Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:101–109
17:101–104Page 292
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١
And We had certainly given Moses nine evident signs, so ask the Children of Israel [about] when he came to them and Pharaoh said to him, "Indeed I think, O Moses, that you are affected by magic."
قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢
[Moses] said, "You have already known that none has sent down these [signs] except the Lord of the heavens and the earth as evidence, and indeed I think,1 O Pharaoh, that you are destroyed."
فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣
So he intended to drive them from the land, but We drowned him and those with him all together.
وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤
And We said after him [i.e., Pharaoh] to the Children of Israel, "Dwell in the land, and when there comes the promise [i.e., appointment] of the Hereafter, We will bring you forth in [one] gathering."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهم فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ ﴿وقُلْنا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
صفحة ٥٤
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ أيْضًا الجَوابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ حَتّى تَأْتِيَنا بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ فَقالَ تَعالى: (إنّا آتَيْنا مُوسى الكِتابَ) مُعْجِزاتٍ مُساوِيَةً لِهَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي طَلَبْتُمُوها بَلْ أقْوى مِنها وأعْظَمَ فَلَوْ حَصَلَ في عِلْمِنا أنَّ جَعْلَها في زَمانِكم مَصْلَحَةٌ لَفَعَلْناها كَما فَعَلْنا في حَقِّ مُوسى فَدَلَّ هَذا عَلى أنّا إنَّما لَمْ نَفْعَلْها في زَمانِكم لِعِلْمِنا أنَّهُ لا مَصْلَحَةَ في فِعْلِها.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ أشْياءَ كَثِيرَةً مِن مُعْجِزاتِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أزالَ العُقْدَةَ مِن لِسانِهِ، قِيلَ في التَّفْسِيرِ ذَهَبَتِ العُجْمَةُ وصارَ فَصِيحًا.
وثانِيها: انْقِلابُ العَصا حَيَّةً.
وثالِثُها: تَلْقَفُ الحَيَّةُ حِبالَهم وعِصِيَّهم مَعَ كَثْرَتِها.
ورابِعُها: اليَدُ البَيْضاءُ.
وخَمْسَةٌ أُخَرُ وهي: الطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ.
والعاشِرُ: شَقُّ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ (البَقَرَةِ: ٥٠) .
والحادِيَ عَشَرَ: الحَجَرُ وهو قَوْلُهُ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ (الأعْرافِ: ١٦٠) .
الثّانِيَ عَشَرَ: إظْلالُ الجَبَلِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ [الأعراف: ١٧١] .
والثّالِثَ عَشَرَ: إنْزالُ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ.
والرّابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ (الأعْرافِ: ١٣٠) .
والسّادِسَ عَشَرَ: الطَّمْسُ عَلى أمْوالِهِمْ مِنَ النَّحْلِ والدَّقِيقِ والأطْعِمَةِ والدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ سَألَ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ في مَسْألَةِ التِّسْعِ: حَلَّ عُقْدَةِ اللِّسانِ والطَّمْسَ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: هَكَذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ الفَقِيهُ، ثُمَّ قالَ: يا غُلامُ أخْرِجْ ذَلِكَ الجِرابَ فَأخْرَجَهُ فَنَفَضَهُ فَإذا فِيهِ بَيْضٌ مَكْسُورٌ نِصْفَيْنِ وجَوْزٌ مَكْسُورٌ وفُولٌ وحِمَّصٌ وعَدَسٌ كُلُّها حِجارَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في القُرْآنِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ السِّتَّةَ عَشَرَ لِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ وتَخْصِيصُ التِّسْعَةِ بِالذِّكْرِ لا يَقْدَحُ فِيهِ ثُبُوتُ الزّائِدِ عَلَيْهِ لِأنّا بَيَّنّا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ بَلْ نَقُولُ إنَّما يُتَمَسَّكُ في هَذِهِ المَسْألَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ نَقُولُ: أمّا هَذِهِ التِّسْعَةُ فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلى سَبْعَةٍ مِنها وهي العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ وبَقِيَ الِاثْنانِ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قَوْلٌ آخَرُ فِيهِما، ولَمّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأحْوالُ مُسْتَنِدَةً إلى حُجَّةٍ ظَنِّيَّةٍ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ يَقِينِيَّةٍ لا جَرَمَ تُرِكَتْ تِلْكَ الرِّواياتُ، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أقْوالٌ أجْوَدُها ما رَوى صَفْوانُ بْنُ عَسّالٍ أنَّهُ قالَ: «إنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ اذْهَبْ بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ نَسْألُهُ عَنْ تِسْعِ آياتٍ فَذَهَبا إلى النَّبِيِّ ﷺ وسَألاهُ عَنْها فَقالَ: هُنَّ أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا تَسْرِقُوا ولا تَزْنُوا ولا تَقْتُلُوا ولا تَسْحَرُوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبا ولا تَقْذِفُوا المُحْصَنَةَ ولا تُوَلُّوا الفِرارَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةَ اليَهُودِ أنْ تَعْدِلُوا في السَّبْتِ فَقامَ اليَهُودِيّانِ فَقَبَّلا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ نَبِيٌّ ولَوْلا نَخافُ القَتْلَ وإلّا اتَّبَعْناكَ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ إذْ جاءَهُمْ﴾ فِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: فِيهِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ اعْتِراضٌ دَخَلَ في الكَلامِ والتَّقْدِيرُ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ - إذْ جاءَ بَنِي إسْرائِيلَ فاسْألْهم - وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلَيْسَ المَطْلُوبُ مِن سُؤالِ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسْتَفِيدَ هَذا العِلْمَ مِنهم بَلِ المَقْصُودُ أنَّ يَظْهَرَ لِعامَّةِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ صِدْقُ ما ذَكَرَهُ الرَّسُولُ، فَيَكُونُ هَذا السُّؤالُ سُؤالُ اسْتِشْهادٍ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم عَنْ فِرْعَوْنَ، وقُلْ لَهُ
صفحة ٥٥
أرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ.
والوَجْهُ الثّالِثُ: سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ أيْ سَلْهم أنْ يُوافِقُوكَ والتَمِسْ مِنهُمُ الإيمانَ الصّالِحَ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فالتَّقْدِيرُ: فَقُلْنا لَهُ سَلْهم أنْ يُعاضِدُوكَ وتَكُونَ قُلُوبُهم وأيْدِيهِمْ مَعَكَ.
البَحْثُ الثّانِي: أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَسْألَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعْناهُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ والَّذِينَ جاءَهم مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - هُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِهِ إلّا أنَّ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمّا كانُوا أوْلادَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُوسى حَسُنَتْ هَذِهِ الكِنايَةُ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ وفي لَفْظِ المَسْحُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ بِمَعْنى السّاحِرِ كالمَشْئُومِ والمَيْمُونِ وذَكَرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] .
الثّانِي: أنَّهُ مَفْعُولٌ مِنَ السِّحْرِ، أيْ أنَّ النّاسَ سَحَرُوكَ وخَبَلُوكَ فَتَقُولُ هَذِهِ الكَلَمّاتِ لِهَذا السَّبَبِ.
الثّالِثُ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مَعْناهُ أُعْطِيتَ عِلْمَ السِّحْرِ، فَهَذِهِ العَجائِبُ الَّتِي تَأْتِي بِها مِن ذَلِكَ السِّحْرِ ثُمَّ أجابَهُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ الكِسائِيُّ عَلِمْتُ بِضَمِّ التّاءِ أيْ: عَلِمْتُ أنَّها مِن عِلْمِ اللَّهِ فَإنْ عَلِمْتَ وأقْرَرْتَ وإلّا هَلَكْتَ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، وضَمُّ التّاءَ قِراءَةُ عَلِيٍّ، وفَتْحُها قِراءَةُ ابْنُ عَبّاسٍ، وكانَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ ولَكِنْ مُوسى هو الَّذِي عَلِمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ (النَّمْلِ: ١٤) عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ كانُوا قَدْ عَرَفُوا صِحَّةَ أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ في القِراءَةِ الفَتْحُ؛ لِأنَّ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِأنَّها آياتٌ نازِلَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْكَدُ في الحُجَّةِ، فاحْتِجاجُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى فِرْعَوْنَ بِعِلْمِ فِرْعَوْنَ أوْكَدُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِعِلْمِ نَفْسِهِ، وأجابَ النّاصِرُونَ لِقِراءَةِ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْ دَلِيلِ ابْنِ عَبّاسٍ فَقالُوا قَوْلُهُ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا شَيْئًا ما، فَأمّا أنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا كَوْنَ هَذِهِ الآياتِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وأجابُوا عَنِ الوَجْهِ الثّانِي بِأنَّ فِرْعَوْنَ قالَ ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٧) قالَ مُوسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فَكَأنَّهُ نَفى ذَلِكَ وقالَ لَقَدْ عَلِمْتَ صِحَّةَ ما أتَيْتُ بِهِ عِلْمًا صَحِيحًا عِلْمَ العُقَلاءِ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ ولا تَشُكَّ في ذَلِكَ بِسَبَبِ سَفاهَتِكَ.
البَحْثُ الثّانِي: التَّقْدِيرُ ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ الآياتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: والعَيْشُ بَعْدَ أُولَئِكَ الأقْوامِ.
وقَوْلُهُ ﴿بَصائِرَ﴾ أيْ حُجَجًا بَيِّنَةً كَأنَّها بَصائِرُ العُقُولِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ المُعْجِزَةَ فِعْلٌ خارِقٌ لِلْعادَةِ فَعَلَهُ فاعِلُهُ لِغَرَضِ تَصْدِيقِ المُدَّعى، ومُعْجِزاتُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَتْ مَوْصُوفَةً بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ لِأنَّها كانَتْ أفْعالًا خارِقَةً لِلْعادَةِ، وصَرائِحُ العُقُولِ تَشْهَدُ بِأنَّ قَلْبَ العَصا حَيَّةً مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ ثُمَّ إنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ تَلَقَّفَتْ حِبالَ السَّحَرَةِ وعِصِيَّهم عَلى كَثْرَتِها ثُمَّ عادَتْ عَصًا كَما كانَتْ فَأصْنافُ تِلْكَ الأفْعالِ لا يَقْدِرُ عَلَيْها أحَدٌ إلّا اللَّهُ، وكَذا القَوْلُ في فَرْقِ البَحْرِ وإظْلالِ الجَبَلِ فَثَبَتَ أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ ما أنْزَلَها إلّا رَبُّ السَّماواتِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَها لِتَدُلَّ عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْوَةِ النُّبُوَّةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ إلّا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِها بَصائِرَ أيْ دالَّةً عَلى صِدْقِ مُوسى في دَعْواهُ، وهَذِهِ الدَّقائِقُ لا يُمْكِنُ فَهْمُها مِنَ القُرْآنِ إلّا بَعْدَ إتْقانِ عِلْمِ الأُصُولِ، وأقُولُ: يَبْعُدُ أنْ يَصِيرَ غَيْرُ عِلْمِ الأُصُولِ العَقْلِيِّ قاهِرًا في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ حَكى تَعالى أنَّ مُوسى قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ
صفحة ٥٦
قالَ لِمُوسى: ﴿إنِّي لَأظُنُّكَ يامُوسى مَسْحُورًا﴾ فَعارَضَهُ مُوسى وقالَ لَهُ: ﴿وإنِّي لَأظُنُّكَ يافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قالَ الفَرّاءُ: المَثْبُورُ المَلْعُونُ المَحْبُوسُ عَنِ الخَيْرِ، والعَرَبُ تَقُولُ ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا أيْ: ما مَنَعَكَ مِنهُ وما صَرَفَكَ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ ثَبَرْتُ فُلانًا عَنِ الشَّيْءِ أثْبُرُهُ أيْ: رَدَدْتُهُ عَنْهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: هالِكًا، وقالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ ثُبِرَ الرَّجُلُ فَهو مَثْبُورٌ إذا هَلَكَ، والثُّبُورُ الهَلاكُ، ومِن مَعْرُوفِ الكَلامِ فُلانٌ يَدْعُو بِالوَيْلِ والثُّبُورِ عِنْدَ مُصِيبَةٍ تَنالُهُ، وقالَ تَعالى: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٤) واعْلَمْ أنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا وصَفَ مُوسى بِكَوْنِهِ مَسْحُورًا أجابَهُ مُوسى بِأنَّكَ مَثْبُورٌ، يَعْنِي: هَذِهِ الآياتُ ظاهِرَةٌ، وهَذِهِ المُعْجِزاتُ قاهِرَةٌ ولا يَرْتابُ العاقِلُ في أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ وفي أنَّهُ تَعالى إنَّما أظْهَرَها لِأجْلِ تَصْدِيقِي وأنْتَ تُنْكِرُها فَلا يَحْمِلُكَ عَلى هَذا الإنْكارِ إلّا الحَسَدُ والعِنادُ والغَيُّ والجَهْلُ وحُبُّ الدُّنْيا، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عاقِبَتُهُ الدَّمارُ والثُّبُورُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَهم - يَعْنِي مُوسى وقَوْمَهُ بَنِي إسْرائِيلَ -، ومَعْنى تَفْسِيرِ الِاسْتِفْزازِ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي أرْضَ مِصْرَ، قالَ الزَّجّاجُ: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ اسْتِفْزازِهِمْ إخْراجَهم مِنهم بِالقَتْلِ أوْ بِالتَّنْحِيَةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾ المَعْنى ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلّا بِأهْلِهِ﴾ (فاطِرٍ: ٤٣) أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُخْرِجَ مُوسى مِن أرْضِ مِصْرَ لِتَخْلُصَ لَهُ تِلْكَ البِلادُ، واللَّهُ تَعالى أهْلَكَ فِرْعَوْنَ وجَعَلَ مُلْكَ مِصْرَ خالِصَةً لِمُوسى ولِقَوْمِهِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: اسْكُنُوا الأرْضَ خالِصَةً لَكم خالِيَةً مِن عَدُوِّكم قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ يُرِيدُ القِيامَةَ ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾ مِن هَهُنا وهَهُنا، واللَّفِيفُ الجَمْعُ العَظِيمُ مِن أخْلاطٍ شَتّى مِنَ الشَّرِيفِ والدَّنِيءِ والمُطِيعِ والعاصِي والقَوِيِّ والضَّعِيفِ، وكُلُّ شَيْءٍ خَلَطْتَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ فَقَدْ لَفَفْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: لَفَفْتُ الجُيُوشَ إذا ضَرَبْتَ بَعْضَها بِبَعْضٍ، وقَوْلُهُ التَفَّتِ الزُّحُوفُ ومِنهُ التَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ، والمَعْنى جِئْنا بِكم مِن قُبُورِكم إلى المَحْشَرِ أخْلاطًا يَعْنِي جَمِيعَ الخَلْقِ المُسْلِمَ والكافِرَ والبَرَّ والفاجِرَ.
17:105–109Page 293
وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ١٠٥
And with the truth We have sent it [i.e., the Qur’ān] down, and with the truth it has descended. And We have not sent you, [O Muḥammad], except as a bringer of good tidings and a warner.
وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا ١٠٦
And [it is] a Qur’ān which We have separated [by intervals] that you might recite it to the people over a prolonged period. And We have sent it down progressively.
قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ ١٠٧
Say, "Believe in it or do not believe." Indeed, those who were given knowledge before it1 - when it is recited to them, they fall upon their faces in prostration,
وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا ١٠٨
And they say, "Exalted is our Lord! Indeed, the promise of our Lord has been fulfilled."
وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا۩ ١٠٩
And they fall upon their faces weeping, and it [i.e., the Qur’ān] increases them in humble submission.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّ القُرْآنَ مُعْجِزٌ قاهِرٌ دالٌّ عَلى الصِّدْقِ في قَوْلِهِ:
صفحة ٥٧
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ (الإسْراءِ: ٨٨) ثُمَّ حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِهَذا المُعْجِزِ بَلْ طَلَبُوا سائِرَ المُعْجِزاتِ، ثُمَّ أجابَ اللَّهُ بِأنَّهُ لا حاجَةَ إلى إظْهارِ سائِرِ المُعْجِزاتِ وبَيَّنَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، مِنها أنَّ قَوْمَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - آتاهُمُ اللَّهُ تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَلَمّا جَحَدُوا بِها أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَكَذا هَهُنا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَوْ آتى قَوْمَ مُحَمَّدٍ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوها ثُمَّ كَفَرُوا بِها وجَبَ إنْزالُ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِهِمْ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ في الحِكْمَةِ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ والَّذِي لا يُؤْمِنُ فَسَيَظْهَرُ مِن نَسْلِهِ مَن يَصِيرُ مُؤْمِنًا، ولَمّا تَمَّ هَذا الجَوابُ عادَ إلى تَعْظِيمِ حالِ القُرْآنِ وجَلالَةِ دَرَجَتِهِ فَقالَ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ والمَعْنى أنَّهُ ما أرَدْنا بِإنْزالِهِ إلّا تَقْرِيرَ الحَقِّ والصِّدْقِ وكَما أرَدْنا هَذا المَعْنى فَكَذَلِكَ وقَعَ هَذا المَعْنى وحَصَلَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ الحَقَّ هو الثّابِتُ الَّذِي لا يَزُولُ كَما أنَّ الباطِلَ هو الزّائِلُ الذّاهِبُ، وهَذا الكِتابُ الكَرِيمُ مُشْتَمِلٌ عَلى أشْياءَ لا تَزُولُ وذَلِكَ لِأنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى دَلائِلِ التَّوْحِيدِ وصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ وعَلى تَعْظِيمِ المَلائِكَةِ وتَقْرِيرِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وإثْباتِ الحَشْرِ والنَّشْرِ والقِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا لا يَقْبَلُ الزَّوالَ ومُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى شَرِيعَةٍ باقِيَةٍ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها النَّسْخُ والنَّقْضُ والتَّحْرِيفُ، وأيْضًا فَهَذا الكِتابُ كِتابٌ تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ عَنْ تَحْرِيفِ الزّائِغَيْنِ وتَبْدِيلِ الجاهِلِينَ كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحِجْرِ: ٩) فَكانَ هَذا الكِتابُ حَقًّا مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ، ومَعْناهُ أنَّهُ ما أُنْزِلَ لِمَقْصُودٍ آخَرَ سِوى إظْهارِ الحَقِّ وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ما قَصَدَ بِإنْزالِهِ إضْلالَ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ ولا إغْوائِهِ ولا مَنعِهِ عَنْ دِينِ اللَّهِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْزالَ غَيْرُ النُّزُولِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ غَيْرَ المَخْلُوقِ وأنْ يَكُونَ التَّكْوِينُ غَيْرَ المُكَوَّنِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الباءُ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ بِمَعْنى مَعَ، كَما تَقُولُ نَزَلَ بِعِدَّتِهِ وخَرَجَ بِسِلاحِهِ، والمَعْنى أنْزَلْنا القُرْآنَ مَعَ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ فِيهِ احْتِمالانِ:
أحَدُهُما: أنَّ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَزَلَ بِالحَقِّ كَما تَقُولُ نَزَلْتُ بِزَيْدٍ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ، الحَقُّ مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِهِ أيْ عَلَيْهِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ بِمَعْنى مَعَ كَما قُلْنا في قَوْلِهِ: ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ﴾ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ والمَقْصُودُ أنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ هَذِهِ المُعْجِزاتِ ويَتَمَرَّدُونَ عَنْ قَبُولِ دِينِكَ لا شَيْءَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ فَإنِّي ما أرْسَلْتُكَ إلّا مُبَشِّرًا لِلْمُطِيعِينَ ونَذِيرًا لِلْجاحِدِينَ، فَإنْ قَبِلُوا الدِّينَ الحَقَّ انْتَفَعُوا بِهِ وإلّا فَلَيْسَ عَلَيْكَ مِن كُفْرِهِمْ شَيْءٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ قالُوا: هَبْ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزٌ إلّا أنَّهُ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ دُفْعَةً واحِدَةً لِيَظْهَرَ فِيهِ وجْهُ الإعْجازِ فَجَعَلُوا إتْيانَ الرَّسُولِ بِهَذا القُرْآنِ مُتَفَرِّقًا شُبْهَةً في أنَّهُ يَتَفَكَّرُ في فَصْلٍ فَصْلٍ ويَقْرَأُهُ عَلى النّاسِ فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِأنَّهُ إنَّما فَرَّقَهُ لِيَكُونَ حِفْظُهُ أسْهَلَ ولِتَكُونَ الإحاطَةُ والوُقُوفُ عَلى دَقائِقِهِ وحَقائِقِهِ أسْهَلَ.
البَحْثُ الثّانِي: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ نَزَلَ القُرْآنُ كُلُّهُ لَيْلَةَ القَدْرِ مِنَ السَّماءِ العُلْيا إلى السَّماءِ السُّفْلى، ثُمَّ فُصِّلَ في السِّنِينَ الَّتِي نَزَلَ فِيها، قالَقَتادَةُ: كانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، والمَعْنى قَطَّعْناهُ آيَةً آيَةً وسُورَةً سُورَةً ولَمْ نُنْزِلْهُ جُمْلَةً لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ - عَلى مَهَلٍ وتَؤَدَةٍ أيْ لا عَلى فَوْرَةٍ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ مَكَثَ ومَكُثَ يَمْكُثُ، والفَتْحُ قِراءَةُ عاصِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ (النَّمْلِ: ٢٢) .
صفحة ٥٨
البَحْثُ الثّالِثُ: الِاخْتِيارُ عِنْدَ الأئِمَّةِ فَرَقْناهُ بِالتَّخْفِيفِ، وفَسَّرَهُ أبُو عَمْرٍو: بَيَّنّاهُ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: التَّخْفِيفُ أعْجَبُ إلَيَّ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ بَيَّنّاهُ، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَعْنًى إلّا أنَّهُ أُنْزِلَ مُتَفَرِّقًا فالفَرْقُ يَتَضَمَّنُ التَّبْيِينَ، ويُؤَكِّدُهُ ما رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ أنَّهُ قالَ: فَرَّقْتُ أُفَرِّقُ بَيْنَ الكَلامِ وفَرَّقْتُ بَيْنَ الأجْسامِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: ”«البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا» “ ولَمْ يَقُلْ يَفْتَرِقا والتَّفَرُّقُ مُطاوِعُ التَّفْرِيقِ والِافْتِراقُ مُطاوِعُ الفَرْقِ ثُمَّ قالَ: ﴿ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ أيْ عَلى الحَدِّ المَذْكُورِ والصِّفَةِ المَذْكُورَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ يُخاطِبُ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ العَظِيمَةَ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ والإنْكارِ، أيْ أنَّهُ تَعالى أوْضَحَ البَيِّناتِ والدَّلائِلَ وأزاحَ الأعْذارَ فاخْتارُوا ما تُرِيدُونَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ نُزُولِ القُرْآنِ، قالَ مُجاهِدٌ: هم ناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ حِينَ سَمِعُوا ما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ خَرُّوا سُجَّدًا، مِنهم زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ووَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ثُمَّ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ وفِيهِ أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: الذَّقَنُ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ وكُلَّما يَبْتَدِئُ الإنْسانُ بِالخُرُورِ إلى السُّجُودِ فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِنَ الجَبْهَةِ إلى الأرْضِ الذَّقَنُ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الأذْقانَ كِنايَةٌ عَنِ اللِّحى والإنْسانُ إذا بالَغَ عِنْدَ السُّجُودِ في الخُضُوعِ والخُشُوعِ رُبَّما مَسَحَ لِحْيَتَهُ عَلى التُّرابِ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ يُبالَغُ في تَنْظِيفِها فَإذا عَفَّرَها الإنْسانُ بِالتُّرابِ فَقَدْ أتى بِغايَةِ التَّعْظِيمِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَوْلى عَلَيْهِ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَرُبَّما سَقَطَ عَلى الأرْضِ في مَعْرِضِ السُّجُودِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ خُرُورُهُ عَلى الذَّقَنِ في مَوْضِعِ السُّجُودِ فَقَوْلُهُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ غايَةِ ولَهِهِ وخَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ، ثُمَّ بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لِمْ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ ولَمْ يَقُلْ يَسْجُدُونَ ؟ والجَوابُ: المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ هَذا اللَّفْظِ مُسارَعَتُهم إلى ذَلِكَ حَتّى أنَّهم يَسْقُطُونَ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ﴾ ولَمْ يَقُلْ عَلى الأذْقانِ ؟ والجَوابُ: العَرَبُ تَقُولُ إذا خَرَّ الرَّجُلُ فَوَقَعَ عَلى وجْهِهِ خَرَّ لِلذَّقَنِ واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ والمَعْنى أنَّهم يَقُولُونَ في سُجُودِهِمْ: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ أيْ بِإنْزالِ القُرْآنِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لِأنَّ الوَعْدَ بِبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ سَبَقَ في كِتابِهِمْ فَهم كانُوا يَنْتَظِرُونَ إنْجازَ ذَلِكَ الوَعْدِ ثُمَّ قالَ: ﴿ويَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ يَبْكُونَ﴾ والفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ اخْتِلافُ الحالَيْنِ وهُما خَرُورُهم لِلسُّجُودِ، وفي حالِ كَوْنِهِمْ باكِينَ عِنْدَ اسْتِماعِ القُرْآنِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَكْرارُ القَوْلِ دَلالَةً عَلى تَكْرارِ الفِعْلِ مِنهم وقَوْلُهُ: ﴿يَبْكُونَ﴾ مَعْناهُ الحالُ: ﴿ويَزِيدُهم خُشُوعًا﴾ أيْ تَواضُعًا، واعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَقْرِيرُ تَحْقِيرِهِمْ والِازْدِراءِ بِشَأْنِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ وبِإيمانِهِمْ وامْتِناعِهِمْ مِنهُ، وأنَّهم وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِهِ مَن هو خَيْرٌ مِنهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences