Ar-RaziAn‑Nahl · 16:17–25

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:17–25

16:17–21Page 269

أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧

Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?

وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨

And if you should count the favors of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ١٩

And Allāh knows what you conceal and what you declare.

وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ٢٠

And those they invoke other than Allāh create nothing, and they [themselves] are created.

أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٢١

They are [in fact] dead,1 not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾

صفحة ١١

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الدَّلائِلَ الدّالَّةَ عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ عَلى التَّرْتِيبِ الأحْسَنِ والنَّظْمِ الأكْمَلِ، وكانَتْ تِلْكَ الدَّلائِلُ - كَما أنَّها كانَتْ دَلائِلَ -، فَكَذَلِكَ أيْضًا كانَتْ شَرْحًا وتَفْصِيلًا لِأنْواعِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى وأقْسامِ إحْسانِهِ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ إبْطالِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ أنَّهُ لَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ الباهِرَةُ، والبَيِّناتُ الزّاهِرَةُ القاهِرَةُ عَلى وُجُودِ إلَهٍ قادِرٍ حَكِيمٍ، وثَبَتَ أنَّهُ هو المَوْلى لِجَمِيعِ هَذِهِ النِّعَمِ والمُعْطِي لِكُلِّ هَذِهِ الخَيْراتِ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ في العُقُولِ الِاشْتِغالُ بِعِبادَةِ مَوْجُودٍ سِواهُ، لا سِيَّما إذا كانَ المَوْجُودُ جَمادًا لا يَفْهَمُ ولا يَقْدِرُ، فَلِهَذا الوجه قالَ بَعْدَ تِلْكَ الآياتِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ والمَعْنى: أفَمَن يَخْلُقُ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرْناها كَمَن لا يَخْلُقُ، بَلْ لا يَقْدِرُ البَتَّةَ عَلى شَيْءٍ ؟ أفَلا تَذَكَّرُونَ، فَإنَّ هَذا القَدْرَ لا يَحْتاجُ إلى تَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ ونَظَرٍ. ويَكْفِي فِيهِ أنْ تَتَنَبَّهُوا عَلى ما في عُقُولِكم مِن أنَّ العِبادَةَ لا تَلِيقُ إلّا بِالمُنْعِمِ الأعْظَمِ، وأنْتُمْ تَرَوْنَ في الشّاهِدِ إنْسانًا عاقِلًا فاهِمًا يُنْعِمُ بِالنِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَتَعْلَمُونَ أنَّهُ يَقْبُحُ عِبادَتُهُ، فَهَذِهِ الأصْنامُ جَماداتٌ مَحْضَةٌ، ولَيْسَ لَها فَهْمٌ ولا قُدْرَةٌ ولا اخْتِيارٌ، فَكَيْفَ تُقْدِمُونَ عَلى عِبادَتِها ؟ ! وكَيْفَ تُجَوِّزُونَ الِاشْتِغالَ بِخِدْمَتِها وطاعَتِها ؟ !

المسألة الثّانِيَةُ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ الأصْنامُ، وأنَّها جَماداتٌ، فَلا يَلِيقُ بِها لَفْظَةُ ”مَن“ لِأنَّها لِأُولِي العِلْمِ. وأُجِيبَ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ لَمّا سَمَّوْها آلِهَةً وعَبَدُوها، لا جَرَمَ أُجْرِيَتْ مَجْرى أُولِي العِلْمِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ عَلى أثَرِهِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ .

والوجه الثّانِي في الجَوابِ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ المُشاكَلَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يَخْلُقُ.

والوجه الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن يَخْلُقُ لَيْسَ كَمَن لا يَخْلُقُ مِن أُولِي العِلْمِ، فَكَيْفَ مَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ يَعْنِي: أنَّ الآلِهَةَ الَّتِي تَدْعُونَها حالُهم مُنْحَطَّةٌ عَنْ حالِ مَن لَهم أرْجُلٌ وأيْدٍ وآذانٌ وقُلُوبٌ، لِأنَّ هَؤُلاءِ أحْياءٌ وهم أمْواتٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنهم عِبادَتُها، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَوْ صَحَّتْ لَهم هَذِهِ الأعْضاءُ لَصَحَّ أنْ يُعْبَدُوا.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ إلْزامُ عَبَدَةِ الأوْثانِ، حَيْثُ جَعَلُوا غَيْرَ الخالِقِ مِثْلَ الخالِقِ في التَّسْمِيَةِ بِالإلَهِ، وفي الِاشْتِغالِ بِعِبادَتِها، فَكانَ حَقُّ الإلْزامِ أنْ يُقالَ: أفَمَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ.

والجَوابُ: المُرادُ مِنهُ أنَّ مَن يَخْلُقُ هَذِهِ الأشْياءَ العَظِيمَةَ ويُعْطِي هَذِهِ المَنافِعَ الجَلِيلَةَ كَيْفَ يُسَوّى بَيْنَهُ وبَيْنَ هَذِهِ الجَماداتِ الخَسِيسَةِ في التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ الإلَهِ، وفي الِاشْتِغالِ بِعِبادَتِها والإقْدامِ عَلى غايَةِ تَعْظِيمِها، فَوَقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ .

* * *

المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ غَيْرُ خالِقٍ لِأفْعالِ نَفْسِهِ فَقالَ: إنَّهُ تَعالى مَيَّزَ نَفْسَهُ عَنْ سائِرِ الأشْياءِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها بِصِفَةِ الخالِقِيَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ الغَرَضُ مِنهُ: بَيانُ كَوْنِهِ مُمْتازًا عَنِ الأنْدادِ بِصِفَةِ الخالِقِيَّةِ وأنَّهُ إنَّما اسْتَحَقَّ الإلَهِيَّةَ والمَعْبُودِيَّةَ بِسَبَبِ كَوْنِهِ خالِقًا، فَهَذا

صفحة ١٢

يَقْتَضِي أنَّ العَبْدَ لَوْ كانَ خالِقًا لِبَعْضِ الأشْياءِ لَوَجَبَ كَوْنُهُ إلَهًا مَعْبُودًا، ولَمّا كانَ ذَلِكَ باطِلًا عَلِمْنا أنَّ العَبْدَ لا يَقْدِرُ عَلى الخَلْقِ والإيجادِ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ: أفَمَن يَخْلُقُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والإنْسانِ والحَيَوانِ والنَّباتِ والبِحارِ والنُّجُومِ والجِبالِ كَمَن لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ أصْلًا، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ مَن كانَ خالِقًا لِهَذِهِ الأشْياءِ فَإنَّهُ يَكُونُ إلَهًا ولَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنَّ مَن يَقْدِرُ عَلى أفْعالِ نَفْسِهِ أنْ يَكُونَ إلَهًا.

والوجه الثّانِي: أنَّ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَن كانَ خالِقًا كانَ أفْضَلَ مِمَّنْ لا يَكُونُ خالِقًا، فَوَجَبَ امْتِناعُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ خالِقًا فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إلَهًا. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَهم أرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٩٥] ومَعْناهُ: أنَّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ يَمْشِي بِها يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ الَّذِي حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ لا يَقْدِرُ أنْ يَمْشِيَ بِها، وهَذا يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ أفْضَلَ مِنَ الصَّنَمِ، والأفْضَلُ لا يَلِيقُ بِهِ عِبادَةُ الأخَسِّ، فَهَذا هو المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ إنَّها لا تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن حَصَلَ لَهُ رِجْلٌ يَمْشِي بِها أنْ يَكُونَ إلَهًا، فَكَذَلِكَ - هَهُنا - المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ أنَّ الخالِقَ أفْضَلُ مِن غَيْرِ الخالِقِ، فَيَمْتَنِعُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُما في الإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ صِفَةِ الخالِقِيَّةِ يَكُونُ إلَهًا.

والوجه الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُعْتَزِلَةِ لا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الخالِقِ عَلى العَبْدِ. قالَ الكَعْبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: إنّا لا نَقُولُ: إنّا نَخْلُقُ أفْعالَنا: قالَ: ومَن أطْلَقَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ؛ إلّا في مَواضِعَ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى كَقَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] .

واعْلَمْ أنَّ أصْحابَ أبِي هاشِمٍ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الخالِقِ عَلى العَبْدِ، حَتّى أنَّ أبا عَبْدِ اللَّهِ البَصِيرَ بالَغَ وقالَ: إطْلاقُ لَفْظِ الخالِقِ عَلى العَبْدِ حَقِيقَةٌ وعَلى اللَّهِ مَجازٌ، لِأنَّ الخالِقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ، وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الظَّنِّ والحُسْبانِ، وهو في حَقِّ العَبْدِ حاصِلٌ وفي حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأجْوِبَةَ قَوِيَّةٌ والِاسْتِدْلالَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا لَيْسَ بِقَوِيٍّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

أما قوله تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ باطِلٌ وخَطَأٌ، بَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وشُكْرِ نِعَمِهِ والقِيامِ بِحُقُوقِ كَرَمِهِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، بَلِ العَبْدُ وإنْ أتْعَبَ نَفْسَهُ في القِيامِ بِالطّاعاتِ والعِباداتِ، وبالَغَ في شُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ يَكُونُ مُقَصِّرًا، وذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِشُكْرِ النِّعَمِ مَشْرُوطٌ بِعِلْمِهِ بِتِلْكَ النِّعَمِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ والتَّحْصِيلِ، فَإنَّ مَن لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا ولا مَفْهُومًا ولا مَعْلُومًا امْتَنَعَ الِاشْتِغالُ بِشُكْرِهِ، إلّا أنَّ العِلْمَ بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ غَيْرُ حاصِلٍ لِلْعَبْدِ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ تَعالى كَثِيرَةٌ، وأقْسامَها وشُعَبَها واسِعَةٌ عَظِيمَةٌ، وعُقُولُ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَبادِيها فَضْلًا عَنْ غاياتِها، وأنَّها غَيْرُ مَعْلُومَةٍ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وما كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ الِاشْتِغالُ بِشُكْرِهِ عَلى الوجه الَّذِي يَكُونُ ذَلِكَ الشُّكْرُ لائِقًا بِتِلْكَ النِّعَمِ. فَهَذا هو المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ يَعْنِي: أنَّكم لا تَعْرِفُونَها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وإذا لَمْ تَعْرِفُوها امْتَنَعَ مِنكُمُ القِيامُ بِشُكْرِها

صفحة ١٣

عَلى سَبِيلِ التَّمامِ والكَمالِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ شُكْرَ الخالِقِ قاصِرٌ عَنْ نِعَمِ الحَقِّ، وعَلى أنَّ طاعاتِ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنْ رُبُوبِيَّةِ الحَقِّ، وعَلى أنَّ مَعارِفَ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنْ كُنْهِ جَلالِ الحَقِّ، ومِمّا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّ عُقُولَ الخَلْقِ قاصِرَةٌ عَنْ مَعْرِفَةِ أقْسامِ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ البَدَنِ الإنْسانِيِّ لَوْ ظَهَرَ فِيهِ أدْنى خَلَلٍ لَتَنَغَّصَ العَيْشُ عَلى الإنْسانِ، ولَتَمَنّى أنْ يُنْفِقَ كُلَّ الدُّنْيا حَتّى يَزُولَ عَنْهُ ذَلِكَ الخَلَلُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُدَبِّرُ أحْوالَ بَدَنِ الإنْسانِ عَلى الوجه الأكْمَلِ الأصْلَحِ، مَعَ أنَّ الإنْسانَ لا عِلْمَ لَهُ بِوُجُودِ ذَلِكَ الجُزْءِ ولا بِكَيْفِيَّةِ مَصالِحِهِ ولا بِدَفْعِ مَفاسِدِهِ، فَلْيَكُنْ هَذا المِثالُ حاضِرًا في ذِهْنِكَ، ثُمَّ تَأْمَّلْ في جَمِيعِ ما خَلَقَ اللَّهُ في هَذا العالَمِ مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وجَعَلَها مُهَيَّأةً لِانْتِفاعِكَ بِها، حَتّى تَعْلَمَ أنَّ عُقُولَ الخَلْقِ تَفْنى في مَعْرِفَةِ حِكْمَةِ الرَّحْمَنِ في خَلْقِ الإنْسانِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ وُجُوهِ الفَضْلِ والإحْسانِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَمّا قَرَّرْتُمْ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالشُّكْرِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ العِلْمِ بِأقْسامِ النِّعَمِ، ودَلَّلْتُمْ عَلى أنَّ حُصُولَ العالِمِ بِأقْسامِ النِّعَمِ مُحالٌ أوْ غَيْرُ واقِعٍ، فَكَيْفَ أمَرَ اللَّهُ الخَلْقَ بِالقِيامِ بِشُكْرِ النِّعَمِ ؟ .

قُلْنا: الطَّرِيقُ إلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ تَعالى عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ مُفَصَّلِها ومُجْمَلِها. فَهَذا هو الطَّرِيقُ الَّذِي بِهِ يُمْكِنُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: إنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ عَلى الكُفّارِ نِعْمَةٌ وقالَ الأكْثَرُونَ: لِلَّهِ عَلى الكافِرِ والمُؤْمِنِ نِعَمٌ كَثِيرَةٌ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ الإنْعامَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والإنْعامَ بِخَلْقِ الإنْسانِ مِنَ النُّطْفَةِ، والإنْعامَ بِخَلْقِ الأنْعامِ وبِخَلْقِ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ، وبِخَلْقِ أصْنافِ النِّعَمِ مِنَ الزَّرْعِ والزَّيْتُونِ والنَّخِيلِ والأعْنابِ، وبِتَسْخِيرِ البَحْرِ لِيَأْكُلَ الإنْسانُ مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا ويَسْتَخْرِجَ مِنهُ حِلْيَةً يَلْبَسُها، كُلُّ ذَلِكَ مُشْتَرَكٌ فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، ثُمَّ أكَّدَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ نِعَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ الكُلِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ نِعَمَ اللَّهِ واصِلَةٌ إلى الكُفّارِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

أما قوله: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قالَ في سُورَةِ إبْراهِيمَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقالَ هَهُنا: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِأداءِ الشُّكْرِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ: قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ غَفُورٌ لِلتَّقْصِيرِ الصّادِرِ عَنْكم في القِيامِ بِشُكْرِ نِعَمِهِ، رَحِيمٌ بِكم حَيْثُ لَمْ يَقْطَعْ نِعَمَهُ عَلَيْكم بِسَبَبِ تَقْصِيرِكم.

أما قوله: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الكُفّارَ كانُوا مَعَ اشْتِغالِهِمْ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعالى يُسِرُّونَ ضُرُوبًا مِنَ الكُفْرِ في مَكايِدِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَجَعَلَ هَذا زَجْرًا لَهم عَنْها.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى زَيَّفَ في الآيَةِ الأُولى عِبادَةَ الأصْنامِ بِسَبَبِ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَها عَلى الخَلْقِ والإنْعامِ، وزَيَّفَ في هَذِهِ الآيَةِ أيْضًا عِبادَتَها؛ بِسَبَبِ أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عالِمًا بِالسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وهَذِهِ الأصْنامُ جَماداتٌ لا مَعْرِفَةَ لَها بِشَيْءٍ أصْلًا، فَكَيْفَ تَحْسُنُ عِبادَتُها ؟ .

أما قوله: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذِهِ الأصْنامَ بِصِفاتٍ كَثِيرَةٍ.

فالصِّفَةُ الأُولى: أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ، قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ”يُسِرُّونَ“ ”ويُعْلِنُونَ“ ”﴿ويُدْعَوْنَ﴾“ كُلَّها بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ عَنِ الغائِبِ، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (يَدْعُونَ) بِالياءِ خاصَّةً عَلى المُغايَبَةِ، وتُسِرُّونَ

صفحة ١٤

وتُعْلِنُونَ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، والباقُونَ كُلَّها بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَخْلُقُ شَيْئًا، وقَوْلَهُ هَهُنا: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ يَدُلُّ عَلى نَفْسِ هَذا المَعْنى، فَكانَ هَذا مَحْضَ التَّكْرِيرِ.

وجَوابُهُ: أنَّ المَذْكُورَ في أوَّلِ الآيَةِ أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا، والمَذْكُورَ هَهُنا أنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وأنَّهم مَخْلُوقُونَ لِغَيْرِهِمْ، فَكانَ هَذا زِيادَةً في المَعْنى، وكَأنَّهُ تَعالى بَدَأ بِشَرْحِ نَقْصِهِمْ في ذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ، فَبَيَّنَ أوَّلًا أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، ثُمَّ ثانِيًا أنَّها كَما لا تَخْلُقُ غَيْرَها فَهي مَخْلُوقَةٌ لِغَيْرِها.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ والمَعْنى: أنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً عَلى الحَقِيقَةِ لَكانُوا أحْياءً غَيْرَ أمْواتٍ، أيْ غَيْرَ جائِزٍ عَلَيْها المَوْتُ كالحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمْرُ هَذِهِ الأصْنامِ عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ.

فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿أمْواتٌ﴾ عُلِمَ أنَّها غَيْرُ أحْياءٍ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإلَهَ هو الحَيُّ الَّذِي لا يَحْصُلُ عَقِيبَ حَياتِهِ مَوْتٌ، وهَذِهِ الأصْنامُ أمْواتٌ لا يَحْصُلُ عَقِيبَ مَوْتِها الحَياةُ.

والثّانِي: أنَّ هَذا الكَلامَ مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الأوْثانَ، وهم في نِهايَةِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، ومَن تَكَلَّمَ مَعَ الجاهِلِ الغَرِّ الغَبِيِّ فَقَدْ يَحْسُنُ أنْ يُعَبِّرَ عَنِ المَعْنى الواحِدِ بِالعِباراتِ الكَثِيرَةِ، وغَرَضُهُ مِنهُ الإعْلامُ بِكَوْنِ ذَلِكَ المُخاطَبِ في غايَةِ الغَباوَةِ، وأنَّهُ إنَّما يُعِيدُ تِلْكَ الكَلِماتِ لِكَوْنِ ذَلِكَ السّامِعِ في نِهايَةِ الجَهالَةِ، وأنَّهُ لا يَفْهَمُ المَعْنى المَقْصُودَ بِالعِبارَةِ الواحِدَةِ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ عائِدٌ إلى الأصْنامِ، وفي الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿يُبْعَثُونَ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عائِدٌ إلى العابِدِينَ لِلْأصْنامِ، يَعْنِي: أنَّ الأصْنامَ لا يَشْعُرُونَ مَتى تُبْعَثُ عَبَدَتُهم، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ وأنَّ آلِهَتَهم لا يَعْلَمُونَ وقْتَ بَعْثِهِمْ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم وقْتُ جَزاءٍ مِنهم عَلى عِبادَتِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ عائِدٌ إلى الأصْنامِ يَعْنِي: أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ لا تَعْرِفُ مَتى يَبْعَثُها اللَّهُ تَعالى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الأصْنامَ ولَها أرْواحٌ ومَعَها شَياطِينُها، فَيُؤْمَرُ بِها إلى النّارِ.

فَإنْ قِيلَ: الأصْنامُ جَماداتٌ، والجَماداتُ لا تُوصَفُ بِأنَّها أمْواتٌ، ولا تُوصَفُ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ كَذا وكَذا.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ.

الأوَّلُ: أنَّ الجَمادَ قَدْ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مَيِّتًا قالَ تَعالى: ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ [الروم: ١٩] .

والثّانِي: أنَّ القَوْمَ لَمّا وصَفُوا تِلْكَ الأصْنامَ بِالإلَهِيَّةِ والمَعْبُودِيَّةِ قِيلَ لَهم: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هي أمْواتٌ ولا يَعْرِفُونَ شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ العِباراتُ عَلى وفْقِ مُعْتَقَدِهِمْ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ المَلائِكَةَ، وكانَ ناسٌ مِنَ الكُفّارِ يَعْبُدُونَهم فَقالَ اللَّهُ: إنَّهم أمْواتٌ لا بُدَّ لَهم مِنَ المَوْتِ غَيْرُ أحْياءٍ، أيْ غَيْرُ باقِيَةٍ حَياتُهم: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ: لا عِلْمَ لَهم بِوَقْتِ بَعْثِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

16:22–23Page 269

إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٢٢

Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.

لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣

Assuredly, Allāh knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.

صفحة ١٥

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَيَّفَ فِيما تَقَدَّمَ طَرِيقَةَ عَبَدَةِ الأوْثانِ والأصْنامِ، وبَيَّنَ فَسادَ مَذْهَبِهِمْ بِالدَّلائِلِ القاهِرَةِ قالَ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما لِأجْلِهِ أصَرَّ الكُفّارُ عَلى القَوْلِ بِالشِّرْكِ وإنْكارِ التَّوْحِيدِ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ويَرْغَبُونَ في الفَوْزِ بِالثَّوابِ الدّائِمِ، ويَخافُونَ الوُقُوعَ في العِقابِ الدّائِمِ إذا سَمِعُوا الدَّلائِلَ والتَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ خافُوا العِقابَ فَتَأمَّلُوا وتَفَكَّرُوا فِيما يَسْمَعُونَهُ، فَلا جَرَمَ يَنْتَفِعُونَ بِسَماعِ الدَّلائِلِ، ويَرْجِعُونَ مِنَ الباطِلِ إلى الحَقِّ، أمّا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ويُنْكِرُونَها فَإنَّهم لا يَرْغَبُونَ في حُصُولِ الثَّوابِ ولا يَرْهَبُونَ مِنَ الوُقُوعِ في العِقابِ، فَيَبْقُونَ مُنْكِرِينَ لِكُلِّ كَلامٍ يُخالِفُ قَوْلَهم، ويَسْتَكْبِرُونَ عَنِ الرُّجُوعِ إلى قَوْلِ غَيْرِهِمْ، فَلا جَرَمَ يَبْقُونَ مُصِرِّينَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ والضَّلالِ.

ثم قال تَعالى: ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ أنَّ إصْرارَهم عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ الفاسِدَةِ لَيْسَ لِأجْلِ شُبْهَةٍ تَصَوَّرُوها أوْ إشْكالٍ تَخَيَّلُوهُ، بَلْ ذَلِكَ لِأجْلِ التَّقْلِيدِ والنَّفْرَةِ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الحَقِّ والشَّغَفِ بِنُصْرَةِ مَذاهِبِ الأسْلافِ والتَّكَبُّرِ والنَّخْوَةِ. فَلِهَذا قالَ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ وهَذا الوَعِيدُ يَتَناوَلُ كُلَّ المُتَكَبِّرِينَ.

16:24–25Page 269

وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤

And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"

لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥

That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بالَغَ في تَقْرِيرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وأوْرَدَ الدَّلائِلَ القاهِرَةَ في إبْطالِ مَذاهِبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ شُبُهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ مَعَ الجَوابِ عَنْها.

فالشُّبْهَةُ الأُولى: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا احْتَجَّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَفْسِهِ بِكَوْنِ القُرْآنِ مُعْجِزَةً طَعَنُوا في القُرْآنِ وقالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ هو مِن جِنْسِ المُعْجِزاتِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ السّائِلَ مَن كانَ ؟ قِيلَ: هو كَلامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقِيلَ: هو قَوْلُ المُسْلِمِينَ لَهم، وقِيلَ: هو قَوْلُ المُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ اقْتَسَمُوا مَداخِلَ مَكَّةَ يُنَفِّرُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا سَألَهم وُفُودُ الحاجِّ عَمّا أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ يَكُونُ تَنْزِيلُ رَبِّهِمْ أساطِيرَ الأوَّلِينَ ؟ .

وجَوابُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى عَنْهم: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] وقَوْلِهِ:

صفحة ١٦

﴿ياأيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] .

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ هَذا الَّذِي تَذْكُرُونَ أنَّهُ مُنْزَّلٌ مِن رَبِّكم هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

الثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا القُرْآنَ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ مِمّا أنْزَلَهُ اللَّهُ لَكِنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ العُلُومِ والفَصاحَةِ والدَّقائِقِ والحَقائِقِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى شُبَهَهم قالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ اللّامُ في ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ لامُ العاقِبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَصِفُوا القُرْآنَ بِكَوْنِهِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ لِأجْلِ أنْ يَحْمِلُوا الأوْزارَ، ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عاقِبَتُهم ذَلِكَ حَسُنَ ذِكْرُ هَذِهِ اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿كامِلَةً﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ تَعالى لا يُخَفِّفُ مِن عِقابِهِمْ شَيْئًا، بَلْ يُوصِلُ ذَلِكَ العِقابَ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِمْ، وأقُولُ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يُسْقِطُ بَعْضَ العِقابِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، إذْ لَوْ كانَ هَذا المَعْنى حاصِلًا في حَقِّ الكُلِّ، لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ بِهَذا التَّكْمِيلِ مَعْنًى، وقَوْلُهُ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ مَعْناهُ: ويَحْصُلُ لِلرُّؤَساءِ مِثْلُ أوْزارِ الأتْباعِ، والسَّبَبُ فِيهِ ما رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«أيُّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتُّبِعَ كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وأيُّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتُّبِعَ كانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ مِن آثامِهِمْ شَيْءٌ» “ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى يُوصِلُ العِقابَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الأتْباعُ إلى الرُّؤَساءِ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذا لا يَلِيقُ بِعَدْلِ اللَّهِ تَعالى، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الإسراء: ١٥] بَلِ المَعْنى: أنَّ الرَّئِيسَ إذا وضَعَ سُنَّةً قَبِيحَةً عَظُمَ عِقابُهُ، حَتّى أنَّ ذَلِكَ العِقابَ يَكُونُ مُساوِيًا لِكُلِّ ما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الأتْباعِ، قالَ الواحِدِيُّ: ولَفْظَةُ: ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ لِلتَّبْعِيضِ لَخَفَّ عَنِ الأتْباعِ بَعْضُ أوْزارِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْءٌ» “ . ولَكِنَّها لِلْجِنْسِ أيْ: لِيَحْمِلُوا مِن جِنْسِ أوْزارِ الأتْباعِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ الرُّؤَساءَ إنَّما يُقْدِمُونَ عَلى هَذا الإضْلالِ جَهْلًا مِنهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ الشَّدِيدِ عَلى ذَلِكَ الإضْلالِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ والمَقْصُودُ: المُبالَغَةُ في الزَّجْرِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ القَوْمِ هَذِهِ الشُّبْهَةَ لَمْ يُجِبْ عَنْها، بَلِ اقْتَصَرَ عَلى مَحْضِ الوَعِيدِ؛ فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟

قُلْنا: السَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِطَرِيقَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّهُ ﷺ تَحَدّاهم بِكُلِّ القُرْآنِ، وتارَةً بِعَشْرِ سُوَرٍ، وتارَةً بِسُورَةٍ واحِدَةٍ، وتارَةً بِحَدِيثٍ واحِدٍ، وعَجَزُوا عَنِ المُعارَضَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مُعْجِزًا.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِعَيْنِها في آيَةٍ أُخْرى وهو قَوْلُهُ: ﴿اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] وأبْطَلَها بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] ومَعْناهُ أنَّ القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ، وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِمَّنْ يَكُونُ عالِمًا بِأسْرارِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمّا ثَبَتَ كَوْنُ القُرْآنِ مُعْجِزًا بِهَذَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، وتَكَرَّرَ شَرْحُ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ مِرارًا كَثِيرَةً، لا جَرَمَ اقْتَصَرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مُجَرَّدِ الوَعِيدِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَجْرِي مَجْرى الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском