Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:71–75
17:71–72Page 289
يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١
[Mention, O Muḥammad], the Day We will call forth every people with their record [of deeds].1 Then whoever is given his record in his right hand - those will read their records, and injustice will not be done to them, [even] as much as a thread [inside the date seed].
وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢
And whoever is blind1 in this [life] will be blind in the Hereafter and more astray in way.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنْواعَ كَراماتِ الإنْسانِ في الدُّنْيا ذَكَرَ أحْوالَ دَرَجاتِهِ في الآخِرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وفِيها مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ يَدْعُوا بِالياءِ والنُّونِ ويُدْعى كُلُّ أُناسٍ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ يَدْعُو كُلُّ أُناسٍ، قالَ الفَرّاءُ وأهْلُ العَرَبِيَّةِ لا يَعْرِفُونَ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ المَنقُولَةِ عَنِ الحَسَنِ ولَعَلَّهُ قَرَأ يُدْعى بِفَتْحَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِالضَّمِّ فَظَنَّ الرّاوِي أنَّهُ قَرَأ يَدْعُو.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ يَوْمَ نَدْعُوا نُصِبَ بِإضْمارِ اذْكُرْ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ وفَضَّلْناهم لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ فَيُقالُ: المُرادُ ونُفَضِّلُهم بِما نُعْطِيهِمْ مِنَ الكَرامَةِ والثَّوابِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿بِإمامِهِمْ﴾ الإمامُ في اللُّغَةِ كُلُّ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ قَوْمٌ كانُوا عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ فالنَّبِيُّ إمامُ أُمَّتِهِ، والخَلِيفَةُ إمامُ رَعِيَّتِهِ، والقُرْآنُ إمامُ المُسْلِمِينَ وإمامُ القَوْمِ هو الَّذِي يُقْتَدى بِهِ في الصَّلاةِ وذَكَرُوا في تَفْسِيرِ الإمامِ هَهُنا أقْوالٌ:
القَوْلُ الأوَّلُ: إمامُهم نَبِيُّهم رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ
صفحة ١٥
النَّبِيِّ ﷺ ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يُنادى يَوْمَ القِيامَةِ يا أمَةَ إبْراهِيمَ يا أمَةَ مُوسى يا أمَةَ عِيسى يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ فَيَقُومُ أهْلُ الحَقِّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الأنْبِياءَ فَيَأْخُذُونَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ ثُمَّ يُنادى يا أتْباعَ فِرْعَوْنَ يا أتْباعَ نَمْرُودَ يا أتْباعَ فُلانٍ وفُلانٍ مِن رُؤَساءِ الضَّلالِ وأكابِرِ الكُفْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالباءُ في قَوْلِهِ بِإمامِهِمْ فِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ يَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ تَبَعًا وشِيعَةً لِأمامِهِمْ كَما تَقُولُ أدْعُوكَ بِاسْمِكَ.
والثّانِي: أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ وذَلِكَ المَحْذُوفُ في مَوْضِعِ الحالِ كَأنَّهُ قِيلَ يَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ مُخْتَلِطِينَ بِإمامِهِمْ أيْ يُدْعَوْنَ وإمامُهم فِيهِمْ نَحْوَ رَكْبٍ بِجُنُودِهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ وابْنِ زَيْدٍ: بِإمامِهِمْ أيْ بِكِتابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يُنادى في القِيامَةِ يا أهْلَ القُرْآنِ يا أهْلَ التَّوْراةِ يا أهْلَ الإنْجِيلِ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ بِكِتابِهِمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهم وهو قَوْلُ الرَّبِيعِ وأبِي العالِيَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا الكِتابَ يُسَمّى إمامًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾ (يس: ١٢) فَسَمّى اللَّهُ تَعالى هَذا الكِتابَ إمامًا، وتَقْدِيرُ الباءِ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى مَعَ، أيْ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ ومَعَهم كِتابُهم كَقَوْلِكَ ادْفَعْهُ إلَيْهِ بِرُمَّتِهِ أيْ ومَعَهُ رُمَّتُهُ.
القَوْلُ الرّابِعُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ أنَّ الإمامَ جَمْعُ أُمٍّ، وأنَّ النّاسَ يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّهاتِهِمْ وأنَّ الحِكْمَةَ في الدُّعاءِ بِالأُمَّهاتِ دُونَ الآباءِ رِعايَةُ حَقِّ عِيسى وإظْهارُ شَرَفِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ وأنْ لا يَفْتَضِحَ أوْلادُ الزِّنا ثُمَّ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ولَيْتَ شِعْرِي أيُّهُما أبْدَعُ أصِحَّةُ لَفْظِهِ أمْ بَيانُ حِكْمَتِهِ !
والقَوْلُ الخامِسُ: أقُولُ في اللَّفْظِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ أنْواعَ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ والفاسِدَةِ كَثِيرَةٌ والمُسْتَوْلِي عَلى كُلِّ إنْسانٍ نَوْعٌ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَمِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الغَضَبَ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ شَهْوَةَ النُّقُودِ أوْ شَهْوَةَ الضِّياعِ ومِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ الحِقْدَ والحَسَدَ وفي جانِبِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِنهم مَن يَكُونُ الغالِبُ عَلَيْهِ العِفَّةَ أوِ الشَّجاعَةَ أوِ الكَرَمَ أوْ طَلَبَ العِلْمِ والزُّهْدَ إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الدّاعِي إلى الأفْعالِ الظّاهِرَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ الباطِنَةِ فَذَلِكَ الخُلُقُ الباطِنُ كالإمامِ لَهُ والمَلِكِ المُطاعِ والرَّئِيسِ المَتْبُوعِ فَيَوْمَ القِيامَةِ إنَّما يَظْهَرُ الثَّوابُ والعِقابُ بِناءً عَلى الأفْعالِ النّاشِئَةِ مِن تِلْكَ الأخْلاقِ فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ فَهَذا الِاحْتِمالُ خَطَرَ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهم ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ إنَّما قالَ أُولَئِكَ لِأنَّ مَن أُوتِيَ في مَعْنى الجَمْعِ، والفَتِيلُ القِشْرَةُ الَّتِي في شَقِّ النَّواةِ وسُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ إذا أرادَ الإنْسانُ اسْتِخْراجَهُ انْفَتَلَ وهَذا يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ الحَقِيرِ التّافِهِ ومِثْلُهُ القِطْمِيرُ والنَّقِيرُ في ضَرْبِ المَثَلِ بِهِ والمَعْنى لا يَنْقُصُونَ مِنَ الثَّوابِ بِمِقْدارِ فَتِيلٍ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾ (طه: ١١٢) ورَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الفَتِيلُ هو الوَسَخُ الَّذِي يَظْهَرُ بِفَتْلِ الإنْسانِ إبْهامَهُ بِسَبّابَتِهِ وهو فَعِيلٌ مِنَ الفَتْلِ بِمَعْنى مَفْتُولٌ فَإنْ قِيلَ لِمَ خَصَّ أصْحابَ اليَمِينِ بِقِراءَةِ كِتابِهِمْ مَعَ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ يَقْرَءُونَهُ أيْضًا، قُلْنا الفَرْقُ أنَّ أصْحابَ الشِّمالِ إذا طالَعُوا كِتابَهم وجَدُوهُ مُشْتَمِلًا عَلى المُهْلِكاتِ العَظِيمَةِ والقَبائِحِ الكامِلَةِ والمَخازِي الشَّدِيدَةِ، فَيَسْتَوْلِي الخَوْفُ والدَّهْشَةُ عَلى قُلُوبِهِمْ ويَثْقُلُ لِسانُهم فَيَعْجِزُوا عَنِ القِراءَةِ، وأمّا أصْحابُ اليَمِينِ فَأمْرُهم عَلى عَكْسِ ذَلِكَ لا جَرَمَ أنَّهم يَقْرَءُونَ كِتابَهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ وأثْبَتِها، ثُمَّ لا يَكْتَفُونَ بِقِراءَتِهِمْ وحْدَهم بَلْ يَقُولُ القارِئُ لِأهْلِ الحَشْرِ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ (الحّاقَّةِ: ١٩) فَظَهَرَ الفَرْقُ، واللَّهُ أعْلَمُ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ونَصْرٍ عَنِ الكِسائِيِّ: ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى بِالإمالَةِ
صفحة ١٦
والكَسْرِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى بِالفَتْحِ، وقَرَأ بِالفَتْحِ والتَّفْخِيمِ فِيهِما ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ في رِوايَةٍ بِالإمالَةِ فِيهِما، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الوَجْهُ في تَصْحِيحِ قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو أنَّ المُرادَ بِالأعْمى في الكَلِمَةِ الأُولى كَوْنُهُ في نَفْسِهِ أعْمى وبِهَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الكَلِمَةُ تامَّةً فَتَقْبَلُ الإمالَةَ، وأمّا في الكَلِمَةِ الثّانِيَةِ فالمُرادُ مِنَ الأعْمى أفْعَلُ التَّفْضِيلِ فَكانَتْ بِمَعْنى ”أفْعَلُ مِن“، وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا تَكُونُ لَفْظَةُ أعْمى تامَّةً فَلَمْ تَقْبَلِ الإمالَةَ، والحاصِلُ أنَّ إدْخالَ الإمالَةِ في الأُولى دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ وتَرْكُها في الثّانِيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ مِنها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى﴾ عَمى البَصَرِ بَلِ المُرادُ مِنهُ عَمى القَلْبِ، أمّا قَوْلُهُ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى فَفِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ أيْضًا عَمى القَلْبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ عِكْرِمَةُ: جاءَ نَفَرٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألَهُ رَجُلٌ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: اقْرَأْ ما قَبْلَها فَقَرَأ ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿تَفْضِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن كانَ أعْمى في هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي قَدْ رَأى وعايَنَ فَهو في أمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي لَمْ يَرَ ولَمْ يُعايِنْ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ في هَذِهِ إشارَةٌ إلى النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ.
وثانِيًا: رَوى أبُو رَوْقٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَمّا يُرى مِن قُدْرَتِي في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ والبِحارِ والجِبالِ والنّاسِ والدَّوابِّ فَهو عَنْ أمْرِ الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا وأبْعَدُ عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ بِهِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ فَقَوْلُهُ: فَمَن كانَ في هَذِهِ إشارَةٌ إلى الدُّنْيا، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ فالمُرادُ مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ هَذِهِ النِّعَمِ والدَّلائِلِ فَبِأنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ أعْمى القَلْبِ عَنْ مَعْرِفَةِ أحْوالِ الآخِرَةِ أوْلى، فالعَمى في المَرَّتَيْنِ حَصَلَ في الدُّنْيا.
وثالِثُها: قالَ الحَسَنُ: مَن كانَ في الدُّنْيا ضالًّا كافِرًا فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وفي الآخِرَةِ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وفي الدُّنْيا يَهْتَدِي إلى التَّخَلُّصِ مِن أبْوابِ الآفاتِ وفي الآخِرَةِ لا يَهْتَدِي إلى ذَلِكَ البَتَّةَ.
ورابِعُها: أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُ العَمى الثّانِي عَلى الجَهْلِ بِاللَّهِ لِأنَّ أهْلَ الآخِرَةِ يَعْرِفُونَ اللَّهَ بِالضَّرُورَةِ، فَكانَ المُرادُ مِنهُ العَمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ أيْ: ومَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ فَهو في الآخِرَةِ أعْمى عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.
وخامِسُها: أنَّ الَّذِينَ حَصَلَ لَهم عَمى القَلْبِ في الدُّنْيا إنَّما حَصَلَتْ هَذِهِ الحالَةُ لَهم لِشِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى تَحْصِيلِ الدُّنْيا وابْتِهاجِهِمْ بِلَذّاتِها وطَيِّباتِها فَهَذِهِ الرَّغْبَةُ تَزْدادُ في الآخِرَةِ وتَعْظُمُ هُناكَ حَسْرَتُها عَلى فَواتِ الدُّنْيا ولَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ مِن أنْوارِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى فَيَبْقَوْنَ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ وحَسْرَةٍ عَظِيمَةٍ، فَذاكَ هو المُرادُ مِنَ العَمى.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّ يُحْمَلَ العَمى الثّانِي عَلى عَمى العَيْنِ والبَصَرِ فَمَن كانَ في هَذِهِ الدُّنْيا أعْمى القَلْبِ حُشِرَ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى العَيْنِ والبَصَرِ كَما قالَ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ (طه: ١٢٤) وقالَ: ﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] وهَذا العَمى زِيادَةٌ في عُقُوبَتِهِمْ واللَّهُ أعْلَمُ.
17:73–75Page 289
وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣
And indeed, they were about to tempt you away from that which We revealed to you in order to [make] you invent about Us something else; and then they would have taken you as a friend.
وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤
And if We had not strengthened you, you would have almost inclined to them a little.
إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥
Then [if you had], We would have made you taste double [punishment in] life and double [after] death. Then you would not find for yourself against Us a helper.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَدَّدَ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ أقْسامَ نِعَمِهِ عَلى خَلْقِهِ وأتْبَعَها بِذِكْرِ دَرَجاتِ الخَلْقِ في الآخِرَةِ وشَرَحَ أحْوالَ السُّعَداءِ أرْدَفَهُ بِما يَجْرِي مَجْرى تَحْذِيرِ السُّعَداءِ مِنَ الِاغْتِرارِ بِوَساوِسِ أرْبابِ الضَّلالِ والِانْخِداعِ بِكَلامِهِمُ المُشْتَمِلِ عَلى المَكْرِ والتَّلْبِيسِ فَقالَ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ عَطاءٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في «وفْدِ ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ شَطَطًا، وقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً وحَرِّمْ وادِينا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ شَجَرَها وطَيْرَها ووَحْشَها فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولَمْ يُجِبْهم فَكَرَّرُوا ذَلِكَ الِالتِماسَ، وقالُوا إنّا نُحِبُّ أنْ تَعْرِفَ العَرَبُ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ كَرِهْتَ ما نَقُولُ وخَشِيتَ أنْ تَقُولَ العَرَبُ أعْطَيْتَهم ما لَمْ تُعْطِنا، فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهم وداخَلَهُمُ الطَّمَعُ، فَصاحَ عَلَيْهِمْ عُمَرُ وقالَ: أما تَرَوْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أمْسَكَ عَنِ الكَلامِ كَراهِيَةً لَمّا تَذْكُرُونَهُ» ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى صاحِبُ ”الكَشّافِ“ أنَّهم «جاءُوا بِكاتِبِهِمْ فَكَتَبَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذا كِتابٌ مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى ثَقِيفٍ لا يُعَشَّرُونَ ولا يُحْشَرُونَ، فَقالُوا: ولا يُجْبَوْنَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قالُوا لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ ولا يُجْبَوْنَ والكاتِبُ يَنْظُرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وسَلَّ سَيْفَهُ، وقالَ: أسْعَرْتُمْ قَلْبَ نَبِيِّنا يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أسْعَرَ اللَّهُ قُلُوبَكم نارًا. فَقالُوا لَسْنا نُكَلِّمُكَ إنَّما نُكَلِّمُ مُحَمَّدًا»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ إنَّما وقَعَتْ بِالمَدِينَةِ فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا إنَّ هَذِهِ الآياتِ مَدَنِيَّةٌ. ورُوِيَ «أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لَهُ: اجْعَلْ آيَةَ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ وآيَةَ عَذابٍ آيَةَ رَحْمَةٍ حَتّى نُؤْمِنَ بِكَ» . فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ الحَسَنُ: «الكُفّارُ أخَذُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ فَقالُوا: كُفَّ يا مُحَمَّدُ عَنْ ذَمِّ آلِهَتِنا وشَتْمِها فَلَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا كانَ فُلانٌ وفُلانٌ بِهَذا الأمْرِ أحَقَّ مِنكَ فَوَقَعَ في قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ يَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ «أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَسْتَلِمُ الحَجَرَ فَتَمْنَعُهُ قُرَيْشٌ ويَقُولُونَ لا نَدَعُكَ حَتّى تَسْتَلِمَ آلِهَتَنا فَوَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّ يَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ كَراهِيَةٍ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ مَعْنى الكَلامِ كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ إنَّ واللّامُ لِلتَّأْكِيدِ، وإنَّ مُخَفَّفَةٌ مِنَ
صفحة ١٨
الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والمَعْنى: إنَّ الشَّأْنَ (أنَّهم) قارَبُوا أنْ يَفْتِنُوكَ أيْ: يَخْدَعُوكَ، فاتِنِينَ [ و] أصْلُ الفِتْنَةِ: الِاخْتِبارُ يُقالُ فَتَنَ الصّائِغُ الذَّهَبَ إذا أدْخَلَهُ النّارَ وأذابَهُ لِتَمْيِيزِ جِيدِهِ مِن رَدِيئِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلُوهُ في كُلِّ مَن أزالَ الشَّيْءَ عَنْ حَدِّهِ وجِهَتِهِ فَقالُوا فَتَنَهُ فَقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ أيْ: يُزِيُلُونَكَ ويَصْرِفُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ يَعْنِي القُرْآنَ، والمَعْنى: عَنْ حُكْمِهِ وذَلِكَ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوهُ مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآنِ، وقَوْلُهُ: ﴿لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ أيْ: غَيْرَ ما أوْحَيْنا إلَيْكَ وهو قَوْلُهم: قُلِ اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ ﴿وإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ أيْ لَوْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا وأظْهَرُوا لِلنّاسِ أنَّكَ مُوافِقٌ لَهم عَلى كَوْنِهِمْ وراضٍ بِشِرْكِهِمْ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ أيْ عَلى الحَقِّ بِعِصْمَتِنا إيّاكَ ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ أيْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، وقَوْلُهُ: ﴿شَيْئًا﴾ عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ أيْ رُكُونًا قَلِيلًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ حَيْثُ سَكَتَ عَنْ جَوابِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ» “ ثُمَّ تَوَعَّدَهُ في ذَلِكَ أشَدَّ التَّوَعُّدِ فَقالَ: ﴿إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ أيْ ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، يُرِيدُ عَذابَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ، والضِّعْفُ عِبارَةٌ عَنْ أنْ يَضُمَّ إلى الشَّيْءِ مِثْلَهُ، فَإنَّ الرَّجُلَ إذا قالَ لِوَكِيلِهِ أعْطِ فُلانًا شَيْئًا فَأعْطاهُ دِرْهَمًا فَقالَ أضْعِفْهُ، كانَ المَعْنى ضُمَّ إلى ذَلِكَ الدِّرْهَمِ مِثْلَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّما حَسُنَ إضْمارُ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ لِما تَقَدَّمَ في القُرْآنِ مِن وصْفِ العَذابِ بِالضِّعْفِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ (ص: ٦١) وقالَ: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأعْرافِ: ٣٨) وحاصِلُ الكَلامِ أنَّكَ لَوْ مَكَّنْتَ خَواطِرَ الشَّيْطانِ مِن قَلْبِكَ وعَقَدْتَ عَلى الرُّكُونِ إلَيْهِ هِمَّتَكَ لاسْتَحْقَقْتَ بِذَلِكَ تَضْعِيفَ العَذابِ عَلَيْكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَصارَ عَذابُكَ مِثْلَيْ عَذابِ المُشْرِكِ في الدُّنْيا ومِثْلَيْ عَذابِهِ في الآخِرَةِ، والسَّبَبُ في تَضْعِيفِ هَذا العَذابِ أنَّ أقْسامَ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في حَقِّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أكْثَرُ، فَكانَتْ ذُنُوبُهم أعْظَمَ فَكانَتِ العُقُوبَةُ المُسْتَحَقَّةُ عَلَيْها أكْثَرَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يانِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ (الأحْزابِ: ٣٠) فَإنْ قِيلَ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَمُوجَبُ هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ رَضِيَ بِما قالُوهُ لَكانَ وِزْرُهُ مِثْلَ وِزْرِ كُلِّ أحَدٍ مِن أُولَئِكَ الكُفّارِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ عِقابُهُ زائِدًا عَلى الضِّعْفِ، قُلْنا: إثْباتُ الضِّعْفِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ عَلَيْهِ إلّا بِالبِناءِ عَلى دَلِيلِ الخِطابِ وهو حُجَّةٌ ضَعِيفَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا﴾ يَعْنِي إذا أذَقْناكَ العَذابَ المُضاعَفَ لَمْ تَجِدْ أحَدًا يُخَلِّصُكَ مِن عَذابِنا وعِقابِنا واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْهم مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَرُبَ مِن أنْ يَفْتَرِيَ عَلى اللَّهِ، والفِرْيَةُ عَلى اللَّهِ مِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ.
والثّانِي: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْلا أنَّ اللَّهَ تَعالى ثَبَّتَهُ وعَصَمَهُ لَقَرُبَ مِن أنْ يَرْكَنَ إلى دِينِهِمْ ويَمِيلَ إلى مَذْهَبِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَوْلا سَبْقُ جُرْمٍ وجِنايَةٍ وإلّا فَلا حاجَةَ إلى ذِكْرِ هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ فَكانَ مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قَرُبَ وُقُوعُهُ في الفِتْنَةِ، وهَذا القَدْرُ لا يَدُلُّ عَلى الوُقُوعِ في تِلْكَ الفِتْنَةِ، فَإنّا إذا قُلْنا كادَ الأمِيرُ أنْ يَضْرِبَ فُلانًا لا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ ضَرَبَهُ.
والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّ كَلِمَةَ لَوْلا تُفِيدُ انْتِفاءَ الشَّيْءِ لِثُبُوتِ غَيْرِهِ، تَقُولُ لَوْلا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ، مَعْناهُ أنَّ وُجُودَ عَلِيٍّ مَنَعَ مِن حُصُولِ الهَلاكِ لِعُمْرَ، فَكَذَلِكَ هَهُنا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾ مَعْناهُ
صفحة ١٩
أنَّهُ حَصَلَ تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكانَ حُصُولُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ مانِعًا مِن حُصُولِ ذَلِكَ الرُّكُونِ.
والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ ذَلِكَ التَّهْدِيدَ عَلى المَعْصِيَةِ لا يَدُلُّ عَلى الإقْدامِ عَلَيْها والدَّلِيلُ عَلَيْهِ آياتٌ مِنها قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ (الحاقَّةِ: ٤٦) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (الزُّمَرِ: ٦٥) ومِنها قَوْلُهُ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ (الأحْزابِ: ١) واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِأنَّهُ لا عِصْمَةَ عَنِ المَعاصِي إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ قالُوا إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ لَوْلا تَثْبِيتُ اللَّهِ تَعالى لَهُ لَمالَ إلى طَرِيقَةِ الكُفّارِ ولا شَكَّ أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ كانَ أقْوى مِن غَيْرِهِ في قُوَّةِ الدِّينِ وصَفاءِ اليَقِينِ فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ بَقاءَهُ مَعْصُومًا عَنِ الكُفْرِ والضَّلالِ لَمْ يَحْصُلْ إلّا بِإعانَةِ اللَّهِ تَعالى وإغاثَتِهِ كانَ حُصُولُ هَذا المَعْنى في حَقِّ غَيْرِهِ أوْلى، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: المُرادُ بِهَذا التَّثْبِيتِ الألْطافُ الصّارِفَةُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ وهي ما خَطَرَ بِبالِهِ مِن ذِكْرِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، ومِن ذِكْرِ أنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ، والجَوابُ: لا شَكَّ أنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ فَعَلَهُ اللَّهُ يَمْنَعُ الرَّسُولَ مِنَ الوُقُوعِ في ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ، فَنَقُولُ: لَوْ لَمْ يُوجَدِ المُقْتَضى لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ المَحْذُورِ في حَقِّ الرَّسُولِ لَما كانَ إلى إيجادِ هَذا المانِعِ حاجَةٌ، وحَيْثُ وقَعَتِ الحاجَةُ إلى تَحْصِيلِ هَذا المانِعِ عَلِمْنا أنَّ المُقْتَضى قَدْ حَصَلَ في حَقِّ الرَّسُولِ ﷺ وأنَّ هَذا المانِعَ الَّذِي فَعَلَهُ اللَّهُ مَنَعَ ذَلِكَ المُقْتَضى مِنَ العَمَلِ وهَذا لا يَتِمُّ إلّا إذا قُلْنا إنَّ القُدْرَةَ مَعَ الدّاعِي تُوجِبُ الفِعْلَ، فَإذا حَصَلَتْ داعِيَةٌ أُخْرى مُعارِضَةٌ لِلدّاعِيَةِ الأُولى اخْتَلَّ المُؤَثِّرُ فامْتَنَعَ الفِعْلُ ونَحْنُ لا نُرِيدُ إلّا إثْباتَ هَذا المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ القَفّالُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَدْ ذَكَرْنا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ الوُجُوهَ المَذْكُورَةَ، ويُمْكِنُ أيْضًا تَأْوِيلُها مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَبَبٍ يُضافُ نُزُولُها فِيهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَسْعَوْنَ في إبْطالِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأقْصى ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، فَتارَةً كانُوا يَقُولُونَ: إنْ عَبَدْتَ آلِهَتَنا عَبَدْنا إلَهَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ (الكافِرُونَ: ١) وقَوْلَهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (القَلَمِ: ٩) وعَرَضُوا عَلَيْهِ الأمْوالَ الكَثِيرَةَ والنِّسْوانَ الجَمِيلَةَ لِيَتْرُكَ ادِّعاءَ النُّبُوَّةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (الحِجْرِ: ٨٨) ودَعَوْهُ إلى طَرْدِ المُؤْمِنِينَ عَنْ نَفْسِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى قَوْلَهُ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٥٢) فَيَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في هَذا البابِ وذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ وأنْ يُزِيلُوهُ عَنْ مَنهَجِهِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يُثَبِّتُهُ عَلى الدِّينِ القَوِيمِ والمَنهَجِ المُسْتَقِيمِ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ فَلا حاجَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآياتِ إلى شَيْءٍ مِن تِلْكَ الرِّواياتِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences