Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:4–7
14:4Page 255
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٤
And We did not send any messenger except [speaking] in the language of his people to state clearly for them, and Allāh sends astray [thereby] whom He wills1 and guides whom He wills. And He is the Exalted in Might, the Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ كانَ هَذا إنْعامًا عَلى الرَّسُولِ مِن حَيْثُ إنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهِ هَذا المَنصِبَ العَظِيمَ، وإنْعامًا أيْضًا عَلى الخَلْقِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن خَلَّصَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ وأرْشَدَهم إلى نُورِ الإيمانِ، فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَجْرِي مَجْرى تَكْمِيلِ النِّعْمَةِ والإحْسانِ في الوجه يْنِ. أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ سائِرَ الأنْبِياءِ كانُوا مَبْعُوثِينَ إلى قَوْمِهِمْ خاصَّةً، وأمّا أنْتَ يا مُحَمَّدُ فَمَبْعُوثٌ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَكانَ هَذا الإنْعامُ في حَقِّكَ أفْضَلَ وأكْمَلَ، وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى عامَّةِ الخَلْقِ، فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ ما بَعَثَ رَسُولًا إلى قَوْمٍ إلّا بِلِسانِ أُولَئِكَ القَوْمِ، فَإنَّهُ مَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، كانَ فَهْمُهم لِأسْرارِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ ووُقُوفُهم عَلى حَقائِقِها أسْهَلَ، وعَنِ الغَلَطِ والخَطَأِ أبْعَدَ، فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ.
* * *
المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللُّغاتِ اصْطِلاحِيَّةٌ لا تَوْقِيفِيَّةٌ، قالَ: لِأنَّ التَّوْقِيفَ لا يَحْصُلُ إلّا بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ إرْسالَ جَمِيعِ الرُّسُلِ لا يَكُونُ إلّا بِلُغَةِ قَوْمِهِمْ، وذَلِكَ يَقْتَضِي تَقَدُّمَ حُصُولِ اللُّغاتِ عَلى إرْسالِ الرُّسُلِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حُصُولُ تِلْكَ اللُّغاتِ بِالتَّوْقِيفِ، فَوَجَبَ حُصُولُها بِالِاصْطِلاحِ.
* * *
المسألة الثّالِثَةُ: زَعَمَ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُمُ العِيسَوِيَّةُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَكِنْ إلى العَرَبِ لا إلى سائِرِ الطَّوائِفِ، وتَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ القُرْآنَ لَمّا كانَ نازِلًا بِلُغَةِ العَرَبِ لَمْ يَعْرِفْ كَوْنَهُ مُعْجِزَةً بِسَبَبِ ما فِيهِ مِنَ الفَصاحَةِ إلّا العَرَبُ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ القُرْآنُ حُجَّةً إلّا عَلى العَرَبِ، ومَن لا يَكُونُ عَرَبِيًّا لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِ.
الثّانِي: قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ المُرادُ بِذَلِكَ اللِّسانِ لِسانُ العَرَبِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ لَهُ قَوْمٌ سِوى العَرَبِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ فَقَطْ.
والجَوابُ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ بَلَدِهِ، ولَيْسَ المُرادُ مِن ﴿قَوْمِهِ﴾ أهْلَ دَعْوَتِهِ، والدَّلِيلُ عَلى عُمُومِ الدَّعْوَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعْرافِ: ١٥٨] بَلْ إلى الثِّقْلَيْنِ؛ لِأنَّ التَّحَدِّيَ كَما وقَعَ مَعَ الإنْسِ فَقَدْ وقَعَ مَعَ الجِنِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٨٨].
* * *
المسألة الرّابِعَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى أنَّ الضَّلالَ والهِدايَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، والآيَةُ صَرِيحَةٌ في هَذا المَعْنى، قالَ الأصْحابُ: ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى ما رُوِيَ «أنَّ
صفحة ٦٤
أبا بَكْرٍ وعُمَرَ أقْبَلا في جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ وقَدِ ارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”ما هَذا؟“ فَقالَ بَعْضُهم: يا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ أبُو بَكْرٍ: الحَسَناتُ مِنَ اللَّهِ والسَّيِّئاتُ مِن أنْفُسِنا، ويَقُولُ عُمَرُ كِلاهُما مِنَ اللَّهِ، وتَبِعَ بَعْضُهم أبا بَكْرٍ وبَعْضُهم عُمَرَ، فَتَعَرَّفَ الرَّسُولُ ﷺ ما قالَهُ أبُو بَكْرٍ، وأعْرَضَ عَنْهُ حَتّى عُرِفَ ذَلِكَ في وجْهِهِ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عُمَرَ فَتَعَرَّفَ ما قالَهُ وعُرِفَ البِشْرُ في وجْهِهِ، ثم قال: ”أقْضِي بَيْنَكُما كَما قَضى بِهِ إسْرافِيلُ بَيْنَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، قالَ جِبْرِيلُ مِثْلَ مَقالَتِكَ يا عُمَرُ، وقالَ مِيكائِيلُ مِثْلَ مَقالَتِكَ يا أبا بَكْرٍ، فَقَضاءُ إسْرافِيلَ أنَّ القَدَرَ كُلَّهُ خَيْرَهُ وشَرَّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا قَضائِي بَيْنَكُما» “. قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الآيَةُ لا يُمْكِنُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ والمَعْنى: أنّا إنَّما أرْسَلْنا كُلَّ رَسُولٍ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهم تِلْكَ التَّكالِيفَ بِلِسانِهِمْ، فَيَكُونَ إدْراكُهم لِذَلِكَ البَيانِ أسْهَلَ ووُقُوفُهم عَلى المَقْصُودِ والغَرَضِ أكْمَلَ، وهَذا الكَلامُ إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ مَقْصُودُ اللَّهِ تَعالى مِن إرْسالِ الرُّسُلِ حُصُولَ الإيمانِ لِلْمُكَلَّفِينَ، فَأمّا لَوْ كانَ مَقْصُودُهُ الإضْلالَ وخَلْقَ الكُفْرِ فِيهِمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الكَلامُ مُلائِمًا لِهَذا المَقْصُودِ.
والثّانِي: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا قالَ لَهم: إنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الكُفْرَ والضَّلالَ فِيكم، فَلَهم أنْ يَقُولُوا لَهُ: فَما الفائِدَةُ في بَيانِكَ، وما المَقْصُودُ مِن إرْسالِكَ، وهَلْ يُمْكِنُنا أنْ نُزِيلَ كُفْرًا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى فِينا عَنْ أنْفُسِنا؟ وحِينَئِذٍ تَبْطُلُ دَعْوَةُ النُّبُوَّةِ وتَفْسُدُ بِعْثَةُ الرُّسُلِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ الكُفْرُ حاصِلًا بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الرِّضا بِهِ واجِبًا؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
والرّابِعُ: أنّا قَدْ دَلَّلْنا عَلى أنَّ مُقَدِّمَةَ هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِ العَدْلِ، وأيْضًا مُؤَخِّرَةُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَكَيْفَ يَكُونُ حَكِيمًا مَن كانَ خالِقًا لِلْكُفْرِ والقَبائِحِ ومُرِيدًا لَها؟ فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ عَلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ في العَبْدِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلى التَّأْوِيلِ. وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ما في هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦] ولا بَأْسَ بِإعادَةِ بَعْضِها:
فالأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِالإضْلالِ: هو الحكم بِكَوْنِهِ كافِرًا ضالًّا، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُكَفِّرُ فُلانًا ويُضَلِّلُهُ، أيْ يَحْكُمُ بِكَوْنِهِ كافِرًا ضالًّا.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الإضْلالُ عِبارَةً عَنِ الذَّهابِ بِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ إلى النّارِ، والهِدايَةُ عِبارَةً عَنْ إرْشادِهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا تَرَكَ الضّالَّ عَلى إضْلالِهِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ صارَ كَأنَّهُ أضَلَّهُ، والمُهْتَدِي لَمّا أعانَهُ بِالألْطافِ صارَ كَأنَّهُ هو الَّذِي هَداهُ، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المُرادُ بِالإضْلالِ: التَّخْلِيَةُ ومَنعُ الألْطافِ، وبِالهِدايَةِ التَّوْفِيقُ واللُّطْفُ.
والجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: أوَّلًا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ لا يَلِيقُ بِهِ أنْ يُضِلَّهم.
قُلْنا: قالَ الفَرّاءُ: إذا ذُكِرَ فِعْلٌ وبَعْدَهُ فِعْلٌ آخَرُ، فَإنْ كانَ الفِعْلُ الثّانِي مُشاكِلًا لِلْأوَّلِ نَسَقْتَهُ عَلَيْهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُشاكِلًا لَهُ اسْتَأْنَفْتَهُ ورَفَعْتَهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ ويَأْبى اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٢] فَقَوْلُهُ: ﴿ويَأْبى اللَّهُ﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٢] في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا يَجُوزُ إلّا ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: يُرِيدُونَ أنْ يَأْبى اللَّهُ، فَلَمّا لَمْ يُمْكِنْ وضْعُ الثّانِي مَوْضِعَ الأوَّلِ بَطَلَ العَطْفُ، ونَظِيرُهُ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكم ونُقِرُّ في الأرْحامِ﴾ [الحَجِّ: ٥] ومِن ذَلِكَ قَوْلُهم: أرَدْتُ أنْ أزُورَكَ فَيَمْنَعُنِي المَطَرُ بِالرَّفْعِ غَيْرَ مَنسُوقٍ عَلى ما قَبْلَهُ لِما ذَكَرْناهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
صفحة ٦٥
يُرِيدُ أنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهْ
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: هَهُنا قالَ تَعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ ذَكَرَ فَيُضِلُّ بِالرَّفْعِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ وأنَّهُ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ، وأقُولُ: تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ مِن حَيْثُ المَعْنى، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا بِلِسانِ قَوْمِهِ؛ لِيَكُونَ بَيانُهُ لَهم تِلْكَ الشَّرائِعَ بِلِسانِهِمُ الَّذِي ألِفُوهُ واعْتادُوهُ، ثم قال: ومَعَ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ تَعالى يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ، والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ تَقْوِيَةَ البَيانِ لا تُوجِبُ حُصُولَ الهِدايَةِ فَرُبَّما قَوِيَ البَيانُ ولا تَحْصُلُ الهِدايَةُ، ورُبَّما ضَعُفَ البَيانُ وحَصَلَتِ الهِدايَةُ، وإنَّما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لِأجْلِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَ لا يَحْصُلانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
أما قوله ثانِيًا: لَوْ كانَ الضَّلالُ حاصِلًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ لِلْكافِرِ أنْ يَقُولَ لَهُ: ما الفائِدَةُ في بَيانِكَ ودَعْوَتِكَ ؟ فَنَقُولُ: يُعارِضُهُ أنَّ الخَصْمَ يُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ إخْبارٌ عَنْ كَوْنِهِ ضالًّا، فَيَقُولُ لَهُ الكافِرُ: لَمّا أخْبَرَ إلَهُكَ عَنْ كَوْنِي كافِرًا فَإنْ آمَنتُ صارَ إلَهُكَ كاذِبًا، فَهَلْ أقْدِرُ عَلى جَعْلِ إلَهِكَ كاذِبًا ؟ وهَلْ أقْدِرُ عَلى جَعْلِ عِلْمِهِ جَهْلًا ؟ وإذا لَمْ أقْدِرْ عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَأْمُرُنِي بِهَذا الإيمانِ ؟ فَثَبَتَ أنَّ هَذا السُّؤالَ الَّذِي أوْرَدَهُ الخَصْمُ عَلَيْنا هو أيْضًا وارِدٌ عَلَيْهِ.
وأما قوله ثالِثًا: يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الرِّضا بِالكُفْرِ واجِبًا؛ لِأنَّ الرِّضا بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى واجِبٌ وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ.
قُلْنا: ويَلْزَمُكَ أيْضًا عَلى مَذْهَبِكَ أنَّهُ يَجِبُ عَلى العَبْدِ السَّعْيُ في تَكْذِيبِ اللَّهِ وفي تَجْهِيلِهِ، وهَذا أشَدُّ اسْتِحالَةً مِمّا ألْزَمْتَهُ عَلَيْنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِ وعَلِمَ كُفْرَهُ فَإزالَةُ الكُفْرِ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ قَلْبَ عِلْمِهِ جَهْلًا وخَبَرِهِ الصِّدْقِ كَذِبًا.
وأما قوله رابِعًا: إنَّ مُقَدِّمَةَ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الِاعْتِزالِ؛ فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ.
وأما قوله خامِسًا: أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ في آخِرِ الآيَةِ بِكَوْنِهِ حَكِيمًا وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَهُ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ مُرِيدًا لَهُ. فَنَقُولُ: وقَدْ وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ عَزِيزًا والعَزِيزُ هو الغالِبُ القاهِرُ، فَلَوْ أرادَ الإيمانَ مِنَ الكافِرِ مَعَ أنَّهُ لا يَحْصُلُ أوْ أرادَ عَمَلَ الكُفْرِ مِنهم وقَدْ حَصَلَ، لَما بَقِيَ عَزِيزًا غالِبًا. فَثَبَتَ أنَّ الوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرُوها ضَعِيفَةٌ، وأمّا التَّأْوِيلاتُ الثَّلاثَةُ الَّتِي ذَكَرُوها فَقَدْ مَرَّ إبْطالُها في هَذا الكِتابِ مِرارًا فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.
14:5–6Page 255
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٥
And We certainly sent Moses with Our signs, [saying], "Bring out your people from darknesses into the light and remind them of the days1 of Allāh." Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٦
And [recall, O Children of Israel], when Moses said to his people, "Remember the favor of Allāh upon you when He saved you from the people of Pharaoh, who were afflicting you with the worst torment and were slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ .
صفحة ٦٦
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى النّاسِ لِيُخْرِجَهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وذَكَرَ كَمالَ إنْعامِهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ في ذَلِكَ الإرْسالِ وفي تِلْكَ البَعْثَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِشَرْحِ بِعْثَةِ سائِرِ الأنْبِياءِ إلى أقْوامِهِمْ وكَيْفِيَّةِ مُعامَلَةِ أقْوامِهِمْ مَعَهم؛ تَصْبِيرًا لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى أذى قَوْمِهِ وإرْشادًا لَهُ إلى كَيْفِيَّةِ مُكالَمَتِهِمْ ومُعامَلَتِهِمْ، فَذَكَرَ تَعالى عَلى العادَةِ المَأْلُوفَةِ قَصَصَ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَبَدَأ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ قالَ الأصَمُّ: آياتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هي: العَصا واليَدُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وفَلْقُ البَحْرِ وانْفِجارُ العُيُونِ مِنَ الحَجَرِ وإظْلالُ الجَبَلِ وإنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى. وقالَ الجُبّائِيُّ: أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى قَوْمِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِآياتِهِ وهي دَلالاتُهُ وكُتُبُهُ المُنَزَّلَةُ عَلَيْهِ، وأمَرَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهُمُ الدِّينَ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ وقالَ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ والمَقْصُودُ: بَيانُ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ البِعْثَةِ واحِدٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهو أنْ يَسْعَوْا في إخْراجِ الخَلْقِ مِن ظُلُماتِ الضَّلالاتِ إلى أنْوارِ الهِداياتِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيْ بِأنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ. ثم قال: ﴿أنْ﴾ هَهُنا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى أيْ، ويَكُونَ المَعْنى: ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أيْ أخْرِجْ قَوْمَكَ، كَأنَّ المَعْنى قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] أيِ امْشُوا، والتَّأْوِيلُ: قِيلَ لَهُمُ امْشُوا، وتَصْلُحُ أيْضًا أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةَ الَّتِي هي لِلْخَبَرِ، والمَعْنى: أرْسَلْناهُ بِأنْ يُخْرِجَ قَوْمَهُ إلّا أنَّ الجارَّ حُذِفَ ووُصِلَتْ [ أنْ ] بِلَفْظِ الأمْرِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ قُمْ وأمَرْتُهُ أنْ قُمْ، ثُمَّ إنَّ الزَّجّاجَ حَكى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ عَنْ سِيبَوَيْهِ.
أما قوله: ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذا المَقامِ بِشَيْئَيْنِ:
أحَدُهُما: أنْ يُخْرِجَهم مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ.
والثّانِي: أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: أيّامٌ جَمْعُ يَوْمٍ، واليَوْمُ هو مِقْدارُ المُدَّةِ مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، وكانَتِ الأيّامُ في الأصْلِ ”أيْوامٌ“ فاجْتَمَعَتِ الياءُ والواوُ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَأُدْغِمَتْ إحْداهُما في الأُخْرى وغَلَبَتِ الياءُ.
المسألة الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُعَبَّرُ بِالأيّامِ عَنِ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها. يُقالُ: فُلانٌ عالِمٌ بِأيّامِ العَرَبِ ويُرِيدُ وقائِعَها، وفي المَثَلِ: مَن يُرَ يَوْمًا يُرَ لَهُ؛ مَعْناهُ مَن رُئِيَ في يَوْمٍ مَسْرُورًا بِمَصْرَعِ غَيْرِهِ يُرَ في يَوْمٍ آخَرَ حَزِينًا بِمَصْرَعِ نَفْسِهِ، وقالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠] .
إذا عَرَفْتَ هَذا فالمَعْنى: عِظْهم بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، فالتَّرْغِيبُ والوَعْدُ أنْ يُذَكِّرَهم ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وعَلى مَن قَبْلَهم مِمَّنْ آمَنَ بِالرُّسُلِ في سائِرِ ما سَلَفَ مِنَ الأيّامِ، والتَّرْهِيبُ والوَعِيدُ: أنْ يُذَكِّرَهم بَأْسَ اللَّهِ وعَذابَهُ وانْتِقامَهُ مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ فِيما سَلَفَ مِنَ الأيّامِ، مِثْلُ ما نَزَلَ بِعادٍ وثَمُودَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَذابِ، لِيَرْغَبُوا في الوَعْدِ فَيُصَدِّقُوا ويَحْذَرُوا مِنَ الوَعِيدِ فَيَتْرُكُوا التَّكْذِيبَ.
واعْلَمْ أنَّ أيّامَ اللَّهِ في حَقِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها ما كانَ أيّامَ المِحْنَةِ والبَلاءِ وهي الأيّامُ الَّتِي كانَتْ بَنُو
صفحة ٦٧
إسْرائِيلَ فِيها تَحْتَ قَهْرِ فِرْعَوْنَ، ومِنها ما كانَ أيّامَ الرّاحَةِ والنَّعْماءِ مِثْلَ إنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى وانْفِلاقِ البَحْرِ وتَظْلِيلِ الغَمامِ.
ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ والمَعْنى أنَّ في ذَلِكَ التَّذْكِيرِ والتَّنْبِيهِ دَلائِلَ لِمَن كانَ صَبّارًا شَكُورًا؛ لِأنَّ الحالَ إمّا أنْ يَكُونَ حالَ مِحْنَةٍ وبَلِيَّةٍ أوْ حالَ مِنحَةٍ وعَطِيَّةٍ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ المُؤْمِنُ صَبّارًا، وإنْ كانَ الثّانِيَ كانَ شَكُورًا. وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ أنْ لا يَخْلُوَ زَمانُهُ عَنْ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، فَإنْ جَرى الوَقْتُ عَلى ما يُلائِمُ طَبْعَهُ ويُوافِقُ إرادَتَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالشُّكْرِ، وإنْ جَرى بِما لا يُلائِمُ طَبْعَهُ كانَ مَشْغُولًا بِالصَّبْرِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ تِلْكَ التَّذْكِيراتِ آياتٌ لِلْكُلِّ، فَلِماذا خَصَّ الصَّبّارَ الشَّكُورَ بِها ؟
قُلْنا: فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَمّا كانُوا هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتِلْكَ الآياتِ صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ آياتٍ إلّا لَهم كَما في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشاها﴾ [النازعات: ٤٥] .
والثّانِي: لا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: الِانْتِفاعُ بِهَذا النوع مِنَ التَّذْكِيرِ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا لِمَن كانَ صابِرًا أوْ شاكِرًا. أمّا الَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَذِهِ الآياتِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ تَعالى، حَكى عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ ذَكَّرَهم بِها فَقالَ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ أنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ أنْجاكُمْ﴾ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ بِمَعْنى الإنْعامِ، أيِ اذْكُرُوا إنْعامَ اللَّهِ عَلَيْكم في ذَلِكَ الوَقْتِ.
* * *
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: ذُكِرَ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ [البقرة: ٤٩] وفي سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿يُقَتِّلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤١] وهَهُنا ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ مَعَ الواوِ فَما الفَرْقُ ؟
والجَوابُ: قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بِغَيْرِ واوٍ لِأنَّهُ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ وفي التَّفْسِيرِ لا يَحْسُنُ ذِكْرُ الواوِ، تَقُولُ: أتانِي القَوْمُ زَيْدٌ وعَمْرٌو. لِأنَّكَ أرَدْتَ أنْ تُفَسِّرَ القَوْمَ بِهِما، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ﴿يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ﴾ [الفرقان: ٦٨-٦٩] فالأثامُ لَمّا صارَ مُفَسَّرًا بِمُضاعَفَةِ العَذابِ لا جَرَمَ حُذِفَ عَنْهُ الواوُ. أمّا في هَذِهِ السُّورَةِ فَقَدْ أدْخَلَ الواوَ فِيهِ؛ لِأنَّ المَعْنى أنَّهم يُعَذِّبُونَهم بِغَيْرِ التَّذْبِيحِ وبِالتَّذْبِيحِ أيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ العَذابِ لا أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِما قَبْلَهُ.
السُّؤالُ الثّانِي: كَيْفَ كانَ فِعْلُ آلِ فِرْعَوْنَ بَلاءً مِن رَبِّهِمْ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ تَمْكِينَ اللَّهِ إيّاهم حَتّى فَعَلُوا ما فَعَلُوا كانَ بَلاءً مِنَ اللَّهِ.
والثّانِي: وهو أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإنْجاءِ، وهو بَلاءٌ عَظِيمٌ، والبَلاءُ هو الِابْتِلاءُ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالنِّعْمَةِ تارَةً، وبِالمِحْنَةِ أُخْرى، قالَ تَعالى: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥] وهَذا الوجه أوْلى لِأنَّهُ يُوافِقُ صَدْرَ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ .
السُّؤالُ الثّالِثُ: هَبْ أنَّ تَذْبِيحَ الأبْناءِ كانَ بَلاءً، أمّا اسْتِحْياءُ النِّساءِ كَيْفَ يَكُونُ بَلاءً ؟
الجَوابُ: كانُوا يَسْتَخْدِمُونَهُنَّ بِالِاسْتِحْياءِ في الخَلاصِ مِنهُ نِعْمَةً، وأيْضًا إبْقاؤُهُنَّ مُنْفَرِداتٍ عَنِ الرِّجالِ فِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ.
14:7Page 256
وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ٧
And [remember] when your Lord proclaimed, 'If you are grateful, I will surely increase you [in favor]; but if you deny, indeed, My punishment is severe.'"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكم ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ مِن جُمْلَةِ ما قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم واذْكُرُوا حِينَ تَأذَّنَ رَبُّكم، ومَعْنى ﴿تَأذَّنَ﴾ أذِنَ رَبُّكم. ونَظِيرُ تَأذَّنَ وآذَنَ تَوَعَّدَ وأوْعَدَ وتَفَضَّلَ وأفْضَلَ، ولا بُدَّ في تَفَعَّلَ مِن زِيادَةِ مَعْنًى لَيْسَ في أفْعَلَ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذْ آذَنَ رَبُّكم إيذانًا بَلِيغًا يَنْتَفِي عِنْدَهُ الشُّكُوكُ، وتَنْزاحُ الشُّبْهَةُ، والمَعْنى: وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكم. فَقالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ فَأجْرى ﴿تَأذَّنَ﴾ مَجْرى قالَ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ”وإذْ قالَ رَبُّكَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ“ .
واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ أنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ زادَهُ اللَّهُ مِن نِعَمِهِ، ولا بُدَّ هَهُنا مِن مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ الشُّكْرِ ومِنَ البحث عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ الزّائِدَةِ الحاصِلَةِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالشُّكْرِ، أمّا الشُّكْرُ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الِاعْتِرافِ بِنِعْمَةِ المُنْعِمِ مَعَ تَعْظِيمِهِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وأمّا الزِّيادَةُ في النِّعَمِ فَهي أقْسامٌ: مِنها النِّعَمُ الرُّوحانِيَّةُ، ومِنها النِّعَمُ الجُسْمانِيَّةُ، أمّا النِّعَمُ الرُّوحانِيَّةُ فَهي أنَّ الشّاكِرَ يَكُونُ أبَدًا في مُطالَعَةِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأنْواعِ فَضْلِهِ وكَرَمِهِ، ومَن كَثُرَ إحْسانُهُ إلى الرَّجُلِ أحَبَّهُ الرَّجُلُ لا مَحالَةَ، فَشُغْلُ النَّفْسِ بِمُطالَعَةِ أنْواعِ فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ يُوجِبُ تَأكُّدَ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِلَّهِ تَعالى، ومَقامُ المَحَبَّةِ أعْلى مَقاماتِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ قَدْ يَتَرَقّى العَبْدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إلى أنْ يَصِيرَ حُبُّهُ لِلْمُنْعِمِ شاغِلًا لَهُ عَنِ الِالتِفاتِ إلى النِّعْمَةِ، ولا شَكَّ أنَّ مَنبَعَ السَّعاداتِ وعُنْوانَ كُلِّ الخَيْراتِ مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعالى ومَعْرِفَتُهُ، فَثَبَتَ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ يُوجِبُ مَزِيدَ النِّعَمِ الرُّوحانِيَّةِ، وأمّا مَزِيدُ النِّعَمِ الجُسْمانِيَّةِ، فَلِأنَّ الِاسْتِقْراءَ دَلَّ عَلى أنَّ مَن كانَ اشْتِغالُهُ بِشُكْرِ نِعَمِ اللَّهِ أكْثَرَ، كانَ وُصُولُ نِعَمِ اللَّهِ إلَيْهِ أكْثَرَ، وبِالجُمْلَةِ فالشُّكْرُ إنَّما حَسُنَ مَوْقِعُهُ لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِمَعْرِفَةِ المَعْبُودِ وكُلُّ مَقامٍ حَرَّكَ العَبْدَ مِن عالَمِ الغُرُورِ إلى عالَمِ القُدُسِ، فَهو المَقامُ الشَّرِيفُ العالِي الَّذِي يُوجِبُ السَّعادَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا.
وأما قوله: ﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الكُفْرانُ، لا الكُفْرُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ المَذْكُورَ في مُقابَلَةِ الشُّكْرِ لَيْسَ إلّا الكُفْرانَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ كُفْرانَ النِّعْمَةِ لا يَحْصُلُ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِكَوْنِ تِلْكَ النِّعْمَةِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ، والجاهِلُ بِها جاهِلٌ بِاللَّهِ، والجَهْلُ بِاللَّهِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ العِقابِ والعَذابِ، وأيْضًا فَهَهُنا دَقِيقَةٌ أُخْرى وهي أنَّ ما سِوى الواحِدِ الأحَدِ الحَقِّ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ وكُلُّ مُمْكِنٍ لِذاتِهِ فَوُجُودُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وعَدَمُهُ إنَّما يَحْصُلُ بِإعْدامِ الواجِبِ لِذاتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ ما سِوى الحَقِّ فَهو مُنْقادٌ لِلْحَقِّ مِطْواعٌ لَهُ، وإذا كانَتِ المُمْكِناتُ بِأسْرِها مُنْقادَةً لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ فَكُلُّ قَلْبٍ حَضَرَ فِيهِ نُورُ مَعْرِفَةِ الحَقِّ وشَرَفُ جَلالِهِ، انْقادَ لِصاحِبِ ذَلِكَ القَلْبِ ما سِواهُ، لِأنَّ حُضُورَ ذَلِكَ النُّورِ في قَلْبِهِ يَسْتَخْدِمُ كُلَّ ما سِواهُ بِالطَّبْعِ، وإذا خَلا القَلْبُ عَنْ ذَلِكَ النُّورِ ضَعُفَ وصارَ خَسِيسًا فَيَسْتَخْدِمُهُ كُلُّ ما سِواهُ ويَسْتَحْقِرُهُ كُلُّ ما يُغايِرُهُ فَبِهَذا الطَّرِيقِ الذَّوْقِيِّ يَحْصُلُ العِلْمُ بِأنَّ الِاشْتِغالَ بِمَعْرِفَةِ الحَقِّ يُوجِبُ انْفِتاحَ أبْوابِ الخَيْراتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمّا الإعْراضُ عَنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ بِالِاشْتِغالِ بِمُجَرَّدِ الجُسْمانِيّاتِ يُوجِبُ انْفِتاحَ أبْوابِ الآفاتِ والمَخافاتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences