Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:13–15
17:13–14Page 283
وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣
And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.
ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤
[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا﴾ كانَ مَعْناهُ أنَّ كُلَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن دَلائِلَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ فَقَدْ صارَ مَذْكُورًا. وكُلَّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن شَرْحِ أحْوالِ الوَعْدِ والوَعِيدِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَقَدْ صارَ مَذْكُورًا. وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَتِ الأعْذارُ، وأُزِيلَتِ العِلَلُ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَقَدْ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونَقُولُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ .
صفحة ١٣٤
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أوْصَلَ إلى الخَلْقِ أصْنافَ الأشْياءِ النّافِعَةِ لَهم في الدِّينِ والدُّنْيا، مِثْلَ آيَتَيِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وغَيْرِهِما كانَ مُنْعِمًا عَلَيْهِمْ بِأعْظَمِ وُجُوهِ النِّعَمِ. وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ اشْتِغالِهِمْ بِخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ فَلا جَرَمَ كُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ مَسْئُولًا عَنْ أعْمالِهِ وأقْوالِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلّا لِيَشْتَغِلُوا بِعِبادَتِهِ كَما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَلَمّا شَرَحَ أحْوالَ الشَّمْسِ والقَمَرِ واللَّيْلِ والنَّهارِ، كانَ المَعْنى: إنِّي إنَّما خَلَقْتُ هَذِهِ الأشْياءَ لِتَنْتَفِعُوا بِها فَتَصِيرُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الِاشْتِغالِ بِطاعَتِي وخِدْمَتِي، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَن ورَدَ عَرْصَةَ القِيامَةِ سَألْتُهُ أنَّهُ هَلْ أتى بِتِلْكَ الخِدْمَةِ والطّاعَةِ، أوْ تَمَرَّدَ وعَصى وبَغى، فَهَذا هو الوَجْهُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في تَفْسِيرِ لَفْظِ الطّائِرِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ العَرَبَ إذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ وأرادُوا أنْ يَعْرِفُوا أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ يَسُوقُهم إلى خَيْرٍ أوْ إلى شَرٍّ اعْتَبَرُوا أحْوالَ الطَّيْرِ وهو أنَّهُ يَطِيرُ بِنَفْسِهِ، أوْ يَحْتاجُ إلى إزْعاجِهِ، وإذا طارَ فَهَلْ يَطِيرُ مُتَيامِنًا أوْ مُتَياسِرًا أوْ صاعِدًا إلى الجَوِّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي كانُوا يَعْتَبِرُونَها ويَسْتَدِلُّونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى أحْوالِ الخَيْرِ والشَّرِّ والسَّعادَةِ والنُّحُوسَةِ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم سُمِّي الخَيْرُ والشَّرُّ بِالطّائِرِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ لازِمِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ يس: ﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ [يس: ١٩] فَقَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ أيْ: كُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ في عُنُقِهِ. وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ قِراءَةُ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ: ”ألْزَمْناهُ طَيْرَهُ في عُنُقِهِ“ .
القَوْلُ الثّانِي: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الطّائِرُ عِنْدَ العَرَبِ الحَظُّ وهو الَّذِي تُسَمِّيهِ الفُرْسُ البَخْتَ، وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الطّائِرِ ما طارَ لَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، والتَّحْقِيقُ في هَذا البابِ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الخَلْقَ وخَصَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِمِقْدارٍ مَخْصُوصٍ مِنَ العَقْلِ والعِلْمِ، والعُمْرِ والرِّزْقِ، والسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. والإنْسانُ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَتَجاوَزَ ذَلِكَ القَدْرَ وأنْ يَنْحَرِفَ عَنْهُ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلى ذَلِكَ القَدْرِ بِحَسَبِ الكَمِّيَّةِ والكَيْفِيَّةِ، فَتِلْكَ الأشْياءُ المَقْدُورَةُ كَأنَّها تَطِيرُ إلَيْهِ وتَصِيرُ إلَيْهِ، فَبِهَذا المَعْنى لا يَبْعُدُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ الأحْوالِ المُقَدَّرَةِ بِلَفْظِ الطّائِرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنْ أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى ومَضى في عِلْمِهِ حُصُولُهُ فَهو لازِمٌ لَهُ واصِلٌ إلَيْهِ غَيْرُ مُنْحَرِفٍ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ كُلَّ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لِلْإنْسانِ وحَكَمَ عَلَيْهِ بِهِ في سابِقِ عِلْمِهِ فَهو واجِبُ الوُقُوعِ مُمْتَنِعُ العَدَمِ، وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ تَقْدِيرَ الآيَةِ: وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ في عُنُقِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ العَمَلَ لازِمٌ لَهُ، وما كانَ لازِمًا لِلشَّيْءِ كانَ مُمْتَنِعَ الزَّوالِ عَنْهُ واجِبَ الحُصُولِ لَهُ وهو المَقْصُودُ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى أضافَ ذَلِكَ الإلْزامَ إلى نَفْسِهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألْزَمْناهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإلْزامَ إنَّما صَدَرَ مِنهُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ [الفتح: ٢٦] وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يَظْهَرُ في الأبَدِ إلّا ما حَكَمَ اللَّهُ بِهِ في الأزَلِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ١٣٥
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ كِنايَةٌ عَنِ اللُّزُومِ كَما يُقالُ: جَعَلْتُ هَذا في عُنُقِكِ أيْ: قَلَّدْتُكَ هَذا العَمَلَ وألْزَمْتُكَ الِاحْتِفاظَ بِهِ، ويُقالُ: قَلَّدْتُكَ كَذا وطَوَّقْتُكَ كَذا، أيْ: صَرَفْتُهُ إلَيْكَ وألْزَمْتُهُ إيّاكَ، ومِنهُ قَلَّدَهُ السُّلْطانُ كَذا. أيْ: صارَتِ الوِلايَةُ في لُزُومِها لَهُ في مَوْضِعِ القِلادَةِ ومَكانِ الطَّوْقِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يُقَلِّدُ فُلانًا أيْ: جَعَلَ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ كالقِلادَةِ المَرْبُوطَةِ عَلى عُنُقِهِ. قالَ أهْلُ المَعانِي: وإنَّما خَصَّ العُنُقَ مِن بَيْنِ سائِرِ الأعْضاءِ بِهَذا المَعْنى لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ عَلَيْهِ إمّا أنْ يَكُونَ خَيْرًا يَزِينُهُ أوْ شَرًّا يَشِينُهُ، وما يَزِينُ يَكُونُ كالطَّوْقِ والحُلِيِّ، والَّذِي يَشِينُ فَهو كالغُلِّ، فَهَهُنا عَمَلُهُ إنْ كانَ مِنَ الخَيْراتِ كانَ زِينَةً لَهُ، وإنْ كانَ مِنَ المَعاصِي كانَ كالغُلِّ عَلى رَقَبَتِهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ قالَ الحَسَنُ: يا ابْنَ آدَمَ بَسَطْنا لَكَ صَحِيفَةً ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ فَهُما عَنْ يَمِينِكَ وشِمالِكَ. فَأمّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَناتِكَ، وأمّا الَّذِي عَنْ شِمالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئاتِكَ، حَتّى إذا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ وجُعِلَتْ مَعَكَ في قَبْرِكَ حَتّى تَخْرُجَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ﴾ أيْ: مِن قَبْرِهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: نُخْرِجُ لَهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَرَ كِتابَهُ في الدُّنْيا فَإذا بُعِثَ أُظْهِرَ لَهُ ذَلِكَ وأُخْرِجَ مِنَ السَّتْرِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: ”ويَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا“ أيْ: يَخْرُجُ لَهُ الطّائِرُ أيْ: عَمَلُهُ كِتابًا مَنشُورًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] وقَرَأ ابْنُ عُمَرَ: ”يُلَقّاهُ“ مِن قَوْلِهِمْ: لَقَّيْتُ فُلانًا الشَّيْءَ أيِ اسْتَقْبَلْتُهُ بِهِ. قالَ تَعالى: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] وهو مَنقُولٌ بِالتَّشْدِيدِ مِن لَقَّيْتُ الشَّيْءَ ولَقّانِيهِ زَيْدٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ والتَّقْدِيرُ يُقالُ لَهُ: وهَذا القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَقْرَؤُهُ أُمِّيًّا كانَ أوْ غَيْرَ أُمِّيٍّ، وقالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يُؤْتى بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ بِصَحِيفَتِهِ وهو يَقْرَؤُها وحَسَناتُهُ في ظَهْرِها يَغْبِطُهُ النّاسُ عَلَيْها، وسَيِّئاتُهُ في جَوْفِ صَحِيفَتِهِ وهو يَقْرَؤُها، حَتّى إذا ظَنَّ أنَّها أوْبَقَتْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ”اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْتُها لَكَ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكَ“ فَيَعْظُمُ سُرُورُهُ، ويَصِيرُ مِنَ الَّذِينَ قالَ في حَقِّهِمْ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨ - ٣٩] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ: مُحاسِبًا. قالَ الحَسَنُ: عَدَلَ واللَّهِ في حَقِّكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ. قالَ السُّدِّيُّ: يَقُولُ الكافِرُ يَوْمَئِذٍ إنَّكَ قَضَيْتَ أنَّكَ لَسْتَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، فاجْعَلْنِي أُحاسِبُ نَفْسِي فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ حُكَماءُ الإسْلامِ: هَذِهِ الآيَةُ في غايَةِ الشَّرَفِ، وفِيها أسْرارٌ عَجِيبَةٌ في أبْحاثٍ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ فِعْلَ العَبْدِ كالطَّيْرِ الَّذِي يَطِيرُ إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قَدَّرَ لِكُلِّ أحَدٍ في الأزَلِ مِقْدارًا مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، فَذَلِكَ الحُكْمُ الَّذِي سَبَقَ في عِلْمِهِ الأزَلِيِّ وحُكْمِهِ الأزَلِيِّ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ، فَذَلِكَ الحُكْمُ كَأنَّهُ طائِرٌ يَطِيرُ إلَيْهِ مِنَ الأزَلِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ الوَقْتُ وصَلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطّائِرُ وصُولًا لا خَلاصَ لَهُ البَتَّةَ ولا انْحِرافَ عَنْهُ البَتَّةَ. وإذا عَلِمَ الإنْسانُ في كُلِّ قَوْلٍ وفِعْلٍ ولَمْحَةٍ وفِكْرَةٍ أنَّهُ كانَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ طائِرٍ طَيَّرَهُ اللَّهُ إلَيْهِ عَلى مَنهَجٍ مُعَيَّنٍ وطَرِيقٍ مُعَيَّنٍ، وأنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَصِلَ إلَيْهِ ذَلِكَ الطّائِرُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ أنَّ الكِفايَةَ الأبَدِيَّةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِنايَةِ الأزَلِيَّةِ.
صفحة ١٣٦
والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ التَّقْدِيراتِ إنَّما تَقَدَّرَتْ بِإلْزامِ اللَّهِ تَعالى. وذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ لِكُلِّ حادِثٍ حادِثًا مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ لِحُصُولِ الحادِثِ المُتَأخِّرِ، فَلَمّا كانَ وضْعُ هَذِهِ السِّلْسِلَةِ مِنَ اللَّهِ لا جَرَمَ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ، وعِنْدَ هَذا يَتَخَيَّلُ الإنْسانُ طُيُورًا لا نِهايَةَ لَها ولا غايَةَ لِأعْدادِها، فَإنَّهُ تَعالى طَيَّرَها مِن وكْرِ الأزَلِ وظُلُماتِ عالَمِ الغَيْبِ، وأنَّها صارَتْ وطارَتْ طَيَرانًا لا بِدايَةَ لَهُ ولا غايَةَ لَهُ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُتَوَجِّهًا إلى ذَلِكَ الإنْسانِ المُعَيَّنِ في الوَقْتِ المُعَيَّنِ بِالصِّفَةِ المُعَيَّنَةِ، وهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ .
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ التَّجْرِبَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَكْرارَ الأعْمالِ الِاخْتِيارِيَّةِ تُفِيدُ حُدُوثَ المَلَكَةِ النَّفْسانِيَّةِ الرّاسِخَةِ في جَوْهَرِ النَّفْسِ، ألا تَرى أنَّ مَن واظَبَ عَلى تَكْرارِ قِراءَةِ دَرْسٍ واحِدٍ صارَ ذَلِكَ الدَّرْسُ مَحْفُوظًا، ومَن واظَبَ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ مُدَّةً مَدِيدَةً صارَ ذَلِكَ العَمَلُ مَلَكَةً لَهُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: لَمّا كانَ التَّكْرارُ الكَثِيرُ يُوجِبُ حُصُولَ المَلَكَةِ الرّاسِخَةِ وجَبَ أنْ يَحْصُلَ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ أثَرٌ ما في جَوْهَرِ النَّفْسِ، فَإنّا لَمّا رَأيْنا أنَّ عِنْدَ تَوالِي القَطَراتِ الكَثِيرَةِ مِنَ الماءِ عَلى الحَجَرِ حَصَلَتِ الثُّقْبَةُ في الحَجَرِ، عَلِمْنا أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ القَطَراتِ أثَرًا ما في حُصُولِ ذَلِكَ الثُّقْبِ وإنْ كانَ ضَعِيفًا قَلِيلًا، وإنْ كانَتِ الكِتابَةُ أيْضًا في عُرْفِ النّاسِ عِبارَةً عَنْ نُقُوشٍ مَخْصُوصَةٍ اصْطَلَحَ النّاسُ عَلى جَعْلِها مُعَرِّفاتٍ لِألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، فَعَلى هَذا، دَلالَةُ تِلْكَ النُّقُوشِ عَلى تِلْكَ المَعانِي المَخْصُوصَةِ دَلالَةٌ كائِنَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ واجِبَةُ الثُّبُوتِ، مُمْتَنِعَةُ الزَّوالِ، كانَ الكِتابُ المُشْتَمِلُ عَلى تِلْكَ النُّقُوشِ أوْلى بِاسْمِ الكِتابِ مِنَ الصَّحِيفَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى النُّقُوشِ الدّالَّةِ بِالوَضْعِ والِاصْطِلاحِ.
وإذا عَرَفْتَ هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ فَنَقُولُ: إنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَصْدُرُ مِنَ الإنْسانِ كَثِيرًا كانَ أوْ قَلِيلًا، قَوِيًّا كانَ أوْ ضَعِيفًا، فَإنَّهُ يَحْصُلُ مِنهُ لا مَحالَةَ في جَوْهَرِ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ أثَرٌ مَخْصُوصٌ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ الأثَرُ أثَرًا لِجَذْبِ جَوْهَرِ الرُّوحِ مِنَ الخَلْقِ إلى حَضْرَةِ الحَقِّ كانَ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ السَّعاداتِ والكَراماتِ. وإنْ كانَ ذَلِكَ الأثَرُ أثَرًا لِجَذْبِ الرُّوحِ مِن حَضْرَةِ الحَقِّ إلى الِاشْتِغالِ بِالخَلْقِ كانَ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ الشَّقاوَةِ والخِذْلانِ. إلّا أنَّ تِلْكَ الآثارَ تَخْفى ما دامَ الرُّوحُ مُتَعَلِّقًا بِالبَدَنِ، لِأنَّ اشْتِغالَ الرُّوحِ بِتَدْبِيرِ البَدَنِ يَمْنَعُ مِنَ انْكِشافِ هَذِهِ الأحْوالِ وتَجَلِّيها وظُهُورِها، فَإذا انْقَطَعَ تَعَلُّقُ الرُّوحِ عَنْ تَدْبِيرِ البَدَنِ فَهُناكَ تَحْصُلُ القِيامَةُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» “ ومَعْنى كَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ قِيامَةً أنَّ النَّفْسَ النّاطِقَةَ كَأنَّها كانَتْ ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً في هَذا الجَسَدِ السُّفْلِيِّ، فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ، قامَتِ النَّفْسُ وتَوَجَّهَتْ نَحْوَ الصُّعُودِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ، فَهَذا هو المُرادُ مِن كَوْنِ هَذِهِ الحالَةِ قِيامَةً، ثُمَّ عِنْدَ حُصُولِ القِيامَةِ بِهَذا المَعْنى زالَ الغِطاءُ وانْكَشَفَ الوِطاءُ، وقِيلَ لَهُ ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] وقَوْلُهُ: ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ مَعْناهُ: ونُخْرِجُ لَهُ عِنْدَ حُصُولِ هَذِهِ القِيامَةِ مِن عُمْقِ البَدَنِ المُظْلِمِ كِتابًا مُشْتَمِلًا عَلى جَمِيعِ تِلْكَ الآثارِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ الأحْوالِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ويَكُونُ هَذا الكِتابُ في هَذا الوَقْتِ مَنشُورًا، لِأنَّ الرُّوحَ حِينَ كانَتْ في البَدَنِ كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ فِيهِ مَخْفِيَّةً فَكانَتْ كالمَطْوِيَّةِ. أمّا بَعْدَ انْقِطاعِ التَّعَلُّقِ الجَسَدانِيِّ ظَهَرَتْ هَذِهِ الأحْوالُ وجَلَتْ وانْكَشَفَتْ فَصارَتْ كَأنَّها مَكْشُوفَةٌ مَنشُورَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَطْوِيَّةً، وظاهِرَةٌ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَخْفِيَّةً، وعِنْدَ ذَلِكَ تُشاهِدُ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ جَمِيعَ تِلْكَ الآثارِ مَكْتُوبَةً بِالكِتابَةِ الذّاتِيَّةِ في جَوْهَرِ الرُّوحِ فَيُقالُ لَهُ في تِلْكَ الحالَةِ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ ثُمَّ يُقالُ لَهُ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ فَإنَّ تِلْكَ الآثارَ إنْ كانَتْ مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ
صفحة ١٣٧
حَصَلَتِ السَّعادَةُ لا مَحالَةَ، وإنْ كانَتْ مِن مُوجِباتِ الشَّقاوَةِ حَصَلَتِ الشَّقاوَةُ لا مَحالَةَ، فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِحَسَبِ الأحْوالِ الرُّوحانِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ الحَقَّ أنَّ الأحْوالَ الظّاهِرَةَ الَّتِي ورَدَتْ فِيها الرِّواياتُ حَقٌّ وصِدْقٌ لا مِرْيَةَ فِيها، واحْتِمالُ الآيَةِ لِهَذِهِ المَعانِي الرُّوحانِيَّةِ ظاهِرٌ أيْضًا، والمَنهَجُ القَوِيمُ والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ هو الإقْرارُ بِالكُلِّ. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.
17:15Page 283
مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥
Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ .
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ في الآيَةِ الأُولى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ كُلَّ أحَدٍ مُخْتَصٌّ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِعِبارَةٍ أُخْرى أقْرَبَ إلى الأفْهامِ وأبْعَدَ عَنِ الغَلَطِ فَقالَ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يَعْنِي أنَّ ثَوابَ العَمَلِ الصّالِحِ مُخْتَصٌّ بِفاعِلِهِ ولا يَتَعَدّى مِنهُ إلى غَيْرِهِ ويَتَأكَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ﴿وأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ [النجم: ٣٩ - ٤٠] قالَ الكَعْبِيُّ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ العَبْدَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ وأنَّهُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلى عَمَلٍ بِعَيْنِهِ أصْلًا لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ إنَّما يَلِيقُ بِالقادِرِ عَلى الفِعْلِ المُتَمَكِّنِ مِنهُ كَيْفَ شاءَ وأرادَ، أمّا المَجْبُورُ عَلى أحَدِ الطَّرَفَيْنِ المَمْنُوعُ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي فَهَذا لا يَلِيقُ بِهِ
* * *
المُسالَةُ الثّانِيَةُ أنَّهُ تَعالى أعادَ تَقْرِيرَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ مُخْتَصٌّ بِأثَرٍ عَلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ وزَرَ يَزِرُ فَهو وازِرٌ، ووَزَرَ وِزْرًا وزِرَةً، ومَعْناهُ أثِمَ يَأْثَمُ إثْمًا قالَ وفي تَأْوِيلِ الآيَةِ وجْهانِ:
الأوَّلُ أنَّ المُذْنِبَ لا يُؤاخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ وأيْضًا غَيْرُهُ لا يُؤاخَذُ بِذَنْبِهِ بَلْ كُلُّ أحَدٍ مُخْتَصٌّ بِذَنْبِ نَفْسِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ بِالإثْمِ لِأنَّ غَيْرَهُ عَمِلَهُ كَما قالَ الكُفّارُ ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] .
واعْلَمْ أنَّ النّاسَ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ في إثْباتِ أحْكامٍ كَثِيرَةٍ
الحُكْمُ الأوَّلُ:
قالَ الجُبّائِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِكُفْرِ آبائِهِمْ وإلّا لَكانَ الطِّفْلُ مُؤاخَذًا بِذَنْبِ أبِيهِ وذَلِكَ عَلى خِلافِ ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ
الحُكْمُ الثّانِي:
رَوى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ ”إنَّ «المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكاءِ أهْلِهِ» “ فَعائِشَةُ طَعَنَتْ في صِحَّةٍ هَذا
صفحة ١٣٨
الخَبَرِ واحْتَجَّتْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ الطَّعْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ فَإنَّ تَعْذِيبَ المَيِّتِ بِسَبَبِ بُكاءِ أهْلِهِ أخْذٌ لِلْإنْسانِ بِجُرْمِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ خِلافُ هَذِهِ الآيَةِ.
الحُكْمُ الثّالِثُ:
قالَ القاضِي: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الوِزْرَ والإثْمَ لَيْسَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى. وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لامْتَنَعَ أنْ يُؤاخَذَ العَبْدُ بِهِ كَما لا يُؤاخَذُ بِوِزْرِ غَيْرِهِ.
وثانِيها: أنَّهُ كانَ يَجِبُ ارْتِفاعُ الوِزْرِ أصْلًا، لِأنَّ الوازِرَ إنَّما يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ إذا كانَ مُخْتارًا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ، ولِهَذا المَعْنى لا يُوصَفُ الصَّبِيُّ بِهَذا.
الحُكْمُ الرّابِعُ:
أنَّ جَماعَةً مِن قُدَماءَ الفُقَهاءِ امْتَنَعُوا مِن ضَرْبِ الدِّيَةِ عَلى العاقِلَةِ، وقالُوا: لِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي مُؤاخَذَةَ الإنْسانِ بِسَبَبِ فِعْلِ الغَيْرِ، وذَلِكَ عَلى مُضادَّةِ هَذِهِ الآيَةِ.
وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُخْطِئَ لَيْسَ بِمُؤاخَذٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، فَكَيْفَ يَصِيرُ غَيْرُهُ مُؤاخَذًا بِسَبَبِ ذَلِكَ الفِعْلِ، بَلْ ذَلِكَ تَكْلِيفٌ واقِعٌ عَلى سَبِيلِ الِابْتِداءِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أصْحابُنا: وُجُوبُ شُكْرِ المُنْعِمِ لا يَثْبُتُ بِالعَقْلِ بَلْ بِالسَّمْعِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ وجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ الوُجُوبَ لا تَتَقَرَّرُ ماهِيَّتُهُ إلّا بِتَرْتِيبِ العِقابِ عَلى التَّرْكِ، ولا عِقابَ قَبْلَ الشَّرْعِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَحَقَّقَ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ. ثُمَّ أكَّدُوا هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وبِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ [طه: ١٣٤] .
ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنْ نَقُولَ: لَوْ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ لَمْ يَثْبُتِ الوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ البَتَّةَ، وهَذا باطِلٌ فَذاكَ باطِلٌ، بَيانُ المُلازَمَةِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ إذا جاءَ المُشَرِّعُ وادَّعى كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأظْهَرَ المُعْجِزَةَ، فَهَلْ يَجِبُ عَلى المُسْتَمِعِ اسْتِماعُ قَوْلِهِ والتَّأمُّلُ في مُعْجِزاتِهِ أوْ لا يَجِبُ ؟ فَإنْ لَمْ يَجِبْ فَقَدْ بَطَلَ القَوْلُ بِالنُّبُوَّةِ. وإنْ وجَبَ، فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالعَقْلِ أوْ بِالشَّرْعِ فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَقَدْ ثَبَتَ الوُجُوبُ العَقْلِيُّ، وإنْ وجَبَ بِالشَّرْعِ فَهو باطِلٌ، لِأنَّ ذَلِكَ الشَّرْعَ إمّا أنْ يَكُونَ هو ذَلِكَ المُدَّعِي أوْ غَيْرَهُ، والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّهُ يَرْجِعُ حاصِلُ الكَلامِ إلى أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ يَقُولُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي أنِّي أقُولُ إنَّهُ يَجِبُ قَبُولُ قَوْلِي، وهَذا إثْباتٌ لِلشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الشّارِعُ غَيْرَهُ كانَ الكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ: ولَزِمَ إمّا الدَّوْرُ أوِ التَّسَلْسُلُ وهُما مُحالانِ.
وثانِيها: أنَّ الشَّرْعَ إذا جاءَ وأوْجَبَ بَعْضَ الأفْعالِ، وحَرَّمَ بَعْضَها فَلا مَعْنى لِلْإيجابِ والتَّحْرِيمِ، إلّا أنْ يَقُولَ: لَوْ تَرَكْتَ كَذا وفَعَلْتَ كَذا لَعاقَبْتُكَ فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ أوْ لا يَجِبَ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى الوُجُوبِ البَتَّةَ، وهَذا باطِلٌ فَذاكَ باطِلٌ، وإنْ وجَبَ عَلَيْهِ الِاحْتِرازُ عَنِ العِقابِ، فَإمّا أنْ يَجِبَ بِالعَقْلِ أوْ بِالسَّمْعِ، فَإنْ وجَبَ بِالعَقْلِ فَهو المَقْصُودُ، وإنْ وجَبَ بِالسَّمْعِ لَمْ يَتَقَرَّرْ مَعْنى هَذا الوُجُوبِ إلّا بِسَبَبِ تَرْتِيبِ
صفحة ١٣٩
العِقابِ عَلَيْهِ، وحِينَئِذٍ يَعُودُ التَّقْسِيمُ الأوَّلُ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ.
وثالِثُها: أنَّ مَذْهَبَ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنِ العِقابِ عَلى تَرْكِ الواجِبِ وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتْ ماهِيَّةُ الوُجُوبِ حاصِلَةً مَعَ عَدَمِ العِقابِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ ماهِيَّةَ الواجِبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ العِقابِ، وهَذا الخَوْفُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ، فَثَبَتَ أنَّ ماهِيَّةَ الوُجُوبِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ هَذا الخَوْفِ، وثَبَتَ أنَّ هَذا الخَوْفَ حاصِلٌ بِمُجَرَّدِ العَقْلِ، فَلَزِمَ أنْ يُقالَ: الوُجُوبُ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ.
فَإنْ قالُوا: ماهِيَّةُ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ ؟
قُلْنا: إنَّهُ تَعالى إذا عَفا فَقَدْ سَقَطَ الذَّمُّ، فَعَلى هَذا ماهِيَّةُ الوُجُوبِ إنَّما تَتَقَرَّرُ بِسَبَبِ حُصُولِ الخَوْفِ مِنَ الذَّمِّ وذَلِكَ حاصِلٌ بِمَحْضِ العَقْلِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الوُجُوبَ العَقْلِيَّ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ.
وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ نُجْرِيَ الآيَةَ عَلى ظاهِرِها. ونَقُولُ: العَقْلُ هو رَسُولُ اللَّهِ إلى الخَلْقِ، بَلْ هو الرَّسُولُ الَّذِي لَوْلاهُ لَما تَقَرَّرَتْ رِسالَةُ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ، فالعَقْلُ هو الرَّسُولُ الأصْلِيُّ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولَ العَقْلِ.
والثّانِي: أنْ نُخَصِّصَ عُمُومَ الآيَةِ فَنَقُولُ: المُرادُ وما كُنّا مُعَذِّبِينَ في الأعْمالِ الَّتِي لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ وُجُوبِها إلّا بِالشَّرْعِ إلّا بَعْدَ مَجِيءِ الشَّرْعِ، وتَخْصِيصُ العُمُومِ وإنْ كانَ عُدُولًا عَنِ الظّاهِرِ إلّا أنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ، وقَدْ بَيَّنّا قِيامَ الدَّلائِلِ الثَّلاثَةِ، عَلى أنّا لَوْ نَفَيْنا الوُجُوبَ العَقْلِيَّ لَزِمَنا نَفْيُ الوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي نَرْتَضِيهِ ونَذْهَبُ إلَيْهِ أنَّ مُجَرَّدَ العَقْلِ سَبَبٌ في أنْ يَجِبَ عَلَيْنا فِعْلُ ما يُنْتَفَعُ بِهِ، وتَرْكُ ما يُتَضَرَّرُ بِهِ، أمّا مُجَرَّدُ العَقْلِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ. وذَلِكَ لِأنّا مَجْبُولُونَ عَلى طَلَبِ النَّفْعِ والِاحْتِرازِ عَنِ الضَّرَرِ، فَلا جَرَمَ كانَ العَقْلُ وحْدَهُ كافِيًا في الوُجُوبِ في حَقِّنا، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ طَلَبِ النَّفْعِ والهَرَبِ مِنَ الضَّرَرِ، فامْتَنَعَ أنْ يَحْكُمَ العَقْلُ عَلَيْهِ بِوُجُوبِ فِعْلٍ أوْ تَرْكِ فِعْلٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences