Ar-RaziAl‑Hijr · 15:6–13

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:6–13

15:6–9Page 262

وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ ٦

And they say, "O you upon whom the message has been sent down, indeed you are mad.1

لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٧

Why do you not bring us the angels, if you should be among the truthful?"

مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ ٨

We do not send down the angels except with truth;1 and they [i.e., the disbelievers] would not then be reprieved.

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩

Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَهْدِيدِ الكُفّارِ ذَكَرَ بَعْدَهُ شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّتِهِ.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّهم كانُوا يَحْكُمُونَ عَلَيْهِ بِالجُنُونِ، وفِيهِ احْتِمالاتٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يَظْهَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ نُزُولِ الوَحْيِ حالَةٌ شَبِيهَةٌ بِالغَشْيِ فَظَنُّوا أنَّها جُنُونٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ إنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿وما هو إلّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [القلم: ٥٢] وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٨٤] .

والثّانِي: أنَّهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ كَوْنَهُ رَسُولًا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، فالرَّجُلُ إذا سَمِعَ كَلامًا مُسْتَبْعَدًا مِن غَيْرِهِ فَرُبَّما قالَ لَهُ: هَذا جُنُونٌ وأنْتَ مَجْنُونٌ لِبُعْدِ ما يَذْكُرُهُ مِن طَرِيقَةِ العَقْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ الوجه يْنِ.

أما قوله: ﴿وقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهم ذَكَرُوهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ كَما قالَ فِرْعَوْنُ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] وكَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] وكَما قالَ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] لِأنَّ البِشارَةَ

صفحة ١٢٦

بِالعَذابِ مُمْتَنِعَةٌ.

والثّانِي: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ في زَعْمِهِ واعْتِقادِهِ، وعِنْدَ أصْحابِهِ وأتْباعِهِ. ثُمَّ حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا في تَقْرِيرِ شُبَهِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: المُرادُ لَوْ كُنْتَ صادِقًا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ لَأتَيْتَنا بِالمَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ عِنْدَنا بِصِدْقِكَ فِيما تَدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ؛ لِأنَّ المُرْسَلَ الحَكِيمَ إذا حاوَلَ تَحْصِيلَ أمْرٍ، ولَهُ طَرِيقٌ يُفْضِي إلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ المَقْصُودِ قَطْعًا، وطَرِيقٌ آخَرُ قَدْ يُفْضِي وقَدْ لا يُفْضِي، ويَكُونُ في مَحَلِّ الشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الحَكِيمُ أرادَ تَحْصِيلَ ذَلِكَ المَقْصُودِ فَإنَّهُ يُحاوِلُ تَحْصِيلَهُ بِالطَّرِيقِ الأوَّلِ لا بِالطَّرِيقِ الثّانِي، وإنْزالُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُصَدِّقُونَكَ، ويُقَرِّرُونَ قَوْلَكَ طَرِيقٌ يُفْضِي إلى حُصُولِ هَذا المَقْصُودِ قَطْعًا، والطَّرِيقُ الَّذِي تُقَرِّرُ بِهِ صِحَّةَ نُبُوَّتِكَ طَرِيقٌ في مَحَلِّ الشُّكُوكِ والشُّبَهاتِ، فَلَوْ كُنْتَ صادِقًا في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ لَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى إنْزالُ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يُصَرِّحُونَ بِتَصْدِيقِكَ، وحَيْثُ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّكَ لَسْتَ مِنَ النُّبُوَّةِ في شَيْءٍ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] وفِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ: وهو أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخَوِّفُهم بِنُزُولِ العَذابِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، فالقَوْمُ طالَبُوهُ بِنُزُولِ العَذابِ وقالُوا لَهُ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَيْكَ يَنْزِلُونَ عَلَيْنا بِذَلِكَ العَذابِ المَوْعُودِ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾ [العنكبوت: ٥٣] .

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ فَنَقُولُ: إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ هو الوجه الأوَّلَ كانَ تَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّ إنْزالَ المَلائِكَةِ لا يَكُونُ إلّا بِالحَقِّ وعِنْدَ حُصُولِ الفائِدَةِ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى مِن حالِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ أنَّهُ لَوْ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ لَبَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَيَصِيرُ إنْزالُهم عَبَثًا باطِلًا، ولا يَكُونُ حَقًّا، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أنْزَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِالحَقِّ هَهُنا المَوْتُ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا بِالمَوْتِ، وإلّا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ نُزُولِهِمْ إنْظارٌ ولا إمْهالٌ، ونَحْنُ لا نُرِيدُ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ما أنْزَلْنا المَلائِكَةَ، وأمّا إنْ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ اسْتِعْجالَهم في نُزُولِ العَذابِ الَّذِي كانَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَوَعَّدُهم بِهِ، فَتَقْرِيرُ الجَوابِ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَنْزِلُ إلّا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، وحُكْمُنا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنْ لا نَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ، وأنْ نُمْهِلَهم لِما عَلِمْنا مِن إيمانِ بَعْضِهِمْ، ومِن إيمانِ أوْلادِ الباقِينَ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: لَوْلا ولَوْما لُغَتانِ: مَعْناهُما: هَلّا، ويُسْتَعْمَلانِ في الخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ، فالخَبَرُ مِثْلُ قَوْلِكَ: لَوْلا أنْتَ لَفَعَلْتُ كَذا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، والِاسْتِفْهامُ كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] وكَهَذِهِ الآيَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: ”لَوْما“ المِيمُ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ اللّامِ في لَوْلا، ومِثْلُهُ اسْتَوْلى عَلى الشَّيْءِ واسْتَوْمى عَلَيْهِ، وحَكى الأصْمَعِيُّ: خالَلْتُهُ وخالَمْتُهُ إذا صادَقْتَهُ، وهو خِلِّي وخِلْمِي أيْ صَدِيقِي.

المسألة الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ما نُنَزِّلُ﴾ بِالنُّونِ وبِكَسْرِ الزّايِ والتَّشْدِيدِ، والمَلائِكَةَ بِالنَّصْبِ لِوُقُوعِ الإنْزالِ عَلَيْها. والمُنْزِّلُ هو اللَّهُ تَعالى، وقَرَأأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ”ما تُنَزَّلُ“ عَنْ فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، والمَلائِكَةُ بِالرَّفْعِ. والباقُونَ: ”ما تُنَزِّلُ المَلائِكَةُ“ عَلى إسْنادِ فِعْلِ النُّزُولِ إلى المَلائِكَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٢٧

المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ يَعْنِي: لَوْ نَزَلَتِ المَلائِكَةُ لَمْ يُنْظَرُوا أيْ يُمْهَلُوا فَإنَّ التَّكْلِيفَ يَزُولُ عِنْدَ نُزُولِ المَلائِكَةِ. قالَ صاحِبُ ”النَّظْمِ“: لَفْظُ إذَنْ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ: مِن ”إذْ“ وهو اسْمٌ بِمَنزِلَةِ حِينَ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: أتَيْتُكَ إذْ جِئْتَنِي أيْ حِينَ جِئْتَنِي. ثُمَّ ضُمَّ إلَيْها ”أنْ“، فَصارَ ”إذْ أنْ“ . ثُمَّ اسْتَثْقَلُوا الهَمْزَةَ، فَحَذَفُوها فَصارَ إذَنْ، ومَجِيءُ لَفْظَةِ إذَنْ دَلِيلٌ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ بَعْدَها، والتَّقْدِيرُ: وما كانُوا مُنْظَرِينَ إذْ كانَ ما طَلَبُوا، وهَذا تَأْوِيلٌ حَسَنٌ.

ثم قال تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: أنَّ القَوْمَ إنَّما قالُوا: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] لِأجْلِ أنَّهم سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «”إنَّ اللَّهَ تَعالى نَزَّلَ الذِّكْرَ عَلَيَّ“» ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَقَّقَ قَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .

فَأما قوله: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ فَهَذِهِ الصِّيغَةُ وإنْ كانَتْ لِلْجَمْعِ إلّا أنَّ هَذا مِن كَلامِ المُلُوكِ عِنْدَ إظْهارِ التَّعْظِيمِ؛ فَإنَّ الواحِدَ مِنهم إذا فَعَلَ فِعْلًا أوْ قالَ قَوْلًا قالَ: إنّا فَعَلْنا كَذا وقُلْنا كَذا، فَكَذا هَهُنا.

المسألة الثّانِيَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ لَحافِظُونَ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ يَعْنِي: وإنّا نَحْفَظُ ذَلِكَ الذِّكْرَ مِنَ التَّحْرِيفِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في صِفَةِ القُرْآنِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] وقالَ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ اشْتَغَلَتِ الصَّحابَةُ بِجَمْعِ القُرْآنِ في المُصْحَفِ وقَدْ وعَدَ اللَّهُ تَعالى بِحِفْظِهِ وما حَفِظَهُ اللَّهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِ ؟

والجَوابُ: أنَّ جَمْعَهم لِلْقُرْآنِ كانَ مِن أسْبابِ حِفْظِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أنْ حَفِظَهُ قَيَّضَهم لِذَلِكَ، قالَ أصْحابُنا: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى كَوْنِ التَّسْمِيَةِ آيَةً مِن أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ وعَدَ بِحِفْظِ القُرْآنِ، والحِفْظُ لا مَعْنى لَهُ إلّا أنْ يَبْقى مَصُونًا مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، فَلَوْ لَمْ تَكُنِ التَّسْمِيَةُ مِنَ القُرْآنِ لَما كانَ القُرْآنُ مَصُونًا عَنِ التَّغْيِيرِ، ولَما كانَ مَحْفُوظًا عَنِ الزِّيادَةِ، ولَوْ جازَ أنْ يُظَنَّ بِالصَّحابَةِ أنَّهم زادُوا لَجازَ أيْضًا أنْ يُظَنَّ بِهِمُ النُّقْصانُ، وذَلِكَ يُوجِبُ خُرُوجَ القُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الكِنايَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ راجِعَةٌ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ، والمَعْنى: وإنّا لِمُحَمَّدٍ لَحافِظُونَ وهو قَوْلُ الفَرّاءِ، وقَوّى ابْنُ الأنْبارِيِّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ الإنْزالَ والمُنْزَلُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى المُنْزَلِ عَلَيْهِ فَحَسُنَتِ الكِنايَةُ عَنْهُ، لِكَوْنِهِ أمْرًا مَعْلُومًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] فَإنَّ هَذِهِ الكِنايَةَ عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ وإنَّما حَسُنَتِ الكِنايَةُ لِلسَّبَبِ المَعْلُومِ فَكَذا هَهُنا، إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أرْجَحُ القَوْلَيْنِ وأحْسَنُهُما مُشابَهَةً لِظاهِرِ التَّنْزِيلِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّالِثَةُ: إذا قُلْنا: الكِنايَةُ عائِدَةٌ إلى القُرْآنِ فاخْتَلَفُوا في أنَّهُ تَعالى كَيْفَ يَحْفَظُ القُرْآنَ ؟ قالَ بَعْضُهم: حَفِظَهُ بِأنْ جَعَلَهُ مُعْجِزًا مُبايِنًا لِكَلامِ البَشَرِ فَعَجَزَ الخَلْقُ عَنِ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ عَنْهُ؛ لِأنَّهم لَوْ زادُوا فِيهِ أوْ نَقَصُوا عَنْهُ لَتَغَيَّرَ نَظْمُ القُرْآنِ فَيَظْهَرُ لِكُلِّ العُقَلاءِ أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ فَصارَ كَوْنُهُ مُعْجِزًا كَإحاطَةِ السُّورِ

صفحة ١٢٨

بِالمَدِينَةِ لِأنَّهُ يُحَصِّنُها ويَحْفَظُها، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ تَعالى صانَهُ وحَفِظَهُ مِن أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى مُعارَضَتِهِ، وقالَ آخَرُونَ: أعْجَزَ الخَلْقَ عَنْ إبْطالِهِ وإفْسادِهِ بِأنْ قَيَّضَ جَماعَةً يَحْفَظُونَهُ ويَدْرُسُونَهُ ويُشْهِرُونَهُ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ إلى آخِرِ بَقاءِ التَّكْلِيفِ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ بِالحِفْظِ هو أنَّ أحَدًا لَوْ حاوَلَ تَغْيِيرَهُ بِحَرْفٍ أوْ نُقْطَةٍ لَقالَ لَهُ أهْلُ الدُّنْيا: هَذا كَذِبٌ وتَغْيِيرٌ لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى حَتّى إنَّ الشَّيْخَ المَهِيبَ لَوِ اتَّفَقَ لَهُ لَحْنٌ أوْ هَفْوَةٌ في حَرْفٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى لَقالَ لَهُ كُلُّ الصِّبْيانِ: أخْطَأْتَ أيُّها الشَّيْخُ وصَوابُهُ كَذا وكَذا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَتَّفِقْ لِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ مِثْلُ هَذا الحِفْظِ، فَإنَّهُ لا كِتابَ إلّا وقَدْ دَخَلَهُ التَّصْحِيفُ والتَّحْرِيفُ والتَّغْيِيرُ إمّا في الكَثِيرِ مِنهُ أوْ في القَلِيلِ، وبَقاءُ هَذا الكِتابِ مَصُونًا عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ التَّحْرِيفِ، مَعَ أنَّ دَواعِيَ المُلْحِدَةِ واليَهُودِ والنَّصارى مُتَوَفِّرَةٌ عَلى إبْطالِهِ وإفْسادِهِ مِن أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، وأيْضًا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَقائِهِ مَحْفُوظًا عَنِ التَّغْيِيرِ والتَّحْرِيفِ، وانْقَضى الآنَ قَرِيبًا مِن سِتِّمِائَةِ سَنَةٍ فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مُعْجِزًا قاهِرًا.

المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ القاضِي بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ عَلى فَسادِ قَوْلِ بَعْضِ الإمامِيَّةِ في أنَّ القُرْآنَ قَدْ دَخَلَهُ التَّغْيِيرُ والزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَما بَقِيَ القُرْآنُ مَحْفُوظًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، فالإمامِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ القُرْآنَ قَدْ دَخَلَهُ التَّغْيِيرُ والزِّيادَةُ والنُّقْصانُ، لَعَلَّهم يَقُولُونَ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن جُمْلَةِ الزَّوائِدِ الَّتِي أُلْحِقَتْ بِالقُرْآنِ، فَثَبَتَ أنَّ إثْباتَ هَذا المَطْلُوبِ بِهَذِهِ الآيَةِ يَجْرِي مَجْرى إثْباتِ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ وأنَّهُ باطِلٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

15:10–12Page 262

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠

And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.

وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١

And no messenger would come to them except that they ridiculed him.

كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢

Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا أساءُوا في الأدَبِ وخاطَبُوهُ بِالسَّفاهَةِ، وقالُوا: إنَّكَ لَمَجْنُونٌ، فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الجُهّالِ مَعَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ هَكَذا كانَتْ، ولَكَ أُسْوَةٌ في الصَّبْرِ عَلى سَفاهَتِهِمْ وجَهالَتِهِمْ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَهَذا هو الكَلامُ في نَظْمِ الآيَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: في الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا، إلّا أنَّهُ حَذَفَ ذِكْرَ الرُّسُلِ لِدَلالَةِ الإرْسالِ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ أيْ في أُمَمِ الأوَّلِينَ وأتْباعِهِمْ. قالَ الفَرّاءُ: الشِّيَعُ: الأتْباعُ، واحِدُهم شِيعَةٌ. وشِيعَةُ الرَّجُلِ أتْباعُهُ، والشِّيعَةُ الأُمَّةُ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّ بَعْضَهم شايَعَ بَعْضًا وشاكَلَهُ، وذَكَرْنا الكَلامَ في هَذا الحَرْفِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ [الأنعام: ٦٥] قالَ الفَرّاءُ: وقَوْلُهُ: ﴿فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] وقَوْلِهِ: ﴿بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤] وقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .

* * *

أما قوله: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ عادَةُ هَؤُلاءِ

صفحة ١٢٩

الجُهّالِ مَعَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءُ بِهِمْ كَما فَعَلُوا بِكَ ذَكَرَهُ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ .

واعْلَمْ أنَّ السَّبَبَ الَّذِي يَحْمِلُ هَؤُلاءِ الجُهّالَ عَلى هَذِهِ العادَةِ الخَبِيثَةِ أُمُورٌ:

الأوَّلُ: أنَّهم يَسْتَثْقِلُونَ التِزامَ الطّاعاتِ والعِباداتِ والِاحْتِرازَ عَنِ الطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ.

والثّانِي: أنَّ الرَّسُولَ يَدْعُوهم إلى تَرْكِ ما ألِفُوهُ مِن أدْيانِهِمُ الخَبِيثَةِ ومَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ، وذَلِكَ شاقٌّ شَدِيدٌ عَلى الطِّباعِ.

والثّالِثُ: أنَّ الرَّسُولَ مَتْبُوعٌ مَخْدُومٌ والأقْوامَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ طاعَتُهُ وخِدْمَتُهُ، وذَلِكَ أيْضًا في غايَةِ المَشَقَّةِ.

والرّابِعُ: أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَدْ يَكُونُ فَقِيرًا ولا يَكُونُ لَهُ أعْوانٌ وأنْصارٌ، ولا مالَ ولا جاهَ فالمُتَنَعِّمُونَ، والرُّؤَساءُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ خِدْمَةُ مَن يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

والخامِسُ: خِذْلانُ اللَّهِ لَهم، وإلْقاءُ دَواعِي الكُفْرِ والجَهْلِ في قُلُوبِهِمْ، وهَذا هو السَّبَبُ الأصْلِيُّ؛ فَلِهَذِهِ الأسْبابِ وما يُشْبِهُها تَقَعُ الجُهّالُ والضُّلّالُ مَعَ أكابِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في هَذِهِ الأعْمالِ القَبِيحَةِ والأفْعالِ المُنْكَرَةِ.

15:13Page 262

لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.

أما قوله تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: السَّلْكُ إدْخالُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ كَإدْخالِ الخَيْطِ في المَخِيطِ والرُّمْحِ في المَطْعُونِ، وقِيلَ: في قَوْلِهِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المُدَّثِّرِ: ٤٢] أيْ: أدْخَلَكم في جَهَنَّمَ. وذَكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ وأبُو عُبَيْدٍ: سَلَكْتُهُ وأسْلَكْتُهُ بِمَعْنًى واحِدٍ.

المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الباطِلَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، فَقالُوا: قَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أيْ: كَذَلِكَ نَسْلُكُ الباطِلَ والضَّلالَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: لَمْ يَجْرِ لِلضَّلالِ والكُفْرِ ذِكْرٌ فِيما قَبْلَ هَذا اللَّفْظِ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلَيْهِ لا يُقالُ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ عائِدٌ إلَيْهِ، والِاسْتِهْزاءُ بِالأنْبِياءِ كُفْرٌ وضَلالٌ، فَثَبَتَ صِحَّةُ قَوْلِنا [إنَّ] المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ هو أنَّهُ كَذَلِكَ نَسْلُكُ الكُفْرَ والضَّلالَ والِاسْتِهْزاءَ بِأنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ؛ لِأنّا نَقُولُ: إنْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ عائِدًا إلى الِاسْتِهْزاءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ عائِدًا أيْضًا إلى الِاسْتِهْزاءِ؛ لِأنَّهُما ضَمِيرانِ تَعاقَبا وتَلاصَقا، فَوَجَبَ عَوْدُهُما إلى شَيْءٍ واحِدٍ فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّناقُضَ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا بِكُفْرِهِ، والَّذِي لا يَكُونُ كَذَلِكَ هو المُسْلِمُ العالِمُ بِبُطْلانِ الكُفْرِ فَلا يُصَدِّقُ بِهِ، وأيْضًا فَلَوْ كانَ تَعالى هو الَّذِي يَسَلُكُ الكُفْرَ في قَلْبِ الكافِرِ ويَخْلُقُهُ فِيهِ فَما أحَدٌ أوْلى بِالعُذْرِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ، ولَكانَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَمْتَنِعُ أنْ يَذُمَّهم في الدُّنْيا وأنَّ يُعاقِبَهم في الآخِرَةِ عَلَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا الوجه فَنَقُولُ: التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ عائِدٌ إلى الذِّكْرِ الَّذِي هو القُرْآنُ، فَإنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ وقالَ بَعْدَهُ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ أيْ: هَكَذا نَسْلُكُ القُرْآنَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، والمُرادُ مِن هَذا السَّلْكِ هو أنَّهُ تَعالى يُسْمِعُهم هَذا القُرْآنَ ويَخْلُقُ في قُلُوبِهِمْ حِفْظَ هَذا القُرْآنِ، ويَخْلُقُ فِيها العِلْمَ بِمَعانِيهِ، وبَيَّنَ أنَّهم لِجَهْلِهِمْ وإصْرارِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ عِنادًا وجَهْلًا، فَكانَ هَذا مُوجِبًا لِلُحُوقِ الذَّمِّ الشَّدِيدِ بِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ عائِدٌ إلى القُرْآنِ بِالإجْماعِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ عائِدًا إلَيْهِ أيْضًا؛ لِأنَّهُما ضَمِيرانِ مُتَعاقِبانِ فَيَجِبُ عُودُهُما إلى شَيْءٍ واحِدٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ مَعْناهُ: مِثْلَ ما

صفحة ١٣٠

عَمِلْنا كَذا وكَذا نَعْمَلُ هَذا السَّلْكَ فَيَكُونُ هَذا تَشْبِيهًا لِهَذا السَّلْكِ بِعَمَلٍ آخَرَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِن أعْمالِ نَفْسِهِ، ولَمْ يَجْرِ لِعَمَلٍ مِن أعْمالِ اللَّهِ ذِكْرٌ في سابِقَةِ هَذِهِ الآيَةِ إلّا قَوْلَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هَذا مَعْطُوفًا عَلَيْهِ ومُشَبَّهًا بِهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ عائِدًا إلى الذِّكْرِ وهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ كَلامِ القَوْمِ.

والجَوابُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ عائِدًا عَلى الذِّكْرِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ﴾ مَذْكُورٌ بِحَرْفِ النُّونِ، والمُرادُ مِنهُ إظْهارُ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ والجَلالَةِ، ومِثْلُ هَذا التَّعْظِيمِ إنَّما يَحْسُنُ ذِكْرُهُ إذا فَعَلَ فِعْلًا يَظْهَرُ لَهُ أثَرٌ قَوِيٌّ كامِلٌ بِحَيْثُ صارَ المُنازِعُ والمُدافِعُ لَهُ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا. فَأمّا إذا فَعَلَ فِعْلًا ولَمْ يَظْهَرْ لَهُ أثَرٌ البَتَّةَ، صارَ المُنازِعُ والمُدافِعُ غالِبًا قاهِرًا، فَإنَّ ذِكْرَ اللَّفْظِ المُشْعِرِ بِنِهايَةِ العَظَمَةِ والجَلالَةِ يَكُونُ مُسْتَقْبَحًا في هَذا المَقامِ، والأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى سَلَكَ إسْماعَ القُرْآنِ وتَحْفِيظَهُ وتَعْلِيمَهُ في قَلْبِ الكافِرِ، لِأجْلِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ فَصارَ فِعْلُ اللَّهِ تَعالى كالهَدْرِ الضّائِعِ، وصارَ الكافِرُ والشَّيْطانُ كالغالِبِ الدّافِعِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ ذِكْرُ النُّونِ المُشْعِرِ بِالعَظَمَةِ والجَلالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ غَيْرَ لائِقٍ بِهَذا المَقامِ، فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرُوهُ فاسِدٌ.

والوجه الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ما ذَكَرُوهُ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ولا يُؤْمِنُونَ بِهِ، أيْ: ومَعَ هَذا السَّعْيِ العَظِيمِ في تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ لا يُؤْمِنُونَ. أمّا لِمَ لَمْ يَذْكُرِ الواوَ، فَعَلِمْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ كالتَّفْسِيرِ والبَيانِ لِقَوْلِهِ: ﴿نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ وهَذا إنَّما يَصِحُّ إذا كانَ المُرادُ أنّا نَسْلُكُ الكُفْرَ والضَّلالَ في قُلُوبِهِمْ.

والوجه الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ﴾ بَعِيدٌ، وقَوْلَهُ: ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قَرِيبٌ، وعَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ هو الواجِبُ. أما قوله: لَوْ كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ عائِدًا إلى الِاسْتِهْزاءِ لَكانَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ عائِدًا إلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ التَّناقُضُ.

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ مُقْتَضى الدَّلِيلِ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، ولا مانِعَ مِنَ اعْتِبارِ هَذا الدَّلِيلِ في الضَّمِيرِ الأوَّلِ، وحَصَلَ المانِعُ مِنَ اعْتِبارِهِ في الضَّمِيرِ الثّانِي فَلا جَرَمَ قُلْنا: الضَّمِيرُ الأوَّلُ عائِدٌ إلى الِاسْتِهْزاءِ، والضَّمِيرُ الثّانِي عائِدٌ إلى الذِّكْرِ، وتَفْرِيقُ الضَّمائِرِ المُتَعاقِبَةِ عَلى الأشْياءِ المُخْتَلِفَةِ لَيْسَ بِقَلِيلٍ في القُرْآنِ، ألَيْسَ أنَّ الجُبّائِيَّ والكَعْبِيَّ والقاضِيَ قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أثْقَلَتْ دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعْرافِ: ١٨٩] فَقالُوا هَذِهِ الضَّمائِرُ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ عائِدَةٌ إلى آدَمَ وحَوّاءَ، وأمّا في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ عائِدَةٌ إلى غَيْرِهِما، فَهَذا ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ في تَفاسِيرِهِمْ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن تَعاقُبِ الضَّمائِرِ عَوْدُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ بَلِ الأمْرُ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلى الدَّلِيلِ فَكَذا هَهُنا واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ١٣١

والوجه الثّانِي: في الجَوابِ قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ مِن أصْحابِنا: قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿نَسْلُكُهُ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ نَسْلُكُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ، والمَعْنى نَجْعَلُ في قُلُوبِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ.

والوجه الثّالِثُ: وهو أنّا بَيَّنّا بِالبَراهِينِ العَقْلِيَّةِ القاهِرَةِ أنَّ حُصُولَ الإيمانِ والكُفْرِ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بِالعَبْدِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُرِيدُ الإيمانَ والصِّدْقَ، والعِلْمَ والحَقَّ، وأنَّ أحَدًا لا يَقْصِدُ تَحْصِيلَ الكُفْرِ والجَهْلِ والكَذِبِ، فَلَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ لا يَقْصِدُ إلّا الإيمانَ والحَقَّ، ثُمَّ إنَّهُ لا يَحْصُلُ ذَلِكَ، وإنَّما يَحْصُلُ الكُفْرُ والباطِلُ، عَلِمْنا أنَّ حُصُولَ ذَلِكَ الكُفْرِ لَيْسَ مِنهُ.

فَإنْ قالُوا: إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ الكُفْرُ؛ لِأنَّهُ ظَنَّ أنَّهُ هو الإيمانُ: فَنَقُولُ: فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ إنَّما رَضِيَ بِتَحْصِيلِ ذَلِكَ الجَهْلِ لِأجْلِ جَهْلٍ آخَرَ سابِقٍ عَلَيْهِ، فَيَنْقُلُ الكَلامَ إلى ذَلِكَ الجَهْلِ السّابِقِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ لِأجْلِ جَهْلٍ آخَرَ لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، وإلّا وجَبَ انْتِهاءُ كُلِّ الجَهالاتِ إلى جَهْلٍ أوَّلٍ سابِقٍ حَصَلَ في قَلْبِهِ لا بِتَحْصِيلِهِ بَلْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ هو الَّذِي قُلْناهُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ والمَعْنى: نَجْعَلُ في قُلُوبِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ والضَّلالَ فِيها، وأيْضًا قُدَماءُ المُفَسِّرِينَ مِثْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وتَلامِذَتِهِ أطْبَقُوا عَلى تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الكُفْرَ والضَّلالَ فِيها، والتَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرَهُ المُعْتَزِلَةُ تَأْوِيلٌ مُسْتَحْدَثٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، فَكانَ مَرْدُودًا، ورَوى القاضِي عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ المُرادَ كَذَلِكَ نَسْلُكُ القَسْوَةَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ، ثم قال القاضِي: إنَّ القَسْوَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِن قِبَلِ الكافِرِ بِأنْ يَسْتَمِرَّ عَلى كُفْرِهِ ويُعانِدَ، فَلا يَصِحُّ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَيُقالُ لِلْقاضِي: إنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى المُكابَرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الكافِرَ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ نَفْرَةً شَدِيدَةً عَنْ قَبُولِ قَوْلِ الرَّسُولِ ونَبْوَةً عَظِيمَةً عَنْهُ حَتّى أنَّهُ كُلَّما رَآهُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ واصْفَرَّ وجْهُهُ، ورُبَّما ارْتَعَدَتْ أعْضاؤُهُ ولا يَقْدِرُ عَلى الِالتِفاتِ إلَيْهِ والإصْغاءِ لِقَوْلِهِ، فَحُصُولُ هَذِهِ الأحْوالِ في قَلْبِهِ أمْرٌ اضْطِرارِيٌّ لا يُمْكِنُهُ دَفْعُها عَنْ نَفْسِهِ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّها حَصَلَتْ بِفِعْلِهِ واخْتِيارِهِ ؟

فَإنْ قالُوا: إنَّهُ يُمْكِنُهُ تَرْكُ هَذِهِ الأحْوالِ، والرُّجُوعُ إلى الِانْقِيادِ والقَبُولِ، فَنَقُولُ: هَذا مُغالَطَةٌ مَحْضَةٌ؛ لِأنَّكَ إنْ أرَدْتَ أنَّهُ مَعَ حُصُولِ هَذِهِ النَّفْرَةِ الشَّدِيدَةِ في القَلْبِ، والنَبْوَةِ العَظِيمَةِ في النَّفْسِ يُمْكِنُهُ أنْ يَعُودَ إلى الِانْقِيادِ والقَبُولِ والطّاعَةِ والرِّضا فَهَذا مُكابَرَةٌ، وإنْ أرَدْتَ أنَّ عِنْدَ زَوالِ هَذِهِ الأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ يُمْكِنُهُ العَوْدُ إلى القَبُولِ والتَّسْلِيمِ فَهَذا حَقٌّ، إلّا أنَّهُ لا يُمْكِنُهُ إزالَةُ هَذِهِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ عَنِ القَلْبِ، فَإنَّهُ إنْ كانَ الفاعِلُ لَها هو الإنْسانُ لافْتَقَرَ في تَحْصِيلِ هَذِهِ الدَّواعِي والصَّوارِفِ إلى دَواعِي سابِقَةٍ عَلَيْها، ولَزِمَ الذَّهابُ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ كانَ الفاعِلُ لَها هو اللَّهُ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَسْلُكُ هَذِهِ الدَّواعِيَ والصَّوارِفَ في القُلُوبِ، وذَلِكَ عَيْنُ ما ذَكَرْناهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

أما قوله تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَهْدِيدٌ لِكُفّارِ مَكَّةَ يَقُولُ: قَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ بِإهْلاكِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ في القُرُونِ الماضِيَةِ.

الثّانِي: وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ: وقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ في الأوَّلِينَ بِأنْ يَسْلُكَ الكُفْرَ والضَّلالَ في قُلُوبِهِمْ، وهَذا ألْيَقُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском