Ar-RaziAl‑Isra · 17:62–65

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:62–65

17:62–63Page 288

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في مِحْنَةٍ عَظِيمَةٍ مِن قَوْمِهِ وأهْلِ زَمانِهِ، بَيَّنَ أنَّ حالَ الأنْبِياءِ مَعَ أهْلِ زَمانِهِمْ كَذَلِكَ. ألا تَرى أنَّ أوَّلَ الأوْلِياءِ هو آدَمُ، ثُمَّ إنَّهُ كانَ في مِحْنَةٍ شَدِيدَةٍ مِن إبْلِيسَ.

الثّانِي: أنَّ القَوْمَ إنَّما نازَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعانَدُوهُ واقْتَرَحُوا عَلَيْهِ الِاقْتِراحاتِ الباطِلَةَ لِأمْرَيْنِ: الكِبْرُ والحَسَدُ، أمّا الكِبْرُ فَلِأنَّ تَكَبُّرَهم كانَ يَمْنَعُهم مِنَ الِانْقِيادِ، وأمّا الحَسَدُ فَلِأنَّهم كانُوا يَحْسُدُونَهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والدَّرَجَةِ العالِيَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذا الكِبْرَ والحَسَدَ هُما اللَّذانِ حَمَلا إبْلِيسَ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الإيمانِ والدُّخُولِ في الكُفْرِ، فَهَذِهِ بَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ ومِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْخَلْقِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَما يَزِيدُهم إلّا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ [الإسْراءِ: ٦٠] بَيَّنَ ما هو السَّبَبُ لِحُصُولِ هَذا الطُّغْيانِ وهو قَوْلُ إبْلِيسَ ﴿لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ فَلِأجْلِ هَذا المَقْصُودِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ، فَهَذا هو الكَلامُ في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ قَدْ ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في سُوَرٍ سَبْعَةٍ، وهي: البَقَرَةُ والأعْرافُ والحِجْرُ وهَذِهِ السُّورَةُ والكَهْفُ وطَهَ وصَ، والكَلامُ المُسْتَقْصى فِيها قَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ والأعْرافِ والحِجْرِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ ولا بَأْسَ بِتَعْدِيدِ بَعْضِ المَسائِلِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ المَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ أهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ أمْ مَلائِكَةُ الأرْضِ عَلى التَّخْصِيصِ ؟ فَظاهِرُ لَفْظِ المَلائِكَةِ يُفِيدُ العُمُومَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ الأعْرافِ في صِفَةِ مَلائِكَةِ السَّماواتِ ﴿ولَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعْرافِ: ٢٠٦] يُوجِبُ خُرُوجَ مَلائِكَةِ السَّماواتِ مِن هَذا العُمُومِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ السَّجْدَةِ وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ أوِ التَّحِيَّةُ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ

صفحة ٤

فَآدَمُ كانَ هو المَسْجُودَ لَهُ أوْ يُقالُ كانَ المَسْجُودُ لَهُ هو اللَّهَ تَعالى، وآدَمُ كانَ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا ؟ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَأمْرُ المَلائِكَةِ بِالسُّجُودِ كَيْفَ يَتَناوَلُهُ ؟

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَلْ كانَ إبْلِيسُ كافِرًا مِن أوَّلِ الأمْرِ أوْ يُقالُ إنَّما كَفَرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ؟

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: المَلائِكَةُ سَجَدُوا لِآدَمَ مِن أوَّلِ ما كَمُلَتْ حَياتُهُ أوْ بَعْدِ ذَلِكَ ؟

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: شُبْهَةُ إبْلِيسَ في الِامْتِناعِ مِنَ السُّجُودِ أهْوَ قَوْلُهُ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ أوْ غَيْرُهُ ؟

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ إبْلِيسَ كانَ عارِفًا بِرَبِّهِ، إلّا أنَّهُ وقَعَ في الكُفْرِ بِسَبَبِ الكِبْرِ والحَسَدِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ وقالَ ما عَرَفَ اللَّهَ البَتَّةَ.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ما سَبَبُ حِكْمَةِ إمْهالِ إبْلِيسَ وتَسْلِيطِهِ عَلى الخَلْقِ بِالوَسْوَسَةِ ؟

ولْنَرْجِعْ إلى التَّفْسِيرِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى حَكى في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ إبْلِيسَ نَوْعًا واحِدًا مِنَ العَمَلِ ونَوْعَيْنِ مِنَ القَوْلِ، أمّا العَمَلُ فَهو أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ لِآدَمَ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ﴾ وأمّا النَّوْعانِ مِنَ القَوْلِ:

فَأوَّلُهُما قَوْلُهُ ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ وهَذا اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الإنْكارِ مَعْناهُ أنَّ أصْلِي أشْرَفُ مِن أصْلِهِ فَوَجَبَ أنْ أكُونَ أنا أشْرَفُ مِنهُ، والأشْرَفُ يَقْبُحُ في العُقُولِ أمْرُهُ بِخِدْمَةِ الأدْنى.

والنَّوْعُ الثّانِي مِن كَلامِهِ: قَوْلُهُ ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: قَوْلُهُ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ مَعْناهُ أخْبِرْنِي، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا [البَحْثَ] في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ في سُورَةِ الأنْعامِ. وقَوْلُهُ ﴿هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ، لِمَ فَضَّلْتَهُ عَلَيَّ وأنا خَيْرٌ مِنهُ ؟ ثُمَّ اخْتَصَرَ الكَلامَ لِكَوْنِهِ مَفْهُومًا.

الثّانِي: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ هَذا مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ مِنهُ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ، والَّذِي مَعَ صِلَتِهِ خَبَرٌ، تَقْدِيرُهُ أخْبِرْنِي أهَذا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ! وذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِصْغارِ والِاسْتِحْقارِ، وإنَّما حُذِفَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّ حُصُولَهُ في قَوْلِهِ ﴿أرَأيْتَكَ﴾ أغْنى عَنْ تَكْرارِهِ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ هَذا مَفْعُولُ أرَأيْتَ لِأنَّ الكافَ جاءَتْ لِمُجَرَّدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَها، كَأنَّهُ قالَ عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ والإنْكارِ أبْصَرْتَ أوْ عَلِمْتَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، بِمَعْنى لَوْ أبْصَرْتَهُ أوْ عَلِمْتَهُ لَكانَ يَجِبُ أنْ لا تُكَرِّمَهُ عَلَيَّ، هَذا هو حَقِيقَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً [عَنْهُ] ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ لَأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلّا قَلِيلًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ بِإثْباتِ الياءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالحَذْفِ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِإثْباتِهِ في الوَصْلِ دُونَ الوَقْفِ.

البَحْثُ الثّانِي: في الِاحْتِناكِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأخْذِ بِالكُلِّيَّةِ، يُقالُ: احْتَنَكَ فُلانٌ ما عِنْدَ فُلانٍ مِن مالٍ إذا اسْتَقْصاهُ وأخَذَهُ بِالكُلِّيَّةِ، واحْتَنَكَ الجَرادُ الزَّرْعَ إذا أكَلَهُ بِالكُلِّيَّةِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ حَنَّكَ الدّابَّةَ يُحَنِّكُها، إذا جَعَلَ في حَنَكِها الأسْفَلِ حَبْلًا يَقُودُها بِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الِاحْتِناكُ افْتِعالٌ مِنَ الحَنَكِ كَأنَّهم يَمْلِكُهم كَما يَمْلِكُ الفارِسُ فَرَسَهُ بِلِجامِهِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ مَعْنى الآيَةِ لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي لَأقُودَنَّهم إلى المَعاصِي كَما تُقادُ الدّابَّةُ بِحَبْلِها.

البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ

صفحة ٥

﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ ظَنَّ إبْلِيسُ هَذا الظَّنَّ الصّادِقَ بِذُرِّيَّةِ آدَمَ ؟ قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ سَمِعَ المَلائِكَةَ يَقُولُونَ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَعَرَفَ هَذِهِ الأحْوالَ.

الثّانِي: أنَّهُ وسْوَسَ إلى آدَمَ فَلَمْ يَجِدْ لَهُ عَزْمًا، فَقالَ الظّاهِرُ أنَّ أوْلادَهُ يَكُونُونَ مِثْلَهُ في ضَعْفِ العَزْمِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَرَفَ أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن قُوَّةٍ بَهِيمِيَّةٍ شَهْوانِيَّةٍ، وقُوَّةٍ سَبُعِيَّةٍ غَضَبِيَّةٍ، وقُوَّةٍ وهْمِيَّةٍ شَيْطانِيَّةٍ، وقُوَّةٍ عَقْلِيَّةٍ مَلَكِيَّةٍ، وعَرَفَ أنَّ القُوى الثَّلاثَ أعْنِي الشَّهْوانِيَّةَ والغَضَبِيَّةَ والوَهْمِيَّةَ تَكُونُ هي المُسْتَوْلِيَةُ في أوَّلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ إنَّ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ إنَّما تَكْمُلُ في آخِرِ الأمْرِ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ ما ذَكَرَهُ إبْلِيسُ لازِمًا. واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْ إبْلِيسَ ذَلِكَ حَكى عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ اذْهَبْ، وهَذا لَيْسَ مِنَ الذَّهابِ الَّذِي هو نَقِيضُ المَجِيءِ وإنَّما مَعْناهُ امْضِ لِشَأْنِكَ الَّذِي اخْتَرْتَهُ، والمَقْصُودُ التَّخْلِيَةُ وتَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ.

ثُمَّ قالَ ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] فَإنْ قِيلَ ألَيْسَ الأوْلى أنْ يُقالَ: فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُهم جَزاءً مَوْفُورًا، لِيَكُونَ هَذا الضَّمِيرُ راجِعًا إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَبِعَكَ﴾ ؟ . قُلْنا فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُهم وجَزاؤُكم ثُمَّ غُلِّبَ المُخاطَبُ عَلى الغائِبِ فَقِيلَ جَزاؤُكم.

والثّانِي: يَجُوزُ أنَّ يَكُونَ هَذا الخِطابُ مَعَ الغائِبِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ ﷺ قالَ: («مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» ) فَكُلُّ مَعْصِيَةٍ تُوجَدُ فَيَحْصُلُ لِإبْلِيسَ مِثْلُ وِزْرِ ذَلِكَ العامِلِ.

فَلَمّا كانَ إبْلِيسُ هو الأصْلَ في كُلِّ المَعاصِي صارَ المُخاطَبُ بِالوَعِيدِ هو إبْلِيسُ، ثُمَّ قالَ ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ وهَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ تَجِيءُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، أمّا المُتَعَدِّي فَيُقالُ: وفَرْتُهُ أفِرُهُ وفْرًا وفِرَةً فَهو مَوْفُورٌ [و] مُوَفَّرٌ، قالَ زُهَيْرٌ

ومَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ

واللّازِمُ كَقَوْلِهِ: وفَرَ المالُ يَفِرُ وُفُورًا فَهو وافِرٌ، فَعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ: يَكُونُ المَعْنى جَزاءً مَوْفُورًا مُوَفَّرًا.

وعَلى الثّانِي: يَكُونُ المَعْنى جَزاءً مَوْفُورًا وافِرًا، وانْتَصَبَ قَوْلُهُ ﴿جَزاءً﴾ عَلى المَصْدَرِ.

17:64Page 288

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾

صفحة ٦

اعْلَمْ أنَّ إبْلِيسَ لَمّا طَلَبَ مِنَ اللَّهِ الإمْهالَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لِأجْلِ أنْ يَحْتَنِكَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ أشْياءَ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿اذْهَبْ﴾ ومَعْناهُ: أمْهَلْتُكَ هَذِهِ المُدَّةَ.

وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ يُقالُ أفَزَّهُ الخَوْفُ واسْتَفَزَّهُ أيْ أزْعَجَهُ واسْتَخَفَّهُ، وصَوْتُهُ دُعاؤُهُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: أرادَ بِصَوْتِكَ: الغِناءَ واللَّهْوَ واللَّعِبَ، ومَعْنى صِيغَةِ الأمْرِ هُنا التَّهْدِيدُ كَما يُقالُ: اجْهَدْ جُهْدَكَ فَسَتَرى ما يَنْزِلُ بِكَ.

وثالِثُها: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿وأجْلِبْ﴾ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ مِنَ الجَلَبَةِ وهو الصِّياحُ ورُبَّما قالُوا الجَلَبُ كَما قالُوا الغَلَبَةُ والغَلَبُ والشَّفَقَةُ والشَّفَقُ، وقالَ اللَّيْثُ وأبُو عُبَيْدَةَ: أجَلَبُوا وجَلَبُوا مِنَ الصِّياحِ.

الثّانِي: قالَ الزَّجّاجُ في فَعَلَ وأفْعَلَ، أجْلَبَ عَلى العَدُوِّ إجْلابًا إذا جَمَعَ عَلَيْهِ الخُيُولَ.

الثّالِثُ: قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ هم يَجْلِبُونَ عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهم يُعِينُونَ عَلَيْهِ.

والرّابِعُ: رَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ: أجْلَبَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ إذا تَوَعَّدَهُ الشَّرَّ وجَمَعَ عَلَيْهِ الجَمْعَ، فَقَوْلُهُ: وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ مَعْناهُ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ: صِحْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ، وعَلى قَوْلِ الزَّجّاجِ: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ وتَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ: بِخَيْلِكَ زائِدَةً عَلى هَذا القَوْلِ، وعَلى قَوْلِ ابْنِ السِّكِّيتِ مَعْناهُ أعِنْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ، ومَفْعُولُ الإجْلابِ عَلى هَذا القَوْلِ مَحْذُوفٌ كَأنَّهُ يَسْتَعِينُ عَلى إغْوائِهِمْ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ، وهَذا أيْضًا يَقْرُبُ مِن قَوْلِ ابْنِ الأعْرابِيِّ، واخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِ الخَيْلِ والرَّجِلِ، فَرَوى أبُو الضُّحى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”كُلُّ راكِبٍ أوْ راجِلٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو مِن خَيْلِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ“، ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ راكِبٍ وماشٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلى هَذا التَّقْدِيرِ خَيْلُهُ ورَجِلُهُ كُلُّ مَن شارَكَهُ في الدُّعاءِ إلى المَعْصِيَةِ.

والقَوْلُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِإبْلِيسَ جُنْدٌ مِنَ الشَّياطِينِ بَعْضُهم راكِبٌ وبَعْضُهم راجِلٌ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ ضَرْبُ المَثَلِ كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ المُجِدِّ في الأمْرِ جِئْتَنا بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وهَذا الوَجْهُ أقْرَبُ، والخَيْلُ تَقَعُ عَلى الفِرْسانِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«يا خَيْلَ اللَّهِ ارْكَبِي» “ وقَدْ تَقَعُ عَلى الأفْراسِ خاصَّةً، والمُرادُ هَهُنا الأوَّلُ، والرَّجْلُ جَمْعُ راجِلٍ كَما قالُوا تاجِرٌ وتَجْرٌ وصاحِبٌ وصَحْبٌ وراكِبٌ ورَكْبٌ، ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ورَجِلِكَ بِكَسْرِ الجِيمِ وغَيْرُهُ بِالضَّمِّ، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ رَجُلٌ ورَجِلٌ بِمَعْنًى واحِدٍ ومِثْلُهُ حَدُثٌ وحَدِثٌ ونَدُسٌ ونَدِسٌ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أخْبَرَنا ثَعْلَبٌ عَنِ الفَرّاءِ قالَ: يُقالُ رَجُلٌ ورَجِلٌ ورَجْلانُ بِمَعْنًى واحِدٍ.

والنَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ قَوْلُهُ: ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ والأولادِ﴾ نَقُولُ: أمّا المُشارَكَةُ في الأمْوالِ فَهي عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ قَبِيحٍ في المالِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ القَبِيحُ بِسَبَبِ أخْذِهِ مِن غَيْرِ حَقِّهِ أوْ وضْعِهِ في غَيْرِ حَقِّهِ، ويَدْخُلُ فِيهِ الرِّبا والغَصْبُ والسَّرِقَةُ والمُعامَلاتُ الفاسِدَةُ، وهَكَذا قالَهُ القاضِي وهو ضَبْطٌ حَسَنٌ، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَقَدْ ذَكَرُوا وُجُوهًا، قالَ قَتادَةُ: المُشارَكَةُ في الأمْوالِ هي أنْ جَعَلُوا بَحِيرَةً وسائِبَةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي عِبارَةٌ عَنْ تَبْتِيكِهِمْ آذانَ الأنْعامِ، وقِيلَ هي أنْ جَعَلُوا مِن أمْوالِهِمْ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ (الأنْعامِ: ١٣٦) والأصْوَبُ ما قالَهُ القاضِي، وأمّا المُشارَكَةُ في الأوْلادِ فَذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّها الدُّعاءُ إلى الزِّنا، وزَيَّفَ الأصَمُّ ذَلِكَ بِأنْ قالَ إنَّهُ لا ذَمَّ عَلى الوَلَدِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ وشارِكْهم في طَرِيقِ تَحْصِيلِ الوَلَدِ وذَلِكَ بِالدُّعاءِ إلى الزِّنا.

وثانِيها: أنْ يُسَمُّوا أوْلادَهم بِعَبْدِ اللّاتِ وعَبْدِ العُزّى.

وثالِثُها: أنْ يُرَغِّبُوا أوْلادَهم في الأدْيانِ الباطِلَةِ كاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ وغَيْرِهِما.

ورابِعُها: إقْدامُهم عَلى قَتْلِ الأوْلادِ ووَأْدِهِمْ.

وخامِسُها: تَرْغِيبُهم في حِفْظِ الأشْعارِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الفُحْشِ وتَرْغِيبِهِمْ في القَتْلِ والقِتالِ والحِرَفِ الخَبِيثَةِ الخَسِيسَةِ، والضّابِطُ أنْ يُقالَ إنَّ كُلَّ تَصَرُّفٍ مِنَ المَرْءِ في ولَدِهِ عَلى وجْهٍ يُؤَدِّي إلى ارْتِكابِ مُنْكَرٍ أوْ

صفحة ٧

قَبِيحٍ فَهو داخِلٌ فِيهِ.

17:65Page 288

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

والنَّوْعُ الخامِسُ: مِنَ الأشْياءِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِإبْلِيسَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ لَمّا كانَ مَقْصُودُ الشَّيْطانِ التَّرْغِيبَ في الِاعْتِقادِ الباطِلِ والعَمَلِ الباطِلِ والتَّنْفِيرِ عَنِ الِاعْتِقادِ الحَقِّ والعَمَلِ الحَقِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ التَّرْغِيبَ في الشَّيْءِ لا يُمْكِنُ إلّا بِأنْ يُقَرَّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ لا ضَرَرَ البَتَّةَ في فِعْلِهِ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يُفِيدُ المَنافِعَ العَظِيمَةَ، والتَّنْفِيرُ عَنِ الشَّيْءِ لا يُمْكِنُ إلّا بِأنْ يُقَرِّرَ عِنْدَهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ في فِعْلِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَيُفِيدُ المَضارَّ العَظِيمَةَ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ الشَّيْطانَ إذا دَعا إلى المَعْصِيَةِ فَلا بُدَّ وأنْ يُقَرِّرَ أوَّلًا أنَّهُ لا مَضَرَّةَ في فِعْلِهِ البَتَّةَ، وذَلِكَ إنَّما يُمْكِنُ إذا قالَ لا مَعادَ ولا جَنَّةَ ولا نارَ، ولا حَياةَ بَعْدَ هَذِهِ الحَياةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ يُقَرِّرُ عِنْدَهُ أنَّهُ لا مَضَرَّةَ البَتَّةَ في فِعْلِ هَذِهِ المَعاصِي، وإذا فَرَغَ عَنْ هَذا المَقامِ قَرَّرَ عِنْدَهُ أنَّ هَذا الفِعْلَ يُفِيدُ أنْواعًا مِنَ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ ولا حَياةَ لِلْإنْسانِ في هَذِهِ الدُّنْيا إلّا بِهِ، فَتَفْوِيتُها غَبْنٌ وخُسْرانٌ كَما قالَ الشّاعِرُ:

خُذُوا بِنَصِيبٍ مِن سُرُورٍ ولَذَّةٍ فَكُلٌّ وإنْ طالَ المَدى يَتَصَرَّمُ

فَهَذا هو طَرِيقُ الدَّعْوَةِ إلى المَعْصِيَةِ، وأمّا طَرِيقُ التَّنْفِيرِ عَنِ الطّاعَةِ فَهو أنْ يُقَرِّرَ أوَّلًا عِنْدَهُ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ وتَقْرِيرُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنْ يَقُولَ لا جَنَّةَ ولا نارَ ولا ثَوابَ ولا عَذابَ.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ العِباداتِ لا فائِدَةَ فِيها لِلْعابِدِ والمَعْبُودِ فَكانَتْ عَبَثًا مَحْضًا فَبِهَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ يُقَرِّرُ الشَّيْطانُ عِنْدَ الإنْسانِ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيها، وإذا فَرَغَ عَنْ هَذا المَقامِ قالَ إنَّها تُوجِبُ التَّعَبَ والمِحْنَةَ وذَلِكَ أعْظَمُ المَضارِّ، فَهَذِهِ مَجامِعُ تَلْبِيسِ الشَّيْطانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ يَتَناوَلُ كُلَّ هَذِهِ الأقْسامِ، قالَ المُفَسِّرُونَ قَوْلُهُ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ أيْ بِأنَّهُ لا جَنَّةَ ولا نارَ، وقالَ آخَرُونَ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ بِتَسْوِيفِ التَّوْبَةِ، وقالَ آخَرُونَ ﴿وعِدْهُمْ﴾ بِالأمانِي الباطِلَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ لِآدَمَ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ (الأعْرافِ: ٢٠) وقالَ آخَرُونَ: وعِدْهم بِشَفاعَةِ الأصْنامِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِالأنْسابِ الشَّرِيفَةِ وإيثارِ العاجِلِ عَلى الآجِلِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الأقْسامُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها داخِلَةٌ في الضَّبْطِ الَّذِي ذَكَرْناهُ وإنْ أرَدْتَ الِاسْتِقْصاءَ في هَذا البابِ فَطالِعْ كِتابَ (ذَمِّ الغُرُورَ) مِن كِتابِ (إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ) لِلشَّيْخِ الغَزالِيِّ حَتّى يُحِيطَ عَقْلُكَ بِمَجامِعِ تَلْبِيسِ إبْلِيسَ، واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ أرْدَفَهُ بِما يَكُونُ زاجِرًا عَنْ قَبُولِ وعْدِهِ فَقالَ: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ والسَّبَبُ فِيهِ أنَّهُ إنَّما يَدْعُو إلى أحَدِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ: قَضاءُ الشَّهْوَةِ، وإمْضاءُ الغَضَبِ، وطَلَبُ الرِّياسَةِ، وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، ولا يَدْعُو البَتَّةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولا إلى خِدْمَتِهِ، وتِلْكَ الأشْياءُ الثَّلاثَةُ مَعْنَوِيَّةٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ:

أحَدُها: أنَّها في الحَقِيقَةِ لَيْسَتْ لَذّاتٍ بَلْ هي خَلاصٌ عَنِ الآلامِ.

وثانِيها: وإنْ كانَتْ لَذّاتٍ لَكِنَّها لَذّاتٌ خَسِيسَةٌ مُشْتَرَكٌ فِيها بَيْنَ الكِلابِ والدِّيدانِ والخَنافِسِ وغَيْرِها.

وثالِثُها: أنَّها سَرِيعَةُ الذَّهابِ والِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ.

ورابِعُها: أنَّها لا تَحْصُلُ إلّا بِمَتاعِبَ كَثِيرَةٍ ومَشاقٍّ عَظِيمَةٍ.

وخامِسُها: أنَّ لَذّاتِ البَطْنِ والفَرْجِ لا تَتِمُّ إلّا بِمُزاوَلَةِ رُطُوباتٍ عَفِنَةٍ مُسْتَقْذَرَةٍ.

وسادِسُها: أنَّها غَيْرُ باقِيَةٍ بَلْ يَتْبَعُها المَوْتُ والهِرَمُ والفَقْرُ والحَسْرَةُ عَلى الفَوْتِ والخَوْفُ مِنَ المَوْتِ. فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ المَطالِبُ وإنْ كانَتْ لَذِيذَةً بِحَسَبِ الظّاهِرِ إلّا أنَّها مَمْزُوجَةٌ بِهَذِهِ الآفاتِ العَظِيمَةِ والمُخالَفاتِ الجَسِيمَةِ، كانَ التَّرْغِيبُ فِيها تَغْرِيرًا، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلّا غُرُورًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لَهُ افْعَلْ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

صفحة ٨

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ كُلُّ عِبادِ اللَّهِ مِنَ المُكَلَّفِينَ، وهَذا قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ الجُبّائِيِّ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَثْنى مِنهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مَن يَتْبَعُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ (الحِجْرِ: ٤٢) ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لِإبْلِيسَ وجُنُودِهِ عَلى تَصْرِيعِ النّاسِ وتَخْبِيطِ عُقُولِهِمْ وأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ إلّا عَلى قَدْرِ الوَسْوَسَةِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (إبْراهِيمَ: ٢٢) . وأيْضًا فَلَوْ قَدَرَ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ لَكانَ يَجِبُ أنْ يَتَخَبَّطَ أهْلَ الفَضْلِ وأهْلَ العِلْمِ دُونَ سائِرِ النّاسِ لِيَكُونَ ضَرَرُهُ أعْظَمَ. ثُمَّ قالَ: وإنَّما يَزُولُ عَقْلُهُ لا مِن جِهَةِ الشَّيْطانِ لَكِنْ لِغَلَبَةِ الأخْلاطِ الفاسِدَةِ ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ أحَدُ أسْبابِ ذَلِكَ المَرَضِ اعْتِقادَ أنَّ الشَّيْطانَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ فَيَغْلِبُ الخَوْفُ فَيَحْدُثُ ذَلِكَ المَرَضُ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي﴾ أهْلُ الفَضْلِ والعِلْمِ والإيمانِ لِما بَيَّنّا فِيما تَقَدَّمَ أنَّ لَفْظَ العِبادِ في القُرْآنِ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ الإيمانِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ (النَّحْلِ: ١٠٠) .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا مَكَّنَ إبْلِيسَ مِن أنْ يَأْتِيَ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ في بابِ الوَسْوَسَةِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِحُصُولِ الخَوْفِ الشَّدِيدِ في قَلْبِ الإنْسانِ، قالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلًا﴾ ومَعْناهُ أنَّ الشَّيْطانَ وإنْ كانَ قادِرًا فاللَّهُ تَعالى أقْدَرُ مِنهُ وأرْحَمُ بِعِبادِهِ مِنَ الكُلِّ فَهو تَعالى يَدْفَعُ عَنْهُ كَيْدَ الشَّيْطانِ ويَعْصِمُهُ مِن إضْلالِهِ وإغْوائِهِ.

البَحْثُ الثّانِي: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَعْصُومَ مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى وأنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَحْتَرِزَ بِنَفْسِهِ عَنْ مَواقِعِ الضَّلالَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ الإقْدامُ عَلى الحَقِّ والإحْجامُ عَنِ الباطِلِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ مِن نَفْسِهِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: وكَفى الإنْسانُ نَفْسَهُ في الِاحْتِرازِ عَنِ الشَّيْطانِ، فَلَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ﴾ عَلِمْنا أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ، ولِهَذا قالَ المُحَقِّقُونَ: لا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، ولا قُوَّةَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ. بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالانِ:

السُّؤالُ الأوَّلُ: أنَّ إبْلِيسَ هَلْ كانَ عالِمًا بِأنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ مَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ هو إلَهُ العالَمِ أوْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ ؟ فَإنْ عَلِمَ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ فَكَيْفَ لَمْ يَصِرْ هَذا الوَعِيدُ الشَّدِيدُ مانِعًا لَهُ مِنَ المَعْصِيَةِ مَعَ أنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ؟ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ أنَّ هَذا القائِلَ هو إلَهُ العالَمِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ .

والجَوابُ: لَعَلَّهُ كانَ شاكًّا في الكُلِّ أوْ كانَ يَقُولُ في كُلِّ قَسَمٍ ما يَخْطُرُ بِبالِهِ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ.

والسُّؤالُ الثّانِي: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ تَعالى أنْظَرَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ومَكَّنَهُ مِنَ الوَسْوَسَةِ ؟ والحَكِيمُ إذا أرادَ أمْرًا وعَلِمَ أنَّ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ يَمْنَعُ مِن حُصُولِهِ فَإنَّهُ لا يَسْعى في تَحْصِيلِ ذَلِكَ المانِعِ ؟ .

والجَوابُ: أمّا مَذْهَبُنا فَظاهِرٌ في هَذا البابِ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَلَهم قَوْلانِ: قالَ الجُبّائِيُّ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عِنْدَ وسْوَسَةِ إبْلِيسَ يَكْفُرُونَ بِتَقْدِيرِ أنْ لا يُوجَدَ إبْلِيسُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في وُجُودِهِ

صفحة ٩

مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ، وقالَ أبُو هاشِمٍ: لا يَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ مِن وُجُودِهِ مَزِيدُ مَفْسَدَةٍ، إلّا أنَّهُ تَعالى أبْقاهُ تَشْدِيدًا لِلتَّكْلِيفِ عَلى الخَلْقِ لِيَسْتَحِقُّوا بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّشْدِيدِ مَزِيدَ الثَّوابِ، وهَذانَ الوَجْهانِ قَدْ ذَكَرْناهُما في سُورَةِ الأعْرافِ والحِجْرِ، وبالَغْنا في الكَشْفِ عَنْهُما، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском