Ar-RaziAl‑Isra · 17:66–70

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:66–70

17:66–69Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

And when adversity touches you at sea, lost are [all] those you invoke except for Him. But when He delivers you to the land, you turn away [from Him]. And ever is man ungrateful.

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Then do you feel secure that [instead] He will not cause a part of the land to swallow you or send against you a storm of stones? Then you would not find for yourselves an advocate.

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Or do you feel secure that He will not send you back into it [i.e., the sea] another time and send upon you a hurricane of wind and drown you for what you denied?1 Then you would not find for yourselves against Us an avenger.2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ إلى ذِكْرِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ تَقْرِيرُ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، فَإذا امْتَدَّ الكَلامُ في فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ عادَ الكَلامُ بَعْدَهُ إلى ذِكْرِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والمَذْكُورُ هَهُنا الوُجُوهُ المُسْتَنْبَطَةُ مَنِ الإنْعاماتِ في أحْوالِ رُكُوبِ البَحْرِ.

فالنَّوْعُ الأوَّلُ: كَيْفِيَّةُ حَرَكَةِ الفُلْكِ عَلى وجْهِ البَحْرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ والإزْجاءُ سَوْقُ الشَّيْءِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ [يوسف: ٨٨] والمَعْنى: رَبُّكُمُ الَّذِي يُسَيِّرُ الفُلْكَ عَلى وجْهِ البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ في طَلَبِ التِّجارَةِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا، والخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمُ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِكُمْ﴾ عامٌّ في حَقِّ الكُلِّ، والمُرادُ مِنَ الرَّحْمَةِ مَنافِعُ الدُّنْيا ومَصالِحُها.

والنَّوْعُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ والمُرادُ مِنَ الضُّرِّ، الخَوْفُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الغَرَقِ: ﴿ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلّا إيّاهُ﴾ والمُرادُ أنَّ الإنْسانَ في تِلْكَ الحالَةِ لا يَتَضَرَّعُ إلى الصَّنَمِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والمَلَكِ والفُلْكِ، وإنَّما يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ والبَحْرِ وأخْرَجَكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ ﴿وكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ لِنِعَمِ اللَّهِ بِسَبَبِ أنَّ عِنْدَ الشِّدَّةِ يَتَمَسَّكُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وعِنْدَ الرَّخاءِ والرّاحَةِ يُعْرِضُ عَنْهُ ويَتَمَسَّكُ بِغَيْرِهِ.

والنَّوْعُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ قالَ اللَّيْثُ: الخَسْفُ والخُسُوفُ هو دُخُولُ الشَّيْءِ في الشَّيْءِ. يُقالُ: عَيْنٌ خاسِفَةٌ وهي الَّتِي غابَتْ حَدَقَتُها في الرَّأْسِ، وعَيْنٌ مِنَ الماءِ خاسِفَةٌ أيْ غائِرَةُ الماءِ، وخَسَفَتِ الشَّمْسُ أيِ احْتَجَبَتْ وكَأنَّها وقَعَتْ تَحْتَ حِجابٍ أوْ دَخَلَتْ في جُحْرٍ. فَقَوْلُهُ:

صفحة ١٠

﴿أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ أيْ يُغَيِّبُكم في جانِبِ البَرِّ وهو الأرْضُ، وإنَّما قالَ ﴿جانِبَ البَرِّ﴾ لِأنَّهُ ذَكَرَ البَحْرَ في الآيَةِ الأُولى فَهو جانِبٌ، والبَرُّ جانِبٌ، أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الماءِ فَهو قادِرٌ أيْضًا عَلى أنْ يُغَيِّبَهم في الأرْضِ، فالغَرَقُ تَغْيِيبٌ تَحْتَ الماءِ كَما أنَّ الخَسْفَ تَغْيِيبٌ تَحْتَ التُّرابِ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهم كانُوا خائِفِينَ مِن هَوْلِ البَحْرِ، فَلَمّا نَجّاهم مِنهُ آمَنُوا، فَقالَ: هَبْ أنَّكم نَجَوْتُمْ مِن هَوْلِ البَحْرِ فَكَيْفَ أمِنتُمْ مِن هَوْلِ البَرِّ ؟ فَإنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَ عَلَيْكم آفاتِ البَرِّ مِن جانِبِ التَّحْتِ أوْ مِن جانِبِ الفَوْقِ، أمّا مِن جانِبِ التَّحْتِ فَبِالخَسْفِ. وأمّا مِن جانِبِ الفَوْقِ فَبِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ فَكَما لا يَتَضَرَّعُونَ إلّا إلى اللَّهِ تَعالى عِنْدَ رُكُوبِ البَحْرِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ لا يَتَضَرَّعُوا إلّا إلَيْهِ في كُلِّ الأحْوالِ. ومَعْنى الحَصَبِ في اللُّغَةِ: الرَّمْيُ، يُقالُ: حَصَبْتُ أحْصِبُ حَصْبًا إذا رَمَيْتَ والحَصَبُ المَرْمِيُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيْ يُلْقَوْنَ فِيها، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حاصِبًا﴾ أيْ عَذابًا يَحْصِبُهم، أيْ يَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ، ويُقالُ لِلرِّيحِ الَّتِي تَحْمِلُ التُّرابَ والحَصْباءَ حاصِبٌ، والسَّحابُ الَّذِي يَرْمِي بِالثَّلْجِ والبَرَدِ يُسَمّى حاصِبًا لِأنَّهُ يَرْمِي بِهِما رَمْيًا، وقالَ الزَّجّاجُ: الحاصِبُ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، والحاصِبُ عَلى هَذا ذُو الحَصْباءِ مِثْلُ اللّابِنِ والتّامِرِ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلًا﴾ يَعْنِي لا تَجِدُوا ناصِرًا يَنْصُرُكم ويَصُونُكم مِن عَذابِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾ أيْ في البَحْرِ تارَةً أُخْرى وقَوْلُهُ: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ القاصِفُ الكاسِرُ يُقالُ: قَصَفَ الشَّيْءَ يَقْصِفُهُ قَصْفًا إذا كَسَرَهُ بِشِدَّةٍ، والقاصِفُ مِنَ الرِّيحِ الَّتِي تَكْسِرُ الشَّجَرَ، وأرادَ هَهُنا رِيحًا شَدِيدَةً تَقْصِفُ الفُلْكَ وتُغْرِقُهم وقَوْلُهُ: ﴿فَيُغْرِقَكم بِما كَفَرْتُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ لا تَجِدُوا مَن يُتْبِعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلْ بِكم بِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْكم، وتَبِيعٌ بِمَعْنى تابِعٌ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ألْفاظٍ خَمْسَةٍ: وهي قَوْلِهِ: (أنْ نَخْسِفَ) (أوْ نُرْسِلَ) (أوْ نُعِيدُكم) (فَنُرْسِلَ) (فَنُغْرِقَكم) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو جَمِيعَ هَذِهِ الخَمْسَةِ بِالنُّونِ، والباقُونَ بِالياءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ ما قَبْلَهُ عَلى الواحِدِ الغائِبِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا إيّاهُ فَلَمّا نَجّاكُمْ﴾ (الإسْراءِ: ٦٧) ومَن قَرَأ بِالنُّونِ فَلِأنَّ هَذا البَحْرَ مِنَ الكَلامِ قَدْ يَنْقَطِعُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ وهو سَهْلٌ لِأنَّ المَعْنى واحِدٌ، ألا تَرى أنَّهُ قَدْ جاءَ ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي ‎وكِيلًا﴾ [الإسراء: ٢] فانْتَقَلَ مِنَ الجَمْعِ إلى الإفْرادِ وكَذَلِكَ هَهُنا يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ، والمَعْنى واحِدٌ والكُلُّ جائِزٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

17:70Page 289

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

And We have certainly honored the children of Adam and carried them on the land and sea and provided for them of the good things and preferred them over much of what We have created, with [definite] preference.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ نِعْمَةٍ أُخْرى جَلِيلَةٍ رَفِيعَةٍ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإنْسانِ وهي الأشْياءُ الَّتِي بِها فُضِّلَ الإنْسانُ عَلى غَيْرِهِ وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةَ أنْواعٍ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ جَوْهَرٌ مُرَكَّبٌ مِنَ النَّفْسِ، والبَدَنِ، فالنَّفْسُ

صفحة ١١

الإنْسانِيَّةُ أشْرَفُ النُّفُوسِ المَوْجُودَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ، وبَدَنُهُ أشْرَفُ الأجْسامِ المَوْجُودَةِ في العالَمِ السُّفْلِيِّ. وتَقْرِيرُ هَذِهِ الفَضِيلَةِ في النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ هي أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ قُواها الأصْلِيَّةُ ثَلاثٌ. وهي الِاغْتِذاءُ والنُّمُوُّ والتَّوْلِيدُ، والنَّفْسُ الحَيَوانِيَّةُ لَها قُوَّتانِ الحَساسَةُ سَواءٌ كانَتْ ظاهِرَةً أوْ باطِنَةً، والحَرَكَةُ بِالِاخْتِيارِ، فَهَذِهِ القُوى الخَمْسَةُ أعْنِي الِاغْتِذاءَ والنُّمُوَّ والتَّوْلِيدَ والحِسَّ والحَرَكَةَ حاصِلَةٌ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُوَّةٍ أُخْرى وهي القُوَّةُ العاقِلَةُ المُدْرِكَةُ لِحَقائِقِ الأشْياءِ كَما هي، وهي الَّتِي يَتَجَلّى فِيها نُورُ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ويُشْرِقُ فِيها ضَوْءُ كِبْرِيائِهِ وهو الَّذِي يَطَّلِعُ عَلى أسْرارِ عالَمَيِ الخَلْقِ والأمْرِ ويُحِيطُ بِأقْسامِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ مِنَ الأرْواحِ والأجْسامِ كَما هي، وهَذِهِ القُوَّةُ مِن تَلْقِيحِ الجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ والأرْواحِ المُجَرَّدَةِ الإلَهِيَّةِ، فَهَذِهِ القُوَّةُ لا نِسْبَةَ لَها في الشَّرَفِ والفَضْلِ إلى تِلْكَ القُوى النَّباتِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ النَّفْسَ الإنْسانِيَّةَ أشَرُفُ النُّفُوسِ المَوْجُودَةِ في هَذا العالَمِ وإنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ فَضائِلَ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ ونُقْصاناتِ القُوى الجِسْمِيَّةِ، فَتَأمَّلَ ما كَتَبْناهُ في هَذا الكِتابِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (النُّورِ: ٣٥) فَإنّا ذَكَرْنا هُناكَ عِشْرِينَ وجْهًا في بَيانِ أنَّ القُوَّةَ العَقْلِيَّةَ أجَلُّ وأعْلى مِنَ القُوَّةِ الجِسْمِيَّةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ، وأمّا بَيانُ أنَّ البَدَنَ الإنْسانِيَّ أشْرَفُ أجْسامِ هَذا العالَمِ، فالمُفَسِّرُونَ إنَّما ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ هَذا النَّوْعَ مِنَ الفَضائِلِ وذَكَرُوا أشْياءَ:

أحَدُها: رَوى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَأْكُلُ بِفِيهِ إلّا ابْنَ آدَمَ فَإنَّهُ يَأْكُلُ بِيَدَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ الرَّشِيدَ أُحْضِرَتْ عِنْدَهُ أطْعِمَةٌ فَدَعا بِالمَلاعِقِ وعِنْدَهُ أبُو يُوسُفَ، فَقالَ لَهُ: جاءَ في التَّفْسِيرِ عَنْ جِدِّكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ جَعَلْنا لَهم أصابِعَ يَأْكُلُونَ بِها فَرَدَّ المَلاعِقَ وأكَلَ بِأصابِعِهِ.

وثانِيها: قالَ الضَّحّاكُ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنَّ مَن عَرَفَ شَيْئًا فَإمّا أنَّ يَعْجَزَ عَنْ تَعْرِيفِ غَيْرِهِ كَوْنُهُ عارِفًا بِذَلِكَ الشَّيْءِ أوْ يَقْدِرَ عَلى هَذا التَّعْرِيفِ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهو حالُ جُمْلَةِ الحَيَواناتِ سِوى الإنْسانِ، فَإنَّهُ إذا حَصَلَ في باطِنِها ألَمٌ أوْ لَذَّةٌ فَإنَّها تَعْجَزُ عَنْ تَعْرِيفِ غَيْرِها تِلْكَ الأحْوالِ تَعْرِيفًا تامًّا وافِيًا.

وأمّا القِسْمُ الثّانِي: فَهو الإنْسانُ، فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ تَعْرِيفُ غَيْرِهِ كُلَّ ما عَرَفَهُ ووَقَفَ عَلَيْهِ وأحاطَ بِهِ، فَكَوْنُهُ قادِرًا عَلى هَذا النَّوْعِ مِنَ التَّعْرِيفِ هو المُرادُ بِكَوْنِهِ ناطِقًا، وبِهَذا البَيانِ ظَهَرَ أنَّ الإنْسانَ الأخْرَسَ داخِلٌ في هَذا الوَصْفِ، لِأنَّهُ وإنْ عَجَزَ عَنْ تَعْرِيفِ غَيْرِهِ ما في قَلْبِهِ بِطَرِيقِ اللِّسانِ، فَإنَّهُ يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإشارَةِ وبِطْرِيقِ الكِتابَةِ وغَيْرِهِما، ولا يَدْخُلُ فِيهِ البَبْغاءُ؛ لِأنَّهُ وإنْ قَدَرَ عَلى تَعْرِيفاتٍ قَلِيلَةٍ، فَلا قُدْرَةَ لَهُ عَلى تَعْرِيفِ جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ.

وثالِثُها: قالَ عَطاءٌ: بِامْتِدادِ القامَةِ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ غَيْرُ تامٍّ لِأنَّ الأشْجارَ أطْوَلُ مِن قامَةِ الإنْسانِ بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُشْتَرَطَ فِيهِ شَرْطٌ، وهو طُولُ القامَةِ مَعَ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ، والقُوى الحِسِّيَّةِ والحَرَكِيَّةِ.

ورابِعُها: قالَ بَيانٌ: بِحُسْنِ الصُّورَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (غافِرٍ: ٦٤) لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى خِلْقَةَ الإنْسانِ قالَ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وقالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البَقَرَةِ: ١٣٨) وإنْ شِئْتَ فَتَأمَّلَ عُضْوًا واحِدًا مِن أعْضاءِ الإنْسانِ وهو العَيْنُ فَخَلَقَ الحَدَقَةَ سَوْداءَ ثُمَّ أحاطَ بِذَلِكَ السَّوادِ بَياضَ العَيْنِ ثُمَّ أحاطَ بِذَلِكَ البَياضِ سَوادَ الأشْفارِ ثُمَّ أحاطَ بِذَلِكَ السَّوادِ بَياضَ الأجْفانِ ثُمَّ خَلَقَ فَوْقَ بَياضِ

صفحة ١٢

الجَفْنِ سَوادَ الحاجِبَيْنِ ثُمَّ خَلَقَ فَوْقَ ذَلِكَ السَّوادِ بَياضَ الجَبْهَةِ ثُمَّ خَلَقَ فَوْقَ بَياضِ الجَبْهَةِ سَوادَ الشَّعْرِ، ولْيَكُنْ هَذا المِثالُ الواحِدُ أُنْمُوذَجًا لَكَ في هَذا البابِ.

وخامِسُها: قالَ بَعْضُهم: مِن كَراماتِ الآدَمِيِّ أنْ آتاهُ اللَّهُ الخَطَّ. وتَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنَّ العِلْمَ الَّذِي يَقْدِرُ الإنْسانُ عَلى اسْتِنْباطِهِ يَكُونُ قَلِيلًا. أمّا إذا اسْتَنْبَطَ الإنْسانُ عِلْمًا وأوْدَعَهُ في الكِتابِ، وجاءَ الإنْسانُ الثّانِي واسْتَعانَ بِذَلِكَ الكِتابِ وضَمَّ إلَيْهِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ أشْياءَ أُخْرى ثُمَّ لا يَزالُونَ يَتَعاقَبُونَ، ويَضُمُّ كُلُّ مُتَأخِّرٍ مَباحِثَ كَثِيرَةً إلى عِلْمِ المُتَقَدِّمِينَ كَثُرَتِ العُلُومُ وقَوِيَتِ الفَضائِلُ والمَعارِفُ وانْتَهَتِ المَباحِثُ العَقْلِيَّةُ والمَطالِبُ الشَّرْعِيَّةُ إلى أقْصى الغاياتِ وأكْمَلِ النِّهاياتِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا البابَ لا يَتَأتّى إلّا بِواسِطَةِ الخَطِّ والكَتَبَةِ، ولِهَذِهِ الفَضِيلَةِ الكامِلَةِ قالَ تَعالى: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٣] .

وسادِسُها: أنَّ أجْسامَ هَذا العالَمِ إمّا بَسائِطُ وإمّا مُرَكَّباتٌ، أمّا البَسائِطُ فَهي الأرْضُ والماءُ والهَواءُ والنّارُ. والإنْسانُ يَنْتَفِعُ بِكُلِّ هَذِهِ الأرْبَعِ، أمّا الأرْضُ فَهي لَنا كالأُمِّ الحاضِنَةِ. قالَ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ (طه: ٥٥) وقَدْ سَمّاها اللَّهُ تَعالى بِأسْماءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا، وهي الفِراشُ والمَهْدُ، والمِهادُ، وأمّا الماءُ فانْتِفاعُنا بِهِ في الشُّرْبِ والزِّراعَةِ والحِراثَةِ ظاهِرٌ، وأيْضًا سَخَّرَ البَحْرَ لِنَأْكُلَ مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا، ونَسْتَخْرِجَ مِنهُ حِلْيَةً نَلْبَسُها ونَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ، وأمّا الهَواءُ فَهو مادَّةُ حَياتِنا، ولَوْلا هُبُوبُ الرِّياحِ لاسْتَوْلى النَّتَنُ عَلى هَذِهِ المَعْمُورَةِ، وأمّا النّارُ فَبِها طَبْخُ الأغْذِيَةِ والأشْرِبَةِ ونُضْجُها، وهي قائِمَةٌ مَقامَ الشَّمْسِ والقَمَرِ في اللَّيالِي المُظْلِمَةِ، وهي الدّافِعَةُ لِضَرَرِ البَرْدِ كَما قالَ الشّاعِرُ:

ومَن يُرِدْ في الشِّتاءِ فاكِهَةً فَإنَّ نارَ الشِّتاءِ فاكِهَتُهُ

وأمّا المُرَكَّباتُ فَهي إمّا الآثارُ العُلْوِيَّةُ، وإمّا المَعادِنُ والنَّباتُ، وأمّا الحَيَوانُ والإنْسانُ كالمُسْتَوْلِي عَلى هَذِهِ الأقْسامِ والمُنْتَفِعِ بِها والمُسْتَسْخِرِ لِكُلِّ أقْسامِها فَهَذا العالَمُ بِأسْرِهِ جارٍ مَجْرى قَرْيَةٍ مَعْمُورَةٍ أوْ خانٍ مُعَدٍّ، وجَمِيعُ مَنافِعِها ومَصالِحِها مَصْرُوفَةٌ إلى الإنْسانِ فِيهِ كالرَّئِيسِ المَخْدُومِ والمَلِكِ المُطاعِ، وسائِرُ الحَيَواناتِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كالعَبِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ مَخْصُوصًا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِمَزِيدِ التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.

وسابِعُها: أنَّ المَخْلُوقاتِ تَنْقَسِمُ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: إلى ما حَصَلَتْ لَهُ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ الحِكَمِيَّةُ ولَمْ تَحْصُلْ لَهُ القُوَّةُ الشَّهْوانِيَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ وهُمُ المَلائِكَةُ، وإلى ما يَكُونُ بِالعَكْسِ وهُمُ البَهائِمُ، وإلى ما خَلا عَنِ القِسْمَيْنِ وهو النَّباتُ والجَماداتُ، وإلى ما حَصَلَ النَّوْعانِ فِيهِ وهو الإنْسانُ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ لِكَوْنِهِ مُسْتَجْمِعًا لِلْقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ القُدْسِيَّةِ المَحْضَةِ، ولِلْقُوى الشَّهْوانِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ والغَضَبِيَّةِ والسَّبُعِيَّةِ يَكُونُ أفْضَلَ مِنَ البَهِيمِيَّةِ ومِنَ السَّبُعِيَّةِ، ولا شَكَّ أيْضًا أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ الأجْسامِ الخالِيَةِ عَنِ القُوَّتَيْنِ مِثْلَ النَّباتِ والمَعادِنِ والجَماداتِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ ظَهَرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَضَّلَ الإنْسانَ عَلى أكْثَرِ أقْسامِ المَخْلُوقاتِ. بَقِيَ هَهُنا بَحْثٌ في أنَّ المَلَكَ أفْضَلُ أمِ البَشَرَ ؟ والمَعْنى أنَّ الجَوْهَرَ البَسِيطَ المَوْصُوفَ بِالقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ القُدْسِيَّةِ المَحْضَةِ أفْضَلُ أمِ البَشَرَ المُسْتَجْمِعَ لِهاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ ؟ وذَلِكَ بَحْثٌ آخَرُ.

وثامِنُها: المَوْجُودُ إمّا أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا وأبَدِيًّا مَعًا وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وإمّا أنْ يَكُونَ لا أزَلِيًّا ولا أبَدِيًّا وهو عالَمُ الدُّنْيا مَعَ كُلِّ ما فِيهِ مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ، وهَذا أخَسُّ الأقْسامِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أزَلِيًّا لا أبَدِيًّا وهو المُمْتَنِعُ الوُجُودِ لِأنَّ ما ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ أزَلِيًّا ولَكِنَّهُ يَكُونُ أبَدِيًّا، وهو الإنْسانُ والمَلَكُ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا القِسْمَ أشْرَفُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي والثّالِثِ وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَ الإنْسانِ أشْرَفَ مِن أكْثَرِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى.

وتاسِعُها: العالَمُ العِلْوِيُّ أشْرَفُ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ، ورُوحُ

صفحة ١٣

الإنْسانِ مِن جِنْسِ الأرْواحِ العُلْوِيَّةِ والجَواهِرِ القُدْسِيَّةِ فَلَيْسَ في مَوْجُوداتِ العالَمِ السُّفْلِيِّ شَيْءٌ حَصَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ إلّا الإنْسانَ فَوَجَبَ كَوْنُ الإنْسانِ أشْرَفَ مَوْجُوداتِ العالَمِ السُّفْلِيِّ.

وعاشِرُها: أشْرَفُ المَوْجُوداتِ هو اللَّهُ تَعالى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَوْجُودٍ كانَ قُرْبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أتَمَّ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ، لَكِنَّ أقْرَبَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ مِنَ اللَّهِ هو الإنْسانُ بِسَبَبِ أنَّ قَلْبَهُ مُسْتَنِيرٌ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى ولِسانَهُ مُشَرَّفٌ بِذِكْرِ اللَّهِ وجَوارِحَهُ وأعْضاؤَهُ مُكَرَّمَةٌ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَوَجَبَ الجَزْمُ بِأنَّ أشْرَفَ مَوْجُوداتِ هَذا العالَمِ السُّفْلِيِّ هو الإنْسانُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الإنْسانَ مَوْجُودٌ مُمْكِنٌ لِذاتِهِ، والمُمْكِنُ لِذاتِهِ لا يُوجَدُ إلّا بِإيجادِ الواجِبِ لِذاتِهِ ثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما حَصَلَ لِلْإنْسانِ مِنَ المَراتِبِ العالِيَةِ والصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ فَهي إنَّما حَصَلَتْ بِإحْسانِ اللَّهِ تَعالى وإنْعامِهِ فَلِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ ومِن تَمامِ كَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى أنَّهُ تَعالى لَمّا خَلَقَهُ في أوَّلِ الأمْرِ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ أكْرَمُ فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ (العَلَقِ: ١) ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالتَّكْرِيمِ عِنْدَ تَرْبِيَتِهِ لِلْإنْسانِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالكَرَمِ في آخِرِ أحْوالِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ (الِانْفِطارِ: ٦) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا نِهايَةَ لِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى ولِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ مَعَ الإنْسانِ واللَّهُ أعْلَمُ.

والوَجْهُ الحادِي عَشَرَ: قالَ بَعْضُهم: هَذا التَّكْرِيمُ مَعْناهُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وخَلَقَ غَيْرَهُ بِطَرِيقِ كُنْ فَيَكُونُ. ومَن كانَ مَخْلُوقًا بِيَدِ اللَّهِ كانَتِ العِنايَةُ بِهِ أتَمَّ وأكْمَلَ، وكانَ أكْرَمَ وأكْمَلَ ولَمّا جَعَلَنا مِن أوْلادِهِ وجَبَ كَوْنُ بَنِي آدَمَ أكْرَمَ وأكْمَلَ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

النَّوْعُ الثّانِي: مِنَ المَدائِحِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿وحَمَلْناهم في البَرِّ والبَحْرِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في البَرِّ عَلى الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والإبِلِ، وفي البَحْرِ عَلى السُّفُنِ، وهَذا أيْضًا مِن مُؤَكِّداتِ التَّكْرِيمِ المَذْكُورِ أوَّلًا، لِأنَّهُ تَعالى سَخَّرَ هَذِهِ الدَّوابَّ لَهُ حَتّى يَرْكَبَها ويَحْمِلَ عَلَيْها ويَغْزُوَ ويُقاتِلَ ويَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ، وكَذَلِكَ تَسْخِيرُ اللَّهِ تَعالى المِياهَ والسُّفُنَ وغَيْرَها لِيَرْكَبَها ويَنْقِلَ عَلَيْها ويَتَكَسَّبَ بِها مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ ابْنُ آدَمَ، كُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ في هَذا العالَمِ كالرَّئِيسِ المَتْبُوعِ والمَلِكِ المُطاعِ، وكُلُّ ما سِواهُ فَهو رَعِيَّتُهُ وتَبَعٌ لَهُ.

النَّوْعُ الثّالِثُ: مِنَ المَدائِحِ قَوْلُهُ: ﴿ورَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الأغْذِيَةَ إمّا حَيَوانِيَّةٌ وإمّا نَباتِيَّةٌ، وكِلا القِسْمَيْنِ إنَّما يَتَغَذّى الإنْسانُ مِنهُ بِألْطَفِ أنْواعِها وأشْرَفِ أقْسامِها بَعْدَ التَّنْقِيَةِ التّامَّةِ والطَّبْخِ الكامِلِ والنُّضْجِ البالِغِ، وذَلِكَ مِمّا لا يَحْصُلُ إلّا لِلْإنْسانِ.

النَّوْعُ الرّابِعُ: قَوْلُهُ: ﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ وهَهُنا بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ وقالَ في آخِرِها: ﴿وفَضَّلْناهُمْ﴾ ولا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ هَذا التَّكْرِيمِ والتَّفْضِيلِ وإلّا لَزِمَ التَّكْرارُ، والأقْرَبُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى فَضَّلَ الإنْسانَ عَلى سائِرِ الحَيَواناتِ بِأُمُورٍ خَلْقِيَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ ذاتِيَّةٍ مِثْلَ العَقْلِ والنُّطْقِ والخَطِّ والصُّورَةِ الحَسَنَةِ والقامَةِ المَدِيدَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى عَرَضَهُ بِواسِطَةِ ذَلِكَ العَقْلِ والفَهْمِ لِاكْتِسابِ العَقائِدِ الحَقَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ، فالأوَّلُ هو التَّكْرِيمُ والثّانِي هو التَّفْضِيلُ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ: وفَضَّلْناهم عَلى الكُلِّ بَلْ قالَ:

صفحة ١٤

﴿وفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا﴾ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حَصَلَ في مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى شَيْءٌ لا يَكُونُ الإنْسانُ مُفَضَّلًا عَلَيْهِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذا القِسْمَ قالَ: إنَّهُ هو المَلائِكَةُ، فَلَزِمَ القَوْلُ بِأنَّ الإنْسانَ لَيْسَ أفْضَلَ مِنَ المَلائِكَةِ بَلِ المَلَكُ أفْضَلُ مِنَ الإنْسانِ، وهَذا القَوْلُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتِيارُ الزَّجّاجِ عَلى ما رَواهُ الواحِدِيُّ في البَسِيطِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مُشْتَمِلٌ عَلى بَحْثَيْنِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أفْضَلُ أمِ المَلائِكَةُ ؟ وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ هَذِهِ المَسْألَةِ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ (البَقَرَةِ: ٣٤) .

والبَحْثُ الثّانِي: أنَّ عَوامَّ المَلائِكَةِ وعَوامَّ المُؤْمِنِينَ أيُّهُما أفْضَلُ ؟ مِنهم مَن قالَ بِتَفْضِيلِ المُؤْمِنِينَ عَلى المَلائِكَةِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِما رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ قالَ: قالَتِ المَلائِكَةُ رَبَّنا إنَّكَ أعْطَيْتَ بَنِي آدَمَ الدُّنْيا يَأْكُلُونَ فِيها ويَتَنَعَّمُونَ ولَمْ تُعْطِنا ذَلِكَ فَأعْطِنا ذاكَ في الآخِرَةِ، فَقالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لا أجْعَلُ ذَرِّيَّةَ مَن خَلَقْتُ بِيَدِي كَمَن قُلْتُ لَهُ كُنْ فَكانَ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ، هَكَذا أوْرَدَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“، وأمّا القائِلُونَ بِأنَّ المَلَكَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ فَقَدْ عَوَّلُوا عَلى هَذِهِ الآيَةِ، وهو في الحَقِيقَةِ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطابِ لِأنَّ تَقْرِيرَ الدَّلِيلِ أنْ يُقالَ: إنَّ تَخْصِيصَ الكَثِيرِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في القَلِيلِ بِالضِّدِّ، وذَلِكَ تَمَسُّكٌ بِدَلِيلِ الخِطابِ واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском