Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:98–105
16:98–100Page 278
فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٩٨
So when you recite the Qur’ān, [first] seek refuge in Allāh from Satan, the expelled [from His mercy].
إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٩٩
Indeed, there is for him no authority over those who have believed and rely upon their Lord.
إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ ١٠٠
His authority is only over those who take him as an ally and those who through him associate others with Allāh.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا قالَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ - أرْشَدَ إلى العَمَلِ الَّذِي بِهِ تَخْلُصُ أعْمالُهُ عَنِ الوَساوِسِ، فَقالَ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٩٢
المسألة الأُولى: الشَّيْطانُ ساعٍ في إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ في القَلْبِ حَتّى في حَقِّ الأنْبِياءِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] .
والِاسْتِعاذَةُ بِاللَّهِ مانِعَةٌ لِلشَّيْطانِ مِن إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إذا مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠١]؛ فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ حَتّى تَبْقى تِلْكَ القِراءَةُ مَصُونَةً عَنِ الوَسْوَسَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، إلّا أنَّ المُرادَ بِهِ الكُلُّ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ لَمّا كانَ مُحْتاجًا إلى الِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ فَغَيْرُ الرَّسُولِ أوْلى بِها.
المسألة الثّالِثَةُ: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لِلتَّعْقِيبِ، فَظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ بَعْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، قالَ الواحِدِيُّ: وهو قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وداوُدَ، قالُوا: والفائِدَةُ فِيهِ أنَّهُ إذا قَرَأ القُرْآنَ اسْتَحَقَّ بِهِ ثَوابًا عَظِيمًا، فَإنْ لَمْ يَأْتِ بِالِاسْتِعاذَةِ وقَعَتِ الوَسْوَسَةُ في قَلْبِهِ، وتِلْكَ الوَسْوَسَةُ تُحْبِطُ ثَوابَ القِراءَةِ. أمّا إذا اسْتَعاذَ بَعْدَ القِراءَةِ انْدَفَعَتِ الوَساوِسُ وبَقِيَ الثَّوابُ مَصُونًا عَنِ الإحْباطِ.
أمّا الأكْثَرُونَ مِن عُلَماءِ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ الِاسْتِعاذَةَ مُقَدَّمَةٌ عَلى القِراءَةِ، وقالُوا: مَعْنى الآيَةِ: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ، ولَيْسَ مَعْناهُ اسْتَعِذْ بَعْدَ القِراءَةِ، ومِثْلُهُ إذا أكَلْتَ فَقُلْ: ”بِسْمِ اللَّهِ“، وإذا سافَرْتَ فَتَأهَّبْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائِدَةِ: ٦] أيْ: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا. وأيْضًا لَمّا ثَبَتَ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى الوَسْوَسَةَ في أثْناءِ قِراءَةِ الرَّسُولِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلّا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحَجِّ: ٥٢] . ومِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَ الرَّسُولَ بِالِاسْتِعاذَةِ عِنْدَ القِراءَةِ لِدَفْعِ تِلْكَ الوَساوِسِ، فَهَذا المَقْصُودُ إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ تَقْدِيمِ الِاسْتِعاذَةِ.
المسألة الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ عَطاءٍ: أنَّهُ تَجِبُ الِاسْتِعاذَةُ عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ، سَواءٌ كانَتِ القِراءَةُ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، وسائِرُ الفُقَهاءِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَهم أنَّهُ إنْ لَمْ يَتَعَوَّذْ قَبْلَ القِراءَةِ في الصَّلاةِ، فَصَلاتُهُ ماضِيَةٌ، وكَذَلِكَ حالُ القِراءَةِ في غَيْرِ الصَّلاةِ لَكِنْ حالُ القِراءَةِ في الصَّلاةِ آكَدُ.
المسألة الخامِسَةُ: المُرادُ بِالشَّيْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ قِيلَ: إبْلِيسُ، والأقْرَبُ أنَّهُ لِلْجِنْسِ؛ لِأنَّ لِجَمِيعِ المَرَدَةِ مِنَ الشَّياطِينِ حَظًّا في الوَسْوَسَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنَ الشَّيْطانِ، وكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ أنَّ لِلشَّيْطانِ قُدْرَةً عَلى التَّصَرُّفِ في أبْدانِ النّاسِ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ البَتَّةَ إلّا عَلى الوَسْوَسَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، ويَظْهَرُ مِن هَذا أنَّ الِاسْتِعاذَةَ إنَّما تُفِيدُ إذا حَضَرَ في قَلْبِ الإنْسانِ كَوْنُهُ ضَعِيفًا، وأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ عَنْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِهَذا المَعْنى قالَ المُحَقِّقُونَ: لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى، والتَّفْوِيضُ الحاصِلُ عَلى هَذا الوجه هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
ثم قال: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُطِيعُونَهُ؛ يُقالُ: تَوَلَّيْتُهُ أيْ: أطَعْتُهُ، وتَوَلَّيْتُ عَنْهُ أيْ: أعْرَضْتُ عَنْهُ، ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (بِهِ) إلى ماذا يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ
صفحة ٩٣
راجِعٌ إلى رَبِّهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى الشَّيْطانِ. والمَعْنى بِسَبَبِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مُؤَدِّيَةٍ إلى الكُفْرِ: كَفَرْتَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ أيْ: مِن أجْلِها، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ . أيْ: مِن أجْلِهِ ومِن أجْلِ حَمْلِهِ إيّاهم عَلى الشِّرْكِ بِاللَّهِ صارُوا مُشْرِكِينَ.
16:101–102Page 278
وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١
And when We substitute a verse in place of a verse - and Allāh is most knowing of what He sends down - they say, "You, [O Muḥammad], are but an inventor [of lies]." But most of them do not know.
قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ١٠٢
Say, [O Muḥammad], "The Pure Spirit [i.e., Gabriel] has brought it down from your Lord in truth to make firm those who believe and as guidance and good tidings to the Muslims."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وهُدًى وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَعَ مِن هَذا المَوْضُوعِ في حِكايَةِ شُبَهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ إذا نَزَلَتْ آيَةٌ فِيها شِدَّةٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ ألْيَنُ مِنها تَقُولُ كُفّارُ قُرَيْشٍ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ إلّا يَسْخَرُ بِأصْحابِهِ، اليَوْمَ يَأْمُرُ بِأمْرٍ وغَدًا يَنْهى عَنْهُ، وإنَّهُ لا يَقُولُ هَذِهِ الأشْياءَ إلّا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ . ومَعْنى التَّبْدِيلِ: رَفْعُ الشَّيْءِ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانَهُ. وتَبْدِيلُ الآيَةِ رَفْعُها بِآيَةٍ أُخْرى غَيْرِها، وهو نَسْخُها بِآيَةٍ سِواها. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ﴾ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ والتَّغْلِيظِ والتَّخْفِيفِ، أيْ: هو أعْلَمُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ في مَصالِحِ العِبادِ، وهَذا تَوْبِيخٌ لِلْكُفّارِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾ . أيْ: إذا كانَ هو أعْلَمَ بِما يُنَزِّلُ فَما بالُهم يَنْسُبُونَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى الِافْتِراءِ لِأجْلِ التَّبْدِيلِ والنَّسْخِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ . أيْ: لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ القُرْآنِ وفائِدَةَ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ، وأنَّ ذَلِكَ لِمَصالِحِ العِبادِ كَما أنَّ الطَّبِيبَ يَأْمُرُ المَرِيضَ بِشَرْبَةٍ، ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ يَنْهاهُ عَنْها، ويَأْمُرُهُ بِضِدِّ تِلْكَ الشَّرْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَبِّكَ﴾ تَفْسِيرُ رُوحِ القُدُسِ مَرَّ ذِكْرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقالَ صاحِبُ الكَشّافِ: رُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُضِيفَ إلى القُدُسِ وهو الطُّهْرُ، كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ وزَيْدُ الخَيْرِ، والمُرادُ: الرُّوحُ المُقَدَّسُ، وحاتِمٌ الجَوادُ، وزَيْدٌ الخَيْرُ، والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ مِنَ الماءِ، و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ صِلَةٌ لِلْقُرْآنِ، أيْ: أنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ مِن رَبِّكَ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ أيْ لِيَبْلُوَهم بِالنَّسْخِ حَتّى إذا قالُوا فِيهِ: هو الحَقُّ مِن رَبِّنا حُكِمَ لَهم بِثَباتِ القَدَمِ في الدِّينِ وصِحَّةِ اليَقِينِ بِأنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ، فَلا يَفْعَلُ إلّا ما هو حِكْمَةٌ وصَوابٌ، ﴿وهُدًى وبُشْرى﴾ مَفْعُولٌ لَهُما مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ ”لِيُثَبِّتَ“، والتَّقْدِيرُ: تَثْبِيتًا لَهم وإرْشادًا وبِشارَةً. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِحُصُولِ أضْدادِ هَذِهِ الصِّفاتِ لِغَيْرِهِمْ.
المسألة الثّانِيَةُ: قَدْ ذَكَرْنا أنَّ مَذْهَبَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: أنَّ النَّسْخَ غَيْرُ واقِعٍ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، فَقالَ: المُرادُ هَهُنا إذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِثْلَ أنَّهُ حَوَّلَ القِبْلَةَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، قالَ المُشْرِكُونَ: أنْتَ مُفْتَرٍ في هَذا التَّبْدِيلِ، وأمّا سائِرُ المُفَسِّرِينَ فَقالُوا: النَّسْخُ واقِعٌ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، والكَلامُ فِيهِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سائِرِ السُّوَرِ.
المسألة الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: القُرْآنُ لا يُنْسَخُ بِالسُّنَّةِ، واحْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٩٤
﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّ الآيَةَ لا تَصِيرُ مَنسُوخَةً إلّا بِآيَةٍ أُخْرى، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُبَدِّلُ آيَةً بِآيَةٍ أُخْرى ولا دَلالَةَ فِيها عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُبَدِّلُ آيَةً إلّا بِآيَةٍ، وأيْضًا فَجِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ يَنْزِلُ بِالسُّنَّةِ كَما يَنْزِلُ بِالآيَةِ، وأيْضًا فالسُّنَّةُ قَدْ تَكُونُ مُثْبِتَةً لِلْآيَةِ، وأيْضًا فَهَذا حِكايَةُ كَلامِ الكُفّارِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهِ ؟ واللَّهُ أعْلَمُ.
16:103–105Page 279
وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣
And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤
Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.
إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥
They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حِكايَةُ شُبْهَةٍ أُخْرى مِن شُبُهاتِ مُنْكِرِي نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ مُحَمَّدًا إنَّما يَذْكُرُ هَذِهِ القِصَصَ وهَذِهِ الكَلِماتِ لِأنَّهُ يَسْتَفِيدُها مِن إنْسانٍ آخَرَ ويَتَعَلَّمُها مِنهُ. واخْتَلَفُوا في هَذا البَشَرِ الَّذِي نَسَبَ المُشْرِكُونَ النَّبِيَّ ﷺ إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ قِيلَ: هو عَبْدٌ لِبَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، يُقالُ لَهُ يَعِيشُ، وكانَ يَقْرَأُ الكُتُبَ، وقِيلَ: عَدّاسٌ غُلامُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وقِيلَ: عَبْدٌ لِبَنِي الحَضْرَمِيِّ صاحِبُ كُتُبٍ، وكانَ اسْمُهُ جَبْرًا، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَقُولُ: عَبْدُ بَنِي الحَضْرَمِيِّ يُعَلِّمُ خَدِيجَةَ، وخَدِيجَةُ تُعَلِّمُ مُحَمَّدًا، وقِيلَ: كانَ بِمَكَّةَ نَصْرانِيٌّ أعْجَمِيُّ اللِّسانِ، اسْمُهُ بَلْعامٌ، ويُقالُ لَهُ: أبُو مَيْسَرَةَ يَتَكَلَّمُ بِالرُّومِيَّةِ، وقِيلَ: سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وبِالجُمْلَةِ فَلا فائِدَةَ في تَعْدِيدِ هَذِهِ الأسْماءِ، والحاصِلُ أنَّ القَوْمَ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ يَتَعَلَّمُ هَذِهِ الكَلِماتِ مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّهُ يُظْهِرُها مِن نَفْسِهِ ويَزْعُمُ أنَّهُ إنَّما عَرَفَها بِالوَحْيِ وهو كاذِبٌ فِيهِ.
ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْهُ بِأنْ قالَ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ . ومَعْنى الإلْحادِ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، يُقالُ: لَحَدَ وألْحَدَ إذا مالَ عَنِ القَصْدِ، ومِنهُ يُقالُ لِلْعادِلِ عَنِ الحَقِّ مُلْحِدٌ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ”يَلْحَدُونَ“ بِفَتْحِ الياءِ والحاءِ، والباقُونَ: بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، قالَ الواحِدِيُّ: والأوْلى ضَمُّ الياءِ؛ لِأنَّهُ لُغَةُ القُرْآنِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾ [الحَجِّ: ٢٥] . والإلْحادُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى الإمالَةِ، ومِنهُ يُقالُ: ألْحَدْتُ لَهُ لَحْدًا إذا حَفَرْتَهُ في جانِبِ القَبْرِ مائِلًا عَنِ الِاسْتِواءِ، وقَبْرٌ مُلْحَدٌ ومَلْحُودٌ، ومِنهُ المُلْحِدُ؛ لِأنَّهُ أمالَ مَذْهَبَهُ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، لَمْ يُمِلْهُ عَنْ دِينٍ إلى دِينٍ آخَرَ، وفُسِّرَ الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالقَوْلَيْنِ: قالَ الفَرّاءُ: يَمِيلُونَ مِنَ المَيْلِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يَمِيلُونَ مِنَ الإمالَةِ، أيْ لِسانُ الَّذِينَ يَمِيلُونَ القَوْلَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ، وأما قوله: ﴿أعْجَمِيٌّ﴾ فَقالَ أبُو الفَتْحِ المَوْصِلِيُّ: تَرْكِيبُ ع ج م وُضِعَ في كَلامِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ والإخْفاءِ وضِدِّ البَيانِ والإيضاحِ، ومِنهُ قَوْلُهم: رَجَلٌ أعْجَمُ وامْرَأةٌ عَجْماءُ إذا كانا لا يُفْصِحانِ، وعَجَمُ الذَّنَبِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاسْتِتارِهِ واخْتِفائِهِ، والعَجْماءُ البَهِيمَةُ؛ لِأنَّها لا تُوَضِّحُ ما في نَفْسِها، وسَمَّوْا صَلاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ عَجْماوَيْنِ؛ لِأنَّ
صفحة ٩٥
القِراءَةَ حاصِلَةٌ فِيهِما بِالسِّرِّ لا بِالجَهْرِ، فَأما قوله مْ: أعْجَمْتُ الكِتابَ، فَمَعْناهُ أزَلْتُ عُجْمَتَهُ، وأفْعَلْتُ قَدْ يَأْتِي والمُرادُ مِنهُ السَّلْبُ؛ كَقَوْلِهِمْ: أشْكَيْتُ فُلانًا، إذا أزَلْتَ ما يَشْكُوهُ، فَهَذا هو الأصْلُ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ إنَّ العَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ مَن لا يَعْرِفُ لُغَتَهم ولا يَتَكَلَّمُ بِلِسانِهِمْ أعْجَمَ- وأعْجَمِيًّا. قالَ الفَرّاءُ وأحْمَدُ بْنُ يَحْيى: الأعْجَمُ الَّذِي في لِسانِهِ عُجْمَةٌ وإنْ كانَ مِنَ العَرَبِ، والأعْجَمِيُّ والعَجَمِيُّ الَّذِي أصْلُهُ مِنَ العَجَمِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الأعْجَمُ الَّذِي لا يُفْصِحُ، سَواءٌ كانَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِنَ العَجَمِ، ألا تَرى أنَّهم قالُوا: زِيادٌ الأعْجَمِ؛ لِأنَّهُ كانَتْ في لِسانِهِ عُجْمَةٌ مَعَ أنَّهُ كانَ عَرَبِيًّا، وأمّا مَعْنى العَرَبِيِّ واشْتِقاقِهِ فَقَدْ ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٩٧] . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُقالُ عَرُبَ لِسانُهُ عَرابَةً وعُرُوبَةً. هَذا تَفْسِيرُ ألْفاظِ الآيَةِ.
وأمّا تَقْرِيرُ وجْهِ الجَوابِ فاعْلَمْ أنَّهُ إنَّما يَظْهَرُ إذا قُلْنا: القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما فِيهُ مِنَ الفَصاحَةِ العائِدَةِ إلى اللَّفْظِ وكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّهُ يَتَعَلَّمُ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الأعْجَمِيِّ، إلّا أنَّ القُرْآنَ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِما في ألْفاظِهِ مِنَ الفَصاحَةِ، فَبِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونُوا صادِقِينَ في أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَتَعَلَّمُ تِلْكَ المَعانِيَ مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ إلّا أنَّهُ لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في المَقْصُودِ؛ إذِ القُرْآنُ إنَّما كانَ مُعْجِزًا لِفَصاحَتِهِ، وما ذَكَرْتُمُوهُ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ المَقْصُودِ. ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الجَوابَ أرْدَفَهُ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ أمّا تَفْسِيرُ أصْحابِنا لِهَذِهِ الآيَةِ فَظاهِرٌ، وقالَ القاضِي: أقْوى ما قِيلَ في ذَلِكَ أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ والمُرادُ أنَّهم لَمّا تَرَكُوا الإيمانَ بِاللَّهِ - لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ إلى الجَنَّةِ، بَلْ يَسُوقُهم إلى النّارِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ كَوْنَهم كَذّابِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ، فَقالَ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المسألة الأُولى: المَقْصُودُ مِنهُ أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في الآيَةِ السّابِقَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَصِحَّ لَمْ يَقْدَحْ في المَقْصُودِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الَّذِي قالُوهُ لَمْ يَصِحَّ وهم كَذَبُوا فِيهِ، والدَّلِيلُ عَلى كَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في ذَلِكَ القَوْلِ - وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وهم كافِرُونَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانُوا أعْداءً لِلرَّسُولِ ﷺ، وكَلامُ العِدا ضَرْبٌ مِنَ الهَذَيانِ ولا شَهادَةَ لِمُتَّهَمٍ.
والثّانِي: أنَّ أمْرَ التَّعَلُّمِ لا يَتَأتّى في جَلْسَةٍ واحِدَةٍ ولا يَتِمُّ في الخُفْيَةِ، بَلِ التَّعَلُّمُ إنَّما يَتِمُّ إذا اخْتَلَفَ المُعَلِّمُ إلى المُتَعَلِّمِ أزْمِنَةً مُتَطاوِلَةً ومُدَدًا مُتَباعِدَةً، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لاشْتُهِرَ فِيما بَيْنَ الخَلْقِ أنَّمُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَعَلَّمُ العُلُومَ مِن فُلانٍ وفُلانٍ.
الثّالِثُ: أنَّ العُلُومَ المَوْجُودَةَ في القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، وتَعَلُّمَها لا يَتَأتّى إلّا إذا كانَ المُعَلِّمُ في غايَةِ الفَضْلِ والتَّحْقِيقِ، فَلَوْ حَصَلَ فِيهِمْ إنْسانٌ بَلَغَ في التَّعْلِيمِ والتَّحْقِيقِ إلى هَذا الحَدِّ لَكانَ مُشارًا إلَيْهِ بِالأصابِعِ في التَّحْقِيقِ والتَّدْقِيقِ في الدُّنْيا، فَكَيْفَ يُمْكِنُ تَحْصِيلُ هَذِهِ العُلُومِ العالِيَةِ والمَباحِثِ النَّفِيسَةِ مِن عِنْدِ فُلانٍ وفُلانٍ ؟
واعْلَمْ أنَّ الطَّعْنَ في نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُجَّةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَتْ ظاهِرَةً باهِرَةً، فَإنَّ الخُصُومَ كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الطَّعْنِ فِيها، ولِأجْلِ غايَةِ عَجْزِهِمْ عَدَلُوا إلى هَذِهِ الكَلِماتِ الرَّكِيكَةِ.
المسألة الثّانِيَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلى أنَّ الكَذِبَ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ وأفْحَشِ الفَواحِشِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ كَلِمَةَ ”إنَّما“ لِلْحَصْرِ، والمَعْنى: أنَّ الكَذِبَ والفِرْيَةَ لا يَقْدُمُ عَلَيْهِما إلّا مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِآياتِ اللَّهِ
صفحة ٩٦
تَعالى، وإلّا مَن كانَ كافِرًا، وهَذا تَهْدِيدٌ في النِّهايَةِ.
فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ فِعْلٌ، وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ اسْمٌ، وعَطْفُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ قَبِيحٌ، فَما السَّبَبُ في حُصُولِهِ هَهُنا ؟
قُلْنا: الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ لازِمًا وقَدْ يَكُونُ مُفارِقًا، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ [يُوسُفَ: ٣٥] . ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الفِعْلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ السِّجْنَ لا يَدُومُ. وقالَ فِرْعَوْنُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ٢٩] . ذَكَرَهُ بِصِيغَةِ الِاسْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الدَّوامِ، وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١] . ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ آدَمَ عاصٍ وغاوٍ؛ لِأنَّ صِيغَةَ الفِعْلِ لا تُفِيدُ الدَّوامَ، وصِيغَةُ الِاسْمِ تُفِيدُهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المُقْدِّمَةَ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ ذَكَرَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى الكَذِبِ فَكَأنَّهُ دَخَلَ في الكُفْرِ، ثم قال: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ صِفَةَ الكَذِبِ فِيهِمْ ثابِتَةٌ راسِخَةٌ دائِمَةٌ؛ وهَذا كَما تَقُولُ: كَذَبْتَ وأنْتَ كاذِبٌ، فَيَكُونُ قَوْلُكَ ”وأنْتَ كاذِبٌ“ زِيادَةً في الوَصْفِ بِالكَذِبِ، ومَعْناهُ: أنَّ عادَتَكَ أنْ تَكُونَ كاذِبًا.
المسألة الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكاذِبَ المُفْتَرِيَ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْكُفْرِ إلّا إنْكارُ الإلَهِيَّةِ ونُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وهَذا الإنْكارُ مُشْتَمِلٌ عَلى الكَذِبِ والِافْتِراءِ. ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قِيلَ لَهُ: هَلْ يَكْذِبُ المُؤْمِنُ ؟ قالَ: ”لا“» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences