Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:11–14
16:11Page 268
يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١١
He causes to grow for you thereby the crops, olives, palm trees, grapevines, and of all the fruits. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ أشْرَفَ أجْسامِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بَعْدَ الحَيَوانِ النَّباتُ، فَلَمّا قَرَّرَ اللَّهُ تَعالى الِاسْتِدْلالَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ بِعَجائِبَ أحْوالِ الحَيَواناتِ، أتْبَعَهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ بِعَجائِبَ أحْوالِ النَّباتِ.
واعْلَمْ أنَّ الماءَ المُنَزَّلَ مِنَ السَّماءِ هو المَطَرُ، وأمّا أنَّ المَطَرَ نازِلٌ مِنَ السَّحابِ أوْ مِنَ السَّماءِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في هَذا الكِتابِ مِرارًا، والحاصِلُ: أنَّ ماءَ المَطَرِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: هو الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شَرابًا لَنا ولِكُلِّ
صفحة ١٨٦
حَيٍّ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى أنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ جَلِيلَةٌ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠] .
فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ إنَّ شُرْبَ الخَلْقِ لَيْسَ إلّا مِنَ المَطَرِ، أوْ تَقُولُونَ: قَدْ يَكُونُ مِنهُ، وقَدْ يَكُونُ مِن غَيْرِهِ، وهو الماءُ المَوْجُودُ في قَعْرِ الأرْضِ ؟
أجابَ القاضِي: بِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ المَطَرَ شَرابُنا، ولَمْ يَنْفِ أنْ نَشْرَبَ مِن غَيْرِهِ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَكم مِنهُ شَرابٌ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ؛ لِأنَّ مَعْناهُ مِنهُ لا مِن غَيْرِهِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الماءُ العَذْبُ تَحْتَ الأرْضِ مِن جُمْلَةِ ماءِ المَطَرِ يَسْكُنُ هُناكَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٨] ولا يَمْتَنِعُ أيْضًا في غَيْرِ العَذْبِ وهو البَحْرُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ ماءِ المَطَرِ، والقِسْمُ الثّانِي مِنَ المِياهِ النّازِلَةِ مِنَ السَّماءِ ما يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِتَكْوِينِ النَّباتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وفِيهِ مَباحِثُ:
البحث الأوَّلُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ إسامَةَ الشَّجَرِ مُمْكِنَةٌ، وهَذا إنَّما يَصِحُّ لَوْ كانَ المُرادُ مِنَ الشَّجَرِ الكَلَأ والعُشْبَ، وهَهُنا قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما ثَبَتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ وأنْشَدَ:
يُطْعِمُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرُ
يَعْنِي: أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: المُرادُ مِنَ الشَّجَرِ الكَلَأُ، وفي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ لا تَأْكُلُوا ثَمَنَ الشَّجَرِ فَإنَّهُ سُحْتٌ يَعْنِي: الكَلَأ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: ٦] والمُرادُ مِنَ النَّجْمِ ما يَنْجُمُ مِنَ الأرْضِ مِمّا لَيْسَ لَهُ ساقٌ، ومِنَ الشَّجَرِ ما لَهُ ساقٌ، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ، وبِالجُمْلَةِ فَلَمّا عَطَفَ الشَّجَرَ عَلى النَّجْمِ دَلَّ عَلى التَّغايُرِ بَيْنَهُما، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ عَطْفَ الجِنْسِ عَلى النوع وبِالضِّدِّ مَشْهُورٌ وأيْضًا فَلَفَظُ الشَّجَرِ مُشْعِرٌ بِالِاخْتِلاطِ، يُقالُ: تَشاجَرَ القَوْمُ إذا اخْتَلَطَ أصْواتُ بَعْضِهِمْ بِالبَعْضِ، وتَشاجَرَتِ الرِّماحُ إذا اخْتَلَطَتْ وقالَ تَعالى: ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النِّساءِ: ٦٥] ومَعْنى الِاخْتِلاطِ حاصِلٌ في العُشْبِ والكَلَأِ، فَوَجَبَ جَوازُ إطْلاقِ لَفْظِ الشَّجَرِ عَلَيْهِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الإبِلَ تَقْدِرُ عَلى رَعْيِ ورَقِ الأشْجارِ الكِبارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا حاجَةَ إلى ما ذَكَرْناهُ في القَوْلِ الأوَّلِ.
البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أيْ: في الشَّجَرِ تَرْعُونَ مَواشِيَكم يُقالُ: أسَمْتُ الماشِيَةَ إذا خَلَّيْتُها تَرْعى، وسامَتْ هي تَسُومُ سَوْمًا إذا رَعَتْ حَيْثُ شاءَتْ فَهي سَوامٌ وسائِمَةٌ قالَ الزَّجّاجُ: أخَذَ ذَلِكَ مِنَ السَّوْمَةِ وهي العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ، وقالَ غَيْرُهُ: لِأنَّها تُعَلَّمُ لِلْإرْسالِ في المَرْعى،
صفحة ١٨٧
وتَمامُ الكَلامِ في هَذا اللَّفْظِ قَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٤] .
أما قوله تَعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ﴾ فَفِيهِ مَباحِثُ:
البحث الأوَّلُ: هو أنَّ النَّباتَ الَّذِي يُنْبِتُهُ اللَّهُ مِن ماءِ السَّماءِ قِسْمانِ:
أحَدُهُما: مُعَدٌّ لِرَعْيِ الأنْعامِ وإسامَةِ الحَيَواناتِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ .
والثّانِي: ما كانَ مَخْلُوقًا لِأكْلِ الإنْسانِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ﴾ .
فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى بَدَأ في هَذِهِ الآيَةِ بِذِكْرِ ما يَكُونُ مَرْعًى لِلْحَيَواناتِ، وأتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يَكُونُ غِذاءً لِلْإنْسانِ، وفي آيَةٍ أُخْرى عَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ فَبَدَأ بِذِكْرِ مَأْكُولِ الإنْسانِ، ثُمَّ بِما يَرْعاهُ سائِرُ الحَيَواناتِ فَقالَ: ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] فَما الفائِدَةُ فِيهِ ؟
قُلْنا: أمّا التَّرْتِيبُ المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ فَيُنَبِّهُ عَلى مَكارِمِ الأخْلاقِ وهو أنْ يَكُونَ اهْتِمامُ الإنْسانِ بِمَن يَكُونُ تَحْتَ يَدِهِ أكْمَلَ مِنَ اهْتِمامِهِ بِحالِ نَفْسِهِ، وأمّا التَّرْتِيبُ المَذْكُورُ في الآيَةِ الأُخْرى، فالمَقْصُودُ مِنهُ ما هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«ابْدَأْ بِنَفْسِكِ، ثُمَّ بِمَن تَعُولُ» “ .
البحث الثّانِي: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: (نُنْبِتُ) بِالنُّونِ عَلى التَّفْخِيمِ والباقُونَ بِالياءِ، قالَ الواحِدِيُّ: والياءُ أشْبَهُ بِما تَقَدَّمَ.
البحث الثّالِثُ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ مُحْتاجًا إلى الغِذاءِ، والغِذاءُ إمّا أنْ يَكُونَ مِنَ الحَيَوانِ أوْ مِنَ النَّباتِ. والغِذاءُ الحَيَوانِيُّ أشْرَفُ مِنَ الغِذاءِ النَّباتِيِّ؛ لِأنَّ تَوَلُّدَ أعْضاءِ الإنْسانِ عِنْدَ أكْلِ أعْضاءِ الحَيَوانِ أسْهَلُ مِن تَوَلُّدِها عِنْدَ أكْلِ النَّباتِ؛ لِأنَّ المُشابَهَةَ هُناكَ أكْمَلُ وأتَمُّ والغِذاءُ الحَيَوانِيُّ إنَّما يَحْصُلُ مِن إسامَةِ الحَيَواناتِ والسَّعْيِ في تَنْمِيَتِها بِواسِطَةِ الرَّعْيِ، وهَذا هو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الإسامَةِ، وأمّا الغِذاءُ النَّباتِيُّ فَقِسْمانِ: حُبُوبٌ، وفَواكِهٌ، أمّا الحُبُوبُ فَإلَيْها الإشارَةُ بِلَفْظِ الزَّرْعِ وأمّا الفَواكِهُ فَأشْرَفُها الزَّيْتُونُ، والنَّخِيلُ، والأعْنابُ، أمّا الزَّيْتُونُ فَلِأنَّهُ فاكِهَةٌ مِن وجْهٍ وإدامٌ مِن وجْهٍ آخَرَ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الدُّهْنِ ومَنافِعُ الأدْهانِ كَثِيرَةٌ في الأكْلِ والطَّلْيِ واشْتِعالِ السُّرُجِ، وأمّا امْتِيازُ النَّخِيلِ والأعْنابِ مِن سائِرِ الفَواكِهِ، فَظاهِرٌ مَعْلُومٌ، وكَما أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الحَيَواناتِ الَّتِي يَنْتَفِعُ النّاسُ بِها عَلى التَّفْصِيلِ، ثم قال في صِفَةِ البَقِيَّةِ: ﴿ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ فَكَذَلِكَ هَهُنا لَمّا ذَكَرَ الأنْواعَ المُنْتَفَعَ بِها مِنَ النَّباتِ، قالَ في صِفَةِ البَقِيَّةَ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَفْصِيلَ القَوْلِ في أجْناسِها وأنْواعِها وصِفاتِها ومَنافِعِها لا يُمْكِنُ ذِكْرُهُ في مُجَلَّداتٍ، فالأوْلى الِاقْتِصارُ فِيهِ عَلى الكَلامِ المُجْمَلِ.
ثم قال: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وهَهُنا بَحْثانِ:
البحث الأوَّلُ: في شَرْحِ كَوْنِ هَذِهِ الأشْياءِ آياتٍ دالَّةً عَلى وُجُودِ اللَّهِ تَعالى فَنَقُولُ: إنَّ الحَبَّةَ الواحِدَةَ تَقَعُ في الطِّينِ فَإذا مَضَتْ عَلى هَذِهِ الحالَةِ مَقادِيرُ مُعَيَّنَةٌ مِنَ الوَقْتِ نَفَذَتْ في داخِلِ تِلْكَ الحَبَّةِ أجْزاءٌ مِن رُطُوبَةِ الأرْضِ ونَداوَتِها فَتَنْتَفِخُ الحَبَّةُ فَيَنْشَقُّ أعْلاها وأسْفَلُها، فَيَخْرُجُ مِن أعْلى تِلْكَ الحَبَّةِ شَجَرَةٌ صاعِدَةٌ مِن داخِلِ الأرْضِ إلى الهَواءِ، ومِن أسْفَلِها شَجَرَةٌ أُخْرى غائِصَةٌ في قَعْرِ الأرْضِ وهَذِهِ الغائِصَةُ هي المُسَمّاةُ بِعُرُوقِ
صفحة ١٨٨
الشَّجَرَةِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ لا تَزالُ تَزْدادُ وتَنْمُو وتَقْوى، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها الأوْراقُ والأزْهارُ والأكْمامُ والثِّمارُ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الثَّمَرَةَ تَشْتَمِلُ عَلى أجْسامٍ مُخْتَلِفَةِ الطَّبائِعِ مِثْلَ العِنَبِ، فَإنَّ قِشْرَهُ وعَجَمَهُ بارِدانِ يابِسانِ كَثِيفانِ، ولَحْمَهُ وماؤَهُ حارّانِ رَطْبانِ لَطِيفانِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: نِسْبَةُ الطَّبائِعِ السُّفْلِيَّةِ إلى هَذا الجِسْمِ مُتَشابِهَةٌ ونِسْبَةُ التَّأْثِيراتِ الفَلَكِيَّةِ والتَّحْرِيكاتِ الكَوْكَبِيَّةِ إلى الكُلِّ مُتَشابِهَةٌ، ومَعَ تَشابُهِ نِسَبِ هَذِهِ الأشْياءِ تَرى هَذِهِ الأجْسامَ مُخْتَلِفَةً في الطَّبْعِ والطَّعْمِ واللَّوْنِ والرّائِحَةِ والصِّفَةِ، فَدَلَّ صَرِيحُ العَقْلِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا لِأجْلِ فاعِلٍ قادِرٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ، فَهَذا تَقْدِيرُ هَذِهِ الدَّلالَةِ.
البحث الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ: ”أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتَ بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ“ .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أنْبَتَها، ولِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ إنَّما حَدَثَتْ، وتَوَلَّدَتْ بِسَبَبِ تَعاقُبِ الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، وتَأْثِيراتِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ ؟ وإذا عَرَفْتَ هَذا السُّؤالَ فَما لَمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ عَلى فَسادِ هَذا الِاحْتِمالِ لا يَكُونُ هَذا الدَّلِيلُ تامًّا وافِيًا بِإفادَةِ هَذا المَطْلُوبِ، بَلْ يَكُونُ مَقامُ الفِكْرِ والتَّأمُّلِ باقِيًا، فَلِهَذا السَّبَبِ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
16:12–13Page 268
وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٢
And He has subjected for you the night and day and the sun and moon, and the stars are subjected by His command. Indeed in that are signs for a people who reason.
وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣
And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا أجابَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ السُّؤالِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: إنَّ حُدُوثَ الحَوادِثِ في هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ مُسْنَدَةٌ إلى الِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةِ والتَّشَكُّلاتِ الكَوْكَبِيَّةِ، إلّا أنَّهُ لا بُدَّ لِحَرَكاتِها واتِّصالاتِها مِن أسْبابٍ، وأسْبابُ تِلْكَ الحَرَكاتِ إمّا ذَواتُها، وإمّا أُمُورٌ مُغايِرَةٌ لَها، والأوَّلُ باطِلٌ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ، فَلَوْ كانَ جِسْمٌ عِلَّةً لِصِفَةٍ لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ واجِبَ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ وهو مُحالٌ.
والثّانِي: أنَّ ذاتَ الجِسْمِ لَوْ كانَتْ عِلَّةً لِحُصُولِ هَذا الجُزْءِ مِنَ الحَرَكَةِ لَوَجَبَ دَوامُ هَذا الجُزْءِ مِنَ الحَرَكَةِ بِدَوامِ تِلْكَ الذّاتِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَوَجَبَ بَقاءُ الجِسْمِ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ مِن غَيْرِ تَغَيُّرٍ أصْلًا، وذَلِكَ يُوجِبُ كَوْنَهُ ساكِنًا، ويَمْنَعُ مِن كَوْنِهِ مُتَحَرِّكًا، فَثَبَتَ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الجِسْمَ مُتَحَرِّكٌ لِذاتِهِ يُوجِبُ كَوْنَهُ ساكِنًا لِذاتِهِ وما أفْضى ثُبُوتُهُ إلى عَدَمِهِ كانَ باطِلًا، فَثَبَتَ أنَّ الجِسْمَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا لِكَوْنِهِ جِسْمًا، فَبَقِيَ أنْ يَكُونَ مُتَحَرِّكًا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ الغَيْرُ إمّا أنْ يَكُونَ سارِيًا فِيهِ أوْ مُبايِنًا عَنْهُ، والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّ البحث المَذْكُورَ عائِدٌ في أنَّ ذَلِكَ الجِسْمَ بِعَيْنِهِ لَمّا اخْتُصَّ بِتِلْكَ القُوَّةِ بِعَيْنِها دُونَ سائِرِ الأجْسامِ، فَثَبَتَ أنَّ مُحَرِّكَ أجْسامِ الأفْلاكِ والكَواكِبِ أُمُورٌ مُبايِنَةٌ عَنْها، وذَلِكَ المُبايِنُ إنْ كانَ جِسْمًا أوْ جُسْمانِيًّا عادَ التَّقَسُّمُ الأوَّلُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا ولا جُسْمانِيًّا فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوجِبًا بِالذّاتِ أوْ فاعِلًا مُخْتارًا، والأوَّلُ باطِلٌ، لِأنَّ نِسْبَةَ ذَلِكَ المُوجِبِ بِالذّاتِ إلى جَمِيعِ الأجْسامِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْضُ الأجْسامِ بِقَبُولِ بَعْضِ الآثارِ المُعَيَّنَةِ أوْلى مِن بَعْضٍ، ولَمّا بَطَلَ هَذا ثَبَتَ أنَّ مُحَرِّكَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ هو الفاعِلُ المُخْتارُ القادِرُ المُنَزَّهُ عَنْ كَوْنِهِ جِسْمًا وجُسْمانِيًّا، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى، فالحاصِلُ أنّا ولَوْ حَكَمْنا بِإسْنادِ حَوادِثِ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ والكَوْكَبِيَّةِ فَهَذِهِ الحَرَكاتُ الكَوْكَبِيَّةُ والفَلَكِيَّةُ لا يُمْكِنُ إسْنادُها إلى أفْلاكٍ أُخْرى، وإلّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو
صفحة ٤
مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خالِقُ هَذِهِ الحَرَكاتِ ومُدَبِّرُها هو اللَّهَ تَعالى، وإذا كانَتِ الحَوادِثُ السُّفْلِيَّةُ مُسْتَنِدَةً إلى الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، وثَبَتَ أنَّ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةَ حادِثَةٌ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَقْدِيرِهِ وتَكْوِينِهِ، فَكانَ هَذا اعْتِرافًا بِأنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى وبِإحْداثِهِ وتَخْلِيقِهِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ يَعْنِي: إنْ كانَتْ تِلْكَ الحَوادِثُ السُّفْلِيَّةُ لِأجْلِ تَعاقُبِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وحَرَكاتِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَهَذِهِ الأشْياءُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ حُدُوثُها بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وتَسْخِيرِهِ قَطْعًا لِلتَّسَلْسُلِ، ولَمّا تَمَّ هَذا الدَّلِيلُ في هَذا المَقامِ لا جَرَمَ خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّ كُلَّ مَن كانَ عاقِلًا عَلِمَ أنَّ القَوْلَ بِالتَّسَلْسُلِ باطِلٌ، ولا بُدَّ مِنَ الِانْتِهاءِ في آخِرِ الأمْرِ إلى الفاعِلِ المُخْتارِ القَدِيرِ، فَهَذا تَقْرِيرُ أحَدِ الجَوابَيْنِ.
والجَوابُ الثّانِي عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ: أنْ نَقُولَ: نَحْنُ نُقِيمُ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُدُوثُ النَّباتِ والحَيَوانِ لِأجْلِ تَأْثِيرِ الطِّباعِ والأفْلاكِ والأنْجُمِ، وذَلِكَ لِأنَّ تَأْثِيرَ الطَّبائِعِ والأفْلاكِ والأنْجُمِ والشَّمْسِ والقَمَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ واحِدٌ، ثُمَّ نَرى أنَّهُ إذا تَوَلَّدَ العِنَبُ كانَ قِشْرُهُ عَلى طَبْعٍ، وعَجَمُهُ عَلى طَبْعٍ، ولَحْمُهُ عَلى طَبْعٍ ثالِثٍ، وماؤُهُ عَلى طَبْعٍ رابِعٍ، بَلْ نَقُولُ: إنّا نَرى في الوَرْدِ ما يَكُونُ أحَدُ وجْهَيِ الوَرَقَةِ الواحِدَةِ مِنهُ في غايَةِ الصُّفْرَةِ، والوجه الثّانِي مِن تِلْكَ الوَرَقَةِ في غايَةِ الحُمْرَةِ، وتِلْكَ الوَرَقَةُ تَكُونُ في غايَةِ الرِّقَّةِ واللَّطافَةِ، ونَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّ نِسْبَةَ الأنْجُمِ والأفْلاكِ إلى وجْهَيْ تِلْكَ الوَرَقَةِ الرَّقِيقَةِ، نِسْبَةٌ واحِدَةٌ، والطَّبِيعَةُ الواحِدَةُ في المادَّةِ الواحِدَةِ لا تَفْعَلُ إلّا فِعْلًا واحِدًا، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: شَكْلُ البَسِيطِ هو الكُرَةُ؛ لِأنَّ تَأْثِيرَ الطَّبِيعَةِ الواحِدَةِ في المادَّةِ الواحِدَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَشابِهًا، والشَّكْلُ الَّذِي يَتَشابَهُ جَمِيعُ جَوانِبُهُ هو الكُرَةُ، وأيْضًا إذا وضَعْنا الشَّمْعَ فَإذا اسْتَضاءَ خَمْسَةُ أذْرُعٍ مِن ذَلِكَ الشَّمْعِ مِن أحَدِ الجَوانِبِ، وجَبَ أنْ يَحْصُلَ مِثْلُ هَذا الأثَرِ في جَمِيعِ الجَوانِبِ؛ لِأنَّ الطَّبِيعَةَ المُؤَثِّرَةَ يَجِبُ أنْ تَتَشابَهَ نِسْبَتُها إلى كُلِّ الجَوانِبِ.
إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: ظَهَرَ أنَّ نِسْبَةَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والأنْجُمِ والأفْلاكِ والطَّبائِعِ إلى وجْهَيْ تِلْكَ الوَرَقَةِ اللَّطِيفَةِ الرَّقِيقَةِ نِسْبَةٌ واحِدَةٌ، وثَبَتَ أنَّ الطَّبِيعَةَ المُؤَثِّرَةَ مَتى كانَتْ نِسْبَتُها واحِدَةً كانَ الأثَرُ مُتَشابِهًا وثَبَتَ أنَّ الأثَرَ غَيْرُ مُتَشابِهٍ، لِأنَّ أحَدَ جانِبَيْ تِلْكَ الوَرَقَةِ في غايَةِ الصُّفْرَةِ، والوجه الثّانِي في غايَةِ الحُمْرَةِ، فَهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ المُؤَثِّرَ في حُصُولِ هَذِهِ الصِّفاتِ والألْوانِ والأحْوالِ لَيْسَ هو الطَّبِيعَةَ، بَلِ المُؤَثِّرُ فِيها هو الفاعِلُ المُخْتارُ الحَكِيمُ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾ .
واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ مَدارُ هَذِهِ الحُجَّةِ عَلى أنَّ المُؤَثِّرَ المُوجِبَ بِالذّاتِ وبِالطَّبِيعَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نِسْبَتُهُ إلى الكُلِّ نِسْبَةً واحِدَةً، فَلَمّا دَلَّ الحِسُّ في هَذِهِ الأجْسامِ النَّباتِيَّةِ عَلى اخْتِلافِ صِفاتِها وتَنافُرِ أحْوالِها ظَهَرَ أنَّ المُؤَثِّرَ فِيها لَيْسَ واجِبًا بِالذّاتِ بَلْ فاعِلًا مُخْتارًا، فَهَذا تَمامُ تَقْرِيرِ هَذِهِ الدَّلائِلِ، وثَبَتَ أنَّ خَتْمَ الآيَةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ والآيَةِ الثّانِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ والآيَةِ الثّالِثَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ هو الَّذِي نَبَّهَ عَلى هَذِهِ الفَوائِدِ النَّفِيسَةِ والدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ألْطافِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا.
المسألة الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ) كُلَّها بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ هو قَوْلُهُ: (مُسَخَّراتٌ) وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ﴿والنُّجُومُ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والنُّجُومُ﴾ ابْتِداءً، وإنَّما حَمَلَها عَلى هَذا لِئَلّا يَتَكَرَّرَ لَفْظُ التَّسْخِيرِ، إذِ العَرَبُ لا تَقُولُ سَخَّرْتُ هَذا الشَّيْءَ مُسَخَّرًا، فَجَوابُهُ أنَّ المَعْنى أنَّهُ تَعالى
صفحة ٥
سَخَّرَ لَنا هَذِهِ الأشْياءَ حالَ كَوْنِها مُسَخَّرَةً تَحْتَ قُدْرَتِهِ وإرادَتِهِ، وهَذا هو الكَلامُ الصَّحِيحُ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ تَعالى سَخَّرَ لِلنّاسِ هَذِهِ الأشْياءَ وجَعَلَها مُوافِقَةً لِمَصالِحِها حالَ كَوْنِها مُسَخَّرَةً تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وأمْرِهِ وإذْنِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالتَّكْرِيرُ الخالِي عَنِ الفائِدَةِ غَيْرُ لازِمٍ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: التَّسْخِيرُ عِبارَةٌ عَنِ القَهْرِ والقَسْرِ، ولا يَلِيقُ ذَلِكَ إلّا بِمَن هو قادِرٌ يَجُوزُ أنْ يَقْهَرَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ذَلِكَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ وفي الجَماداتِ والشَّمْسِ والقَمَرِ ؟
والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا دَبَّرَ هَذِهِ الأشْياءَ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ مُطابِقَةٍ لِمَصالِحِ العِبادِ صارَتْ شَبِيهَةً بِالعَبْدِ المُنْقادِ المِطْواعِ، فَلِهَذا المَعْنى أطْلَقَ عَلى هَذا النوع مِنَ التَّدْبِيرِ لَفْظَ التَّسْخِيرِ.
وعَنِ الوجه الثّانِي في الجَوابِ: وهو لا يَسْتَقِيمُ إلّا عَلى مَذْهَبِ أصْحابِ عِلْمِ الهَيْئَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَقُولُونَ: الحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ هي الحَرَكَةُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، واللَّهُ تَعالى يُحَرِّكُ هَذِهِ الكَواكِبَ بِواسِطَةِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، فَكانَتْ هَذِهِ الحَرَكَةُ قَسْرِيَّةً، فَلِهَذا السَّبَبِ ورَدَ فِيها اللَّفْظُ ”التَّسْخِيرُ“ .
السُّؤالُ الثّانِي: إذا كانَ لا يَحْصُلُ لِلنَّهارِ واللَّيْلِ وُجُودٌ إلّا بِسَبَبِ حَرَكاتِ الشَّمْسِ كانَ ذِكْرُ النَّهارِ واللَّيْلِ مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الشَّمْسِ.
والجَوابُ: أنَّ حُدُوثَ النَّهارِ واللَّيْلِ لَيْسَ بِسَبَبِ حَرَكَةِ الشَّمْسِ، بَلْ حُدُوثُهُما بِسَبَبِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ الَّذِي دَلَّلْنا عَلى أنَّ حَرَكَتَهُ لَيْسَتْ إلّا بِتَحْرِيكِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأمّا حَرَكَةُ الشَّمْسِ فَإنَّها عِلَّةٌ لِحُدُوثِ السَّنَةِ لا لِحُدُوثِ اليَوْمِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ﴾ والمُؤَثِّرُ في التَّسْخِيرِ هو القُدْرَةُ لا الأمْرُ ؟
والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ الأفْلاكَ والكَواكِبَ جَماداتٌ أمْ لا، وأكْثَرُ المُسْلِمِينَ عَلَيْها أنَّها جَماداتٌ، فَلا جَرَمَ حَمَلُوا الأمْرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ، ولَفْظُ الأمْرِ بِمَعْنى الشَّأْنِ والفِعْلِ كَثِيرٌ قالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ جَماداتٌ فَهَهُنا يُحْمَلُ الأمْرُ عَلى الإذْنِ والتَّكْلِيفِ واللَّهُ أعْلَمُ.
16:14Page 268
وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤
And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا احْتَجَّ عَلى إثْباتِ الإلَهِ في المَرْتَبَةِ الأُولى بِأجْرامِ السَّماواتِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِبَدَنِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ، وفي المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ بِعَجائِبِ خِلْقَةِ الحَيَواناتِ، وفي المَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ بِعَجائِبِ طَبائِعِ النَّباتِ، ذَكَرَ في المَرْتَبَةِ الخامِسَةِ الِاسْتِدْلالَ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِعَجائِبِ أحْوالِ العَناصِرِ، فَبَدَأ مِنها بِالِاسْتِدْلالِ بِعُنْصُرِ الماءِ.
صفحة ٦
واعْلَمْ أنَّ عُلَماءَ الهَيْئَةِ قالُوا: ثَلاثَةُ أرْباعِ كُرَةِ الأرْضِ غائِصَةٌ في الماءِ، وذاكَ هو البَحْرُ المُحِيطُ، وهو كُلِّيَّةُ عُنْصُرِ الماءِ، وحَصَلَ في هَذا الرُّبْعِ المَسْكُونِ سَبْعَةٌ مِنَ البِحارِ كَما قالَ بَعْدَهُ: ﴿والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧] والبَحْرُ الَّذِي سَخَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلنّاسِ هو هَذِهِ البِحارُ، ومَعْنى تَسْخِيرِ اللَّهِ تَعالى إيّاها لِلْخَلْقِ جَعْلُها بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِها إمّا بِالرُّكُوبِ أوْ بِالغَوْصِ.
واعْلَمْ أنَّ مَنافِعَ البِحارِ كَثِيرَةٌ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ مِنها في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةَ أنْواعٍ:
* * *
المَنفَعَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ”لَحْمٌ طَرِيٌّ“ غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وقَدْ طَرُوَ يَطْرُو طَراوَةً، وقالَ الفَرّاءُ: ”طَرا يَطْرا طَراءً“ - مَمْدُودًا - وطَراوَةً، كَما يُقالُ: شَقى يَشْقى شَقاءً وشَقاوَةً.
واعْلَمْ أنَّ في ذِكْرِ الطَّرِيِّ مَزِيدَ فائِدَةٍ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ السَّمَكُ كُلُّهُ مالِحًا لَما عُرِفَ بِهِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ما يُعْرَفُ بِالطَّرِيِّ، فَإنَّهُ لَمّا خَرَجَ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ الزُّعاقِ الحَيَوانُ الَّذِي لَحْمُهُ في غايَةِ العُذُوبَةِ عُلِمَ أنَّهُ إنَّما حَدَثَ لا بِحَسَبِ الطَّبِيعَةِ، بَلْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ حَيْثُ أظْهَرَ الضِّدَّ مِنَ الضِّدِّ.
المسألة الثّانِيَةُ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَأكَلَ لَحْمَ السَّمَكِ لا يَحْنَثُ، قالُوا: لِأنَّ لَحْمَ السَّمَكِ لَيْسَ بِلَحْمٍ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ يَحْنَثُ؛ لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى كَوْنِهِ لَحْمًا في هَذِهِ الآيَةِ، ولَيْسَ فَوْقَ بَيانِ اللَّهِ بَيانٌ. رُوِيَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمّا قالَ بِهَذا القَوْلِ وسَمِعَهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ فَأنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعَثَ إلَيْهِ رَجُلًا وسَألَهُ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ لا يُصَلِّي عَلى البِساطِ، فَصَلّى عَلى الأرْضِ هَلْ يَحْنَثُ أمْ لا ؟ قالَ سُفْيانُ: لا يَحْنَثُ، فَقالَ السّائِلُ: ألَيْسَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ [نوح: ١٩] قالَ: فَعَرَفَ سُفْيانُ أنَّ ذَلِكَ كانَ بِتَلْقِينِ أبِي حَنِيفَةَ.
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الكَلامُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنّا تَرَكْنا العَمَلَ بِظاهِرِ القُرْآنِ في لَفْظِ البِساطِ لِلدَّلِيلِ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ، فَكَيْفَ يَلْزَمُنا تَرْكُ العَمَلِ بِظاهِرِ القُرْآنِ في آيَةٍ أُخْرى، والفَرْقُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا حَلَفَ لا يُصَلِّي عَلى البِساطِ، فَلَوْ أدْخَلْنا الأرْضَ تَحْتَ لَفْظِ البِساطِ لَزِمَنا أنْ نَمْنَعَهُ مِنَ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ إنْ صَلّى عَلى الأرْضِ المَفْرُوشَةِ بِالبِساطِ لَزِمَهُ الحِنْثُ لا مَحالَةَ، ولَوْ صَلّى عَلى الأرْضِ الَّتِي لا تَكُونُ مَفْرُوشَةً لَزِمَهُ الحِنْثُ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يُدْخِلَ الأرْضَ تَحْتَ لَفْظِ البِساطِ، فَهَذا يَقْتَضِي مَنعَهُ مِنَ الصَّلاةِ، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ، بِخِلافِ ما إذا أدْخَلْنا لَحْمَ السَّمَكِ تَحْتَ لَفْظِ اللَّحْمِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في مَنعِهِ مِن أكْلِ اللَّحْمِ عَلى الإطْلاقِ مَحْذُورٌ فَظَهَرَ الفَرْقُ.
الثّانِي: أنّا نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِن عُرْفِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ وُقُوعَ اسْمِ البِساطِ عَلى الأرْضِ الخالِصَةِ مَجازٌ، أمّا وُقُوعُ اسْمِ اللَّحْمِ عَلى لَحْمِ السَّمَكِ فَلَمْ يُعْرَفْ أنَّهُ مَجازٌ، فَظَهَرَ الفَرَقُ واللَّهُ أعْلَمُ.
وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ مَبْنى الأيْمانِ عَلى العادَةِ، وعادَةُ النّاسِ إذا ذُكِرَ اللَّحْمُ عَلى الإطْلاقِ أنْ لا يُفْهَمَ مِنهُ لَحْمُ السَّمَكِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ إذا قالَ الرَّجُلُ لِغُلامِهِ: اشْتَرِ بِهَذِهِ الدَّراهِمِ لَحْمًا فَجاءَ بِالسَّمَكِ كانَ حَقِيقًا بِالإنْكارِ.
والجَوابُ: أنّا رَأيْناكم في كِتابِ الأيْمانِ تارَةً تَعْتَبِرُونَ اللَّفْظَ وتارَةً تَعْتَبِرُونَ العُرْفَ، وما رَأيْناكم ذَكَرْتُمْ
صفحة ٧
ضابِطًا بَيْنَ القِسْمَيْنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ إذا قالَ لِغُلامِهِ: اشْتَرِ بِهَذِهِ الدَّراهِمِ لَحْمًا، فَجاءَ بِلَحْمِ العُصْفُورِ كانَ حَقِيقًا بِالإنْكارِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّكم تَقُولُونَ: إنَّهُ يَحْنَثُ بِأكْلِ لَحْمِ العُصْفُورِ، فَثَبَتَ أنَّ العُرْفَ مُضْطَرِبٌ، والرُّجُوعُ إلى نَصِّ القُرْآنِ مُتَعَيِّنٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَنفَعَةُ الثّانِيَةُ مِن مَنافِعِ البَحْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ والمُرادُ بِالحِلْيَةِ اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ كَما قالَ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] والمُرادُ: بِلُبْسِهِمْ لُبْسُ نِسائِهِمْ لِأنَّهُنَّ مِن جُمْلَتِهِمْ، ولِأنَّ إقْدامَهُنَّ عَلى التَّزَيُّنِ بِها إنَّما يَكُونُ مِن أجْلِهِمْ، فَكَأنَّها زِينَتُهم ولِباسُهم، ورَأيْتُ بَعْضَ أصْحابِنا تَمَسَّكُوا في مَسْألَةِ أنَّهُ لا يَجِبُ الزَّكاةُ في الحُلِيِّ المُباحِ بِحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لا زَكاةَ في الحُلِيِّ» “ فَقُلْتُ: هَذا الحَدِيثُ ضَعِيفُ الرِّوايَةِ، وبِتَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَيُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ: لَفْظُ الحُلِيِّ لَفْظٌ مُفْرَدٌ مُحَلّى بِالألِفِ واللّامِ، وقَدْ بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ هَذا اللَّفْظَ يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى المَعْهُودِ السّابِقِ، والحُلِيُّ الَّذِي هو المَعْهُودُ السّابِقُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ فَصارَ بِتَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ الخَبَرِ لا زَكاةَ في اللَّآلِئِ، وحِينَئِذٍ يَسْقُطُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَنفَعَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَخْرُ السَّفِينَةِ شَقُّها الماءَ بِصَدْرِها، وعَنِ الفَرّاءِ: أنَّهُ صَوْتُ جَرْيِ الفُلْكِ بِالرِّياحِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مَواخِرَ﴾ أيْ: جِوارِيَ، إنَّما حَسُنَ التَّفْسِيرُ بِهِ، لِأنَّها لا تَشُقُّ الماءَ إلّا إذا كانَتْ جارِيَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي: لِتَرْكَبُوهُ لِلتِّجارَةِ، فَتَطْلُبُوا الرِّبْحَ مِن فَضْلِ اللَّهِ، وإذا وجَدْتُمْ فَضْلَ اللَّهِ تَعالى وإحْسانَهُ فَلَعَلَّكم تُقْدِمُونَ عَلى شُكْرِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences