Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:21–27
15:21–22Page 263
وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١
And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.
وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢
And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أنْبَتَ في الأرْضِ كُلَّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ، وجَعَلَ فِيها مَعايِشَ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما هو كالسَّبَبِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ .
وهَذا هو النوع الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: الخَزائِنُ جَمْعُ الخِزانَةِ، وهو اسْمُ المَكانِ الَّذِي يُخْزَنُ فِيهِ الشَّيْءُ أيْ: يُحْفَظُ والخِزانَةُ أيْضًا عَمَلُ الخازِنِ، ويُقالُ: خَزَنَ الشَّيْءَ يَخْزِنُهُ إذا أحْرَزَهُ في خِزانَةٍ، وعامَّةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ هو المَطَرُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ هو السَّبَبُ لِلْأرْزاقِ ولِمَعايِشِ بَنِي آدَمَ وغَيْرِهِمْ مِنَ الطُّيُورِ والوُحُوشِ، فَلَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ يُعْطِيهِمُ المُعايِشَ بَيَّنَ أنَّ خَزائِنَ المَطَرِ الَّذِي هو سَبَبُ المَعايِشِ عِنْدَهُ، أيْ: في أمْرِهِ وحُكْمِهِ وتَدْبِيرِهِ، وقَوْلِهِ: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَحِمَهُما اللَّهُ: يُرِيدُ قَدْرَ الكِفايَةِ، وقالَ الحكم: ما مِن عامٍ بِأكْثَرَ مَطَرًا مِن عامٍ آخَرَ، ولَكِنَّهُ يُمْطَرُ قَوْمٌ ويُحْرَمُ قَوْمٌ آخَرُونَ، ورُبَّما كانَ في البَحْرِ، يَعْنِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْزِلُ المَطَرَ كُلَّ عامٍ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، غَيْرَ أنَّهُ يَصْرِفُهُ إلى مَن يَشاءُ حَيْثُ شاءَ كَما شاءَ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَفْظُ الآيَةِ لا يَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُنْزِلُهُ في جَمِيعِ الأعْوامِ عَلى قَدْرٍ واحِدٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى تَحَكُّمًا مِن غَيْرِ دَلِيلٍ. وأقُولُ أيْضًا: تَخْصِيصُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ بِالمَطَرِ تَحَكُّمٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأشْياءِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وهو المَوْجُودُ القَدِيمُ الواجِبُ لِذاتِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ تِلْكَ الأشْياءِ مَقْدُورَةً لَهُ تَعالى. وحاصِلُ الأمْرِ فِيهِ أنَّ المُرادَ أنَّ جَمِيعَ المُمْكِناتِ مَقْدُورَةٌ لَهُ، ومَمْلُوكَةٌ يُخْرِجُها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ كَيْفَ شاءَ إلّا أنَّهُ تَعالى وإنْ كانَتْ مَقْدُوراتُهُ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ إلّا أنَّ الَّذِي يُخْرِجُهُ مِنها إلى الوُجُودِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَناهِيًا؛ لِأنَّ دُخُولَ ما لا نِهايَةَ لَهُ في الوُجُودِ مُحالٌ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ إشارَةٌ إلى كَوْنِ مَقْدُوراتِهِ غَيْرَ مُتَناهِيَةٍ وقَوْلُهُ: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ كُلَّ ما يَدْخُلُ مِنها في الوُجُودِ فَهو مُتَناهٍ، ومَتى كانَ الخارِجُ مِنها إلى الوُجُودِ مُتَناهِيًا كانَ لا مَحالَةَ مُخْتَصًّا في الحُدُوثِ بِوَقْتٍ مُقَدَّرٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الوَقْتِ أوْ بَعْدَهُ بَدَلًا عَنْهُ،
صفحة ١٣٩
وكانَ مُخْتَصًّا بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ مَعَ جَوازِ حُصُولِهِ في سائِرِ الأحْيازِ بَدَلًا عَنْ ذَلِكَ الحَيِّزِ، وكانَ مُخْتَصًّا بِصِفاتٍ مُعَيَّنَةٍ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَجُوزُ في العَقْلِ حُصُولُ سائِرِ الصِّفاتِ بَدَلًا عَنْ تِلْكَ الصِّفاتِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ تِلْكَ الأشْياءِ المُتَناهِيَةِ بِذَلِكَ الوَقْتِ المُعَيَّنِ والحَيِّزِ المُعَيَّنِ، والصِّفاتِ المُعَيَّنَةِ بَدَلًا عَنْ أضْدادِها لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وتَقْدِيرِ مُقَدِّرٍ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَوْلا القادِرُ المُخْتارُ الَّذِي خَصَّصَ تِلْكَ الأشْياءَ بِتِلْكَ الأحْوالِ الجائِزَةِ لامْتَنَعَ اخْتِصاصُها بِتِلْكَ الصِّفاتِ الجائِزَةِ، والمُرادُ مِنَ الإنْزالِ الإحْداثُ والإنْشاءُ والإبْداعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الزُّمَرِ: ٦] وقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ [الحَدِيدِ: ٢٥] واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ قالَ: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ لِجَمِيعِ الأشْياءِ خَزائِنُ، وأنْ تَكُونَ تِلْكَ الخَزائِنُ حاصِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا جائِزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن تِلْكَ الخَزائِنِ المَوْجُودَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى هي تِلْكَ المَوْجُوداتُ مِن حَيْثُ إنَّها مَوْجُودَةٌ، لِأنّا بَيَّنّا أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نُنَزِّلُهُ إلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ الإحْداثُ والإبْداعُ والإنْشاءُ والتَّكْوِينُ، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُصُولُ تِلْكَ الخَزائِنِ عِنْدَ اللَّهِ مُتَقَدِّمًا عَلى حُدُوثِها ودُخُولِها في الوُجُودِ، وإذا بَطَلَ هَذا وجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ تِلْكَ الذَّواتِ والحَقائِقَ والماهِيّاتِ كانَتْ مُتَقَرِّرَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، بِمَعْنى أنَّها كانَتْ ثابِتَةً مِن حَيْثُ إنَّها حَقائِقُ وماهِيّاتٌ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ بَعْضَها أيْ: أخْرَجَ بَعْضَها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
ولِقائِلٍ أنْ يُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لا شَكَّ أنَّ لَفْظَ الخَزائِنِ إنَّما ورَدَ هَهُنا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى إيجادِ تِلْكَ الأشْياءِ وتَكْوِينِها وإخْراجِها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ ؟ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ، والمُباحَثاتُ الدَّقِيقَةُ باقِيَةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
أما قوله تَعالى: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ فاعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع الخامِسُ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ، وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: في وصْفِ الرِّياحِ بِأنَّها لَواقِحُ. أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الرِّياحُ لَواقِحُ لِلشَّجَرِ ولِلسَّحابِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، وأصْلُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ: لَقِحَتِ النّاقَةُ وألْقَحَها الفَحْلُ إذا ألْقى الماءَ فِيها فَحَمَلَتْ، فَكَذَلِكَ الرِّياحُ جارِيَةٌ مَجْرى الفَحْلِ لِلسَّحابِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: يَبْعَثُ اللَّهُ الرِّياحَ؛ لِتَلْقِيحِ السَّحابِ، فَتَحْمِلُ الماءَ وتَمُجُّهُ في السَّحابِ، ثُمَّ إنَّهُ يَعْصِرُ السَّحابَ ويُدِرُّهُ كَما تُدِرُّ اللِّقْحَةُ، فَهَذا هو تَفْسِيرُ إلْقاحِها لِلسَّحابِ، وأمّا تَفْسِيرُ إلْقاحِها لِلشَّجَرِ فَما ذَكَرُوهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ ﴿لَواقِحَ﴾ وهي مُلَقَّحَةٌ ؟
والجَوابُ: ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّ (لَواقِحَ) هَهُنا بِمَعْنى مَلاقِحَ جَمْعُ مُلَقَّحَةٍ، وأنْشَدَ لِسُهَيْلٍ يَرْثِي أخاهُ:
لَبَّيْكَ يَزِيدُ يائِسٌ ذُو ضَراعَةٍ وأشْعَثُ مِمّا طَوَّحَتْهُ الطَّوائِحُ
صفحة ١٤٠
أرادَ المَطُوحاتِ، وقَرَّرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ ذَلِكَ فَقالَ: تَقُولُ العَرَبُ أبْقَلَ النَّبْتُ فَهو باقِلٌ يُرِيدُونَ هو مُبَقَّلٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى جَوازِ وُرُودِ لاقِحٍ عِبارَةً عَنْ مُلَقِّحٍ.
والوجه الثّانِي: في الجَوابِ قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَها لَواقِحٌ وإنْ ألْقَحَتْ غَيْرَها؛ لِأنَّ مَعْناها النِّسْبَةُ وهو كَما يُقالُ: دِرْهَمٌ وازِنٌ، أيْ: ذُو وزْنٍ، ورامِحٌ وسائِفٌ، أيْ: ذُو رُمْحٍ وذُو سَيْفٍ قالَ الواحِدِيُّ: هَذا الجَوابُ لَيْسَ بِمُغْنٍ؛ لِأنَّهُ كانَ يَجِبُ أنْ يَصِحَّ اللّاقِحُ بِمَعْنى ذاتِ اللِّقاحِ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ اللّاقِحَ هو المَنسُوبُ إلى اللِّقْحَةِ، ومَن أفادَ غَيْرَهُ اللِّقْحَةَ فَلَهُ نِسْبَةٌ إلى اللِّقْحَةِ فَصَحَّ هَذا الجَوابُ واللَّهُ أعْلَمُ.
والوجه الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ الرِّيحَ في نَفْسِها لاقِحٌ وتَقْرِيرُهُ بِطَرِيقَيْنِ:
الطَّرِيقُ الأوَّلُ: أنَّ الرِّيحَ حاصِلَةٌ لِلسَّحابِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا﴾ [الأعْرافِ: ٥٧] أيْ: حَمَلَتْ فَعَلى هَذا المَعْنى تَكُونُ الرِّيحُ لاقِحَةً، بِمَعْنى أنَّها حامِلَةٌ تَحْمِلُ السَّحابَ والماءَ.
والطَّرِيقُ الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلرِّيحِ لَقِحَتْ إذا أتَتْ بِالخَيْرِ، كَما قِيلَ لَها عَقِيمٌ إذا لَمْ تَأْتِ بِالخَيْرِ، وهَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ لَقِحَتِ الحَرْبُ، وقَدْ نَتَجَتْ ولَدًا أنْكَدَ يُشَبِّهُونَ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن ضُرُوبِ الشَّرِّ بِما تَحْمِلُهُ النّاقَةُ فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.
المسألة الثّانِيَةُ: الرِّيحُ هَواءٌ مُتَحَرِّكٌ وحَرَكَةُ الهَواءِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ مُتَحَرِّكًا لا بُدَّ لَهُ مِن سَبَبٍ، وذَلِكَ السَّبَبُ لَيْسَ نَفْسُ كَوْنِهِ هَواءً ولا شَيْئًا مِن لَوازِمِ ذاتِهِ، وإلّا لَدامَتْ حَرَكَةُ الهَواءِ بِدَوامِ ذاتِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَتَحَرَّكُ بِتَحْرِيكِ الفاعِلِ المُخْتارِ، والأحْوالُ الَّتِي تَذْكُرُها الفَلاسِفَةُ في سَبَبِ حَرَكَةِ الهَواءِ عِنْدَ حُدُوثِ الرِّيحِ قَدْ حَكَيْناها في هَذا الكِتابِ مِرارًا فَأبْطَلْناها، وبَيَّنّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها سَبَبًا لِحُدُوثِ الرِّياحِ، فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ مُحَرِّكُها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وأما قوله: ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثٌ:
الأوَّلُ: أنَّ ماءَ المَطَرِ هَلْ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ أوْ يَنْزِلُ مِن ماءِ السَّحابِ ؟ وبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّحابِ كَيْفَ أطْلَقَ اللَّهُ عَلى السَّحابِ لَفْظَ السَّماءِ ؟
وثانِيها: أنَّهُ لَيْسَ السَّبَبُ في حُدُوثِ المَطَرِ ما يَذْكُرُهُ الفَلاسِفَةُ بَلِ السَّبَبُ فِيهِ أنَّ الفاعِلَ المُخْتارَ يُنْزِلُهُ مِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ لِغَرَضِ الإحْسانِ إلى العِبادِ كَما قالَ هَهُنا: ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ قالَ الأزْهَرِيُّ: تَقُولُ العَرَبُ لِكُلِّ ما كانَ في بُطُونِ الأنْعامِ ومِنَ السَّماءِ أوْ نَهْرٍ يَجْرِي أسْقَيْتُهُ أيْ: جَعَلْتُهُ شُرْبًا لَهُ، وجَعَلْتُ لَهُ مِنها مَسْقًى، فَإذا كانَتِ السُّقْيا لِسَقْيِهِ قالُوا: سَقاهُ، ولَمْ يَقُولُوا: أسْقاهُ. والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا اخْتِلافُ القُرّاءِ في قَوْلِهِ: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾ [النَّحْلِ: ٦٦] فَقَرَأُوا بِاللُّغَتَيْنِ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في قَوْلِهِ: ﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنْسانِ: ٢١] وفي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشُّعَراءِ: ٧٩] قالَ أبُو عَلِيٍّ: سَقَيْتُهُ حَتّى رُوِيَ، وأسْقَيْتُهُ نَهْرًا، أيْ: جَعَلْتُهُ شُرْبًا لَهُ وقَوْلَهُ: ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ سَقْيًا لَكم، ورُبَّما قالُوا في أسْقى سَقى، كَقَوْلِ لَبِيدٍ يَصِفُ سَحابًا:
أقُولُ وصَوْبُهُ مِنِّي بَعِيدٌ ∗∗∗ يَحُطُّ السَّيْبُ مِن قُلَلِ الجِبالِ
سَقى قَوْمِي بَنِي نَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ
صفحة ١٤١
فَقَوْلُهُ: سَقى قَوْمِي لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ ما يَرْوِي عِطاشَهم، ولَكِنْ يُرِيدُ رِزْقَهم سُقْيًا لِبِلادٍ هم يُخَصِّبُونَ بِها، وبَعِيدٌ أنْ يَسْألَ لِقَوْمِهِ ما يَرْوِي العِطاشَ ولِغَيْرِهِمْ ما يُخَصِّبُونَ بِهِ. وأمّا سُقْيا السُّقْيَةِ فَلا يُقالُ فِيها أسْقاهُ، وأمّا قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُّنُهُ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهُ
فَمَعْنى أسْقِيهِ أدْعُو لَهُ بِالسِّقاءِ، وأقُولُ سَقاهُ اللَّهُ وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ ذَلِكَ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ يَعْنِي: لَسْتُمْ لَهُ بِحافِظِينَ.
15:23–25Page 263
وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣
And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1
وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤
And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥
And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع السّادِسُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وهو الِاسْتِدْلالُ بِحُصُولِ الإحْياءِ، والإماتَةِ لِهَذِهِ الحَيَواناتِ عَلى وُجُودِ الإلَهِ القادِرِ المُخْتارِ.
أما قوله: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:
مِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ إحْياءِ النَّباتِ والحَيَوانِ.
ومِنهم مَن يَقُولُ: وصْفُ النَّباتِ بِالإحْياءِ مَجازٌ فَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِإحْياءِ الحَيَوانِ.
ولَمّا ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى خَلْقِ الحَياةِ إلّا لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ كانَ حُصُولُ الحَياةِ لِلْحَيَوانِ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى وُجُودِ الإلَهِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ أيْ لا قُدْرَةَ عَلى الإحْياءِ ولا عَلى الإماتَةِ إلّا لَنا، وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ إذا ماتَ جَمِيعُ الخَلائِقِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مُلْكُ كُلِّ أحَدٍ عِنْدَ مَوْتِهِ، ويَكُونُ اللَّهُ هو الباقِي الحَقُّ المالِكُ لِكُلِّ المَمْلُوكاتِ وحْدَهُ فَكانَ هَذا شَبِيهًا بِالإرْثِ فَكانَ وارِثًا مِن هَذا الوجه.
وأما قوله: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ: المُسْتَقْدِمِينَ يُرِيدُ أهْلَ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى والمُسْتَأْخِرِينَ يُرِيدُ المُتَخَلِّفِينَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ.
الثّانِي: أرادَ بِالمُسْتَقْدِمِينَ الصَّفَّ الأوَّلَ مِن أهْلِ الصَّلاةِ، وبِالمُسْتَأْخِرِينَ الصَّفَّ الآخِرَ، «رُوِيَ أنَّهُ ﷺ رَغَّبَ في الصَّفِّ الأوَّلِ في الصَّلاةِ، فازْدَحَمَ النّاسُ عَلَيْهِ»، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَعْنى: أنّا نَجْزِيهِمْ عَلى قَدْرِ نِيّاتِهِمْ.
الثّالِثُ: قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ: يَعْنِي في وصْفِ القِتالِ.
الرّابِعُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ كانَتِ امْرَأةٌ حَسْناءُ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَوْمٌ يَتَقَدَّمُونَ إلى الصَّفِّ الأوَّلِ؛ لِئَلّا يَرَوْها، وآخَرُونَ يَتَخَلَّفُونَ ويَتَأخَّرُونَ لِيَرَوْها، وإذا رَكَعُوا جافَوْا أيْدِيهِمْ لِيَنْظُرُوا مِن تَحْتِ آباطِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ.
الخامِسُ: قِيلَ المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأمْواتُ والمُسْتَأْخِرُونَ هُمُ الأحْياءُ. وقِيلَ: المُسْتَقْدِمُونَ هُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ، والمُسْتَأْخِرُونَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المُسْتَقْدِمُونَ مَن خُلِقَ والمُسْتَأْخِرُونَ مَن لَمْ يُخْلَقْ.
صفحة ١٤٢
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَخْفى عَلى اللَّهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ، فَيَدْخُلُ فِيهِ عِلْمُهُ تَعالى بِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الحُدُوثِ والوُجُودِ، وبِتَقَدُّمِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في أنْواعِ الطّاعاتِ والخَيْراتِ، ولا يَنْبَغِي أنْ نَخُصَّ الآيَةَ بِحالَةٍ دُونِ حالَةٍ.
وأما قوله: ﴿وإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ فالمُرادُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الحَشْرَ والنَّشْرَ والبَعْثَ والقِيامَةَ أمْرٌ واجِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي وُجُوبَ الحَشْرِ والنَّشْرِ عَلى ما قَرَّرْناهُ بِالدَّلائِلِ الكَثِيرَةِ في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
15:26–27Page 263
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦
And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.
وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧
And the jinn We created before from scorching fire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾
وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النوع السّابِعُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا اسْتَدَلَّ بِتَخْلِيقِ الحَيَواناتِ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أرْدَفَهُ بِالِاسْتِدْلالِ بِتَخْلِيقِ الإنْسانِ عَلى هَذا المَطْلُوبِ.
المسألة الثّانِيَةُ: ثَبَتَ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ أنَّهُ يَمْتَنِعُ القَوْلُ بِوُجُودِ حَوادِثَ لا أوَّلَ لَها، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ وُجُوبُ انْتِهاءِ الحَوادِثِ إلى حادِثٍ أوَّلٍ هو أوَّلُ الحَوادِثِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا بُدَّ مِنَ انْتِهاءِ النّاسِ إلى إنْسانٍ هو أوَّلُ النّاسِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَذَلِكَ الإنْسانُ الأوَّلُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنَ الأبَوَيْنِ، فَيَكُونُ مَخْلُوقًا لا مَحالَةَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى.
فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الإنْسانِ الأوَّلِ، والمُفَسِّرُونَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ مِنهُ هو آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ونُقِلَ في كُتُبِ الشِّيعَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: قَدِ انْقَضى قَبْلَ آدَمَ الَّذِي هو أبُونا ألْفُ ألْفِ آدَمَ أوْ أكْثَرُ وأقُولُ: هَذا لا يَقْدَحُ في حُدُوثِ العالَمِ بَلْ لِأمْرٍ كَيْفَ كانَ، فَلا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ إلى إنْسانٍ أوَّلٍ هو أوَّلُ النّاسِ، وأمّا أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ هو أبُونا آدَمُ، فَلا طَرِيقَ إلى إثْباتِهِ إلّا مِن جِهَةِ السَّمْعِ.
واعْلَمْ أنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، فَوَجَبَ القَطْعُ بِأنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرَهُ مِنَ الأجْسامِ يَكُونُ مَخْلُوقًا عَنْ عَدَمٍ مَحْضٍ، وأيْضًا دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] عَلى أنَّ آدَمَ مَخْلُوقٌ مِن تُرابٍ، ودَلَّتْ آيَةٌ أُخْرى عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ الطِّينِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] وجاءَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَخْلُوقٌ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ، والأقْرَبُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ أوَّلًا مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن طِينٍ ثُمَّ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ ثُمَّ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ مِن أيِّ جِنْسٍ مِنَ الأجْسامِ كانَ، بَلْ هو قادِرٌ عَلى خَلْقِهِ ابْتِداءً، وإنَّما خَلَقَهُ عَلى هَذا الوجه إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ أوْ لِما فِيهِ مِن دَلالَةِ المَلائِكَةِ ومَصْلَحَتِهِمْ ومَصْلَحَةِ الجِنِّ؛ لِأنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ أعْجَبُ مِن خَلْقِ الشَّيْءِ مِن شَكْلِهِ وجِنْسِهِ.
صفحة ١٤٣
المسألة الثّالِثَةُ: في الصَّلْصالِ قَوْلانِ: قِيلَ: الصَّلْصالُ الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي يُصَلْصِلُ وهو غَيْرُ مَطْبُوخٍ، وإذا طُبِخَ فَهو فَخّارٌ. قالُوا: إذا تَوَهَّمْتَ في صَوْتِهِ مَدًّا فَهو صَلِيلٌ، وإذا تَوَهَّمْتَ فِيهِ تَرْجِيعًا فَهو صَلْصَلَةٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن طِينٍ فَصَوَّرَهُ وتَرَكَهُ في الشَّمْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَصارَ صَلْصالًا كالخَزَفِ ولا يَدْرِي أحَدٌ ما يُرادُ بِهِ، ولَمْ يَرَوْا شَيْئًا مِنَ الصُّوَرِ يُشْبِهُهُ إلى أنْ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ.
وحَقِيقَةُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن طِينٍ عَلى صُورَةِ الإنْسانِ فَجَفَّ، فَكانَتِ الرِّيحُ إذا مَرَّتْ بِهِ سُمِعَ لَهُ صَلْصَلَةٌ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى صَلْصالًا.
والقَوْلُ الثّانِي: الصَّلْصالُ هو المُنْتِنُ مِن قَوْلِهِمْ صَلَّ اللَّحْمُ وأصَلَّ إذا نَتَّنَ وتَغَيَّرَ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ وكَوْنُهُ حَمَأً مَسْنُونًا يَدُلُّ عَلى النَّتَنِ والتَّغَيُّرِ، وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الصَّلْصالَ إنَّما تَوَلَّدَ مِنَ الحَمَأِ المَسْنُونِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كَوْنُهُ صَلْصالًا مُغايِرًا لِكَوْنِهِ حَمَأً مَسْنُونًا، ولَوْ كانَ كَوْنُهُ صَلْصالًا عِبارَةً عَنِ النَّتَنِ والتَّغَيُّرِ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ كَوْنِهِ صَلْصالًا، وبَيْنَ كَوْنِهِ حَمَأً مَسْنُونًا تَفاوُتٌ، وأمّا الحَمَأُ فَقالَ اللَّيْثُ: الحَمْأةُ بِوَزْنِ فَعْلَةٍ، والجَمْعُ الحَمَأُ وهو الطِّينُ الأسْوَدُ المُنْتِنُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأكْثَرُونَ: حَمْأةٌ بِوَزْنِ كَمْأةٍ وقَوْلُهُ: ﴿مَسْنُونٍ﴾ فِيهِ أقْوالٌ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: سَمِعْتُ أبا عُمَرَ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿مَسْنُونٍ﴾ أيْ: مُتَغَيِّرٍ، قالَ أبُو الهَيْثَمِ: يُقالُ سَنَّ الماءُ، فَهو مَسْنُونٌ أيْ: تَغَيَّرَ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٩] أيْ: لَمْ يَتَغَيَّرْ.
الثّانِي: المَسْنُونُ المَحْكُوكُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن سَنَنْتُ الحَجَرَ إذا حَكَكْتَهُ عَلَيْهِ، والَّذِي يَخْرُجُ مِن بَيْنِهِما يُقالُ لَهُ السُّنَنُ، وسُمِّي المَسَنُّ مَسَنًّا؛ لِأنَّ الحَدِيدَ يُسَنُّ عَلَيْهِ.
والثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: هَذا اللَّفْظُ مَأْخُوذٌ مِن أيِّ مَوْضُوعٍ عَلى سُنَنِ الطَّرِيقِ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَغَيَّرَ.
الرّابِعُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَسْنُونُ المَصْبُوبُ، والسَّنُّ الصَّبُّ يُقالُ: سَنَّ الماءَ عَلى وجْهِهِ سَنًّا.
الخامِسُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: المَسْنُونُ المُصَوَّرُ عَلى صُورَةٍ ومِثالٍ، مِن سُنَّةِ الوجه وهي صُورَتُهُ.
السّادِسُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المَسْنُونُ الطِّينُ الرَّطْبُ، وهَذا يَعُودُ إلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدَةَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ رَطْبًا يَسِيلُ ويَنْبَسِطُ عَلى الأرْضِ، فَيَكُونُ مَسْنُونًا بِمَعْنى أنَّهُ مَصْبُوبٌ.
أما قوله تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ﴾ فاخْتَلَفُوا في أنَّ الجانَّ مَن هو ؟ فَقالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يُرِيدُ إبْلِيسَ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ ومُقاتِلٍ وقَتادَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ أُخْرى: الجانُّ هو أبُ الجِنِّ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وسُمِّيَ جانًّا لِتَوارِيهِ عَنِ الأعْيُنِ، كَما سُمِّيَ الجَنِينُ جَنِينًا لِهَذا السَّبَبِ، والجَنِينُ مُتَوارٍ في بَطْنِ أُمِّهِ، ومَعْنى الجانِّ في اللُّغَةِ السّاتِرُ مِن قَوْلِكَ: جَنَّ الشَّيْءَ إذا سَتَرَهُ، فالجانُّ المَذْكُورُ هَهُنا يُحْتَمَلُ أنَّهُ سُمِّيَ جانًّا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ نَفْسَهُ عَنْ أعْيُنِ بَنِي آدَمَ، أوْ يَكُونُ مِن بابِ الفاعِلِ الَّذِي يُرادُ بِهِ المَفْعُولُ، كَما يُقالُ في لابِنٍ وتامِرٍ وماءٍ دافِقٍ وعِيشَةٍ راضِيَةٍ. واخْتَلَفُوا في الجِنِّ فَقالَ بَعْضُهم: إنَّهم جِنْسٌ غَيْرُ الشَّياطِينِ، والأصَحُّ أنَّ الشَّياطِينَ قِسْمٌ مِنَ الجِنِّ، فَكُلُّ مَن كانَ مِنهم مُؤْمِنًا فَإنَّهُ لا يُسَمّى بِالشَّيْطانِ، وكُلُّ مَن كانَ مِنهم كافِرًا يُسَمّى بِهَذا الِاسِمِ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ: أنَّ لَفْظَ الجِنِّ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِتارِ، فَكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ الجِنِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ مِن قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾ مَعْنى السَّمُومِ في اللُّغَةِ: الرِّيحُ الحارَّةُ تَكُونُ بِالنَّهارِ وقَدْ تَكُونُ بِاللَّيْلِ، وعَلى هَذا فالرِّيحُ الحارَّةُ فِيها نارٌ ولَها لَفْحٌ وأوارٌ، عَلى ما ورَدَ في الخَبَرِ أنَّها لَفْحُ جَهَنَّمَ. قِيلَ: سُمِّيَتْ سَمُومًا؛ لِأنَّها بِلُطْفِها تَدْخُلُ في مَسامِّ البَدَنِ، وهي الخُرُوقُ الخَفِيَّةُ الَّتِي تَكُونُ في جِلْدِ الإنْسانِ يَبْرُزُ مِنها عَرَقُهُ وبُخارُ باطِنِهِ. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذِهِ السَّمُومُ جُزْءٌ
صفحة ١٤٤
مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ السَّمُومِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ بِها الجانَّ وتَلا هَذِهِ الآيَةَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُعْقَلُ خَلْقُ الجانِّ مِنَ النّارِ ؟
قُلْنا: هَذا عَلى مَذْهَبِنا ظاهِرٌ؛ لِأنَّ البِنْيَةَ عِنْدَنا لَيْسَتْ شَرْطًا لِإمْكانِ حُصُولِ الحَياةِ، فاللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى خَلْقِ الحَياةِ والعِلْمِ في الجَوْهَرِ الفَرْدِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ قادِرًا عَلى خَلْقِ الحَياةِ والعَقْلِ في الجِسْمِ الحارِّ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى أنَّ الكَواكِبَ يَمْتَنِعُ حُصُولُ الحَياةِ فِيها قالَ: لِأنَّ الشَّمْسَ في غايَةِ الحَرارَةِ وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ حُصُولُ الحَياةِ فِيهِ فَنَنْقُضُهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ بَلِ المُعْتَمَدُ في نَفْيِ الحَياةِ عَنِ الكَواكِبِ الإجْماعُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences