Ar-RaziAl‑Isra · 17:2–10

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:2–10

17:2–3Page 282

وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وفِيها انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، ومِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى﴾ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ ألْفاظٍ دالَّةٍ عَلى الحُضُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّه هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ يَدُلُّ عَلى الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ إلَخْ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ؛ وانْتِقالُ الكَلامِ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ وبِالعَكْسِ يُسَمّى صَنْعَةَ الِالتِفاتِ.

المسألة الثّانِيَةُ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الأُولى إكْرامَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِأنْ أسْرى بِهِ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أكْرَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَبْلَهُ بِالكِتابِ الَّذِي آتاهُ، فَقالَ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾؛ يَعْنِي التَّوْراةَ، ﴿وجَعَلْناهُ﴾

صفحة ١٢٣

﴿هُدًى﴾ أيْ: يُخْرِجُهم بِواسِطَةِ ذَلِكَ الكِتابِ مِن ظُلُماتِ الجَهْلِ والكُفْرِ إلى نُورِ العِلْمِ والدِّينِ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:

البحث الأوَّلُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”ألّا يَتَّخِذُوا“ بِالياءِ خَبَرًا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، والباقُونَ: بِالتّاءِ عَلى الخَطابِ، أيْ قُلْنا لَهم: لا تَتَّخِذُوا.

البحث الثّانِي: قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: إنَّ قَوْلَهُ ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ ناصِبَةً لِلْفِعْلِ، فَيَكُونُ المَعْنى: وجَعَلْناهُ هَدًى لِئَلّا تَتَّخِذُوا.

وثانِيها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ بِمَعْنى ”أيِ“ الَّتِي لِلتَّفْسِيرِ، وانْصَرَفَ الكَلامُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ في قِراءَةِ العامَّةِ، كَما انْصَرَفَ مِنها إلى الخِطابِ والأمْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦] . فَكَذَلِكَ انْصَرَفَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى النَّهْيِ في قَوْلِهِ: ﴿ألّا تَتَّخِذُوا﴾ .

وثالِثُها: أنْ تَكُونَ ”أنْ“ زائِدَةً ويُجْعَلَ ”تَتَّخِذُوا“ عَلى القَوْلِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ: وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَقُلْنا: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا.

البحث الثّالِثُ: قَوْلُهُ (وكِيلًا) أيْ: رَبًّا تَكِلُونَ أُمُورَكم إلَيْهِ. أقُولُ: حاصِلُ الكَلامِ فِيُ الآيَةِ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَشْرِيفَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالإسْراءِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ تَشْرِيفَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ وصَفَ التَّوْراةَ بِكَوْنِها هُدًى، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ التَّوْراةَ إنَّما كانَ هُدًى لِاشْتِمالِهِ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ غَيْرِ اللَّهِ وكِيلًا، وذَلِكَ هو التَّوْحِيدُ، فَرَجَعَ حاصِلُ الكَلامِ بَعْدَ رِعايَةِ هَذِهِ المَراتِبِ أنَّهُ لا مِعْراجَ أعْلى، ولا دَرَجَةَ أشْرَفُ، ولا مَنقَبَةَ أعْظَمُ - مِن أنْ يَصِيرَ المَرْءُ غَرِقًا في بَحْرِ التَّوْحِيدِ، وأنْ لا يُعَوِّلَ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ إلّا عَلى اللَّهِ، فَإنْ نَطَقَ، نَطَقَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وإنْ تَفَكَّرَ، تَفَكَّرَ في دَلائِلِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى، وإنْ طَلَبَ، طَلَبَ مِنَ اللَّهِ، فَيَكُونُ كُلُّهُ لِلَّهِ وبِاللَّهِ، ثم قال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ وفي نَصْبِ ”ذُرِّيَّةَ“ وجْهانِ:

الوجه الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى النِّداءِ، يَعْنِي: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: هَذا نِداءٌ. قالَ الواحِدِيُّ: وإنَّما يَصِحُّ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِالتّاءِ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ. قالَ قَتادَةُ: النّاسُ كُلُّهم ذُرِّيَّةُ نُوحٍ؛ لِأنَّهُ كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ ثَلاثَةُ بَنِينَ: سامٌ، وحامٌ، ويافِثُ. فالنّاسُ كُلُّهم مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ: يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ - قائِمًا مَقامَ قَوْلِهِ ”يا أيُّها النّاسُ“ .

الوجه الثّانِي: في نَصْبِ قَوْلِهِ ”ذُرِّيَّةَ“ - أنَّ الِاتْخاذَ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النِّساءِ: ١٢٥] . والتَّقْدِيرُ: لا تَتَّخِذُوا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ مِن دُونِي وكِيلًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أثْنى عَلى نُوحٍ، فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أيْ: كانَ كَثِيرَ الشُّكْرِ، رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ إذا أكَلَ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنِي ولَوْ شاءَ أجاعَنِي“، وإذا شَرِبَ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أسْقانِي ولَوْ شاءَ أظْمَأنِي“، وإذا اكْتَسى قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ولَوْ شاءَ أعْرانِي“، وإذا احْتَذى قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَذانِي ولَوْ شاءَ أحْفانِي“، وإذا قَضى حاجَتَهُ قالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أخْرَجَ عَنِّي أذاهُ في عافِيَةٍ ولَوْ شاءَ حَبَسَهُ“»، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ إذا أرادَ الإفْطارَ عَرَضَ طَعامَهُ عَلى مَن آمَنَ بِهِ، فَإنْ وجَدَهُ مُحْتاجًا آثَرَهُ بِهِ.

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ ما وجْهُ مُلائَمَتِهِ لِما قَبْلَهُ ؟

صفحة ١٢٤

قُلْنا: التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا ولا تُشْرِكُوا بِي؛ لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا، وإنَّما يَكُونُ العَبْدُ شَكُورًا لَوْ كانَ مُوَحِّدًا لا يَرى حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ النِّعَمِ إلّا مِن فَضْلِ اللَّهِ؛ وأنْتُمْ ذُرِّيَّةُ قَوْمِهِ فاقْتَدُوا بِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، كَما أنَّ آباءَكُمُ اقْتَدَوْا بِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

17:4–6Page 282

وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤

And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥

So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ إنْعامَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِمْ، وبِأنَّهُ جَعَلَ التَّوْراةَ هُدًى لَهم - بَيَّنَ أنَّهم ما اهْتَدَوْا بِهُداهُ، بَلْ وقَعُوا في الفَسادِ، فَقالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: القَضاءُ في اللُّغَةِ: عِبارَةٌ عَنْ قَطْعِ الأشْياءِ عَنْ إحْكامٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فُصِّلَتْ: ١٢]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:

وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ. . . . . . . . . . . .

فَقَوْلُهُ: ﴿وقَضَيْنا﴾ أيْ: أعْلَمْناهم وأخْبَرْناهم بِذَلِكَ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ. ولَفْظُ ”إلى“ صِلَةٌ لِلْإيحاءِ؛ لِأنَّ مَعْنى ”قَضَيْنا“ أوْحَيْنا إلَيْهِمْ كَذا. وقَوْلُهُ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ يُرِيدُ المَعاصِيَ وخِلافَ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ يَعْنِي: أرْضَ مِصْرَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ يَعْنِي: أنَّهُ يَكُونُ اسْتِعْلاؤُكم عَلى النّاسِ بِغَيْرِ الحَقِّ اسْتِعْلاءً عَظِيمًا؛ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ مُتَجَبِّرٍ: قَدْ عَلا وتَعَظَّمَ، ثم قال: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ يَعْنِي أُولى المَرَّتَيْنِ ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ إذا جاءَ وعْدُ الفُسّاقِ في المَرَّةِ الأُولى أرْسَلْنا عَلَيْكم قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، ونَجْدَةٍ وشِدَّةٍ، والبَأْسُ القِتالُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٧٧] . ومَعْنى بَعَثْنا عَلَيْكم: أرْسَلْنا عَلَيْكم، وخَلَّيْنا بَيْنَكم وبَيْنَهم خاذِلِينَ إيّاكم، واخْتَلَفُوا في أنَّ هَؤُلاءِ العِبادِ مَن هم ؟ قِيلَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَعَظَّمُوا وتَكَبَّرُوا واسْتَحَلُّوا المَحارِمَ وقَتَلُوا الأنْبِياءَ وسَفَكُوا الدِّماءَ، وذَلِكَ أوَّلُ الفَسادَيْنِ فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ فَقَتَلَ مِنهم أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وذَهَبَ بِالبَقِيَّةِ إلى أرْضِ نَفْسِهِ، فَبَقُوا هُناكَ في الذُّلِّ إلى أنْ قَيَّضَ اللَّهُ مَلِكًا آخَرَ غَزا أهْلَ بابِلَ، واتَّفَقَ أنْ تَزَوَّجَ بِامْرَأةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَطَلَبَتْ تِلْكَ المَرْأةُ مِن ذَلِكَ المَلِكِ أنْ يَرُدَّ بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَفَعَلَ، وبَعْدَ مُدَّةٍ قامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ورَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ .

صفحة ١٢٥

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ حَتّى أهْلَكَهم وأبادَهم، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ هو أنَّهُ تَعالى قَوّى طالُوتَ حَتّى حارَبَ جالُوتَ، ونَصَرَ داوُدَ حَتّى قَتَلَ جالُوتَ، فَذاكَ هو عَوْدُ الكَرَّةِ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ هو أنَّهُ تَعالى ألْقى الرُّعْبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِ المَجُوسِ، فَلَمّا كَثُرَتِ المَعاصِي فِيهِمْ أزالَ ذَلِكَ الرُّعْبَ عَنْ قُلُوبِ المَجُوسِ، فَقَصَدُوهم وبالَغُوا في قَتْلِهِمْ وإفْنائِهِمْ وإهْلاكِهِمْ.

واعْلَمْ أنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ كَثِيرُ غَرَضٍ في مَعْرِفَةِ أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأعْيانِهِمْ، بَلِ المَقْصُودُ هو أنَّهم لَمّا أكْثَرُوا مِنَ المَعاصِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أقْوامًا قَتَلُوهم وأفْنَوْهم.

ثم قال تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الجَوْسُ والجَوَسانُ التَّرَدُّدُ خِلالَ الدِّيارِ والبُيُوتِ في الفَسادِ، والخِلالُ: هو الِانْفِراجُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والدِّيارُ: دِيارُ بَيْتِ المَقْدِسِ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ”﴿فَجاسُوا﴾“، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فَتَّشُوا. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: طَلَبُوا مَن فِيها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عاثُوا وأفْسَدُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: طافُوا خِلالَ الدِّيارِ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ. قالَ الواحِدِيُّ: الجَوْسُ هو التَّرَدُّدُ والطَّلَبُ، وذَلِكَ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ ما قالُوهُ.

ثم قال تَعالى: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ أيْ: كانَ قَضاءُ اللَّهِ بِذَلِكَ قَضاءً جَزْمًا حَتْمًا لا يَقْبَلُ النَّقْضَ والنَّسْخَ، ثم قال تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيْ: أهْلَكْنا أعْداءَكم ورَدَدْنا الدَّوْلَةَ والقُوَّةَ عَلَيْكم، ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . النَّفِيرُ: العَدَدُ مِنَ الرِّجالِ، وأصْلُهُ مِن نَفَرَ مَعَ الرَّجُلِ مِن عَشِيرَتِهِ وقَوْمِهِ، والنَّفِيرُ والنّافِرُ واحِدٌ، كالقَدِيرِ والقادِرِ، وذَكَرْنا مَعْنى ”نَفَرَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢]، وقَوْلِهِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤١] .

المسألة الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ في مَسْألَةِ القَضاءِ والقَدَرِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ وهَذا القَضاءُ أقَلُّ احْتِمالاتِهِ الحكم الجَزْمُ، والخَبَرُ الحَتْمُ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنْهم أنَّهم سَيُقْدِمُونَ عَلى الفَسادِ والمَعاصِي خَبَرًا جَزْمًا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ؛ لِأنَّ القَضاءَ مَعْناهُ الحكم الجَزْمُ عَلى ما شَرَحْناهُ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ القَضاءَ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ، فَقالَ: ﴿وكانَ وعْدًا مَفْعُولًا﴾ .

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: عَدَمُ وُقُوعِ ذَلِكَ الفَسادِ عَنْهم يَسْتَلْزِمُ انْقِلابَ خَبَرِ اللَّهِ تَعالى الصِّدْقِ كَذِبًا، وانْقِلابَ حُكْمِهِ الجازِمِ باطِلًا، وانْقِلابَ عِلْمِهِ الحَقِّ جَهْلًا، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَكانَ عَدَمُ إقْدامِهِمْ عَلى ذَلِكَ الفَسادِ مُحالًا، فَكانَ إقْدامُهم عَلَيْهِ واجِبًا ضَرُورِيًّا لا يَقْبَلُ النَّسْخَ والرَّفْعَ، مَعَ أنَّهم كُلِّفُوا بِتَرْكِهِ ولُعِنُوا عَلى فِعْلِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ قَدْ يَأْمُرُ بِشَيْءٍ ويَصُدُّ عَنْهُ، وقَدْ يَنْهى عَنْ شَيْءٍ ويَقْضِي بِتَحْصِيلِهِ، فَهَذا أحَدُ وُجُوهِ الِاسْتِدَلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

الوجه الثّانِي في الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ والمُرادُ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَسَلَّطُوا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والأسْرِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو الَّذِي بَعَثَهم عَلى بَنِي

صفحة ١٢٦

إسْرائِيلَ، ولا شَكَّ أنَّ قَتْلَ بَنِي إسْرائِيلَ، ونَهْبَ أمْوالِهِمْ، وأسْرَ أوْلادِهِمْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الظُّلْمِ الكَثِيرِ والمَعاصِي العَظِيمَةِ. ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ كُلَّ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الخَيْرَ والشَّرَّ والطّاعَةَ والمَعْصِيَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِن ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ هو أنَّهُ تَعالى أمَرَ أُولَئِكَ الأقْوامَ بِغَزْوِ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ظَهَرَ فِيهِمْ مِنَ الفَسادِ، فَأُضِيفَ ذَلِكَ الفَعْلُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن حَيْثُ الأمْرُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ خَلَّيْنا بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وما ألْقَيْنا الخَوْفَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في قُلُوبِهِمْ. وحاصِلُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا البَعْثِ التَّخْلِيَةُ وعَدَمُ المَنعِ.

واعْلَمْ أنَّ الجَوابَ الأوَّلَ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الَّذِينَ قَصَدُوا تَخْرِيبَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وإحْراقَ التَّوْراةِ، وقَتْلَ حُفّاظِ التَّوْراةِ - لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

والجَوابُ الثّانِي أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ البَعْثَ عَلى الفِعْلِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْوِيَةِ عَلَيْهِ وإلْقاءِ الدَّواعِي القَوِيَّةِ في القَلْبِ، وأمّا التَّخْلِيَةُ فَعِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ المَنعِ، والأوَّلُ فِعْلٌ، والثّانِي تَرْكٌ، فَتَفْسِيرُ البَعْثِ بِالتَّخْلِيَةِ تَفْسِيرٌ لِأحَدِ الضِّدَّيْنِ بِالآخَرِ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ، فَثَبَتَ صِحَّةُ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

17:7Page 282

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المسألة الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم لَمّا عَصَوْا سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أقْوامًا قَصَدُوهم بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والسَّبْيِ، ولَمّا تابُوا أزالَ عَنْهم تِلْكَ المِحْنَةَ وأعادَ عَلَيْهِمُ الدَّوْلَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّهم إنْ أطاعُوا فَقَدْ أحْسَنُوا إلى أنْفُسِهِمْ، وإنْ أصَرُّوا عَلى المَعْصِيَةِ فَقَدْ أساءُوا إلى أنْفُسِهِمْ، وقَدْ تَقَرَّرَ في العُقُولِ أنَّ الإحْسانَ إلى النَّفْسِ حَسَنٌ مَطْلُوبٌ، وأنَّ الإساءَةَ إلَيْها قَبِيحَةٌ؛ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ .

المسألة الثّانِيَةُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: لا بُدَّ هَهُنا مِن إضْمارٍ، والتَّقْدِيرُ: وقُلْنا إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم، والمَعْنى: إنْ أحْسَنْتُمْ بِفِعْلِ الطّاعاتِ فَقَدْ أحْسَنْتُمْ إلى أنْفُسِكم مِن حَيْثُ إنَّ بِبَرَكَةِ تِلْكَ الطّاعاتِ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْكم أبْوابَ الخَيْراتِ والبَرَكاتِ، وإنْ أسَأْتُمْ بِفِعْلِ المُحَرَّماتِ أسَأْتُمْ إلى أنْفُسِكم مِن حَيْثُ إنَّ بِشُؤْمِ تِلْكَ المَعاصِي يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيْكم أبْوابَ العُقُوباتِ.

صفحة ١٢٧

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّما قالَ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ لِلتَّقابُلِ، والمَعْنى: فَإلَيْها أوْ فَعَلَيْها مَعَ أنَّ حُرُوفَ الإضافَةِ يَقُومُ بَعْضُها مَقامَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٤ - ٥] أيْ: إلَيْها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أهْلُ الإشاراتِ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَعالى غالِبَةٌ عَلى غَضَبِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْهُمُ الإحْسانَ أعادَهُ مَرَّتَيْنِ فَقالَ: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكُمْ﴾ ولَمّا حَكى عَنْهُمُ الإساءَةَ اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِها مَرَّةً واحِدَةً فَقالَ: ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ ولَوْلا أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ غالِبٌ وإلّا لَما كانَ كَذَلِكَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناهُ وعْدُ المَرَّةِ الأخِيرَةِ، وهَذِهِ المَرَّةُ الأخِيرَةُ هي إقْدامُهم عَلى قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قالَ الواحِدِيُّ: فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ أبْغَضَ خَلْقِهِ إلَيْهِ فَسَبى بَنِي إسْرائِيلَ وقَتَلَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ.

أقُولُ: التَّوارِيخُ تَشْهَدُ بِأنَّ بُخْتُنَصَّرَ كانَ قَبْلَ وقْتِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَحْيى وزَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسِنِينَ مُتَطاوِلَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ المَلِكَ الَّذِي انْتَقَمَ مِنَ اليَهُودِ بِسَبَبِ هَؤُلاءِ مَلِكٌ مِنَ الرُّومِ يُقالُ لَهُ: قُسْطَنْطِينُ المَلِكُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِأحْوالِهِمْ، ولا يَتَعَلَّقُ غَرَضٌ مِن أغْراضِ تَفْسِيرِ القُرْآنِ بِمَعْرِفَةِ أعْيانِ هَؤُلاءِ الأقْوامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: جَوابُ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا﴾ [الإسراء: ٥] ثُمَّ قالَ: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: ساءَهُ يَسُوءُهُ أيْ: أحْزَنَهُ، وإنَّما عَزا الإساءَةَ إلى الوُجُوهِ؛ لِأنَّ آثارَ الأعْراضِ النَّفْسانِيَّةِ الحاصِلَةِ في القَلْبِ إنَّما تَظْهَرُ عَلى الوَجْهِ، فَإنْ حَصَلَ الفَرَحُ في القَلْبِ ظَهَرَتِ النَّضْرَةُ والإشْراقُ والإسْفارُ في الوَجْهِ. وإنْ حَصَلَ الحُزْنُ والخَوْفُ في القَلْبِ ظَهَرَ الكُلُوحُ والغَبَرَةُ والسَّوادُ في الوَجْهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ عُزِيَتِ الإساءَةُ إلى الوُجُوهِ في هَذِهِ الآيَةِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ العامَّةُ: لِيَسُوءُوا عَلى صِيغَةِ المُغايَبَةِ، قالَ الواحِدِيُّ: وهي مُوافِقَةٌ لِلْمَعْنى ولِلَّفْظِ. أمّا المَعْنى فَهو أنَّ المَبْعُوثِينَ هُمُ الَّذِينَ يَسُوءُونَهم في الحَقِيقَةِ، لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَ ويَأْسِرُونَ وأمّا اللَّفْظُ فَلِأنَّهُ يُوافِقُ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةَ: ”لِيَسُوءَ“ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الواحِدِ، وذَلِكَ الواحِدُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أحَدَ أشْياءَ ثَلاثَةٍ: إمّا اسْمُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ الَّذِي تَقَدَّمَ هو قَوْلُهُ: ثُمَّ رَدَدْنا وأمْدَدْنا، وكُلُّ ذَلِكَ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الواحِدُ هو البَعْثَ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَعَثْنا﴾ والفِعْلُ المُتَقَدِّمُ يَدُلُّ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقالَ الزَّجّاجُ: لِيَسُوءَ الوَعْدُ وُجُوهَكم، وقَرَأ الكِسائِيُّ بِالنُّونِ وهَذا عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ: بَعَثْنا عَلَيْكم وأمْدَدْنا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ يُقالُ: تَبِرَ الشَّيْءُ تَبْرًا إذا هَلَكَ وتَبَّرَهُ أهْلَكَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ مُكَسَّرًا ومُفَتَّتًا فَقَدْ تَبَّرْتَهُ، ومِنهُ قِيلَ: تِبْرُ الزُّجاجِ وتِبْرُ الذَّهَبِ لِمُكَسَّرِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:

صفحة ١٢٨

﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا تَبارًا﴾ [نوح: ٢٨] . وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلَوْا﴾ يَحْتَمِلُ ما غَلَبُوا عَلَيْهِ وظَفِرُوا بِهِ، ويَحْتَمِلُ ويُتَبِّرُوا ما دامُوا غالِبِينَ، أيْ: ما دامَ سُلْطانُهم جارِيًا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وقَوْلُهُ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ ذِكْرٌ لِلْمَصْدَرِ عَلى مَعْنى تَحْقِيقِ الخَبَرِ وإزالَةِ الشَّكِّ في صِدْقِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أيْ: حَقًّا، والمَعْنى: ولِيُدَمِّرُوا ويُخَرِّبُوا ما غَلَبُوا عَلَيْهِ.

17:8Page 283

عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨

[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ والمَعْنى: لَعَلَّ رَبَّكم أنْ يَرْحَمَكم ويَعْفُوَ عَنْكم بَعْدَ انْتِقامِهِ مِنكم يا بَنِي إسْرائِيلَ.

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ يَعْنِي: أنَ بَعَثْنا عَلَيْكم مَن بَعَثْنا، فَفَعَلُوا بِكم ما فَعَلُوا عُقُوبَةً لَكم وعِظَةً لِتَنْتَفِعُوا بِهِ وتَزْدَجِرُوا بِهِ عَنِ ارْتِكابِ المَعاصِي، ثُمَّ رَحِمَكم فَأزالَ هَذا العَذابَ عَنْكم، فَإنْ عُدْتُمْ مَرَّةً أُخْرى إلى المَعْصِيَةِ عُدْنا إلى صَبِّ البَلاءِ عَلَيْكم في الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى.

قالَ القَفّالُ: إنَّما حَمَلْنا هَذِهِ الآيَةَ عَلى عَذابِ الدُّنْيا لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ خَبَرًا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ أيْ: وإنَّهم قَدْ عادُوا إلى فِعْلِ ما لا يَنْبَغِي وهو التَّكْذِيبُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وكِتْمانُ ما ورَدَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَعادَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالتَّعْذِيبِ عَلى أيْدِي العَرَبِ. فَجَرى عَلى بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ وبَنِي قَيْنُقاعَ ويَهُودِ خَيْبَرَ ما جَرى مِنَ القَتْلِ والجَلاءِ، ثُمَّ الباقُونَ مِنهم مَقْهُورُونَ بِالجِزْيَةِ لا مُلْكَ لَهم ولا سُلْطانَ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ والحَصِيرُ فَعِيلٌ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ: وجَعَلْنا جَهَنَّمَ حاصِرَةً لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: جَعَلْناها مَوْضِعًا مَحْصُورًا لَهم، والمَعْنى أنَّ عَذابَ الدُّنْيا وإنْ كانَ شَدِيدًا قَوِيًّا إلّا أنَّهُ قَدْ يَتَفَلَّتُ بَعْضُ النّاسِ عَنْهُ، والَّذِي يَقَعُ في ذَلِكَ العَذابِ يَتَخَلَّصُ عَنْهُ، إمّا بِالمَوْتِ وإمّا بِطَرِيقٍ آخَرَ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَإنَّهُ يَكُونُ حاصِرًا لِلْإنْسانِ مُحِيطًا بِهِ لا رَجاءَ في الخَلاصِ عَنْهُ، فَهَؤُلاءِ الأقْوامُ لَهم مِن عَذابِ الدُّنْيا ما وصَفْناهُ ويَكُونُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَذابِ الآخِرَةِ ما يَكُونُ مُحِيطًا بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ ولا يَتَخَلَّصُونَ مِنهُ أبَدًا.

17:9–10Page 283

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ ما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادِهِ المُخْلِصِينَ وهو الإسْراءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإيتاءُ الكِتابِ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما فَعَلَهُ في حَقِّ العُصاةِ والمُتَمَرِّدِينَ وهو تَسْلِيطُ أنْواعِ البَلاءِ عَلَيْهِمْ، كانَ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طاعَةَ اللَّهِ تُوجِبُ كُلَّ خَيْرٍ وكَرامَةٍ ومَعْصِيَتَهُ تُوجِبُ كُلَّ بَلِيَّةٍ وغَرامَةٍ، لا جَرَمَ أثْنى عَلى القُرْآنِ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ .

صفحة ١٢٩

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١] يَدُلُّ عَلى كَوْنِ هَذا الدِّينِ مُسْتَقِيمًا، وقَوْلَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا الدِّينَ أقْوَمُ مِن سائِرِ الأدْيانِ. وأقُولُ: قَوْلُنا هَذا الشَّيْءُ أقْوَمُ مِن ذاكَ، إنَّما يَصِحُّ في شَيْئَيْنِ يَشْتَرِكانِ في مَعْنى الِاسْتِقامَةِ، ثُمَّ كانَ حُصُولُ مَعْنى الِاسْتِقامَةِ في إحْدى الصُّورَتَيْنِ أكْثَرَ وأكْمَلَ مِن حُصُولِهِ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ، وهَذا مُحالٌ لِأنَّ المُرادَ مِن كَوْنِهِ مُسْتَقِيمًا كَوْنُهُ حَقًّا وصِدْقًا، ودُخُولُ التَّفاوُتِ في كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا وصِدْقًا مُحالٌ، فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ أقْوَمُ مَجازًا، إلّا أنَّ لَفْظَ الأفْعَلِ قَدْ جاءَ بِمَعْنى الفاعِلِ كَقَوْلِنا: اللَّهُ أكْبَرُ أيِ: اللَّهُ كَبِيرٌ، وقَوْلِنا: الأشَجُّ والنّاقِصُ أعْدَلا بَنِي مَرْوانَ، أيْ: عادِلا بَنِي مَرْوانَ، أوْ يُحْمَلُ هَذا اللَّفْظُ عَلى الظّاهِرِ المُتَعارَفِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ نَعْتٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: يَهْدِي لِلْمِلَّةِ أوِ الشَّرِيعَةِ أوِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي هي أقْوَمُ المِلَلِ والشَّرائِعِ والطُّرُقِ، ومِثْلُ هَذِهِ الكِنايَةِ كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمالِ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] أيْ: بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ القُرْآنَ بِثَلاثَةِ أنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ:

الصِّفَةُ الأُولى: أنَّهُ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ يُبَشِّرُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ بِالأجْرِ الكَبِيرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الصِّفَةَ الأُولى لَمّا دَلَّتْ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ هادِيًا إلى الِاعْتِقادِ الأصْوَبِ والعَمَلِ الأصْلَحِ، وجَبَ أنْ يَظْهَرَ لِهَذا الصَّوابِ والصَّلاحِ أثَرٌ، وذَلِكَ هو الأجْرُ الكَبِيرُ لِأنَّ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ لا بُدَّ وأنْ يُفِيدَ الرِّبْحَ الأكْبَرَ والنَّفْعَ الأعْظَمَ.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الِاعْتِقادَ الأصْوَبَ والعَمَلَ الأصْلَحَ كَما يُوجِبُ لِفاعِلِهِ النَّفْعَ الأكْمَلَ الأعْظَمَ فَكَذَلِكَ تَرْكُهُ يُوجِبُ لِتارِكِهِ الضَّرَرَ الأعْظَمَ الأكْمَلَ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ والمَعْنى أنَّهُ تَعالى بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِنَوْعَيْنِ مِنَ البِشارَةِ بِثَوابِهِمْ وبِعِقابِ أعْدائِهِمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: بَشَّرْتُ زَيْدًا أنَّهُ سَيُعْطى وبِأنَّ عَدُوَّهُ سَيُمْنَعُ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ لَفْظُ البِشارَةِ بِالعَذابِ ؟

قُلْنا: مَذْكُورٌ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الضِّدَّيْنِ عَلى الآخَرِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] .

فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ وارِدَةٌ في شَرْحِ أحْوالِ اليَهُودِ وهم ما كانُوا يُنْكِرُونَ الإيمانَ بِالآخِرَةِ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ؟

قُلْنا: عَنْهُ جَوابانِ:

أحَدُهُما: أنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ الثَّوابَ والعِقابَ الجُسْمانِيَّيْنِ.

والثّانِي: أنَّ بَعْضَهم قالَ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤] فَهم في هَذا القَوْلِ صارُوا كالمُنْكِرِينَ لِلْآخِرَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском