِ مِن شَيْءٍ في كُلِّ مَكانٍ، ولَفْظُ ”مِن“ يُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما.
ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البحث الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما أعْطى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذَيْنِ الوَلَدَيْنِ - أعْنِي إسْماعِيلَ وإسْحاقَ - عَلى الكِبَرِ والشَّيْخُوخَةِ، فَأمّا مِقْدارُ ذَلِكَ السِّنِّ فَغَيْرُ مَعْلُومٍ مِنَ القُرْآنِ وإنَّما يُرْجَعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ، فَقِيلَ: لَمّا وُلِدَ إسْماعِيلُ كانَ سِنُّ إبْراهِيمَ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، ولَمّا وُلِدَ إسْحاقُ كانَ سِنُّهُ مِائَةً واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: وُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ لِأرْبَعٍ وسِتِّينَ سَنَةً ووُلِدَ إسْحاقُ لِتِسْعِينَ سَنَةً، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: لَمْ يُولَدْ لِإبْراهِيمَ إلّا بَعْدَ مِائَةٍ وسَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وإنَّما ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ لِأنَّ المِنَّةَ بِهِبَةِ الوَلَدِ في هَذا السِّنِّ أعْظَمُ مِن حَيْثُ إنَّ هَذا الزَّمانَ زَمانُ وُقُوعِ اليَأْسِ مِنَ الوِلادَةِ، والظَّفَرُ بِالحاجَةِ في وقْتِ اليَأْسِ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، ولِأنَّ الوِلادَةَ في تِلْكَ السِّنِّ العالِيَةِ كانَتْ آيَةً لِإبْراهِيمَ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَما أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ أُمَّهُ في ذَلِكَ الوادِي، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ ما وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أنْ يَقُولَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ ؟
قُلْنا: قالَ القاضِي: هَذا الدَّلِيلُ يَقْتَضِي أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الكَلامَ في زَمانٍ آخَرَ لا عَقِيبَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدُّعاءِ. ويُمْكِنُ أيْضًا أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ هَذا الدُّعاءَ بَعْدَ كِبَرِ إسْماعِيلَ وظُهُورِ إسْحاقَ، وإنْ كانَ ظاهِرُ الرِّواياتِ بِخِلافِهِ.
البحث الثّانِي: ”عَلى“ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
إنِّي عَلى ما تَرَيْنَ مِن كِبَرِي أعْلَمُ مِن حَيْثُ يُؤْكَلُ الكَتِفُ
وهُوَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ: وهَبَ لِي في حالِ الكِبَرِ.
البحث الثّالِثُ: في المُناسَبَةِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ وما يَخْفى عَلى اللَّهِ مِن شَيْءٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾
صفحة ١١٠
وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ هو كَأنَّهُ كانَ في قَلْبِهِ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ إعانَتَهُما وإعانَةَ ذُرِّيَّتِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا المَطْلُوبِ، بَلْ قالَ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ أيْ إنَّكَ تَعْلَمُ ما في قُلُوبِنا وضَمائِرِنا، ثم قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ ظاهِرًا عَلى أنَّهُما يَبْقَيانِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأنَّهُ مَشْغُولُ القَلْبِ بِسَبَبِهِما فَكانَ هَذا دُعاءً لَهُما بِالخَيْرِ والمَعُونَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاشْتِغالَ بِالثَّناءِ عِنْدَ الحاجَةِ إلى الدُّعاءِ أفْضَلُ مِنَ الدُّعاءِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حاكِيًا عَنْ رَبِّهِ أنَّهُ قالَ: «”مَن شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْألَتِي أعْطَيْتُهُ أفْضَلَ ما أُعْطِي السّائِلِينَ“» . ثم قال: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الدُّعاءَ عَلى سَبِيلِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ لا عَلى وجْهِ الإيضاحِ والتَّصْرِيحِ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِالمَقْصُودِ سَواءً صَرَّحْتُ بِهِ أوْ لَمْ أُصَرِّحْ. وقَوْلُهُ: ”سَمِيعُ الدُّعاءِ“ مِن قَوْلِكَ: سَمِعَ المَلِكُ كَلامَ فُلانٍ إذا اعْتَدَّ بِهِ وقَبِلَهُ، ومِنهُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ.
* * *
المَطْلُوبُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذا الآيَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ العَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى فَقالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ المَنهِيّاتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وقَوْلَهُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ فِعْلَ المَأْمُوراتِ لا يَحْصُلُ إلّا مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُصِرًّا عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: تَقْدِيرُ الآيَةِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِي كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ لِلتَّبْعِيضِ، وإنَّما ذَكَرَ هَذا التَّبْعِيضَ لِأنَّهُ عَلِمَ بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ يَكُونُ في ذُرِّيَّتِهِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] .
المَطْلُوبُ السّادِسُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا اللَّهَ في المَطالِبِ المَذْكُورَةِ دَعا اللَّهَ تَعالى في أنْ يَقْبَلَ دُعاءَهُ فَقالَ: ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ عِبادَتِي بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [مريم: ٤٨] .
* * *
المَطْلُوبُ السّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: طَلَبُ المَغْفِرَةِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ سابِقَةِ الذَّنْبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ صَدَرَ الذَّنْبُ عَنْهُ وإنْ كانَ قاطِعًا بِأنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، فَكَيْفَ طَلَبَ تَحْصِيلَ ما كانَ قاطِعًا بِحُصُولِهِ ؟
والجَوابُ: المَقْصُودُ مِنهُ الِالتِجاءُ إلى اللَّهِ تَعالى وقَطْعُ الطَّمَعِ إلّا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ.
المسألة الثّانِيَةُ: إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ جازَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأبَوَيْهِ وكانا كافِرَيْنِ ؟
فالجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ المَنعَ مِنهُ لا يُعْلَمُ إلّا بِالتَّوْقِيفِ فَلَعَلَّهُ لَمْ يَجِدْ مِنهُ مَنعًا فَظَنَّ كَوْنَهُ جائِزًا.
الثّانِي: أرادَ بِوالِدَيْهِ آدَمَ وحَوّاءَ.
الثّالِثُ: كانَ ذَلِكَ بِشَرْطِ الإسْلامِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما كانَ ذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ باطِلًا ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَبَطَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، وقالَ بَعْضُهم: كانَتْ أُمُّهُ مُؤْمِنَةً، ولِهَذا السَّبَبِ خَصَّ أباهُ
صفحة ١١١
بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واللَّهُ أعْلَمُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: يَقُومُ أيْ يَثْبُتُ وهو مُسْتَعارٌ مِن قِيامِ القائِمِ عَلى الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهم: قامَتِ الحَرْبُ عَلى ساقِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَرَجَّلَتِ الشَّمْسُ، أيْ أشْرَقَتْ وثَبَتَ ضَوْؤُها كَأنَّها قامَتْ عَلى رِجْلٍ.
الثّانِي: أنْ يُسْنَدَ إلى الحِسابِ قِيامُ أهْلِهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ أهْلَها. واللَّهُ أعْلَمُ.
14:42–43Page 260
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢
And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].
مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣
Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهم وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ثُمَّ حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يَصُونَهُ عَنِ الشِّرْكِ، وطَلَبَ مِنهُ أنْ يُوَفِّقَهُ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ وأنْ يَخُصَّهُ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ في يَوْمِ القِيامَةِ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ يَوْمِ القِيامَةِ، وما يَدُلُّ عَلى صِفَةِ يَوْمِ القِيامَةِ. أمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُجُودِ القِيامَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ فالمَقْصُودُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ إمّا غافِلًا عَنْ ذَلِكَ الظّالِمِ أوْ عاجِزًا عَنِ الِانْتِقامِ، أوْ كانَ راضِيًا بِذَلِكَ الظُّلْمِ، ولَمّا كانَتِ الغَفْلَةُ والعَجْزُ والرِّضا بِالظُّلْمِ مُحالًا عَلى اللَّهِ امْتَنَعَ أنْ لا يَنْتَقِمَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِالرَّسُولِ ﷺ أنْ يَحْسَبَ اللَّهَ مَوْصُوفًا بِالغَفْلَةِ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ التَّثْبِيتُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن أنَّهُ لا يَحْسَبُ اللَّهَ غافِلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤] . ﴿ولا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] وكَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ .
والثّانِي: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْتَقِمْ لَكانَ عَدَمُ الِانْتِقامِ لِأجْلِ غَفْلَتِهِ عَنْ ذَلِكَ الظُّلْمِ، ولَمّا كانَ امْتِناعُ هَذِهِ الغَفْلَةِ مَعْلُومًا لِكُلِّ أحَدٍ لا جَرَمَ كانَ عَدَمُ الِانْتِقامِ مُحالًا.
والثّالِثُ: أنَّ المُرادَ ولا تَحْسَبَنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغافِلِ عَمّا يَعْمَلُونَ، ولَكِنْ مُعامَلَةَ الرَّقِيبِ عَلَيْهِمُ المُحاسِبِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ وإنْ كانَ خِطابًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الظّاهِرِ، إلّا أنَّهُ يَكُونُ في الحَقِيقَةِ خِطابًا مَعَ الأُمَّةِ، وعَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: أنَّهُ تَسْلِيَةٌ لِلْمَظْلُومِ وتَهْدِيدٌ لِلظّالِمِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما يُؤَخِّرُ عِقابَ هَؤُلاءِ الظّالِمِينَ لِيَوْمٍ مَوْصُوفٍ بِصِفاتٍ.
الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ. يُقالُ: شَخَصَ بَصَرُ الرَّجُلِ إذا بَقِيَتْ عَيْنُهُ مَفْتُوحَةً لا يَطْرِفُها، وشُخُوصُ البَصَرِ يَدُلُّ عَلى الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ وسُقُوطِ القُوَّةِ.
والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ﴾ وفي تَفْسِيرِ الإهْطاعِ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ هو الإسْراعُ. يُقالُ: أهْطَعَ البَعِيرُ في سَيْرِهِ واسْتَهْطَعَ إذا أسْرَعَ. وعَلى هَذا الوجه فالمَعْنى: أنَّ الغالِبَ مِن حالِ مَن يَبْقى بَصَرُهُ شاخِصًا مِن شِدَّةِ الخَوْفِ أنْ يَبْقى واقِفًا، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى
صفحة ١١٢
أنَّ حالَهم بِخِلافِ هَذا المُعْتادِ، فَإنَّهم مَعَ شُخُوصِ أبْصارِهِمْ يَكُونُونَ مُهْطِعِينَ، أيْ مُسْرِعِينَ نَحْوَ ذَلِكَ البَلاءِ.
القَوْلُ الثّانِي في الإهْطاعِ: قالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى: المُهْطِعُ الَّذِي يَنْظُرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: المُهْطِعُ السّاكِتُ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: قالَ اللَّيْثُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا قَرَّ وذَلَّ: أهْطَعَ.
الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ والإقْناعُ رَفْعُ الرَّأْسِ والنَّظَرُ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِي رُءُوسِهِمْ. والمَعْنى أنَّ المُعْتادَ فِيمَن يُشاهِدُ البَلاءَ أنَّهُ يُطْرِقُ رَأْسَهُ عَنْهُ لِكَيْ لا يَراهُ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ حالَهم بِخِلافِ هَذا المُعْتادِ وأنَّهم يَرْفَعُونَ رُءُوسَهم.
الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ دَوامُ ذَلِكَ الشُّخُوصِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢] لا يُفِيدُ كَوْنَ هَذا الشُّخُوصِ دائِمًا، وقَوْلُهُ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ يُفِيدُ دَوامَ هَذا الشُّخُوصِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى دَوامِ تِلْكَ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ في قُلُوبِهِمْ.
الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ الهَواءُ الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ ثُمَّ جُعِلَ وصْفًا فَقِيلَ: قَلْبُ فُلانٍ هَواءٌ إذا كانَ خالِيًا لا قُوَّةَ فِيهِ، والمُرادُ بَيانُ أنَّ قُلُوبَ الكُفّارِ خالِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ عَنْ جَمِيعِ الخَواطِرِ والأفْكارِ لِعِظَمِ ما يَنالُهم مِنَ الحَيْرَةِ، ومِن كُلِّ رَجاءٍ وأمَلٍ لِما تَحَقَّقُوهُ مِنَ العِقابِ، ومِن كُلِّ سُرُورٍ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الحُزْنِ. إذا عَرَفْتَ هَذِهِ الصِّفاتِ الخَمْسَةَ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في وقْتِ حُصُولِها فَقِيلَ: إنَّها عِنْدَ المُحاسَبَةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الصِّفاتِ عَقِيبَ وصْفِ ذَلِكَ اليَوْمِ بِأنَّهُ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ، وقِيلَ: إنَّها تَحْصُلُ عِنْدَما يَتَمَيَّزُ فَرِيقٌ عَنْ فَرِيقٍ، والسُّعَداءُ يَذْهَبُونَ إلى الجَنَّةِ، والأشْقِياءُ إلى النّارِ. وقِيلَ: بَلْ يَحْصُلُ عِنْدَ إجابَةِ الدّاعِي والقِيامِ مِنَ القُبُورِ، والأوَّلُ أوْلى لِلدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
14:44–45Page 261
وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤
And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1
وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥
And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ فِيهِ أبْحاثٌ:
البحث الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿وأنْذِرِ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ.
البحث الثّانِي: الألِفُ واللّامُ في لَفْظِ ﴿العَذابُ﴾ لِلْمَعْهُودِ السّابِقِ، يَعْنِي: وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ
صفحة ١١٣
العَذابُ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهو شُخُوصُ أبْصارِهِمْ، وكَوْنُهم مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ.
البحث الثّالِثُ: الإنْذارُ هو التَّخْوِيفُ بِذِكْرِ المَضارِّ، والمُفَسِّرُونَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وحَمَلَهُ أبُو مُسْلِمٍ عَلى أنَّهُ حالَ المُعايَنَةِ، والظّاهِرُ يَشْهَدُ بِخِلافِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ اليَوْمَ بِأنَّ عَذابَهم يَأْتِي فِيهِ وأنَّهم يَسْألُونَ الرَّجْعَةَ، ويُقالُ لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِيَوْمِ القِيامَةِ. وحُجَّةُ أبِي مُسْلِمٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكم مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ أحَدَكُمُ المَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أخَّرْتَنِي إلى أجَلٍ قَرِيبٍ فَأصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: ١٠]، ثُمَّ حَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ ما يَقُولُ الكُفّارُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فَقالَ بَعْضُهم: طَلَبُوا الرَّجْعَةَ إلى الدُّنْيا لِيَتَلافَوْا ما فَرَّطُوا فِيهِ، وقالَ: بَلْ طَلَبُوا الرُّجُوعَ إلى حالِ التَّكْلِيفِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ .
وأمّا عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرٌ فَقالَ تَعالى مُجِيبًا لَهم: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ ومَعْناهُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانُوا يَذْكُرُونَهُ مِن إنْكارِ المَعادِ فَقَرَّعَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهَذا القَوْلِ لِأنَّ التَّقْرِيعَ بِهَذا الجِنْسِ أقْوى، ومَعْنى ﴿ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ لا شُبْهَةَ في أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لا زَوالَ لَنا مِن هَذِهِ الحَياةِ إلى حَياةٍ أُخْرى، ومِن هَذِهِ الدّارِ إلى دارِ المُجازاةِ، لا أنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يَزُولُوا عَنْ حَياةٍ إلى مَوْتٍ أوْ عَنْ شَبابٍ إلى هَرَمٍ أوْ عَنْ فَقْرٍ إلى غِنًى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى زادَهم تَقْرِيعًا آخَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي سَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قَبْلَكم، وهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ، وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ مَن شاهَدَ هَذِهِ الأحْوالَ وجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَبِرَ، فَإذا لَمْ يَعْتَبِرْ كانَ مُسْتَوْجِبًا لِلذَّمِّ والتَّقْرِيعِ.
ثم قال: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ وظَهَرَ لَكم أنَّ عاقِبَتَهم عادَتْ إلى الوَبالِ والخِزْيِ والنَّكالِ.
فَإنْ قِيلَ: ولِماذا قِيلَ: ﴿وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ﴾ ولَمْ يَكُنِ القَوْمُ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ تَعالى أهْلَكَهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ ؟
قُلْنا: إنَّهم عَلِمُوا أنَّ أُولَئِكَ المُتَقَدِّمِينَ كانُوا طالِبِينَ لِلدُّنْيا ثُمَّ إنَّهم فَنُوا وانْقَرَضُوا، فَعِنْدَ هَذا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في طَلَبِ الدُّنْيا، والواجِبُ الجِدُّ والِاجْتِهادُ في طَلَبِ الدِّينِ، والواجِبُ عَلى مَن عَرَفَ هَذا أنْ يَكُونَ خائِفًا وجِلًا فَيَكُونَ ذَلِكَ زَجْرًا لَهُ، هَذا إذا قُرِئَ بِالتّاءِ. أمّا إذا قُرِئَ بِالنُّونِ فَلا شُبْهَةَ فِيهِ لِأنَّ التَّقْدِيرَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ، ولَيْسَ كُلُّ ما بَيَّنَ لَهم تَبَيَّنُوهُ.
أما قوله: ﴿وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ فالمُرادُ ما أوْرَدَهُ اللَّهُ في القُرْآنِ مِمّا يُعْلَمُ بِهِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ وقادِرٌ عَلى التَّعْذِيبِ المُؤَجَّلِ كَما يَفْعَلُ الهَلاكَ المُعَجَّلَ، وذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ كَثِيرٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences