Ar-RaziAn‑Nahl · 16:26–32

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:26–32

16:26–28Page 269

قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.

ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧

Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨

The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الآيَةِ المُبالِغَةُ في وصْفِ وعِيدِ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وفي المُرادِ بِالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الأكْثَرِ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أنَّ المُرادَ مِنهُ نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ بَنى صَرْحًا عَظِيمًا بِبابِلَ طُولُهُ خَمْسَةُ آلافِ ذِراعٍ. وقِيلَ فَرْسَخانِ، ورامَ مِنهُ الصُّعُودَ إلى السَّماءِ لِيُقاتِلَ أهْلَها، فالمُرادُ بِالمَكْرِ هَهُنا بِناءُ الصَّرْحِ لِمُقاتَلَةِ أهْلِ السَّماءِ.

والقَوْلُ الثّانِي: وهو الأصَحُّ، أنَّ هَذا عامٌّ في جَمِيعِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يُحاوِلُونَ إلْحاقَ الضَّرَرِ والمَكْرِ بِالمُحِقِّينَ.

أما قوله تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: أنَّ الإتْيانَ والحَرَكَةَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، فالمُرادُ أنَّهم لَمّا كَفَرُوا أتاهُمُ اللَّهُ بِزَلازِلَ قَلَعَ بِها بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ والأساسِ.

المسألة الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ هَذا مَحْضُ التَّمْثِيلِ، والمَعْنى أنَّهم رَتَّبُوا مَنصُوباتٍ لِيَمْكُرُوا بِها أنْبِياءَ اللَّهِ تَعالى، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى حالَهم في تِلْكَ المَنصُوباتِ مِثْلَ حالِ قَوْمٍ بَنَوْا بُنْيانًا وعَمَّدُوهُ بِالأساطِينِ، فانْهَدَمَ ذَلِكَ البِناءُ، وضَعُفَتْ تِلْكَ الأساطِينُ، فَسَقَطَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: مَن حَفَرَ بِئْرًا لِأخِيهِ أوْقَعَهُ اللَّهُ فِيهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ مِنهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ الظّاهِرُ، وهو أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ عَلَيْهِمُ السَّقْفَ وأماتَهم تَحْتَهُ، والأوَّلُ أقْرَبُ إلى المَعْنى.

أما قوله تَعالى: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّ السَّقْفَ لا يَخِرُّ إلّا مِن فَوْقِهِمْ، فَما مَعْنى هَذا الكَلامِ ؟

صفحة ١٨

وجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ التَّأْكِيدَ.

والثّانِي: رُبَّما خَرَّ السَّقْفُ، ولا يَكُونُ تَحْتَهُ أحَدٌ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ دَلَّ هَذا الكَلامُ عَلى أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ، وحِينَئِذٍ يُفِيدُ هَذا الكَلامُ أنَّ الأبْنِيَةَ قَدْ تَهَدَّمَتْ وهم ماتُوا تَحْتَها. وقَوْلُهُ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ إنْ حَمَلْنا هَذا الكَلامَ عَلى مَحْضِ التَّمْثِيلِ فالأمْرُ ظاهِرٌ. والمَعْنى: أنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلى مَنصُوباتِهِمْ. ثُمَّ تَوَلَّدَ البَلاءُ مِنها بِأعْيانِها، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الظّاهِرِ فالمَعْنى: أنَّهُ نَزَلَ ذَلِكَ السَّقْفُ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً، لِأنَّهُ إذا كانَ كَذَلِكَ كانَ أعْظَمَ في الزَّجْرِ لِمَن سَلَكَ مِثْلَ سَبِيلِهِمْ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ عَذابَهم لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى هَذا القَدْرِ، بَلِ اللَّهُ تَعالى يُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، والخِزْيُ هو العَذابُ مَعَ الهَوانِ، وفَسَّرَ تَعالى ذَلِكَ الهَوانَ بِأنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهم: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:

البحث الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ مَعْناهُ: أيْنَ شُرَكائِيَ في زَعْمِكم واعْتِقادِكم. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] وإنَّما حَسُنَتْ هَذِهِ الإضافَةُ لِأنَّهُ يَكْفِي في حُسْنِ الإضافَةِ أدْنى سَبَبٍ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن يَحْمِلُ خَشَبَةً: خُذْ طَرَفَكَ وآخُذُ طَرَفِي، فَأُضِيفَ الطَّرَفُ إلَيْهِ.

البحث الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: تُعادُونَ وتُخاصِمُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ، وقِيلَ: المُشاقَّةُ عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِ أحَدِ الخَصْمَيْنِ في شِقٍّ، وكَوْنِ الآخَرِ في الشِّقِّ الآخَرِ.

البحث الثّالِثُ: قَرَأ نافِعٌ: (تُشاقُّونِ) بِكَسْرِ النُّونِ عَلى الإضافَةِ، والباقُونَ بِفَتْحِ النُّونِ عَلى الجَمْعِ.

ثم قال تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البحث الأوَّلُ: ﴿قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ المَلائِكَةَ، وقالَ آخَرُونَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ يَقُولُونَ حِينَ يَرَوْنَ خِزْيَ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ: إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ، والفائِدَةُ فِيهِ أنَّ الكُفّارَ كانُوا يُنْكِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ في الدُّنْيا، فَإذا ذَكَرَ المُؤْمِنُ هَذا الكَلامَ يَوْمَ القِيامَةِ في مَعْرِضِ إهانَةِ الكافِرِ كانَ وقْعُ هَذا الكَلامِ عَلى الكافِرِ وتَأْثِيرُهُ في إيذائِهِ أكْمَلَ، وحُصُولُ الشَّماتَةِ بِهِ أقْوى.

البحث الثّانِي: المُرْجِئَةُ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَذابَ مُخْتَصٌّ بِالكافِرِ قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُّوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ماهِيَّةَ الخِزْيِ والسُّوءِ في يَوْمِ القِيامَةِ مُخْتَصَّةٌ بِالكافِرِ، وذَلِكَ يَنْفِي حُصُولَ هَذِهِ الماهِيَّةِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ، وتَأكَّدَ هَذا بِقَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى وصَفَ عَذابَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ مِن وجْهٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ: (يَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ) بِالياءِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ ذُكُورٌ، والباقُونَ بِالتّاءِ لِلَّفْظِ.

ثم قال: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أسْلَمُوا وأقَرُّوا لِلَّهِ بِالعُبُودِيَّةِ عِنْدَ المَوْتِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ أيْ قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، والمُرادُ مِن هَذا السُّوءِ الشِّرْكُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ والشِّرْكِ، ومَعْنى بَلى رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

صفحة ١٩

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم إلْقاءَ السَّلَمِ عِنْدَ القُرْبِ مِنَ المَوْتِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى حِكايَةِ كَلامِ المُشْرِكِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ ألْقَوُا السَّلَمَ وقالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ في الدُّنْيا مِن سُوءٍ، ثُمَّ هَهُنا اخْتَلَفُوا، فالَّذِينَ جَوَّزُوا الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ قالُوا: هَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ، وإنَّما أقْدَمُوا عَلى هَذا الكَذِبِ لِغايَةِ الخَوْفِ، والَّذِينَ قالُوا: إنَّ الكَذِبَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ قالُوا: مَعْنى الآيَةِ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ عِنْدَ أنْفُسِنا أوْ في اعْتِقادِنا، وأمّا بَيانُ أنَّ الكَذِبَ عَلى أهْلِ القِيامَةِ هَلْ يَجُوزُ أمْ لا ؟ فَقَدْ ذَكَرْناهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، قالَ: بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا القَوْلِ هو اللَّهُ تَعالى أوْ بَعْضُ المَلائِكَةِ رَدًّا عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبًا لَهم، ومَعْنى ”﴿بَلى﴾“ الرَّدُّ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: أنَّهُ عالِمٌ بِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ في الدُّنْيا، فَلا يَنْفَعُكم هَذا الكَذِبُ، فَإنَّهُ يُجازِيكم عَلى الكُفْرِ الَّذِي عَلِمَهُ مِنكم.

16:29Page 270

فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩

So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.

ثُمَّ صَرَّحَ بِذِكْرِ العِقابِ فَقالَ: ﴿فادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ .

وهَذا يَدُلُّ عَلى تَفاوُتِ مَنازِلِهِمْ في العِقابِ، فَيَكُونُ عِقابُ بَعْضِهِمْ أعْظَمَ مِن عِقابِ بَعْضٍ، وإنَّما صَرَّحَ تَعالى بِذِكْرِ الخُلُودِ لِيَكُونَ الغَمُّ والحَزَنُ أعْظَمَ.

ثم قال: ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ عَنْ قَبُولِ التَّوْحِيدِ وسائِرِ ما أتَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، وتَفْسِيرُ التَّكَبُّرِ قَدْ مَرَّ في هَذا الكِتابِ غَيْرَ مَرَّةٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

16:30–32Page 270

۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠

And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -

جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١

Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -

ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢

The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ لَهم فِيها ما يَشاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْوالَ الأقْوامِ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وذَكَرَ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم ومِن أوْزارِ أتْباعِهِمْ، وذَكَرَ أنَّ المَلائِكَةَ تَتَوَفّاهم ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، وذَكَرَ أنَّهم في الآخِرَةِ يُلْقُونَ السَّلَمَ، وذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يَقُولُ لَهُمُ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ وصْفِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ إذا قِيلَ لَهم: ماذا أنْزَلَ رَبُّكم ؟ قالُوا خَيْرًا، وذِكْرِ ما أعَدَّهُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن مَنازِلِ الخَيْراتِ ودَرَجاتِ السَّعاداتِ

صفحة ٢٠

لِيَكُونَ وعْدُ هَؤُلاءِ مَذْكُورًا مَعَ وعِيدِ أُولَئِكَ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قالَ القاضِي: يَدْخُلُ تَحْتَ التَّقْوى أنْ يَكُونَ تارِكًا لِكُلِّ المُحَرَّماتِ فاعِلًا لِكُلِّ الواجِباتِ، ومَن جَمَعَ بَيْنَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ فَهو مُؤْمِنٌ كامِلُ الإيمانِ، وقالَ أصْحابُنا: يُرِيدُ الَّذِينَ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وأيْقَنُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وأقُولُ: هَذا أوْلى مِمّا قالَهُ القاضِي؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّهُ يَكْفِي في صِدْقِ قَوْلِهِ: فُلانٌ قاتِلٌ أوْ ضارِبٌ كَوْنُهُ آتِيًا بِقَتْلِ واحِدٍ وضَرْبِ واحِدٍ، ولا يَتَوَقَّفُ صِدْقُ هَذا الكَلامِ عَلى كَوْنِهِ آتِيًا بِجَمِيعِ أنْواعِ القَتْلِ وجَمِيعِ أنْواعِ الضَّرْبِ، فَعَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن أتى بِنَوْعٍ واحِدٍ مِن أنْواعِ التَّقْوى إلّا أنّا أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ التَّقْوى عَنِ الكُفْرِ والشِّرْكِ فَوَجَبَ أنْ لا يَزِيدَ عَلى هَذا القَيْدِ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ تَقْيِيدُ المُطْلَقِ خِلافَ الأصْلِ، كانَ تَقْيِيدُ المُقَيِّدِ أكْثَرَ مُخالَفَةً لِلْأصْلِ، وأيْضًا فَلِأنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا وأشْرَكُوا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مَنِ اتَّقى عَنْ ذَلِكَ الكُفْرِ والشِّرْكِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ قالَ في الآيَةِ الأُولى: قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قالُوا: خَيْرًا، فَلِمَ رُفِعَ الأوَّلُ ونُصِبَ هَذا ؟

أجابَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ عَنْهُ بِأنْ قالَ: المَقْصُودُ مِنهُ الفَصْلُ بَيْنَ جَوابِ المُقِرِّ وجَوابِ الجاحِدِ يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ لَمّا سُئِلُوا لَمْ يَتَلَعْثَمُوا، وأطْبَقُوا الجَوابَ عَلى السُّؤالِ بَيِّنًا مَكْشُوفًا مَفْعُولًا لِلْإنْزالِ فَقالُوا: خَيْرًا أيْ: أنْزَلَ خَيْرًا، وأُولَئِكَ عَدَلُوا بِالجَوابِ عَنِ السُّؤالِ فَقالُوا: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ولَيْسَ مِنَ الإنْزالِ في شَيْءٍ.

المسألة الثّالِثَةُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا كانَ في أيّامِ المَوْسِمِ، يَأْتِي الرَّجُلُ مَكَّةَ فَيَسْألُ المُشْرِكِينَ عَنْ مُحَمَّدٍ وأمْرِهِ فَيَقُولُونَ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ وكَذّابٌ، فَيَأْتِي المُؤْمِنِينَ ويَسْألُهم عَنْ مُحَمَّدٍ وما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: خَيْرًا، والمَعْنى: أنْزَلَ خَيْرًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الَّذِي قالُوهُ مِنَ الجَوابِ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خَيْرٌ، وقَوْلُهم خَيْرٌ جامِعٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا وصَوابًا، ولِكَوْنِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِصِحَّتِهِ ولُزُومِهِ، فَهو بِالضِّدِّ مِن قَوْلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، أنَّ ذَلِكَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ.

المسألة الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ وما بَعْدَهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا﴾ وهو حِكايَةٌ لِقَوْلِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ إخْبارًا عَنِ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ المُتَّقِينَ لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا خَيْرًا﴾ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ قَوْلَهم وقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ قَوْلانِ، أمّا الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ أهْلَ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ فَإنَّهم يَحْمِلُونَهُ عَلى قَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مَعَ الِاعْتِقادِ الحَقِّ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ فُسّاقَ أهْلِ الصَّلاةِ لا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ يَحْمِلُونَ قَوْلَهُ: ﴿أحْسَنُوا﴾ عَلى مَن أتى بِالإيمانِ وجَمِيعِ الواجِباتِ، واحْتَرَزَ عَنْ كُلِّ المُحَرَّماتِ. وأما قوله: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ فَفِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُوا﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ اتَّقَوْا بِعَمَلِ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا فَلَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، وتِلْكَ الحَسَنَةُ هي الثَّوابُ العَظِيمُ، وقِيلَ: تِلْكَ الحَسَنَةُ هو أنَّ ثَوابَها يُضاعَفُ بِعَشْرِ مَرّاتٍ وبِسَبْعِمِائَةٍ وإلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿حَسَنَةٌ﴾ والتَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ أحْسَنُوا أنْ تَحْصُلَ

صفحة ٢١

لَهُمُ الحَسَنَةُ في الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفي تَفْسِيرِ هَذِهِ الحَسَنَةِ الحاصِلَةِ في الدُّنْيا وُجُوهٌ.

الأوَّلُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ المَدْحِ والتَّعْظِيمِ والثَّناءِ والرِّفْعَةِ، وجَمِيعُ ذَلِكَ جَزاءٌ عَلى ما عَمِلُوهُ.

والثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الظَّفَرُ عَلى أعْداءِ الدَّيْنِ بِالحُجَّةِ وبِالغَلَبَةِ لَهم، وبِاسْتِغْنامِ أمْوالِهِمْ وفَتْحِ بِلادِهِمْ، كَما جَرى بِبَدْرٍ وعِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَدْ أجْلَوْهم عَنْها وأخْرَجُوهم إلى الهِجْرَةِ، وإخْلاءِ الوَطَنِ، ومُفارَقَةِ الأهْلِ والوَلَدِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَعْظُمُ مُوقِعُهُ.

والثّالِثُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهم لَمّا أحْسَنُوا بِمَعْنى: أنَّهم أتَوْا بِالطّاعاتِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أبْوابَ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ والألْطافِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧] .

وأما قوله: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ فَقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ حُصُولَ هَذا الخَيْرِ، ثم قال: ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ لَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ، فَحُذِفَتْ لِسَبْقِ ذِكْرِها، هَذا إذا لَمْ تُجْعَلُ هَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةً بِما بَعْدَها، فَإنْ وصَلْتَها بِما بَعْدَها قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ جَنّاتُ عَدْنٍ، فَتَرْفَعُ جَنّاتٍ عَلى أنَّها اسْمٌ لِنِعْمَ، كَما تَقُولُ: نِعْمَ الدّارُ دارٌ يَنْزِلُها زَيْدٌ.

* * *

وأما قوله: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً بِما قَبْلَها، فَقَدْ ذَكَرْنا وجْهَ ارْتِفاعِها، وأمّا إنْ كانَتْ مَقْطُوعَةً، فَقالَ الزَّجّاجُ: جَنّاتُ عَدْنٍ مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ ”هي“ كَأنَّكَ لَمّا قُلْتَ: ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ، قِيلَ: أيُّ دارٍ هي هَذِهِ المَمْدُوحَةُ ؟ فَقُلْتَ: هي جَنّاتُ عَدْنٍ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”جَنّاتُ عَدْنٍ“ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”يَدْخُلُونَها“ خَبَرُهُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ“ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: جَنّاتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ﴾ يَدُلُّ عَلى القُصُورِ والبَساتِينِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدْنٍ﴾ يَدُلُّ عَلى الدَّوامِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ هُناكَ أبْنِيَةٌ يَرْتَفِعُونَ عَلَيْها، وتَكُونُ الأنْهارُ جارِيَةً مِن تَحْتِهِمْ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ تَدُلُّ عَلى حُصُولِ كُلِّ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ، وهَذا أبْلَغُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] لِأنَّ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ داخِلانِ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ مَعَ أقْسامٍ أُخْرى.

الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ إلّا في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَجِدُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ في الدُّنْيا.

ثم قال تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ أيْ: هَكَذا جَزاءُ التَّقْوى، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى وصْفِ المُتَّقِينَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ وهَذا مَذْكُورٌ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ صِفَةٌ لِلْمُتَّقِينَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿طَيِّبِينَ﴾ كَلِمَةٌ مُخْتَصَرَةٌ جامِعَةٌ لِلْمَعانِي الكَثِيرَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ إتْيانُهم بِكُلِّ ما أُمِرُوا بِهِ، واجْتِنابُهم عَنْ كُلِّ ما نُهُوا عَنْهُ ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مَوْصُوفِينَ بِالأخْلاقِ الفاضِلَةِ مُبَرَّئِينَ عَنِ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ كَوْنُهم مُبَرَّئِينَ عَنِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ مُتَوَجِّهِينَ إلى حَضْرَةِ القُدْسِ والطَّهارَةِ، ويَدْخُلُ فِيهِ أنَّهُ طابَ لَهم قَبْضُ الأرْواحِ وأنَّها لَمْ تُقْبَضْ إلّا مَعَ البِشارَةِ بِالجَنَّةِ حَتّى صارُوا كَأنَّهم مُشاهِدُونَ لَها، ومَن هَذا حالُهُ لا يَتَألَّمُ بِالمَوْتِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذا التَّوَفِّيَ هو قَبْضُ الأرْواحِ، وإنْ كانَ الحَسَنُ يَقُولُ: إنَّهُ وفاةُ الحَشْرِ، ثُمَّ

صفحة ٢٢

بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُقالُ لَهم عِنْدَ هَذِهِ الحالَةِ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ فاحْتَجَّ الحَسَنُ بِهَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ التَّوَفِّي وفاةُ الحَشْرِ؛ لِأنَّهُ لا يُقالُ عِنْدَ قَبْضِ الأرْواحِ في الدُّنْيا ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، ومَن ذَهَبَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ وهُمُ الأكْثَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ لَمّا بَشَّرُوهم بِالجَنَّةِ صارَتِ الجَنَّةُ كَأنَّها دارُهم وكَأنَّهم فِيها، فَيَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ أيْ: هي خاصَّةٌ لَكم كَأنَّكم فِيها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском