Ar-RaziAn‑Nahl · 16:77–85

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

An-Nahl 16:77–85

16:77–79Page 275

وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧

And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.

وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨

And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.

أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩

Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى مَثَلَ الكُفّارِ بِالأبْكَمِ العاجِزِ، ومَثَلَ نَفْسِهِ بِالَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ يُمْتَنَعُ أنْ يَكُوُنَ آمِرًا بِالعَدْلِ، وأنْ يَكُونَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ إلّا إذا كانَ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ - ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيانَ كَوْنِهِ كامِلًا في العِلْمِ والقُدْرَةِ، أمّا بَيانُ كَمالِ العِلْمِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ والمَعْنى: عَلِمَ اللَّهُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ، وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، مَعْناهُ: أنَّ العِلْمَ بِهَذِهِ الغُيُوبِ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ، وأمّا بَيانُ كَمالِ القُدْرَةِ فَقَوْلُهُ: ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾، والسّاعَةُ: هي الوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ، سُمِّيَتْ ساعَةً؛ لِأنَّها تَفْجَأُ الإنْسانَ في ساعَةٍ فَيَمُوتُ الخَلْقُ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ اللَّمْحُ: النَّظَرُ بِسُرْعَةٍ، يُقالُ: لَمَحَهُ بِبَصَرِهِ لَمْحًا ولَمَحانًا، والمَعْنى: وما أمْرُ القِيامَةِ في السُّرْعَةِ إلّا كَطَرْفِ العَيْنِ، والمُرادُ مِنهُ تَقْرِيرُ كَمالِ القُدْرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ لَمْحَ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ انْتِقالِ الجِسْمِ المُسَمّى بِالطَّرْفِ مِن أعْلى الحَدَقَةِ إلى أسْفَلِها، ولا شَكَّ أنَّ الحَدَقَةَ مُؤَلَّفَةٌ مِن أجْزاءٍ لا تَتَجَزَّأُ، فَلَمْحُ البَصَرِ عِبارَةٌ عَنِ المُرُورِ عَلى جُمْلَةِ تِلْكَ الأجْزاءِ الَّتِي مِنها تَألَّفَ سَطْحُ الحَدَقَةِ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ الأجْزاءَ كَثِيرَةٌ، والزَّمانُ الَّذِي يَحْصُلُ فِيهِ لَمْحُ البَصَرِ مُرَكَّبٌ مِن آناتٍ مُتَعاقِبَةٍ، واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إقامَةِ القِيامَةِ في آنٍ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآناتِ؛ فَلِهَذا قالَ: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ . إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ أسْرَعُ الأحْوالِ والحَوادِثِ في عُقُولِنا وأفْكارِنا هو لَمْحَ البَصَرِ - لا جَرَمَ ذَكَرَهُ. ثم قال: ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى ما ذَكَرْناهُ، ولا شُبْهَةَ في أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ طَرِيقَةَ الشَّكِّ، بِلِ المُرادُ: بَلْ هو أقْرَبُ، وقالَ الزَّجّاجُ: المُرادُ بِهِ الإبْهامُ عَنِ المُخاطَبِينَ أنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِالسّاعَةِ إمّا بِقَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ أوْ بِما هو أسْرَعُ.

قالَ القاضِي: هَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ إقامَةَ السّاعَةِ لَيْسَتْ حالَ تَكْلِيفٍ حَتّى يُقالُ: إنَّهُ تَعالى يَأْتِي بِها في زَمانٍ، بَلِ الواجِبُ أنْ يَخْلُقَها دُفْعَةً واحِدَةً في وقْتٍ واحِدٍ، ويُفارِقُ ما ذَكَرْناهُ في ابْتِداءِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحالَ حالُ تَكْلِيفٍ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَخْلُقَها كَذَلِكَ لِما فِيهِ مِن مَصْلَحَةِ المَلائِكَةِ.

* * *

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاعْتِراضَ إنَّما يَسْتَقِيمُ عَلى مَذْهَبِ القاضِي، أمّا عَلى قَوْلِنا في أنَّهُ تَعالى يَفْعَلُ ما يَشاءُ

صفحة ٧٢

ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ فَلَيْسَ لَهُ قُوَّةٌ، واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عادَ إلى الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”إمَّهاتِكُمْ“ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِضَمِّها.

المسألة الثّانِيَةُ: ”أُمَّهاتِكُمْ“ أصْلُهُ: أُمّاتِكم، إلّا أنَّهُ زِيدَ الهاءُ فِيهِ كَما زِيدَ في أراقَ فَقِيلَ: أهْراقَ، وشَذَّتْ زِيادَتُها في الواحِدَةِ في قَوْلِهِ:

أُمَّهَتِي خِنْدَفُ واليَأْسُ أبِي

المسألة الثّالِثَةُ: الإنْسانُ خُلِقَ في مَبْدَأِ الفِطْرَةِ خالِيًا عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ.

ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ المَعْنى: أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ لَمّا كانَتْ في أوَّلِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنِ المَعارِفِ والعُلُومِ بِاللَّهِ، فاللَّهُ أعْطاهُ هَذِهِ الحَواسَّ؛ لِيَسْتَفِيدَ بِها المَعارِفَ والعُلُومَ، وتَمامُ الكَلامِ في هَذا البابِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ تَقْرِيرٍ، فَنَقُولُ: التَّصَوُّراتُ والتَّصْدِيقاتُ إمّا أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً، وإمّا أنْ تَكُونَ بَدِيهِيَّةً، والكَسْبِيّاتُ إنَّما يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بِواسِطَةِ تَرْكِيباتِ البَدِيهِيّاتِ، فَلا بُدَّ مِن سَبْقِ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ، وحِينَئِذٍ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ فَيَقُولَ: هَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها كانَتْ حاصِلَةً مُنْذَ خُلِقْنا أوْ ما كانَتْ حاصِلَةً. والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنّا بِالضَّرُورَةِ نَعْلَمُ أنّا حِينَ كُنّا جَنِينًا في رَحِمِ الأُمِّ ما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ، وما كُنّا نَعْرِفُ أنَّ الكُلَّ أعْظَمُ مِنَ الجُزْءِ.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ حَصَلَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ أنَّها ما كانَتْ حاصِلَةً، فَحِينَئِذٍ لا يُمْكِنُ حُصُولُها إلّا بِكَسْبٍ وطَلَبٍ، وكُلُّ ما كانَ كَسْبِيًّا فَهو مَسْبُوقٌ بِعُلُومٍ أُخْرى، فَهَذِهِ العُلُومُ البَدِيهِيَّةُ تَصِيرُ كَسْبِيَّةً، ويَجِبُ أنْ تَكُونَ مَسْبُوقَةً بِعُلُومٍ أُخْرى إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، وهَذا سُؤالٌ قَوِيٌّ مُشْكِلٌ.

وجَوابُهُ أنْ نَقُولَ: الحَقُّ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ البَدِيهِيَّةَ ما كانَتْ حاصِلَةً في نُفُوسِنا، ثُمَّ إنَّها حَدَثَتْ وحَصَلَتْ.

أما قوله: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ كَسْبِيَّةً.

قُلْنا: هَذِهِ المُقَدِّمَةُ مَمْنُوعَةٌ، بَلْ نَقُولُ: إنَّها إنَّما حَدَثَتْ في نُفُوسِنا بَعْدَ عَدَمِها بِواسِطَةِ إعانَةِ الحَواسِّ الَّتِي هي السَّمْعُ والبَصَرُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ النَّفْسَ كانَتْ في مَبْدَأِ الخِلْقَةِ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ العُلُومِ إلّا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّمْعَ والبَصَرَ، فَإذا أبْصَرَ الطِّفْلُ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في خَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المُبْصَرِ، وكَذَلِكَ إذا سَمِعَ شَيْئًا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ارْتَسَمَ في سَمْعِهِ وخَيالِهِ ماهِيَّةُ ذَلِكَ المَسْمُوعِ، وكَذا الطَّوْلُ في سائِرِ الحَواسِّ فَيَصِيرُ حُصُولُ الحَواسِّ سَبَبًا لِحُضُورِ ماهِيّاتِ المَحْسُوساتِ في النَّفْسِ والعَقْلِ. ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الماهِيّاتِ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُ القِسْمَيْنِ: ما يَكُونُ نَفْسُ حُضُورِهِ مُوجِبًا تامًّا في جَزْمِ الذِّهْنِ بِإسْنادِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ بِالنَّفْيِ أوِ الإثْباتِ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الواحِدَ ما هو ؟ وأنَّ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ ما هو ؟ كانَ حُضُورُ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ عِلَّةً تامَّةً في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الواحِدَ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وهَذا القِسْمُ هو عَيْنُ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ.

والقِسْمُ الثّانِي: ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ وهو العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ، مِثْلَ أنَّهُ إذا حَضَرَ في الذِّهْنِ أنَّ الجِسْمَ ما هو ؟ وأنَّ المُحْدَثَ ما هو ؟ فَإنَّ مُجَرَّدَ هَذَيْنِ التَّصَوُّرَيْنِ في الذِّهْنِ لا يَكْفِي في جَزْمِ الذِّهْنِ بِأنَّ الجِسْمَ مُحْدَثٌ، بَلْ

صفحة ٧٣

لا بُدَّ فِيهِ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وعُلُومٍ سابِقَةٍ. والحاصِلُ أنَّ العُلُومَ الكَسْبِيَّةَ إنَّما يُمْكِنُ اكْتِسابُها بِواسِطَةِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ. وحُدُوثُ هَذِهِ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ إنَّما كانَ عِنْدَ حُدُوثِ تَصَوُّرِ مَوْضُوعاتِها وتَصَوُّرِ مَحْمُولاتِها. وحُدُوثُ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ إعانَةِ هَذِهِ الحَواسِّ عَلى جُزْئِيّاتِها، فَظَهَرَ أنَّ السَّبَبَ الأوَّلَ لِحُدُوثِ هَذِهِ المَعارِفِ في النُّفُوسِ والعُقُولِ هو أنَّهُ تَعالى أعْطى هَذِهِ الحَواسَّ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ تَعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ لِيَصِيرَ حُصُولُ هَذِهِ الحَواسِّ سَبَبًا لِانْتِقالِ نُفُوسِكم مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وهَذِهِ أبْحاثٌ شَرِيفَةٌ عَقْلِيَّةٌ مَحْضَةٌ، مُدْرَجَةٌ في هَذِهِ الآياتِ.

وقالَ المُفَسِّرُونَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لِتَسْمَعُوا مَواعِظَ اللَّهِ ﴿والأبْصارَ﴾ لِتُبْصِرُوا دَلائِلَ اللَّهِ، ﴿والأفْئِدَةَ﴾ لِتَعْقِلُوا عَظَمَةَ اللَّهِ، والأفْئِدَةُ: جَمْعُ فُؤادٍ نَحْوَ أغْرِبَةٍ وغُرابٍ. قالَ الزَّجّاجُ: ولَمْ يُجْمَعْ فُؤادٌ عَلى أكْثَرِ العَدَدِ، وما قِيلَ فِيهِ فِئْدانٌ، كَما قِيلَ: غُرابٌ غِرْبانٌ. وأقُولُ: لَعَلَّ الفُؤادَ إنَّما جُمِعَ عَلى بِناءِ جَمْعِ القِلَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ كَثِيرانِ، وأنَّ الفُؤادَ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ الفُؤادَ إنَّما خُلِقَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، وأكْثَرُ الخَلْقِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُونَ مَشْغُولِينَ بِالأفْعالِ البَهِيمِيَّةِ والصِّفاتِ السَّبُعِيَّةِ، فَكَأنَّ فُؤادَهم لَيْسَ بِفُؤادٍ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ في جَمْعِهِ صِيغَةَ جَمْعِ القِلَّةِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَكُمْ﴾، وهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَعْلُ السَّمْعِ والبَصَرِ مُتَأخِّرًا عَنِ الإخْراجِ عَنِ البَطْنِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

والجَوابُ: أنَّ حَرْفَ الواوِ لا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ؛ وأيْضًا إذا حَمَلْنا السَّمْعَ عَلى الِاسْتِماعِ، والأبْصارَ عَلى الرُّؤْيَةِ - زالَ السُّؤالُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

أما قوله: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المسألة الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”ألَمْ تَرَوْا“ بِالتّاءِ، والباقُونَ: بِالياءِ عَلى الحِكايَةِ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الكُفّارِ.

المسألة الثّانِيَةُ: هَذا دَلِيلٌ آخَرُ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتِهِ، فَإنَّهُ لَوْلا أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الطَّيْرَ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُهُ الطَّيَرانُ وخَلَقَ الجَوَّ خِلْقَةً مَعَها يُمْكِنُ الطَّيَرانُ فِيهِ لَما أمْكَنَ ذَلِكَ. فَإنَّهُ تَعالى أعْطى الطَّيْرَ جَناحًا يَبْسُطُهُ مَرَّةً ويَكْسِرُهُ أُخْرى، مِثْلَ ما يَعْمَلُهُ السّابِحُ في الماءِ، وخَلَقَ الهَواءَ خِلْقَةً لَطِيفَةً رَقِيقَةً يَسْهُلُ بِسَبَبِها خَرْقُهُ والنَّفاذُ فِيهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما كانَ الطَّيَرانُ مُمْكِنًا.

وأما قوله تَعالى: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ إلّا اللَّهُ﴾ فالمَعْنى: أنَّ جَسَدَ الطَّيْرِ جِسْمٌ ثَقِيلٌ، والجِسْمُ الثَّقِيلُ يَمْتَنِعُ بَقاؤُهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا مِن غَيْرِ دِعامَةٍ تَحْتَهُ ولا عَلاقَةَ فَوْقَهُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُمْسِكُ لَهُ في ذَلِكَ الجَوْهَرِ - اللَّهَ تَعالى. ثُمَّ مِنَ الظّاهِرِ أنَّ بَقاءَهُ في الجَوِّ مُعَلَّقًا فِعْلُهُ، وحاصِلٌ بِاخْتِيارِهِ، فَثَبَتَ أنَّ خالِقَ فِعْلِ العَبْدِ هو اللَّهُ تَعالى. قالَ القاضِي: إنَّما أضافَ اللَّهُ تَعالى هَذا الإمْساكَ إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي أعْطى الآلاتِ الَّتِي لِأجْلِها يُمَكِّنُ الطَّيْرَ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، فَلَمّا كانَ تَعالى هو المُسَبِّبُ لِذَلِكَ لا جَرَمَ صَحَّتْ هَذِهِ الإضافَةُ إلى اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ: أنَّ هَذا تَرْكٌ لِلظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وأنَّهُ لا يَجُوزُ، لا سِيَّما والدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ دَلَّتْ عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى.

صفحة ٧٤

ثم قال تَعالى في آخَرِ الآيَةِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وخَصَّ هَذِهِ الآياتِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها وإنْ كانَتْ هَذِهِ الآياتُ لِكُلِّ العُقَلاءِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

16:80Page 276

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٨٠

And Allāh has made for you from your homes a place of rest and made for you from the hides of the animals tents which you find light on your day of travel and your day of encampment; and from their wool, fur and hair is furnishing and enjoyment [i.e., provision] for a time.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكم ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، وأقْسامِ النِّعَمِ والفَضْلِ، والسَّكَنِ والمَسْكَنِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ:

جاءَ الشِّتاءُ ولَمّا أتَّخِذْ سَكَنًا يا ويْحَ كَفِّي مِن حُفَرِ القَرامِيصِ

والسَّكَنُ ما سَكَنْتَ إلَيْهِ وما سَكَنْتَ فِيهِ. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: السَّكَنُ فَعَلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وهو ما يُسْكَنُ إلَيْهِ ويُنْقَطَعُ إلَيْهِ مِن بَيْتٍ أوْ إلْفٍ.

واعْلَمْ أنَّ البُيُوتَ الَّتِي يَسْكُنُ الإنْسانُ فِيها عَلى قِسْمَيْنِ:

القِسْمُ الأوَّلُ: البُيُوتُ المُتَّخَذَةُ مِنَ الخَشَبِ والطِّينِ والآلاتِ الَّتِي بِها يُمْكِنُ تَسْقِيفُ البُيُوتِ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾، وهَذا القِسْمُ مِنَ البُيُوتِ لا يُمْكِنُ نَقْلُهُ، بَلِ الإنْسانُ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ.

والقِسْمُ الثّانِي: القِبابُ والخِيامُ والفَساطِيطُ، وإلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ وهَذا القِسْمُ مِنَ البُيُوتِ يُمْكِنُ نَقْلُهُ وتَحْوِيلُهُ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ الأنْطاعُ، وقَدْ تَعْمَلُ العَرَبُ البُيُوتَ مِنَ الأدَمِ، وهي جُلُودُ الأنْعامِ، أيْ: يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها في أسْفارِكم. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”يَوْمَ ظَعَنِكُمْ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، والباقُونَ: ساكِنَةَ العَيْنِ. قالَ الواحَدِيُّ: وهُما لُغَتانِ كالشَّعْرِ والشَّعَرِ، والنَّهْرِ والنَّهَرِ.

واعْلَمْ أنَّ الظَّعْنَ سَيْرُ البادِيَةِ لِنُجْعَةٍ، أوْ حُضُورِ ماءٍ، أوْ طَلَبِ مَرْتَعٍ، وقَدْ يُقالُ لِكُلِّ شاخِصٍ لِسَفَرٍ: ظاعِنٌ، وهو ضِدُّ الخافِضِ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾ بِمَعْنى: لا يَثْقُلُ عَلَيْكم في الحالَيْنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ: الأصْوافُ لِلضَّأْنِ، والأوْبارُ لِلْإبِلِ، والأشْعارُ لِلْمَعِزِ. وقَوْلُهُ: ﴿أثاثًا﴾ الأثاثُ: أنْواعُ مَتاعِ البَيْتِ مِنَ الفُرُشِ والأكْسِيَةِ. قالَ الفَرّاءُ: ولا واحِدَ لَهُ، كَما أنَّ المَتاعَ لا واحِدَ لَهُ. قالَ: ولَوْ جَمَعْتَ فَقُلْتَ: آثِثَةٌ في القَلِيلِ، وأُثُثٌ في الكَثِيرِ لَمْ يَبْعُدْ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: واحِدُها أثاثَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أثاثًا﴾ يُرِيدُ طَنافِسَ وبُسُطًا وثِيابًا وكُسْوَةً. قالَ الخَلِيلُ: وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: أثَّ النَّباتُ والشَّعْرُ إذا كَثُرَ. وقَوْلُهُ: ﴿ومَتاعًا﴾ أيْ: ما يَتَمَتَّعُونَ بِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿إلى حِينٍ﴾ يُرِيدُ إلى حِينِ البَلا، وقِيلَ: إلى حِينِ المَوْتِ، وقِيلَ: ”إلى حِينٍ“ بَعْدَ حِينٍ، وقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

صفحة ٧٥

فَإنْ قِيلَ: عَطَفَ المَتاعَ عَلى الأثاثِ، والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ، وما الفَرْقُ بَيْنَ الأثاثِ والمَتاعِ ؟

قُلْنا: الأقْرَبُ أنَّ الأثاثَ ما يَكْتَسِي بِهِ المَرْءُ ويَسْتَعْمِلُهُ في الغِطاءِ والوِطاءِ، والمَتاعَ ما يُفْرَشُ في المَنازِلِ وُيَزَيَّنُ بِهِ.

16:81–83Page 276

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ ٨١

And Allāh has made for you, from that which He has created, shadows [i.e., shade] and has made for you from the mountains, shelters and has made for you garments which protect you from the heat and garments [i.e., coats of mail] which protect you from your [enemy in] battle. Thus does He complete His favor upon you that you might submit [to Him].

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٨٢

But if they turn away, [O Muḥammad] - then only upon you is [responsibility for] clear notification.

يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٣

They recognize the favor of Allāh; then they deny it. And most of them are disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكم كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ إمّا أنْ يَكُونَ مُقِيمًا أوْ مُسافِرًا، والمُسافِرُ إمّا أنْ يَكُونَ غَنِيًّا يُمْكِنُهُ اسْتِصْحابُ الخِيامِ والفَساطِيطِ، أوْ لا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أقْسامٌ ثَلاثَةٌ:

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾ .

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ .

أمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ المُسافِرَ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ خَيْمَةٌ يَسْتَظِلُّ بِها فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَسْتَظِلَّ بِشَيْءٍ آخَرَ كالجُدْرانِ والأشْجارِ، وقَدْ يَسْتَظِلُّ بِالغَمامِ كَما قالَ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ [البَقَرَةِ: ٥٧] .

ثم قال: ﴿وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾ واحِدُ الكِنانِ كِنٌّ عَلى قِياسِ أحْمالٍ وحِمْلٍ، ولَكِنَّ المُرادَ كُلُّ شَيْءٍ وقى شَيْئًا، ويُقالُ: اسْتَكَنَ وأكَنَّ إذا صارَ في كِنٍّ.

واعْلَمْ أنَّ بِلادَ العَرَبِ شَدِيدَةُ الحَرِّ، وحاجَتُهم إلى الظِّلِّ ودَفْعِ الحَرِّ شَدِيدَةٌ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ المَعانِيَ في مَعْرِضِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ، وأيْضًا البِلادُ المُعْتَدِلَةُ والأوْقاتُ المُعْتَدِلَةُ نادِرَةٌ جِدًّا، والغالِبُ إمّا غَلَبَةُ الحَرِّ أوْ غَلَبَةُ البَرْدِ.

وعَلى كُلِّ التَّقْدِيراتِ فَلا بُدَّ لِلْإنْسانِ مِن مَسْكَنٍ يَأْوِي إلَيْهِ، فَكانَ الإنْعامُ بِتَحْصِيلِهِ عَظِيمًا. ولَمّا ذَكَرَ تَعالى أمْرَ المَسْكَنِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أمْرَ المَلْبُوسِ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ . السَّرابِيلُ: القُمُصُ واحِدُها سِرْبالٌ، قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما لَبِسْتَهُ فَهو سِرْبالٌ؛ مِن قَمِيصٍ أوْ دِرْعٍ أوْ جَوْشَنٍ أوْ غَيْرِهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ جَعَلَ السَّرابِيلَ عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: ما يَكُونُ واقِيًا مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ.

والثّانِي: ما يُتَّقى بِهِ عَنِ البَأْسِ والحُرُوبِ، وذَلِكَ هو الجَوْشَنُ وغَيْرُهُ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ مِنَ السَّرابِيلِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ الحَرَّ ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ ؟

صفحة ٧٦

أجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الوجه الأوَّلُ: قالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ: المُخاطَبُونَ بِهَذا الكَلامِ هُمُ العَرَبُ وبِلادُهم حارَّةٌ، فَكانَتْ حاجَتُهم إلى ما يَدْفَعُ الحَرَّ فَوْقَ حاجَتِهِمْ إلى ما يَدْفَعُ البَرْدَ، كَما قالَ: ﴿ومِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها﴾ وسائِرُ أنْواعِ الثِّيابِ أشْرَفُ، إلّا أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ النوع الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ كانَ إلْفَتُهم بِها أشَدَّ، واعْتِيادُهم لِلُبْسِها أكْثَرَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ [النُّورِ: ٤٣]؛ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ، وما أنْزَلَ مِنَ الثَّلْجِ أعْظَمُ، ولَكِنَّهم كانُوا لا يَعْرِفُونَهُ.

والوجه الثّانِي في الجَوابِ: قالَ المُبَرِّدُ: إنَّ ذِكْرَ أحَدِ الضِّدَّيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى الآخَرِ.

قُلْتُ: ثَبَتَ في العُلُومِ العَقْلِيَّةِ أنَّ العِلْمَ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِالضِّدِّ الآخَرِ، فَإنَّ الإنْسانَ مَتى خَطَرَ بِبالِهِ الحَرُّ خَطَرَ بِبالِهِ أيْضًا البَرْدُ، وكَذا القَوْلُ في النُّورِ والظُّلْمَةِ والسَّوادِ والبَياضِ، فَلَمّا كانَ الشُّعُورُ بِأحَدِهِما مُسْتَتْبِعًا لِلشُّعُورِ بِالآخَرِ، كانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ.

والوجه الثّالِثُ: قالَ الزَّجّاجُ: ما وقى مِنَ الحَرِّ وقى مِنَ البَرْدِ، فَكانَ ذِكْرُ أحَدِهِما مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ.

فَإنْ قِيلَ: هَذا بِالضِّدِّ أوْلى؛ لِأنَّ دَفْعَ الحَرِّ يَكْفِي فِيهِ السَّرابِيلُ الَّتِي هي القُمُصُ مِن دُونِ تَكَلُّفِ زِيادَةٍ، وأمّا البَرْدُ فَإنَّهُ لا يَنْدَفِعُ إلّا بِتَكَلُّفٍ زائِدٍ.

قُلْنا: القَمِيصُ الواحِدُ لَمّا كانَ دافِعًا لِلْحَرِّ كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ القَمِيصِ نافِعًا لِلْبَرْدِ، فَصَحَّ ما ذَكَرْناهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾ يَعْنِي دُرُوعَ الحَدِيدِ، ومَعْنى البَأْسِ الشِّدَّةُ، ويُرِيدُ هَهُنا شِدَّةَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ والرَّمْيِ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ أقْسامَ نِعْمَةِ الدُّنْيا قالَ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ ما خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ لَكم، وأنْعَمَ بِها عَلَيْكم فَإنَّهُ يُتِمُّ نِعْمَةَ الدُّنْيا والدِّينِ عَلَيْكم. ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلَّكم يا أهْلَ مَكَّةَ تُخْلِصُونَ لِلَّهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وتَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى هَذِهِ الإنْعاماتِ أحَدٌ سِواهُ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ، والمَعْنى: أنّا أعْطَيْناكم هَذِهِ السَّرابِيلاتِ؛ لِتَسْلَمُوا عَنْ بَأْسِ الحَرْبِ، وقِيلَ: أعْطَيْتُكم هَذِهِ النِّعَمَ؛ لِتَتَفَكَّرُوا فِيها فَتُؤْمِنُوا، فَتَسْلَمُوا مِن عَذابِ اللَّهِ.

ثم قال تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: فَإنْ تَوَلَّوْا يا مُحَمَّدُ، وأعْرَضُوا وآثَرُوا لَذّاتِ الدُّنْيا ومُتابَعَةَ الآباءِ والمُعاداةَ في الكُفْرِ فَعَلى أنْفُسِهِمْ جَنَوْا ذَلِكَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ما فَعَلْتَ مِنَ التَّبْلِيغِ التّامِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَمَّهم بِأنَّهم يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، وذَلِكَ نِهايَةٌ في كُفْرانِ النِّعْمَةِ.

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى ”ثُمَّ“ ؟

قُلْنا: الدَّلالَةُ عَلى أنَّ إنْكارَهم أمْرٌ يُسْتَبْعَدُ بَعْدَ حُصُولِ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ حَقَّ مَن عَرَفَ النِّعْمَةَ أنْ يَعْتَرِفَ لا أنْ يُنْكِرَ، وفي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ القاضِي المُرادُ بِها جَمِيعُ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِن جَمِيعِ أنْواعِ النِّعَمِ؛ ومَعْنى أنَّهم أنْكَرُوهُ هو أنَّهم ما أفْرَدُوهُ تَعالى بِالشُّكْرِ والعِبادَةِ، بَلْ شَكَرُوا عَلى تِلْكَ النِّعَمِ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. ولِأنَّهم قالُوا: إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ النِّعِمُ بِشَفاعَةِ هَذِهِ الأصْنامِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ أنَّهم عَرَفُوا أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ حَقٌّ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، ونُبُوَّتُهُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَما قالَ تَعالى:

صفحة ٧٧

﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٠٧] .

الثّالِثُ: يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، أيْ: لا يَسْتَعْمِلُونَها في طَلَبِ رِضْوانِ اللَّهِ تَعالى.

ثم قال تَعالى: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ مَعَ أنَّهُ كانَ كُلُّهم كافِرِينَ ؟

قُلْنا: الجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: إنَّما قالَ ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ التَّكْلِيفِ، أوْ كانَ ناقِصَ العَقْلِ مَعْتُوهًا، فَأرادَ بِالأكْثَرِ البالِغِينَ الأصِحّاءَ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكافِرِ الجاحِدَ المُعانِدَ، وحِينَئِذٍ نَقُولُ إنَّما قالَ: ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مُعانِدًا، بَلْ كانَ جاهِلًا بِصِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما ظَهَرَ لَهُ كَوْنُهُ نَبِيًّا حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ الأكْثَرَ والمُرادُ الجَمِيعُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ الشَّيْءِ يَقُومُ مَقامَ الكُلِّ، فَذِكْرُ الأكْثَرِ كَذِكْرِ الجَمِيعِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: ٧٥] . واللَّهُ أعْلَمُ.

16:84–85Page 276

وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٨٤

And [mention] the Day when We will resurrect from every nation a witness [i.e., their prophet]. Then it will not be permitted to the disbelievers [to apologize or make excuses], nor will they be asked to appease [Allāh].

وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٥

And when those who wronged see the punishment, it will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ القَوْمِ أنَّهم عَرَفُوا نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ أنْكَرُوها، وذَكَرَ أيْضًا مِن حالِهِمْ أنَّ أكْثَرَهُمُ الكافِرُونَ أتْبَعَهُ بِالوَعِيدِ، فَذَكَرَ حالَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الشُّهَداءَ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الإنْكارِ وبِذَلِكَ الكُفْرِ، والمُرادُ بِهَؤُلاءِ الشُّهَداءِ الأنْبِياءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١]، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في الِاعْتِذارِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المُرْسَلاتِ: ٣٦] .

وثانِيها: لا يُؤْذَنُ لَهم في كَثْرَةِ الكَلامِ.

وثالِثُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في الرُجُوعِ إلى دارِ الدُّنْيا وإلى التَّكْلِيفِ.

ورابِعُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في حالِ شَهادَةِ الشُّهُودِ، بَلْ يَسْكُتْ أهْلُ الجَمْعِ كُلُّهم لِيَشْهَدَ الشُّهُودُ.

وخامِسُها: لا يُؤْذَنُ لَهم في كَثْرَةِ الكَلامِ لِيَظْهَرَ لَهم كَوْنُهم آيِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ثم قال: ﴿ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ . الِاسْتِعْتابُ: طَلَبُ العِتابِ، والرَّجُلُ يَطْلُبُ العِتابَ مِن خَصْمِهِ إذا كانَ عَلى جَزْمِ أنَّهُ إذا عاتَبَهُ رَجَعَ إلى الرِّضا، فَإذا لَمْ يَطْلُبِ العِتابَ مِنهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ راسِخٌ في غَضَبِهِ وسَطْوَتِهِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ هَذا الوَعِيدَ، فَقالَ: ﴿وإذا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ . والمَعْنى: أنَّ المُشْرِكِينَ إذا رَأوُا العَذابَ ووَصَلُوا إلَيْهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ. ﴿ولا هُمْ﴾ أيْضًا ﴿يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: لا يُؤَخَّرُونَ ولا يُمْهَلُونَ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ هُناكَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وتَحْقِيقُهُ ما يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أنَّ العَذابَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ خالِصًا عَنْ شَوائِبِ النَّفْعِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ”لا يُخَفَّفُ عَنُهْمُ العَذابُ“ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ العَذابُ دائِمًا وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском