Ar-RaziAn‑Nahl · 16:33–40

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:33–40

16:33–37Page 270

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣

Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤

So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.

وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥

And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?

وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦

And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.

إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧

[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، فَإنَّهم طَلَبُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْزِلَ اللَّهُ تَعالى مَلَكًا مِنَ السَّماءِ يَشْهَدُ عَلى صِدْقِهِ في ادِّعاءِ النُّبُوَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ في التَّصْدِيقِ بِنُبُوَّتِكَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ شاهِدِينَ بِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا طَعَنُوا في القُرْآنِ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ لَهم، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعْدِ لِمَن وصَفَ القُرْآنَ بِكَوْنِهِ خَيْرًا وصِدْقًا وصَوابًا، عادَ إلى بَيانِ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ لا يَنْزَجِرُونَ عَنِ الكُفْرِ بِسَبَبِ البَياناتِ الَّتِي ذَكَرْناها، بَلْ كانُوا لا يَنْزَجِرُونَ عَنْ تِلْكَ الأقْوالِ الباطِلَةِ إلّا إذا جاءَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّهْدِيدِ، وأتاهم أمْرُ رَبِّكَ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ.

واعْلَمْ أنَّ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: كَلامُ هَؤُلاءِ وأفْعالُهم يُشْبِهُ كَلامَ الكُفّارِ المُتَقَدِّمِينَ وأفْعالَهم.

ثم قال: ﴿وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ والتَّقْدِيرُ: كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأصابَهُمُ الهَلاكُ المُعَجَّلُ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ أنْزَلَ بِهِمْ ما اسْتَحَقُّوهُ بِكُفْرِهِمْ، ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِأنْ كَفَرُوا، وكَذَّبُوا الرَّسُولَ فاسْتَوْجَبُوا ما نَزَلْ بِهِمْ.

ثم قال: ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ والمُرادُ أصابَهم عِقابُ سَيِّئاتِ ما عَمِلُوا ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَلى وجْهٍ أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: عِقابُ اسْتِهْزائِهِمْ.

صفحة ٢٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ، وتَقْرِيرُها: أنَّهم تَمَسَّكُوا بِصِحَّةِ القَوْلِ بِالجَبْرِ عَلى الطَّعْنِ في النُّبُوَّةِ فَقالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ الإيمانَ لَحَصَلَ الإيمانُ، سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ الكُفْرَ فَإنَّهُ يَحْصُلُ الكُفْرُ سَواءٌ جِئْتَ أوْ لَمْ تَجِئْ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فالكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ في مَجِيئِكَ وإرْسالِكَ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الشُّبْهَةَ هي عَيْنُ ما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٤٨] واسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهِ مِثْلُ اسْتِدْلالِهِمْ بِتِلْكَ الآيَةِ. والكَلامُ فِيهِ اسْتِدْلالًا واعْتِراضًا عَيْنُ ما تَقَدَّمَ هُناكَ، فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، ولا بَأْسَ بِأنْ نَذْكُرَ مِنهُ القَلِيلَ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ هي أنَّهم قالُوا: لَمّا كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى كانَ بَعْثُهُ الأنْبِياءَ عَبَثًا. فَنَقُولُ: هَذا اعْتِراضٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ قَوْلَهم: إذا لَمْ يَكُنْ في بَعْثَةِ الرَّسُولِ مَزِيدُ فائِدَةٍ في حُصُولِ الإيمانِ ودَفْعِ الكُفْرِ كانَتْ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ غَيْرَ جائِزَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَهَذا القَوْلُ جارٍ مَجْرى طَلَبِ العِلَّةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وفي أفْعالِهِ، وذَلِكَ باطِلٌ، بَلْ لِلَّهِ تَعالى أنْ يَحْكُمَ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ ما يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذا ولِمَ لَمْ تَفْعَلْ ذَلِكَ ؟ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الإنْكارَ إنَّما تَوَجَّهَ إلى هَذا المَعْنى أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ بِهَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ سُنَّتَهُ في عَبِيدِهِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وأمْرُهم بِعِبادَةِ اللَّهِ ونَهْيُهم عَنْ عِبادَةِ الطّاغُوتِ.

ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى وإنْ أمَرَ الكُلَّ بِالإيمانِ، ونَهى الكُلَّ عَنِ الكُفْرِ، إلّا أنَّهُ تَعالى هَدى البَعْضَ وأضَلَّ البَعْضَ، فَهَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ لِلَّهِ تَعالى مَعَ العِبادِ، وهي أنَّهُ يَأْمُرُ الكُلَّ بِالإيمانِ ويَنْهاهم عَنِ الكُفْرِ، ثُمَّ يَخْلُقُ الإيمانَ في البَعْضِ والكُفْرَ في البَعْضِ. ولَمّا كانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى في هَذا المَعْنى سُنَّةً قَدِيمَةً في حَقِّ كُلِّ الأنْبِياءِ وكُلِّ الأُمَمِ والمِلَلِ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنهُ تَعالى ذَلِكَ بِحُكْمِ كَوْنِهِ إلَهًا مُنَزَّهًا عَنِ اعْتِراضاتِ المُعْتَرِضِينَ ومُطالَباتِ المُنازِعِينَ، كانَ إيرادُ هَذا السُّؤالِ مِن هَؤُلاءِ الكُفّارِ مُوجِبًا لِلْجَهْلِ والضَّلالِ والبُعْدِ عَنِ اللَّهِ، فَثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما حَكَمَ عَلى هَؤُلاءِ بِاسْتِحْقاقِ الخِزْيِ واللَّعْنِ، لا لِأنَّهم كَذَبُوا في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ بَلْ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ كَوْنَ الأمْرِ كَذَلِكَ يَمْنَعُ مِن جَوازِ بَعْثَةِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ وهَذا باطِلٌ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ مَزِيدَ الذَّمِّ واللَّعْنِ. فَهَذا هو الجَوابُ الصَّحِيحُ الَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ في هَذا البابِ. وأمّا مَن تَقَدَّمَنا مِنَ المُتَكَلِّمِينَ والمُفَسِّرِينَ فَقَدْ ذَكَرُوا فِيهِ وجْهًا آخَرَ فَقالُوا: إنَّ المُشْرِكِينَ ذَكَرُوا هَذا الكَلامَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ كَما قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ولَوْ قالُوا ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

صفحة ٢٤

المسألة الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى هَذِهِ الشُّبْهَةَ قالَ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ أبَدًا كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.

ثم قال: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلّا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وما أوْقَعَهُ في الكُفْرِ، والرُّسُلُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا التَّبْلِيغُ، فَلَمّا بَلَّغُوا التَّكالِيفَ وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى ما مَنَعَ أحَدًا عَنِ الحَقِّ كانَتْ هَذِهِ الشُّبْهَةُ ساقِطَةً. أمّا أصْحابُنا فَقالُوا: مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى أمَرَ الرُّسُلَ بِالتَّبْلِيغِ. فَهَذا التَّبْلِيغُ واجِبٌ عَلَيْهِمْ، فَأمّا أنَّ الإيمانَ هَلْ يَحْصُلُ أمْ لا يَحْصُلُ، فَذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لِلرَّسُولِ بِهِ، ولَكِنَّهُ تَعالى يَهْدِي مَن يَشاءُ بِإحْسانِهِ ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِخِذْلانِهِ.

المسألة الثّالِثَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا في بَيانِ أنَّ الهُدى والضَّلالَ مِنَ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى كانَ أبَدًا في جَمِيعِ المِلَلِ والأُمَمِ آمِرًا بِالإيمانِ، وناهِيًا عَنِ الكُفْرِ.

* * *

ثم قال: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَعْنِي: فَمِنهم مَن هَداهُ اللَّهُ إلى الإيمانِ والصِّدْقِ والحَقِّ، ومِنهم مَن أضَلَّهُ عَنِ الحَقِّ وأعْماهُ عَنِ الصِّدْقِ وأوْقَعَهُ في الكُفْرِ والضَّلالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لا يُوافِقُ إرادَتَهُ، بَلْ قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ، ويَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ كَما هو مَذْهَبُنا. والحاصِلُ أنَّ المُعْتَزِلَةَ يَقُولُونَ: الأمْرُ والإرادَةُ مُتَطابِقانِ، أمّا العِلْمُ والإرادَةُ فَقَدْ يَخْتَلِفانِ، ولَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ صَرِيحٌ في قَوْلِنا، وهو أنَّ الأمْرَ بِالإيمانِ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، أمّا إرادَةُ الإيمانِ فَخاصَّةٌ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ.

أجابَ الجُبّائِيُّ بِأنَّ المُرادَ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ لِنَيْلِ ثَوابِهِ وجَنَّتِهِ: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ أيِ: العِقابُ. قالَ: وفي صِفَةِ قَوْلِهِ: ﴿حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّها العَذابُ دُونَ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لا يَجُوزُ وصْفُهُما بِأنَّهُ حَقٌّ. وأيْضًا قالَ تَعالى بَعْدَهُ: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وهَذِهِ العاقِبَةُ هي آثارُ الهَلاكِ لِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اسْتَأْصَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالعَذابِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالضَّلالِ المَذْكُورِ هو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ.

وأجابَ الكَعْبِيُّ عَنْهُ بِأنَّهُ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: مَنِ اهْتَدى فَكانَ في حُكْمِ اللَّهِ مُهْتَدِيًا، ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يُرِيدُ: مَن ظَهَرَتْ ضَلالَتُهُ، كَما يُقالُ لِلظّالِمِ: حَقَّ ظُلْمُكَ وتَبَيَّنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَقَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ أنْ يُضِلَّهم إذا ضَلُّوا كَقَوْلِهِ: ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ الظّالِمِينَ﴾ .

واعْلَمْ أنّا بَيَّنّا في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ القاطِعَةِ أنَّ الهُدى والإضْلالَ لا يَكُونانِ إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وهَذِهِ الوُجُوهُ المُتَعَسِّفَةُ والتَّأْوِيلاتُ المُسْتَكْرَهَةُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَها وسُقُوطَها مِرارًا، فَلا حاجَةَ إلى الإعادَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الرّابِعَةُ: في الطّاغُوتِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ: اجْتَنِبُوا عِبادَةَ ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَسَمّى الكُلَّ طاغُوتًا، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: اجْتَنِبُوا طاعَةَ الشَّيْطانِ في دُعائِهِ لَكم.

المسألة الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ يَدُلُّ عَلى مَذْهَبِنا؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ امْتَنَعَ أنْ لا يَصْدُرَ مِنهُ الضَّلالَةُ، وإلّا لانْقَلَبَ خَبَرُ اللَّهِ الصِّدْقُ كَذِبًا، وذَلِكَ مُحالٌ،

صفحة ٢٥

ومُسْتَلْزِمُ المُحالِ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ الضَّلالَةِ مِنهم مُحالًا، ووُجُودُ الضَّلالَةِ مِنهم واجِبًا عَقْلًا، فَهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِنا في هَذِهِ الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ. ونَظائِرُ هَذِهِ الآيَةِ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ٧] .

ثم قال تَعالى: ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ والمَعْنى: سِيرُوا في الأرْضِ مُعْتَبِرِينَ لِتَعْرِفُوا أنَّ العَذابَ نازِلٌ بِكم كَما نَزَلَ بِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ أنَّ مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَإنَّهُ لا يَهْتَدِي، فَقالَ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾ أيْ: إنْ تَطْلُبْ بِجُهْدِكَ ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿يَهْدِي﴾ بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الدّالِ، والباقُونَ: (لا يُهْدى) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدّالِ.

أمّا القِراءَةُ الأُولى: فَفِيها وجْهانِ:

الأوَّلُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يُرْشِدُ أحَدًا أضَلَّهُ، وبِهَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

والثّانِي: أنَّ ”يَهْدِي“ بِمَعْنى يَهْتَدِي. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَقُولُ: قَدْ هَدى الرَّجُلُ يُرِيدُونَ قَدِ اهْتَدى، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ إذا أضَلَّ أحَدًا لَمْ يَصِرْ ذَلِكَ مُهْتَدِيًا.

وأمّا القِراءَةُ المَشْهُورَةُ: فالوجه فِيها إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ، أيْ: مَن يُضِلُّهُ، فالرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ الَّذِي هو مَن مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِ اللَّهِ إيّاهُ.

ثم قال تَعالى: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم أحَدٌ يَنْصُرُهم أيْ: يُعِينُهم عَلى مَطْلُوبِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وأقُولُ: أوَّلُ هَذِهِ الآياتِ مُوهِمٌ لِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وآخِرُها مُشْتَمِلٌ عَلى الوُجُوهِ الكَثِيرَةِ الدّالَّةِ عَلى قَوْلِنا، وأكْثَرُ الآياتِ كَذَلِكَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوجه يْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

16:38–39Page 271

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨

And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩

[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ لِمُنْكِرِي النُّبُوَّةِ فَقالُوا: القَوْلُ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ باطِلٌ، فَكانَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ باطِلًا.

صفحة ٢٦

أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَتَقْرِيرُهُ أنَّ الإنْسانَ لَيْسَ إلّا هَذِهِ البَيِّنَةَ المَخْصُوصَةَ، فَإذا ماتَ وتَفَرَّقَتْ أجْزاؤُهُ وبَطَلَ ذَلِكَ المِزاجُ والِاعْتِدالُ امْتَنَعَ عَوْدُهُ بِعَيْنِهِ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا عَدِمَ فَقَدْ فَنِيَ ولَمْ يَبْقَ لَهُ ذاتٌ ولا حَقِيقَةٌ بَعْدَ فِنائِهِ وعَدَمِهِ، فالَّذِي يَعُودُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا مُغايِرًا لِلْأوَّلِ فَلا يَكُونُ عَيْنُهُ.

وأمّا المَقامُ الثّانِي: وهو أنَّهُ لَمّا بَطَلَ القَوْلُ بِالبَعْثِ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ.

الأوَّلُ: أنَّ مُحَمَّدًا كانَ داعِيًا إلى تَقْرِيرِ القَوْلِ بِالمَعادِ، فَإذا بَطَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ كانَ داعِيًا إلى القَوْلِ الباطِلِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا صادِقًا.

الثّانِي: أنَّهُ يُقَرِّرُ نُبُوَّةَ نَفْسِهِ ووُجُوبَ طاعَتِهِ بِناءً عَلى التَّرْغِيبِ في الثَّوابِ والتَّرْهِيبِ عَنِ العِقابِ، وإذا بَطَلَ ذَلِكَ بَطَلَتْ نُبُوَّتُهُ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ الشَّيْءَ إذا فَنِيَ وصارَ عَدَمًا مَحْضًا ونَفْيًا صِرْفًا، فَإنَّهُ بَعْدَ هَذا العَدَمِ الصِّرْفِ لا يَعُودُ بِعَيْنِهِ، بَلِ العائِدُ يَكُونُ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهُ. وهَذا القَسَمُ واليَمِينُ إشارَةٌ إلى أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِأنَّ عَوْدَهُ بِعَيْنِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ مُحالٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ عَلى أنَّهم يَجْحَدُونَ في قُلُوبِهِمْ وعُقُولِهِمْ هَذا العِلْمَ الضَّرُورِيَّ، وأمّا بَيانُ أنَّهُ لَمّا بَطَلَ القَوْلُ بِالبَعْثِ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ عَلى سَبِيلِ التَّصْرِيحِ، لِأنَّهُ كَلامٌ جَلِيٌّ مُتَبادِرٌ إلى العُقُولِ، فَتَرَكُوهُ لِهَذا العُذْرِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ القَوْلَ بِالبَعْثِ مُمْكِنٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّهُ وعْدٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ تَحْقِيقُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ الَّذِي لِأجْلِهِ كانَ وعْدًا حَقًّا عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو التَّمْيِيزُ بَيْنَ المُطِيعِ وبَيْنَ العاصِي، وبَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، وبَيْنَ الظّالِمِ والمَظْلُومِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ قَدْ بالَغْنا في شَرْحِها وتَقْرِيرِها في سُورَةِ ”يُونُسَ“ .

والوجه الثّانِي: في بَيانِ إمْكانِ الحَشْرِ والنَّشْرِ أنَّ كَوْنَهُ تَعالى مُوجِدًا لِلْأشْياءِ ومُكَوِّنًا لَها لا يَتَوَقَّفُ عَلى سَبْقِ مادَّةٍ ولا مُدَّةٍ ولا آلَةٍ، وهو تَعالى إنَّما يُكَوِّنُها بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ، ولَيْسَ لِقُدْرَتِهِ دافِعٌ ولا لِمَشِيئَتِهِ مانِعٌ فَعَبَّرَ تَعالى عَنْ هَذا النَّفاذِ الخالِي عَنِ المُعارِضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَكَما أنَّهُ تَعالى قَدَرَ عَلى الإيجادِ في الِابْتِداءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ في الإعادَةِ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ القاطِعَيْنِ أنَّ القَوْلَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ والبَعْثِ والقِيامَةِ حَقٌّ وصِدْقٌ، والقَوْلُ: إنَّما طَعَنُوا في صِحَّةِ النُّبُوَّةِ بِناءً عَلى الطَّعْنِ في هَذا الأصْلِ، فَلَمّا بَطَلَ هَذا الطَّعْنُ بَطَلَ أيْضًا طَعْنُهم في النُّبُوَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ حِكايَةٌ عَنِ الَّذِينَ أشْرَكُوا، وقَوْلُهُ: ﴿بَلى﴾ إثْباتٌ لِما بَعْدَ النَّفْيِ، أيْ: بَلى يَبْعَثُهم، وقَوْلُهُ: ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: وعَدَ بِالبَعْثِ وعْدًا حَقًّا لا خُلْفَ فِيهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ يَبْعَثُهم دَلَّ عَلى قَوْلِهِ وعَدَ بِالبَعْثِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ مِن أُمُورِ البَعْثِ، أيْ: بَلى يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ لَهم ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ فِيما أقْسَمُوا فِيهِ.

* * *

ثم قال تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ إنْ كانَ خِطابًا مَعَ المَعْدُومِ فَهو مُحالٌ، وإنْ كانَ خِطابًا مَعَ المَوْجُودِ كانَ هَذا أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ.

صفحة ٢٧

والجَوابُ: أنَّ هَذا تَمْثِيلٌ لِنَفْيِ الكَلامِ والمُعاياةِ وخِطابٌ مَعَ الخَلْقِ بِما يَعْقِلُونَ، ولَيْسَ خِطابًا لِلْمَعْدُومِ، لِأنَّ ما أرادَهُ اللَّهُ تَعالى فَهو كائِنٌ عَلى كُلِّ حالٍ وعَلى ما أرادَهُ مِنَ الإسْراعِ، ولَوْ أرادَ خَلْقَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما فِيهِما مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ في قَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ لَقَدَرَ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ العِبادَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ.

المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوْلُنا﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿أنْ نَقُولَ﴾ خَبَرُهُ و﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن كانَ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى الحُدُوثِ والوُجُودِ أيْ: إذا أرَدْنا حُدُوثَ شَيْءٍ فَلَيْسَ إلّا أنْ نَقُولَ لَهُ: احْدُثْ، فَيَحْدُثُ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.

المسألة الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ (فَيَكُونَ) بِنَصْبِ النُّونِ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، قالَ الفَرّاءُ: القِراءَةُ بِالرَّفْعِ وجْهُها أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾ كَلامًا تامًّا، ثُمَّ يُخْبِرَ عَنْهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ، كَما يُقالُ: إنَّ زَيْدًا يَكْفِيهِ إنْ أُمِرَ فَيَفْعَلُ، فَتَرْفَعُ قَوْلَكَ: ”فَيَفْعَلُ“ عَلى أنْ تَجْعَلَهُ كَلامًا مُبْتَدَأً، وأمّا القِراءَةُ بِالنَّصْبِ فَوَجْهُهُ أنْ تَجْعَلَهُ عَطْفًا عَلى ”أنْ نَقُولَ“، والمَعْنى: أنْ نَقُولَ: ”كُنْ“ فَيَكُونَ، هَذا قَوْلُ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى جَوابِ ﴿كُنْ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ لَفْظَةُ ”كُنْ“ وإنْ كانَتْ عَلى لَفْظَةِ الأمْرِ فَلَيْسَ القَصْدُ بِها هَهُنا الأمْرَ، إنَّما هو - واللَّهُ أعْلَمُ - الإخْبارُ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ وحُدُوثِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ قَوْلُهُ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى جَوابِ ﴿كُنْ﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.

16:40Page 271

إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠

Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.

المسألة الرّابِعَةُ: احْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى قِدَمِ القُرْآنِ فَقالُوا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إحْداثَ شَيْءٍ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ ﴿كُنْ﴾ حادِثًا لافْتَقَرَ إحْداثُهُ إلى أنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّسَلْسُلَ، وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ كَلامَ اللَّهِ قَدِيمٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الدَّلِيلَ عِنْدِي لَيْسَ في غايَةِ القُوَّةِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ ﴿إذا﴾ لا تُفِيدُ التَّكْرارَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِامْرَأتِهِ إذا دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ، فَدَخَلَتِ الدّارَ مَرَّةً طُلِّقَتْ طَلْقَةً واحِدَةً، فَلَوْ دَخَلَتْ ثانِيًا لَمْ تُطَلَّقْ طَلْقَةً ثانِيَةً، فَعَلِمْنا أنَّ كَلِمَةَ ”إذا“ لا تُفِيدُ التَّكْرارَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ في كُلِّ ما يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ، فَلَمْ يَلْزَمِ التَّسَلْسُلُ.

والوجه الثّانِي: أنَّ هَذا الدَّلِيلَ إنْ صَحَّ لَزِمَ القَوْلُ بِقِدَمِ لَفْظَةِ ”كُنْ“ وهَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِالضَّرُورَةِ، لِأنَّ لَفْظَةَ: كُنْ، مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ والنُّونِ، وعِنْدَ حُضُورِ الكافِ لَمْ تَكُنِ النُّونُ حاضِرَةً، وعِنْدَ مَجِيءِ النُّونِ تَتَوَلّى الكافُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كَلِمَةَ ”كُنْ“ يَمْتَنِعُ كَوْنُها قَدِيمَةً، وإنَّما الَّذِي يَدَّعِي أصْحابُنا كَوْنَهُ قَدِيمًا صِفَةٌ مُغايِرَةٌ لِلَفْظَةِ كُنْ، فالَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ لا يَقُولُ بِهِ أصْحابُنا، والَّذِي يَقُولُونَ بِهِ لا تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ، فَسَقَطَ التَّمَسُّكُ بِهِ.

والوجه الثّالِثُ: أنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ: إنَّ فُلانًا لا يُقْدِمُ عَلى قَوْلٍ ولا عَلى فِعْلٍ إلّا ويَسْتَعِينُ فِيهِ بِاللَّهِ تَعالى، فَإنَّ عاقِلًا لا يَقُولُ: إنَّ اسْتِعانَتَهُ بِاللَّهِ فِعْلٌ مِن أفْعالِهِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ اسْتِعانَةٍ مَسْبُوقَةً بِاسْتِعانَةٍ أُخْرى إلى غَيْرِ النِّهايَةِ لِأنَّ هَذا الكَلامَ بِحَسَبِ العُرْفِ باطِلٌ، فَكَذَلِكَ ما قالُوهُ.

والوجه الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْعِرَةٌ بِحُدُوثِ الكَلامِ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ﴾ يَقْتَضِي كَوْنَ القَوْلِ واقِعًا بِالإرادَةِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو مُحْدَثٌ.

صفحة ٢٨

والوجه الثّانِي: أنَّهُ عَلَّقَ القَوْلَ بِكَلِمَةِ إذا، ولا شَكَّ أنَّ لَفْظَةَ ”إذا“ تَدْخُلُ لِلِاسْتِقْبالِ.

والوجه الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾ لا خِلافَ أنَّ ذَلِكَ يُنْبِئُ عَنِ الِاسْتِقْبالِ.

والوجه الرّابِعُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حُدُوثَ الكَوْنِ حاصِلٌ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ فَتَكُونُ كَلِمَةُ ﴿كُنْ﴾ مُتَقَدِّمَةً عَلى حُدُوثِ الكَوْنِ بِزَمانٍ واحِدٍ، والمُتَقَدِّمُ عَلى المُحْدَثِ بِزَمانٍ واحِدٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا.

والوجه الخامِسُ: أنَّهُ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧]، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨] . ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] . ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]، ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾ [الأحقاف: ١٢] .

فَإنْ قِيلَ: فَهَبْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لا تَدُلُّ عَلى قِدَمِ الكَلامِ، ولَكِنَّكم ذَكَرْتُمْ أنَّها تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ الكَلامِ، فَما الجَوابُ عَنْهُ ؟ .

قُلْنا: نَصْرِفُ هَذِهِ الدَّلائِلَ إلى الكَلامِ المَسْمُوعِ الَّذِي هو مُرَكَّبٌ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ، ونَحْنُ نَقُولُ بِكَوْنِهِ مُحْدَثًا مَخْلُوقًا. واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском