Ar-RaziAn‑Nahl · 16:120–127

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:120–127

16:120–123Page 281

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٠

Indeed, Abraham was a [comprehensive] leader,1 devoutly obedient to Allāh, inclining toward truth, and he was not of those who associate others with Allāh.

شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٢١

[He was] grateful for His favors. He [i.e., Allāh] chose him and guided him to a straight path.

وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٢٢

And We gave him good in this world, and indeed, in the Hereafter he will be among the righteous.

ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٢٣

Then We revealed to you, [O Muḥammad], to follow the religion of Abraham, inclining toward truth; and he was not of those who associate with Allāh.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ في هَذِهِ السُّورَةِ مَذاهِبَ المُشْرِكِينَ في أشْياءَ، مِنها قَوْلُهم: بِإثْباتِ الشُّرَكاءِ والأنْدادِ لِلَّهِ تَعالى، ومِنها طَعْنُهم في نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَوْلُهم: لَوْ أرْسَلَ اللَّهُ رَسُولًا لَكانَ ذَلِكَ الرَّسُولُ مِنَ المَلائِكَةِ. ومِنها قَوْلُهم بِتَحْلِيلِ أشْياءَ حَرَّمَها اللَّهُ، وتَحْرِيمِ أشْياءَ أباحَها اللَّهُ تَعالى، فَلَمّا بالَغَ في إبْطالِ مَذاهِبِهِمْ في هَذِهِ الأقْوالِ، وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَئِيسَ المُوَحِّدِينَ وقُدْوَةَ الأُصُولِيِّينَ، وهو الَّذِي دَعا النّاسَ إلى التَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ وإلى الشَّرائِعِ. والمُشْرِكُونَ كانُوا مُفْتَخِرِينَ بِهِ مُعْتَرِفِينَ بِحُسْنِ طَرِيقَتِهِ، مُقِرِّينَ بِوُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، لا جَرَمَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وحَكى عَنْهُ طَرِيقَتَهُ في التَّوْحِيدِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ حامِلًا لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْرارِ بِالتَّوْحِيدِ والرُّجُوعِ عَنِ الشِّرْكِ. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصِفاتٍ:

الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ كانَ أُمَّةً، وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ كانَ وحْدَهُ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ؛ لِكَمالِهِ في صِفاتِ الخَيْرِ كَقَوْلِهِ:

لَيْسَ عَلى اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ

صفحة ١٠٨

الثّانِي: قالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُؤْمِنًا وحْدَهُ، والنّاسُ كُلُّهم كانُوا كُفّارًا؛ فَلِهَذا المَعْنى كانَ وحْدَهُ أُمَّةً، «وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ”يَبْعَثُهُ اللَّهُ أُمَّةً وحْدَهُ“» .

الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أُمَّةٌ فُعْلَةً بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالرُّحْلَةِ والبُغْيَةِ، فالأُمَّةُ هو الَّذِي يُؤْتَمُّ بِهِ؛ ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٤] .

الرّابِعُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ هو السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ جُعِلَتْ أُمَّتُهُ مُمْتازِينَ عَمَّنْ سِواهم بِالتَّوْحِيدِ والدِّينِ الحَقِّ، ولَمّا جَرى مَجْرى السَّبَبِ لِحُصُولِ تِلْكَ الأُمَّةِ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى بِالأُمَّةِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ لَمْ تَبْقَ أرْضٌ إلّا وفِيها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ أهْلِ الأرْضِ إلّا زَمَنَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ كانَ وحْدَهُ.

الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: كَوْنُهُ قانِتًا لِلَّهِ، والقانِتُ: هو القائِمُ بِما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَعْناهُ كَوْنُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: كَوْنُهُ حَنِيفًا، والحَنِيفُ: المائِلُ إلى مِلَّةِ الإسْلامِ مَيْلًا لا يَزُولُ عَنْهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ أوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ وأقامَ مَناسِكَ الحَجِّ وضَحّى، وهَذِهِ صِفَةُ الحَنِيفِيَّةِ.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ كانَ مِنَ المُوَحِّدِينَ في الصِّغَرِ والكِبَرِ والَّذِي يُقَرِّرُ كَوْنَهُ كَذِلَكَ أنَّ أكْثَرَ هِمَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في تَقْرِيرِ عِلْمِ الأُصُولِ، فَذَكَرَ دَلِيلَ إثْباتِ الصّانِعِ مَعَ مَلِكِ زَمانِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٥٨] . ثُمَّ أبْطَلَ عِبادَةَ الأصْنامِ والكَواكِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنْعامِ: ٧٦] . ثُمَّ كَسَرَ تِلْكَ الأصْنامَ حَتّى آلَ الأمْرُ إلى أنْ ألْقَوْهُ في النّارِ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُرِيَهُ كَيْفِيَّةَ إحْياءِ المَوْتى؛ لِيَحْصُلَ لَهُ مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ، ومَن وقَفَ عَلى عِلْمِ القُرْآنِ عَلِمَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ غارِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ.

الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ لا يَتَغَدّى إلّا مَعَ ضَيْفٍ، فَلَمْ يَجِدْ ذاتَ يَوْمٍ ضَيْفًا فَأخَّرَ غَداءَهُ فَإذا هو بِقَوْمٍ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ البَشَرِ، فَدَعاهم إلى الطَّعامِ فَأظْهَرُوا أنَّ بِهِمْ عِلَّةَ الجُذامِ، فَقالَ: الآنَ يَجِبُ عَلَيَّ مُؤاكَلَتُكم، فَلَوْلا عِزَّتُكم عَلى اللَّهِ تَعالى لَما ابْتَلاكم بِهَذا البَلاءِ ! .

فَإنْ قِيلَ: لَفْظُ الأنْعُمِ جَمْعُ قِلَّةٍ، ونِعَمُ اللَّهِ تَعالى عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَتْ كَثِيرَةً. فَلِمَ قالَ: ﴿شاكِرًا لِأنْعُمِهِ﴾ ؟

قُلْنا: المُرادُ أنَّهُ كانَ شاكِرًا لِجَمِيعِ نِعَمِ اللَّهِ إنْ كانَتْ قَلِيلَةً، فَكَيْفَ الكَثِيرَةُ !

الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ﴾ أيِ: اصْطَفاهُ لِلنُّبُوَّةِ. والِاجْتِباءُ: هو أنْ تَأْخُذَ الشَّيْءَ بِالكُلِّيَّةِ، وهو افْتِعالٌ مِن جَبَيْتُ، وأصْلُهُ جَمْعُ الماءِ في الحَوْضِ، والجابِيَةُ: هي الحَوْضُ.

الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ في الدِّينِ الحَقِّ، والتَّنْفِيرِ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ، نَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنْعامِ: ١٥٣] .

الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْناهُ في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ قالَ قَتادَةُ: إنَّ اللَّهَ حَبَّبَهُ إلى كُلِّ الخَلْقِ، فَكُلُّ أهْلِ الأدْيانِ يُقِرُّونَ بِهِ، أمّا المُسْلِمُونَ واليَهُودُ والنَّصارى فَظاهِرٌ، وأمّا كُفّارُ قُرَيْشٍ وسائِرُ العَرَبِ فَلا فَخْرَ لَهم إلّا بِهِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ: أنَّ اللَّهَ أجابَ دُعاءَهُ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٤] . وقالَ

صفحة ١٠٩

آخَرُونَ: هو قَوْلُ المُصَلِّي مِنّا: كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الصِّدْقُ، والوَفاءُ والعِبادَةُ.

الصِّفَةُ التّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ: وإنَّهُ في الآخِرَةِ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ ؟

قُلْنا: لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٨٣] . فَقالَ هَهُنا: ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَعالى أجابَ دُعاءَهُ ثُمَّ إنَّ كَوْنَهُ مِنَ الصّالِحِينَ لا يَنْفِي أنْ يَكُونَ في أعْلى مَقاماتِ الصّالِحِينَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى وهي قَوْلُهُ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنْعامِ: ٨٣] .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهَذِهِ الصِّفاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ قالَ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البحث الأوَّلُ: قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَيْسَ لَهُ شَرْعٌ هو بِهِ مُنْفَرِدٌ، بَلِ المَقْصُودُ مِن بَعْثَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إحْياءُ شَرْعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَوَّلَ في إثْباتِ مَذْهَبِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ ما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلَمّا قالَ: ﴿اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ كانَ المُرادُ ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: النَّبِيُّ ﷺ إنَّما نَفى الشِّرْكَ وأثْبَتَ التَّوْحِيدَ بِناءً عَلى الدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُتابِعًا لَهُ، فَيَمْتَنِعُ حَمْلُ قَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾ عَلى هَذا المَعْنى، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي يَصِحُّ حُصُولُ المُتابَعَةِ فِيها.

قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَ بِمُتابَعَتِهِ في كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ وهو أنْ يَدْعُوَ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الرِّفْقِ والسَّهُولَةِ وإيرادِ الدَّلائِلِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِأنْواعٍ كَثِيرَةٍ عَلى ما هو الطَّرِيقَةُ المَأْلُوفَةُ في القُرْآنِ.

البحث الثّانِي: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: لَفْظَةُ ”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِ مَنزِلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإجْلالِ مَحَلِّهِ والإيذانِ بِأنَّ أشْرَفَ ما أُوتِيَ خَلِيلُ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأجَلَّ ما أُوتِيَ مِنَ النِّعْمَةِ - اتِّباعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِلَّتَهُ مِن قَبْلُ، فَإنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ دَلَّتْ عَلى تَباعُدِ هَذا النَّعْتِ في المَرْتَبَةِ عَنْ سائِرِ المَدائِحِ الَّتِي مَدَحَهُ اللَّهُ بِها.

16:124Page 281

إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤

The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِمُتابَعَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وكانَ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اخْتارَ يَوْمَ

صفحة ١١٠

الجُمُعَةِ، فَهَذِهِ المُتابَعَةُ إنَّما تَحْصُلُ إذا قُلْنا: إنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدِ اخْتارَ في شَرْعِهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وعِنْدَ هَذا لِسائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِمَ اخْتارَ اليَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ ؟

فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وفي الآيَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: أمَرَهم مُوسى بِالجُمُعَةِ، وقالَ: تَفَرَّغُوا لِلَّهِ في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا واحِدًا وهو يَوْمُ الجُمُعَةِ لا تَعْمَلُوا فِيهِ شَيْئًا مِن أعْمالِكم، فَأبَوْا أنْ يَقْبَلُوا ذَلِكَ، وقالُوا: لا نُرِيدُ إلّا اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ وهو يَوْمُ السَّبْتِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى السَّبْتَ لَهم وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ثُمَّ جاءَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أيْضًا بِالجُمُعَةِ، فَقالَتِ النَّصارى: لا نُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِيدُهم بَعْدَ عِيدِنا واتَّخَذُوا الأحَدَ.

ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ كَتَبَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلى مَن كانَ قَبْلَنا فاخْتَلَفُوا فِيهِ، وهَدانا اللَّهُ لَهُ، فالنّاسُ لَنا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» “ .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ عَلى نَبِيِّهِمْ مُوسى حَيْثُ أمَرَهم بِالجُمُعَةِ فاخْتارُوا السَّبْتَ، فاخْتِلافُهم في السَّبْتِ كانَ اخْتِلافًا عَلى نَبِيِّهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ: لِأجْلِهِ، ولَيْسَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَمِنهم مَن قالَ بِالسَّبْتِ، ومِنهم مَن لَمْ يَقُلْ بِهِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، فَلا يُمْكِنُ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ بِهَذا، بَلِ الصَّحِيحُ ما قَدَّمْناهُ.

فَإنْ قالَ قائِلٌ: هَلْ في العَقْلِ وجْهٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ أفْضَلُ مِن يَوْمِ السَّبْتِ ؟ وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ المِلَلِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ العالَمَ في سِتَّةِ أيّامٍ، وبَدَأ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّكْوِينِ مِن يَوْمِ الأحَدِ، وتَمَّ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، فَكانَ يَوْمُ السَّبْتِ يَوْمَ الفَراغِ، فَقالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ نُوافِقُ رَبَّنا في تَرْكِ الأعْمالِ، فَعَيَّنُوا السَّبْتَ لِهَذا المَعْنى، وقالَتِ النَّصارى: مَبْدَأُ الخَلْقِ والتَّكْوِينِ هو يَوْمُ الأحَدِ، فَنَجْعَلُ هَذا اليَوْمَ عِيدًا لَنا، فَهَذانَ الوجه انِ مَعْقُولانِ، فَما الوجه في جَعْلِ يَوْمِ الجُمُعَةِ عِيدًا لَنا ؟

قُلْنا: يَوْمُ الجُمُعَةِ هو يَوْمُ الكَمالِ والتَّمامِ، وحُصُولُ التَّمامِ والكَمالِ يُوجِبُ الفَرَحَ الكامِلَ والسُّرُورَ العَظِيمَ، فَجَعْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ يَوْمَ العِيدِ أوْلى مِن هَذا الوجه، واللَّهُ أعْلَمُ.

والقَوْلُ الثّانِي في اخْتِلافِهِمْ في السَّبْتِ: أنَّهم أحَلُّوا الصَّيْدَ فِيهِ تارَةً وحَرَّمُوهُ تارَةً، وكانَ الواجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّفِقُوا في تَحْرِيمِهِ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ.

ثم قال تَعالى: ﴿وإنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى سَيَحْكُمُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْمُحِقِّينَ بِالثَّوابِ، ولِلْمُبْطِلِينَ بِالعِقابِ.

16:125Page 281

ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥

Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ .

صفحة ١١١

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِاتِّباعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي أمَرَهُ بِمُتابَعَتِهِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ النّاسَ بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: وهي الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، والمُجادَلَةُ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الجَدَلَ في آيَةٍ أُخْرى، فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦] . ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطُّرُقَ الثَّلاثَةَ وعَطَفَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ - وجَبَ أنْ تَكُونَ طُرُقًا مُتَغايِرَةً مُتَبايِنَةً، وما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ كَلامًا مُلَخَّصًا مَضْبُوطًا.

واعْلَمْ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى المَذْهَبِ والمَقالَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ المَذْهَبِ وذَلِكَ الِاعْتِقادِ في قُلُوبِ المُسْتَمِعِينَ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ إلْزامَ الخَصْمِ وإفْحامَهُ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَيَنْقَسِمُ أيْضًا إلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ إمّا أنْ تَكُونَ حُجَّةً حَقِيقِيَّةً يَقِينِيَّةً قَطْعِيَّةً، مُبَرَّأةً عَنِ احْتِمالِ النَّقِيضِ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ حُجَّةً تُفِيدُ الظَّنَّ الظّاهِرَ والإقْناعَ الكامِلَ، فَظَهَرَ بِهَذا التَّقْسِيمِ انْحِصارُ الحُجَجِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ:

أوَّلُها: الحُجَّةُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْعَقائِدِ اليَقِينِيَّةِ، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، وهَذِهِ أشْرَفُ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ في صِفَتِها: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] .

وثانِيها: الأماراتُ الظَّنِّيَّةُ والدَّلائِلُ الإقْناعِيَّةُ وهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ.

وثالِثُها: الدَّلائِلُ الَّتِي يَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها إلْزامَ الخُصُومِ وإفْحامَهم، وذَلِكَ هو الجَدَلُ، ثُمَّ هَذا الجَدَلُ عَلى قِسْمَيْنِ:

القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ دَلِيلًا مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتٍ مُسَلَّمَةٍ في المَشْهُورِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ مِن مُقَدَّماتٍ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ القائِلِ، وهَذا الجَدَلُ هو الجَدَلُ الواقِعُ عَلى الوجه الأحْسَنِ.

القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُوُنَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتٍ باطِلَةٍ فاسِدَةٍ إلّا أنَّ قائِلَها يُحاوِلُ تَرْوِيجَها عَلى المُسْتَمِعِينَ بِالسَّفاهَةِ والشَّغَبِ والحِيَلِ الباطِلَةِ والطُّرُقِ الفاسِدَةِ، وهَذا القِسْمُ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الفَضْلِ، إنَّما اللّائِقُ بِهِمْ هو القِسْمُ الأوَّلُ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا انْحِصارُ الدَّلائِلِ والحُجَجِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أهْلُ العِلْمِ ثَلاثُ طَوائِفَ: الكامِلُونَ الطّالِبُونَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، والمُكالَمَةُ مَعَ هَؤُلاءِ لا تُمْكِنُ إلّا بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ وهي الحِكْمَةُ.

والقِسْمُ الثّانِي: الَّذِينَ تَغْلِبُ عَلى طِباعِهِمُ المُشاغَبَةُ والمُخاصَمَةُ، لا طَلَبُ المَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، والمُكالَمَةُ اللّائِقَةُ بِهَؤُلاءِ المُجادَلَةُ الَّتِي تُفِيدُ الإفْحامَ والإلْزامَ.

وهَذانِ القِسْمانِ هُما الطَّرَفانِ؛ فالأوَّلُ هو طَرَفُ الكَمالِ، والثّانِي طَرَفُ النُّقْصانِ.

وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَهو الواسِطَةُ، وهُمُ الَّذِينَ ما بَلَغُوا في الكَمالِ إلى حَدِّ الحُكَماءِ المُحَقِّقِينَ، وفي النُّقْصانِ والرَّذالَةِ إلى حَدِّ المُشاغِبِينَ المُخاصِمِينَ، بَلْ هم أقْوامٌ بَقُوا عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ والسَّلامَةِ الخِلْقِيَّةِ، وما بَلَغُوا إلى دَرَجَةِ الِاسْتِعْدادِ لِفَهْمِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والمَعارِفِ الحُكْمِيَّةِ، والمُكالَمَةُ مَعَ هَؤُلاءِ لا تُمْكِنُ إلّا

صفحة ١١٢

بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وأدْناها المُجادَلَةُ. وأعْلى مَراتِبِ الخَلائِقِ الحُكَماءُ المُحَقِّقُونَ، وأوْسَطُهم عامَّةُ الخَلْقِ وهم أرْبابُ السَّلامَةِ، وفِيهِمُ الكَثْرَةُ والغَلَبَةُ، وأدْنى المَراتِبِ الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى طَبِيعَةِ المُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ﴾ مَعْناهُ: ادْعُ الأقْوِياءَ الكامِلِينَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِالحِكْمَةِ، وهي البَراهِينُ القَطْعِيَّةُ اليَقِينِيَّةُ - وعَوامَّ الخَلْقِ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وهي الدَّلائِلُ اليَقِينِيَّةُ الإقْناعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ. والتَّكَلُّمُ مَعَ المُشاغِبِينَ بِالجَدَلِ عَلى الطَّرِيقِ الأحْسَنِ الأكْمَلِ.

ومِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾ فَقَصَرَ الدَّعْوَةَ عَلى ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ فَهي الحِكْمَةُ، وإنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ فَهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، أمّا الجَدَلُ فَلَيْسَ مِن بابِ الدَّعْوَةِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغايِرٌ لِلدَّعْوَةِ وهو الإلْزامُ والإفْحامُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ والجَدَلِ الأحْسَنِ، بَلْ قَطَعَ الجَدَلَ عَنْ بابِ الدَّعْوَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الدَّعْوَةُ، وإنَّما الغَرَضُ مِنهُ شَيْءٌ آخَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَباحِثَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أدْرَجَ في هَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الأسْرارَ العالِيَةَ الشَّرِيفَةَ، مَعَ أنَّ أْكَثْرَ الخَلْقِ كانُوا غافِلِينَ عَنْها، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ لا يَهْتَدِي إلى ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ إلّا مَن كانَ مِن خَواصِّ أُولِي الأبْصارِ.

ثم قال تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ والمَعْنى: أنَّكَ مُكَلَّفٌ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِكَ، فَهو تَعالى أعْلَمُ بِالضّالِّينَ وأعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ. والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ جَواهِرَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها نُفُوسٌ مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ قَلِيلَةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ كَثِيرَةُ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ. وبَعْضُها مُظْلِمَةٌ كَدِرَةٌ قَوِيَّةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ عَدِيمَةُ الِالتِفاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعْداداتُ مِن لَوازِمِ جَواهِرِها، لا جَرَمَ يَمْتَنِعُ انْقِلابُها وزَوالُها؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: اشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ ولا تَطْمَعُ في حُصُولِ الهِدايَةِ لِلْكُلِّ، فَإنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِضَلالِ النُّفُوسِ الضّالَّةِ الجاهِلَةِ وبِإشْراقِ النُّفُوسِ المُشْرِقَةِ الصّافِيَةِ، فَلِكُلِّ نَفْسٍ فِطْرَةٌ مَخْصُوصَةٌ وماهِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما قالَ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] . واللَّهُ أعْلَمُ.

16:126–127Page 281

وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦

And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.

وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧

And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

صفحة ١١٣

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو الَّذِي عَلَيْهِ العامَّةُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى حَمْزَةَ وقَدْ مَثَّلُوا بِهِ قالَ: ”واللَّهِ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَكَ“ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِخَواتِيمِ سُورَةِ النَّحْلِ فَكَفَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأمْسَكَ عَمّا أرادَ» .

وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في رِوايَةِ عَطاءٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، والشَّعْبِيِّ. وعَلى هَذا قالُوا: إنَّ سُورَةَ النَّحْلِ كُلَّها مَكِّيَّةٌ إلّا هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالسَّيْفِ والجِهادِ، حِينَ كانَ المُسْلِمُونَ قَدْ أُمِرُوا بِالقِتالِ مَعَ مَن يُقاتِلُهم ولا يَبْدَءُوا بِالقِتالِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٩٠] . وفي هَذِهِ الآيَةِ أمَرَ اللَّهُ بِأنْ يُعاقِبُوا بِمِثْلِ ما يُصِيبُهم مِنَ العُقُوبَةِ ولا يَزِيدُوا.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَهْيُ المَظْلُومِ عَنِ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ مِنَ الظّالِمِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ والنَّخَعِيِّ وابْنِ سِيرِينَ. قالَ ابْنُ سِيرِينَ: إنْ أخَذَ مِنكَ رَجَلٌ شَيْئًا فَخُذْ مِنهُ مِثْلَهُ، وأقُولُ: إنَّ حَمْلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قِصَّةٍ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها يُوجِبُ حُصُولَ سُوءِ التَّرْتِيبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى؛ وذَلِكَ يُطْرِقُ الطَّعْنَ إلَيْهِ وهو في غايَةِ البُعْدِ، بَلِ الأصْوَبُ عِنْدِي أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِأحَدِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: وهي الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، والجِدالُ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ تَتَضَمَّنُ أمْرَهم بِالرُّجُوعِ عَنْ دِينِ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ، وبِالإعْراضِ عَنْهُ والحكم عَلَيْهِ بِالكُفْرِ والضَّلالَةِ، وذَلِكَ مِمّا يُشَوِّشُ القُلُوبَ ويُوحِشُ الصُّدُورَ، ويَحْمِلُ أكْثَرَ المُسْتَمِعِينَ عَلى قَصْدِ ذَلِكَ الدّاعِي بِالقَتْلِ تارَةً، وبِالضَّرْبِ ثانِيًا، وبِالشَّتْمِ ثالِثًا، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المُحِقَّ إذا شاهَدَ تِلْكَ السَّفاهاتِ، وسَمِعَ تِلْكَ المُشاغَباتِ لا بُدَّ وأنْ يَحْمِلَهُ طَبْعُهُ عَلى تَأْدِيبِ أُولَئِكَ السُّفَهاءِ تارَةً بِالقَتْلِ وتارَةً بِالضَّرْبِ، فَعِنْدَ هَذا أمَرَ المُحِقِّينَ في هَذا المَقامِ بِرِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ وتَرْكِ الزِّيادَةِ، فَهَذا هو الوجه الصَّحِيحُ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ الآيَةِ عَلَيْهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ تَقْدَحُونَ فِيما رُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَرَكَ العَزْمَ عَلى المُثْلَةِ، وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ» بِسَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: لا حاجَةَ إلى القَدْحِ في تِلْكَ الرِّوايَةِ، لِأنّا نَقُولُ: تِلْكَ الواقِعَةُ داخِلَةٌ في عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، فَيُمْكِنُ التَّمَسُّكُ في تِلْكَ الواقِعَةِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، إنَّما الَّذِي يُنازَعُ فِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ قَصْرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذِهِ الواقِعَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ سُوءَ التَّرْتِيبِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى.

المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِرِعايَةِ العَدْلِ والإنْصافِ في هَذِهِ الآيَةِ ورَتَّبَ ذَلِكَ عَلى أرْبَعِ مَراتِبَ:

المَرْتَبَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ يَعْنِي: إنْ رَغِبْتُمْ في اسْتِيفاءِ القِصاصِ فاقْنَعُوا بِالمِثْلِ ولا تَزِيدُوا عَلَيْهِ، فَإنَّ اسْتِيفاءِ الزِّيادَةِ ظُلْمٌ، والظُّلْمُ مَمْنُوعٌ مِنهُ في عَدْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأوْلى لَهُ أنْ لا يَفْعَلَ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِلْمَرِيضِ: إنْ كُنْتَ تَأْكُلُ الفاكِهَةَ فَكُلِ التُّفّاحَ، كانَ مَعْناهُ: أنَّ الأوْلى بِكَ أنْ لا تَأْكُلَهُ، فَذَكَرَ تَعالى بِطَرِيقِ الرَّمْزِ والتَّعْرِيضِ عَلى أنَّ الأوْلى تَرْكُهُ.

والمَرْتَبَةُ الثّانِيَةُ: الِانْتِقالُ مِنَ التَّعْرِيضِ إلى التَّصْرِيحِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ . وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الأوْلى تَرْكُ ذَلِكَ الِانْتِقامِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ أفْضَلُ مِنَ القَسْوَةِ، والإنْفاعَ أفْضَلُ مِنَ الإيلامِ.

صفحة ١١٤

المَرْتَبَةُ الثّالِثَةُ: وهو وُرُودُ الأمْرِ بِالجَزْمِ بِالتَّرْكِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ﴾؛ لِأنَّهُ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ ذَكَرَ أنَّ التَّرْكَ خَيْرٌ وأوْلى، وفي هَذِهِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ صَرَّحَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ في هَذا المَقامِ شاقًّا شَدِيدًا ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يُفِيدُ سُهُولَتَهُ، فَقالَ: ﴿وما صَبْرُكَ إلّا بِاللَّهِ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ ومَعُونَتِهِ، وهَذا هو السَّبَبُ الكُلِّيُّ الأصْلِيُّ المُفِيدُ في حُصُولِ الصَّبْرِ، وفي حُصُولِ جَمِيعِ أنْواعِ الطّاعاتِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا السَّبَبَ الكُلِّيَّ الأصْلِيَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما هو السَّبَبُ الجُزْئِيُّ القَرِيبُ، فَقالَ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ إقْدامَ الإنْسانِ عَلى الِانْتِقامِ، وعَلى إنْزالِ الضَّرَرِ بِالغَيْرِ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ هَيَجانِ الغَضَبِ، وشِدَّةُ الغَضَبِ لا تَحْصُلُ إلّا لِأحَدِ أمْرَيْنِ:

أحَدَهُما: فَواتُ نَفْعٍ كانَ حاصِلًا في الماضِي، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: ولا تَحْزَنْ عَلى قَتْلى أُحُدٍ، ومَعْناهُ: لا تَحْزَنْ بِسَبَبِ فَوْتِ أُولَئِكَ الأصْدِقاءِ. ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى فَوْتِ النَّفْعِ.

والسَّبَبُ الثّانِي: لِشِدَّةِ الغَضَبِ تَوَقُّعُ ضَرَرٍ في المُسْتَقْبَلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾، ومَن وقَفَ عَلى هَذِهِ اللَّطائِفِ عَرَفَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ كَلامٌ أدْخَلُ في الحُسْنِ والضَّبْطِ مِن هَذا الكَلامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском