Ar-RaziAl‑Isra · 17:24–31

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:24–31

17:24–25Page 284

وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤

And lower to them the wing of humility out of mercy and say, "My Lord, have mercy upon them as they brought me up [when I was] small."

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥

Your Lord is most knowing of what is within yourselves. If you should be righteous [in intention] - then indeed He is ever, to the often returning [to Him], Forgiving.1

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُ القائِلِ: لا تَقُلْ لِفُلانٍ أُفٍّ، مَثَلٌ يُضْرَبُ لِلْمَنعِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ وأذِيَّةٍ وإنْ خَفَّ وقَلَّ. واخْتَلَفَ الأُصُولِيُّونَ في أنَّ دَلالَةَ هَذا الَّفْظِ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ دَلالَةٌ لَفْظِيَّةٌ أوْ دَلالَةٌ مَفْهُومَةٌ بِمُقْتَضى القِياسِ. قالَ بَعْضُهم: إنَّها دَلالَةٌ لَفْظِيَّةٌ، لِأنَّ أهْلَ العُرْفِ إذا قالُوا: لا تَقُلْ لِفُلانٍ أُفٍّ عَنَوْا بِهِ أنَّهُ لا يَتَعَرَّضُ لَهُ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الإيذاءِ والإيحاشِ، وجَرى هَذا مَجْرى قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يَمْلِكُ نَقِيرًا ولا قِطْمِيرًا في أنَّهُ بِحَسَبِ العُرْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُ شَيْئًا.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذا اللَّفْظَ إنَّما يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِن سائِرِ أنْواعِ الإيذاءِ بِحَسَبِ القِياسِ الجَلِيِّ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الشَّرْعَ إذا نَصَّ عَلى حُكْمِ صُورَةٍ وسَكَتَ عَنْ حُكْمِ صُورَةٍ أُخْرى، فَإذا أرَدْنا إلْحاقَ الصُّورَةِ المَسْكُوتِ عَنْ حُكْمِها بِالصُّورَةِ المَذْكُورِ حُكْمُها فَهَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ ثُبُوتُ ذَلِكَ الحُكْمِ في مَحَلِّ السُّكُوتِ أوْلى مِن ثُبُوتِهِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ مِثْلَ هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإنَّ اللَّفْظَ إنَّما دَلَّ عَلى المَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ، والضَّرْبُ أوْلى بِالمَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في مَحَلِّ السُّكُوتِ مُساوِيًا لِلْحُكْمِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ، وهَذا هو الَّذِي يُسَمِّيهِ الأُصُولِيُّونَ القِياسُ في مَعْنى الأصْلِ، وضَرَبُوا لِهَذا مَثَلًا وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ

صفحة ١٥٢

السَّلامُ: ”«مَن أعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِن عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ الباقِي» “ فَإنَّ الحُكْمَ في الأمَةِ والعَبْدِ مُتَساوِيانِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في مَحَلِّ السُّكُوتِ أخْفى مِنَ الحُكْمِ في مَحَلِّ الذِّكْرِ وهو أكْبَرُ القِياساتِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ إنَّما يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الضَّرْبِ بِواسِطَةِ القِياسِ الجَلِيِّ الَّذِي يَكُونُ مِن بابِ الِاسْتِدْلالِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أنَّ التَّأْفِيفَ غَيْرُ الضَّرْبِ، فالمَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ لا يَكُونُ مَنعًا مِنَ الضَّرْبِ، وأيْضًا المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ لا يَسْتَلْزِمُ المَنعَ مِنَ الضَّرْبِ عَقْلًا، لِأنَّ المَلِكَ الكَبِيرَ إذا أخَذَ مَلِكًا عَظِيمًا كانَ عَدُوًّا لَهُ، فَقَدْ يَقُولُ لِلْجَلّادِ إيّاكَ وأنْ تَسْتَخِفَّ بِهِ أوْ تُشافِهَهُ بِكَلِمَةٍ مُوحِشَةٍ لَكِنِ اضْرِبْ رَقَبَتَهُ، وإذا كانَ هَذا مَعْقُولًا في الجُمْلَةِ عَلِمْنا أنَّ المَنعَ مِنَ التَّأْفِيفِ مُغايِرٌ لِلْمَنعِ مِنَ الضَّرْبِ وغَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْمَنعِ مِنَ الضَّرْبِ عَقْلًا في الجُمْلَةِ، إلّا أنّا عَلِمْنا في هَذِهِ الصُّورَةِ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذا الكَلامِ المُبالَغَةُ في تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ فَكانَتْ دَلالَةُ المَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ عَلى المَنعِ مِنَ الضَّرْبِ مِن بابِ القِياسِ بِالأدْنى عَلى الأعْلى، واللَّهُ أعْلَمُ.

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ تَعالى العِبادَ بِها في حَقِّ الأبَوَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ يُقالُ: نَهَرَهُ وانْتَهَرَهُ إذا اسْتَقْبَلَهُ بِكَلامٍ يَزْجُرُهُ. قالَ تَعالى: ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] .

فَإنْ قِيلَ: المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلَمّا قَدَّمَ المَنعَ مِنَ التَّأْفِيفِ كانَ ذِكْرُ المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ بَعْدَهُ عَبَثًا. أمّا لَوْ فَرَضْنا أنَّهُ قَدَّمَ المَنعَ مِنَ الِانْتِهارِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالمَنعِ مِنَ التَّأْفِيفِ كانَ مُفِيدًا حَسَنًا، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ المَنعِ مِنَ الِانْتِهارِ المَنعُ مِنَ التَّأْفِيفِ، فَما السَّبَبُ في رِعايَةِ هَذا التَّرْتِيبِ ؟

قُلْنا: المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ الضَّجَرِ بِالقَلِيلِ أوِ الكَثِيرِ، والمُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْهَرْهُما﴾ المَنعُ مِن إظْهارِ المُخالَفَةِ في القَوْلِ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِ والتَّكْذِيبِ لَهُ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ الإنْسانَ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَنْ ذِكْرِ القَوْلِ المُؤْذِي المُوحِشِ. والنَّهْيُ عَنِ القَوْلِ المُؤْذِي لا يَكُونُ أمْرًا بِالقَوْلِ الطَّيِّبِ، لا جَرَمَ أرْدَفَهُ بِأنْ أمَرَهُ بِالقَوْلِ الحَسَنِ والكَلامِ الطَّيِّبِ فَقالَ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ والمُرادُ مِنهُ أنْ يُخاطِبَهُ بِالكَلامِ المَقْرُونِ بِأماراتِ التَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ. قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو أنْ يَقُولَ لَهُ: يا أبَتاهُ يا أُمّاهُ، وسُئِلَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ عَنِ القَوْلِ الكَرِيمِ فَقالَ: هو قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ، وعَنْ عَطاءٍ أنْ يُقالَ: هو أنْ تَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِشَرْطِ أنْ لا تَرْفَعَ عَلَيْهِما صَوْتَكَ ولا تَشُدَّ إلَيْهِما نَظَرَكَ، وذَلِكَ لِأنَّ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ يُنافِيانِ القَوْلَ الكَرِيمَ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ أعْظَمَ النّاسِ حِلْمًا وكَرَمًا وأدَبًا، فَكَيْفَ قالَ لِأبِيهِ يا آزَرُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: (وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرُ) بِالضَّمِّ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤] فَخاطَبَهُ بِالِاسْمِ وهو إيذاءٌ، ثُمَّ نَسَبَهُ ونَسَبَ قَوْمَهُ إلى الضَّلالِ وهو أعْظَمُ أنْواعِ الإيذاءِ ؟

قُلْنا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَقَّ اللَّهِ تَعالى مُقَدَّمٌ عَلى حَقِّ الأبَوَيْنِ، فَإقْدامُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ذَلِكَ الإيذاءِ إنَّما كانَ تَقْدِيمًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعالى عَلى حَقِّ الأبَوَيْنِ.

النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ المُبالَغَةُ في التَّواضُعِ، وذَكَرَ

صفحة ١٥٣

القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في تَقْرِيرِهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ ضَمَّ فَرْخِهِ إلَيْهِ لِلتَّرْبِيَةِ خَفَضَ لَهُ جَناحَهُ، ولِهَذا السَّبَبِ صارَ خَفْضُ الجَناحِ كِنايَةً عَنْ حُسْنِ التَّرْبِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ لِلْوَلَدِ: اكْفُلْ والِدَيْكَ بِأنْ تَضُمَّهُما إلى نَفْسِكَ كَما فَعَلا ذَلِكَ بِكَ حالَ صِغَرِكَ.

والثّانِي: أنَّ الطّائِرَ إذا أرادَ الطَّيَرانَ والِارْتِفاعَ نَشَرَ جَناحَهُ وإذا أرادَ تَرْكَ الطَّيَرانِ وتَرْكَ الِارْتِفاعِ خَفَضَ جَناحَهُ. فَصارَ خَفْضُ الجَناحِ كِنايَةً عَنْ فِعْلِ التَّواضُعِ مِن هَذا الوَجْهِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أضافَ الجَناحَ إلى الذُّلِّ، والذُّلُّ لا جَناحَ لَهُ ؟

قُلْنا: فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ أُضِيفَ الجَناحُ إلى الذُّلِّ كَما يُقالُ: حاتِمُ الجُودِ فَكَما أنَّ المُرادَ هُناكَ حاتِمٌ الجَوادُ فَكَذَلِكَ هَهُنا المُرادُ: واخْفِضْ لَهُما جَناحَكَ الذَّلِيلَ، أيِ المَذْلُولَ.

والثّانِي: أنَّ مَدارَ الِاسْتِعارَةِ عَلى الخَيالاتِ فَهَهُنا تَخَيَّلَ لِلذُّلِّ جَناحًا وأثْبَتَ لِذَلِكَ الجَناحِ ضَعْفًا تَكْمِيلًا لِأمْرِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ كَما قالَ لَبِيدٌ:

إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها

فَأثْبَتَ لِلشَّمالِ يَدًا ووَضَعَ زِمامَها في يَدِ الشَّمالِ فَكَذا هَهُنا.

وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ مَعْناهُ: لِيَكُنْ خَفْضُ جَناحِكَ لَهُما بِسَبَبِ فَرْطِ رَحْمَتِكَ لَهُما وعَطْفِكَ عَلَيْهِما بِسَبَبِ كِبَرِهِما وضَعْفِهِما.

والنَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: إنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ في تَعْلِيمِ البِرِّ بِالوالِدَيْنِ عَلى تَعْلِيمِ الأقْوالِ بَلْ أضافَ إلَيْهِ تَعْلِيمَ الأفْعالِ وهو أنْ يَدْعُوَ لَهُما بِالرَّحْمَةِ فَيَقُولُ: ﴿رَبِّي ارْحَمْهُما﴾ ولَفْظُ الرَّحْمَةِ جامِعٌ لِكُلِّ الخَيْراتِ في الدِّينِ والدُّنْيا. ثُمَّ يَقُولُ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ يُعَيِّنُ: رَبِّ افْعَلْ بِهِما هَذا النَّوْعَ مِنَ الإحْسانِ كَما أحْسَنا إلَيَّ في تَرْبِيَتِهِما إيّايَ، والتَّرْبِيَةُ هي التَّنْمِيَةُ، وهي مِن قَوْلِهِمْ رَبا الشَّيْءُ إذا انْتَفَعَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ [الحج: ٥] .

البَحْثُ الثّانِي: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] فَلا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ إذا كانا مُشْرِكَيْنِ، ولا يَقُولَ: رَبِّ ارْحَمْهُما.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، ولَكِنَّها مَخْصُوصَةٌ في حَقِّ المُشْرِكِينَ، وهَذا أوْلى مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ لِأنَّ التَّخْصِيصَ أوْلى مِنَ النَّسْخِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا نَسْخَ ولا تَخْصِيصَ لِأنَّ الوالِدَيْنِ إذا كانا كافِرَيْنِ فَلَهُ أنْ يَدْعُوَ لَهُما بِالهِدايَةِ والإرْشادِ، وأنْ يَطْلُبَ الرَّحْمَةَ لَهُما بَعْدَ حُصُولِ الإيمانِ.

البَحْثُ الثّالِثُ: ظاهِرُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ فَقَوْلُهُ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ أمْرٌ وظاهِرُ الأمْرِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ فَيَكْفِي في العَمَلِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ هَذا القَوْلِ مَرَّةً واحِدَةً، سُئِلَ سُفْيانُ: كَمْ يَدْعُو الإنْسانُ لِوالِدَيْهِ ؟ أفِي اليَوْمِ مَرَّةً أوْ في الشَّهْرِ أوْ في السَّنَةِ ؟ فَقالَ: نَرْجُو أنْ يُجَزِئَهُ إذا دَعا لَهُما في أواخِرِ التَّشَهُّداتِ كَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّ التَّشَهُّدَ يُجْزِي عَنِ الصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فَهم يُكَرِّرُونَ في أدْبارِ الصَّلَواتِ.

صفحة ١٥٤

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكم إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ والمَعْنى أنّا قَدْ أمَرْناكم في هَذِهِ الآيَةِ بِإخْلاصِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى وبِالإحْسانِ بِالوالِدَيْنِ، ولا يَخْفى عَلى اللَّهِ ما تُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِكم مِنَ الإخْلاصِ في الطّاعَةِ وعَدَمِ الإخْلاصِ فِيها، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما في نُفُوسِكم بَلْ هو أعْلَمُ بِتِلْكَ الأحْوالِ مِنكم بِها، لِأنَّ عُلُومَ البَشَرِ قَدْ يَخْتَلِطُ بِها السَّهْوُ والنِّسْيانُ وعَدَمُ الإحاطَةِ بِالكُلِّ، فَأمّا عِلْمُ اللَّهِ فَمُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الأحْوالِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ عالِمًا بِكُلِّ ما في قُلُوبِكم، والمَقْصُودُ مِنهُ التَّحْذِيرُ عَنْ تَرْكِ الإخْلاصِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ أيْ: إنْ كُنْتُمْ بُرَآءَ عَنْ جِهاتِ الفَسادِ في أحْوالِ قُلُوبِكم كُنْتُمْ أوّابِينَ، أيْ: رَجّاعِينَ إلى اللَّهِ مُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ في كُلِّ الأعْمالِ، وسُنَّةُ اللَّهِ وحُكْمُهُ في الأوّابِينَ أنَّهُ غَفُورٌ لَهم يُكَفِّرُ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ، والأوّابُ هو الَّذِي مِن عادَتِهِ ودَيْدَنِهِ الرُّجُوعُ إلى أمْرِ اللَّهِ تَعالى والِالتِجاءُ إلى فَضْلِهِ ولا يَلْتَجِئُ إلى شَفاعَةِ شَفِيعٍ كَما يَفْعَلُهُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ جَمادًا يَزْعُمُونَ أنَّهُ يَشْفَعُ لَهم، ولَفْظُ الأوّابِ عَلى وزْنِ فَعّالٍ، وهو يُفِيدُ المُداوَمَةَ والكَثْرَةَ كَقَوْلِهِمْ: قَتّالٌ وضَرّابٌ، والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الآيَةَ الأُولى لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ تَعْظِيمِ الوالِدَيْنِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ ثُمَّ إنَّ الوَلَدَ قَدْ يَظْهَرُ مِنهُ نادِرَةٌ مُخِلَّةٌ بِتَعْظِيمِهِما فَقالَ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِ قُلُوبِكم، فَإنْ كانَتْ تِلْكَ الهَفْوَةُ لَيْسَتْ لِأجْلِ العُقُوقِ بَلْ ظَهَرَتْ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ كانَتْ في مَحَلِّ الغُفْرانِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

17:26–28Page 284

وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦

And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1

إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧

Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.

وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا ٢٨

And if you [must] turn away from them [i.e., the needy] awaiting mercy from your Lord which you expect,1 then speak to them a gentle word.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والطّاعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتِ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَ أقارِبَهُ الحُقُوقَ الَّتِي وجَبَتْ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أيْضًا إخْراجَ حَقِّ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ أيْضًا مِن هَذَيْنِ المِثالَيْنِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] والمَعْنى: أنَّكَ بَعْدَ فَراغِكَ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ، يَجِبُ أنْ تَشْتَغِلَ بِبِرِّ سائِرِ الأقارِبِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثُمَّ بِإصْلاحِ أحْوالِ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مُجْمَلٌ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ ما هو ؟ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَجِبُ الإنْفاقُ إلّا عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: يَجِبُ الإنْفاقُ عَلى المَحارِمِ بِقَدْرِ

صفحة ١٥٥

الحاجَةِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المَحارِمِ كَأبْناءِ العَمِّ فَلا حَقَّ لَهم إلّا المُوادَّةُ والزِّيارَةُ وحُسْنُ المُعاشَرَةِ والمُؤالَفَةُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. أمّا المِسْكِينُ وابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ وصْفُهُما في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ آيَةِ الزَّكاةِ. ويَجِبُ أنْ يُدْفَعَ إلى المِسْكِينِ ما يَفِي بِقُوتِهِ وقُوتِ عِيالِهِ، وأنْ يُدْفَعَ إلى ابْنِ السَّبِيلِ ما يَكْفِيهِ مِن زادِهِ وراحِلَتِهِ إلى أنْ يَبْلُغَ مَقْصِدَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ والتَّبْذِيرُ في اللُّغَةِ إفْسادُ المالِ وإنْفاقُهُ في السَّرَفِ. قالَ عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ: كُنْتُ أطُوفُ في المَساجِدِ مَعَ مُجاهِدٍ حَوْلَ الكَعْبَةِ فَرَفَعَ رَأسَهُ إلى أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أنْفَقَ مِثْلَ هَذا في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْرِفِينَ، ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ مِنَ المُسْرِفِينَ. وأنْفَقَ بَعْضُهم نَفَقَةً في خَيْرٍ فَأكْثَرَ فَقِيلَ لَهُ لا خَيْرَ في السَّرَفِ فَقالَ: لا سَرَفَ في الخَيْرِ، وعَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ فَقالَ: ما هَذا السَّرَفُ يا سَعْدُ ؟ فَقالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قالَ: نَعَمْ: وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ»، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى قُبْحِ التَّبْذِيرِ بِإضافَتِهِ إيّاهُ إلى أفْعالِ الشَّياطِينِ فَقالَ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ في هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ المُلازِمَ لِلشَّيْءِ أخًا لَهُ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أخُو الكَرَمِ والجُودِ، وأخُو السَّفَرِ إذا كانَ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: قُرَناءَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صِفَةَ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] ومَعْنى كَوْنِ الشَّيْطانِ كَفُورًا لِرَبِّهِ، هو أنَّهُ يَسْتَعْمِلُ بَدَنَهُ في المَعاصِي والإفْسادِ في الأرْضِ، والإضْلالِ لِلنّاسِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن رَزَقَهُ اللَّهَ تَعالى مالًا أوْ جاهًا فَصَرَفَهُ إلى غَيْرِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَفُورًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ: أنَّ المُبَذِّرِينَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، بِمَعْنى كَوْنِهِمْ مُوافِقِينَ لِلشَّياطِينِ في الصِّفَةِ والفِعْلِ، ثُمَّ الشَّيْطانُ كَفُورٌ لِرَبِّهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ المُبَذِّرِ أيْضًا كَفُورًا لِرَبِّهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَرَجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ عادَةِ العَرَبِ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ الأمْوالَ بِالنَّهْبِ والغارَةِ ثُمَّ كانُوا يُنْفِقُونَها في طَلَبِ الخُيَلاءِ والتَّفاخُرِ، وكانَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ وتَوْهِينِ أهْلِهِ وإعانَةِ أعْدائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ في هَذا البابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ والمَعْنى: أنَّكَ إنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ التَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ بِسَبَبِ الفَقْرِ والقِلَّةِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أيْ: سَهْلًا لَيِّنًا، وقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ كِنايَةٌ عَنِ الفَقْرِ، لِأنَّ فاقِدَ المالِ يَطْلُبُ رَحْمَةَ اللَّهِ وإحْسانَهُ. فَلَمّا كانَ فَقْدُ المالِ سَبَبًا لِهَذا الطَّلَبِ ولِهَذا الِابْتِغاءِ أطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ فَسَمّى الفَقْرَ بِابْتِغاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الفَقْرِ والقِلَّةِ لا تَتْرُكْ تَعَهُّدَهم بِالقَوْلِ الجَمِيلِ والكَلامِ الحَسَنِ، بَلْ تَعِدُهم بِالوَعْدِ الجَمِيلِ وتَذْكُرُ لَهُمُ العُذْرَ وهو حُصُولُ القِلَّةِ وعَدَمِ المالِ، أوْ تَقُولُ لَهم: اللَّهُ يُسَهِّلُ، وفي تَفْسِيرِ القَوْلِ المَيْسُورِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: القَوْلُ المَيْسُورُ هو الرَّدُّ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ.

والثّانِي: القَوْلُ المَيْسُورُ اللَّيِّنُ السَّهْلُ قالَ الكِسائِيُّ: يَسَّرْتُ أُيَسِّرُ لَهُ القَوْلَ أيْ: لَيَّنْتُهُ لَهُ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القَوْلُ المَيْسُورُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] قالُوا: والمَيْسُورُ هو المَعْرُوفُ، لِأنَّ القَوْلَ المُتَعارَفَ لا يُحْوِجُ إلى تَكَلُّفٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

17:29–30Page 285

وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا ٢٩

And do not make your hand [as] chained to your neck1 or extend it completely2 and [thereby] become blamed and insolvent.

إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٣٠

Indeed, your Lord extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is ever, concerning His servants, Aware and Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِالإنْفاقِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَّمَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أدَبَ الإنْفاقِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ وصْفَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ في الإنْفاقِ في سُورَةِ الفُرْقانِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] فَهَهُنا أمَرَ رَسُولَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الوَصْفِ فَقالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ أيْ: لا تُمْسِكْ عَنِ الإنْفاقِ بِحَيْثُ تُضَيِّقُ عَلى نَفْسِكَ وأهْلِكَ في وُجُوهِ صِلَةِ الرَّحِمِ وسَبِيلِ الخَيْراتِ، والمَعْنى: لا تَجْعَلْ يَدَكَ في انْقِباضِها كالمَغْلُولَةِ المَمْنُوعَةِ مِنَ الِانْبِساطِ: ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ أيْ: ولا تَتَوَسَّعْ في الإنْفاقِ تَوَسُّعًا مُفْرِطًا بِحَيْثُ لا يَبْقى في يَدِكَ شَيْءٌ. وحاصِلُ الكَلامِ: أنَّ الحُكَماءَ ذَكَرُوا في كُتُبِ ”الأخْلاقِ“ أنَّ لِكُلِّ خُلُقٍ طَرَفَيْ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ وهُما مَذْمُومانِ، فالبُخْلُ إفْراطٌ في الإمْساكِ، والتَّبْذِيرُ إفْراطٌ في الإنْفاقِ وهُما مَذْمُومانِ، والخُلُقُ الفاضِلُ هو العَدْلُ والوَسَطُ كَما قالَ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ أمّا تَفْسِيرُ (تَقْعُدَ)، فَقَدْ سَبَقَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ. وأمّا كَوْنُهُ مَلُومًا فَلِأنَّهُ يَلُومُ نَفْسَهُ. وأصْحابُهُ أيْضًا يَلُومُونَهُ عَلى تَضْيِيعِ المالِ بِالكُلِّيَّةِ وإبْقاءِ الأهْلِ والوَلَدِ في الضُّرِّ والمِحْنَةِ، وأمّا كَوْنُهُ مَحْسُورًا فَقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ لِلْبَعِيرِ: هو مَحْسُورٌ إذا انْقَطَعَ سَيْرُهُ وحَسَرْتُ الدّابَّةَ إذا سَيَّرَها حَتّى يَنْقَطِعَ سَيْرُها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤] وجَمْعُ الحَسِيرِ حَسْرى مِثْلُ قَتْلى وصَرْعى، وقالَ القَفّالُ: المَقْصُودُ تَشْبِيهُ حالِ مَن أنْفَقَ كُلَّ مالِهِ ونَفَقاتِهِ بِمَنِ انْقَطَعَ في سَفَرِهِ بِسَبَبِ انْقِطاعِ مَطِيَّتِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ المِقْدارَ مِنَ المالِ كَأنَّهُ مَطِيَّةٌ يَحْمِلُ الإنْسانَ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ الشَّهْرِ أوِ السَّنَةِ، كَما أنَّ ذَلِكَ البَعِيرَ يَحْمِلُهُ ويُبَلِّغُهُ إلى آخِرِ المَنزِلِ فَإذا انْقَطَعَ ذَلِكَ البَعِيرُ بَقِيَ في وسَطِ الطَّرِيقِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، فَكَذَلِكَ إذا أنْفَقَ الإنْسانُ مِقْدارَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في مُدَّةِ شَهْرٍ بَقِيَ في وسَطِ ذَلِكَ الشَّهْرِ عاجِزًا مُتَحَيِّرًا، ومَن فَعَلَ هَذا لَحِقَهُ اللَّوْمُ مِن أهْلِهِ والمُحْتاجِينَ إلى إنْفاقِهِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ سُوءِ تَدْبِيرِهِ وتَرْكِ الحَزْمِ في مُهِمّاتِ مَعاشِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ والمَقْصُودُ أنَّهُ عَرَّفَ رَسُولَهُ ﷺ كَوْنَهُ رَبًّا. والرَّبُّ هو الَّذِي يُرَبِّي المَرْبُوبَ ويَقُومُ بِإصْلاحِ مُهِمّاتِهِ ودَفْعِ حاجاتِهِ عَلى مِقْدارِ الصَّلاحِ والصَّوابِ فَيُوَسِّعُ الرِّزْقَ عَلى البَعْضِ ويُضَيِّقُهُ عَلى البَعْضِ. والقَدْرُ في اللُّغَةِ التَّضْيِيقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] أيْ: ضَيَّقَ وإنَّما وسَّعَ عَلى البَعْضِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الصَّلاحُ لَهم قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ﴾ [الشورى: ٢٧] .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يَعْنِي أنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأنَّ مَصْلَحَةَ كُلِّ إنْسانٍ في أنْ لا

صفحة ١٥٧

يُعْطِيَهُ إلّا ذَلِكَ القَدْرَ، فالتَّفاوُتُ في أرْزاقِ العِبادِ لَيْسَ لِأجْلِ البُخْلِ، بَلْ لِأجْلِ رِعايَةِ المَصالِحِ.

17:31Page 285

وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا ٣١

And do not kill your children for fear of poverty. We provide for them and for you. Indeed, their killing is ever a great sin.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ .

هَذا هو النَّوْعُ الخامِسُ مِنَ الطّاعاتِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ هو المُتَكَفِّلُ بِأرْزاقِ العِبادِ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ .

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا عَلَّمَ كَيْفِيَّةَ البِرِّ بِالوالِدَيْنِ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ عَلَّمَ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّةَ البِرِّ بِالأوْلادِ، ولِهَذا قالَ بَعْضُهم: إنَّ الَّذِينَ يُسَمَّوْنَ بِالأبْرارِ إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم بَرُّوا الآباءَ والأبْناءَ وإنَّما وجَبَ بِرُّ الآباءِ مُكافَأةً عَلى ما صَدَرَ مِنهُما مِن أنْواعِ البِرِّ بِالأوْلادِ. وإنَّما وجَبَ البِرُّ بِالأوْلادِ لِأنَّهم في غايَةِ الضَّعْفِ ولا كافِلَ لَهم غَيْرُ الوالِدَيْنِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ امْتِناعَ الأوْلادِ مِنَ البِرِّ بِالآباءِ يُوجِبُ خَرابَ العالَمِ، لِأنَّ الآباءَ إذا عَلِمُوا ذَلِكَ قَلَّتْ رَغْبَتُهم في تَرْبِيَةِ الأوْلادِ، فَيَلْزَمُ خَرابُ العالَمِ مِنَ الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْناهُ، فَثَبَتَ أنَّ عِمارَةَ العالَمِ إنَّما تَحْصُلُ إذا حَصَلَتِ المَبَرَّةُ بَيْنَ الآباءِ والأوْلادِ مِنَ الجانِبَيْنِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ قَتْلَ الأوْلادِ إنْ كانَ لِخَوْفِ الفَقْرِ فَهو سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ، وإنْ كانَ لِأجْلِ الغَيْرَةِ عَلى البَناتِ فَهو سَعْيٌ في تَخْرِيبِ العالَمِ، فالأوَّلُ ضِدُّ التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والثّانِي ضِدُّ الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ تَعالى وكِلاهُما مَذْمُومٌ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الوَجْهُ الخامِسُ: أنَّ قَرابَةَ الأوْلادِ قَرابَةُ الجُزْئِيَّةِ والبَعْضِيَّةِ، وهي مِن أعْظَمِ المُوجِباتِ لِلْمَحَبَّةِ. فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ المُحِبَّةُ دَلَّ ذَلِكَ عَلى غِلَظٍ شَدِيدٍ في الرُّوحِ، وقَسْوَةٍ في القَلْبِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، فَرَغَّبَ اللَّهُ في الإحْسانِ إلى الأوْلادِ إزالَةً لِهَذِهِ الخَصْلَةِ الذَّمِيمَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العَرَبُ كانُوا يَقْتُلُونَ البَناتَ لِعَجْزِ البَناتِ عَنِ الكَسْبِ، وقُدْرَةِ البَنِينَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى النَّهْبِ والغارَةِ، وأيْضًا كانُوا يَخافُونَ أنَّ فَقْرَها يُنَفِّرُ كُفُؤَها عَنِ الرَّغْبَةِ فِيها فَيَحْتاجُونَ إلى إنْكاحِها مِن غَيْرِ الأكْفاءِ، وفي ذَلِكَ عارٌ شَدِيدٌ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ وهَذا لَفْظٌ عامٌّ لِلذُّكُورِ والإناثِ، والمَعْنى: أنَّ المُوجِبَ لِلرَّحْمَةِ والشَّفَقَةِ هو كَوْنُهُ ولَدًا، وهَذا المَعْنى وصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الذُّكُورِ وبَيْنَ الإناثِ. وأمّا ما يُخافُ مِنَ الفَقْرِ مِنَ البَناتِ فَقَدْ يُخافُ مِثْلُهُ في الذُّكُورِ في حالِ الصِّغَرِ، وقَدْ يُخافُ أيْضًا في العاجِزِينَ مِنَ البَنِينَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾ يَعْنِي: أنَّ الأرْزاقَ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى فَكَما أنَّهُ تَعالى فَتَحَ أبْوابَ الرِّزْقِ عَلى الرِّجالِ، فَكَذَلِكَ يَفْتَحُ أبْوابَ الرِّزْقِ عَلى النِّساءِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الجُمْهُورُ قَرَءُوا ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ أيْ: إثْمًا كَبِيرًا يُقالُ خَطِئَ يَخْطَأُ خِطْئًا مِثْلَ

صفحة ١٥٨

يَأْثَمُ إثْمًا؛ قالَ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧] أيْ: آثِمِينَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (خَطَأً) بِالفَتْحِ يُقالُ: أخْطَأ يُخْطِئُ إخْطاءً وخَطَأً إذا أتى بِما لا يَنْبَغِي مِن غَيْرِ قَصْدٍ، ويَكُونُ الخَطَأُ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ أنَّ قَتْلَهم لَيْسَ بِصَوابٍ. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: ”خِطاءً“ بِكَسْرِ الخاءِ مَمْدُودَةً ولَعَلَّهُما لُغَتانِ مِثْلَ دَفْعٍ ودِفاعٍ ولُبْسٍ ولِباسٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском