Ar-RaziAl‑Isra · 17:85–89

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:85–89, continued

الخامِسُ: أنّا نَرى أنَّ النَّفْسَ تَفْعَلُ أفاعِيلَها بِآلاتٍ بَدَنِيَّةٍ فَإنَّها تُبْصِرُ بِالعَيْنِ وتَسْمَعُ بِالأُذُنِ وتَأْخُذُ بِاليَدِ وتَمْشِي بِالرِّجِلِ، أمّا إذا آلَ الأمْرُ إلى العَقْلِ والإدْراكِ فَإنَّها مُسْتَقِلَّةٌ بِذاتِها في هَذا الفِعْلِ مِن غَيْرِ إعانَةِ شَيْءٍ مِنَ الآلاتِ، ولِذَلِكَ فَإنَّ الإنْسانَ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُبْصِرَ شَيْئًا إذا أغْمَضَ عَيْنَيْهِ وأنْ لا يَسْمَعَ صَوْتًا إذا سَدَّ أُذُنَيْهِ، كَما لا يُمْكِنُهُ البَتَّةَ أنْ يُزِيلَ عَنْ قَلْبِهِ العِلْمَ بِما كانَ عالِمًا بِهِ فَعَلِمْنا أنَّ النَّفْسَ غَنِيَّةٌ بِذاتِها في العُلُومِ والمَعارِفِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الآلاتِ البَدَنِيَّةِ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الخَمْسَةُ أماراتٌ قَوِيَّةٌ في أنَّ النَّفْسَ

صفحة ٤٣

لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، وفي المَسْألَةِ الأُولى كَثِيرٌ مِن دَلائِلِ المُتَقَدِّمِينَ ذَكَرْناها في كُتُبِنا الحِكْمِيَّةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: في إثْباتِ أنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ.

الحُجَّةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ (الحَشْرِ: ١٩) ومَعْلُومٌ أنَّ أحَدًا مِنَ العُقَلاءِ لا يَنْسى هَذا الهَيْكَلَ المُشاهَدَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ النَّفْسَ الَّتِي يَنْساها الإنْسانُ عِنْدَ فَرْطِ الجَهْلِ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ هَذا البَدَنِ.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ (الأنْعامِ: ٩٣) وهَذا صَرِيحٌ أنَّ النَّفْسَ غَيْرُ البَدَنِ وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَراتِبَ الخِلْقَةِ الجُسْمانِيَّةِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكِينٍ﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٢) إلى قَوْلِهِ: ﴿فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ (المُؤْمِنُونَ: ١٤) ولا شَكَّ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ المَراتِبِ اخْتِلافاتٌ واقِعَةٌ في الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ أنْ يَذْكُرَ نَفْخَ الرُّوحِ قالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالرُّوحِ جِنْسٌ مُغايِرٌ لِما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّغَيُّراتِ الواقِعَةِ في الأحْوالِ الجُسْمانِيَّةِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِلْبَدَنِ فَإنْ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ حُجَّةٌ عَلَيْكم لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وكَلِمَةُ مِن لِلتَّبْعِيضِ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ بَعْضٌ مِن أبْعاضِ الطِّينِ، قُلْنا: كَلِمَةُ ”مِن“ أصْلُها لِابْتِداءِ الغايَةِ كَقَوْلِكَ خَرَجْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى الكُوفَةِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ تَخْلِيقِ الإنْسانِ حاصِلًا مِن هَذِهِ السُّلالَةِ ونَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ لِأنَّهُ تَعالى يُسَوِّي المِزاجَ أوَّلًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ فَيَكُونُ ابْتِداءُ تَخْلِيقِهِ مِنَ السُّلالَةِ.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ (الحِجْرِ: ٢٩) مَيَّزَ تَعالى بَيْنَ البَشَرِيَّةِ وبَيْنَ نَفْخِ الرُّوحِ فالتَّسْوِيَةُ عِبارَةٌ عَنْ تَخْلِيقِ الأبْعاضِ والأعْضاءِ وتَعْدِيلِ المِزاجِ والأشْباحِ، فَلَمّا مَيَّزَ نَفْخَ الرُّوحِ عَنْ تَسْوِيَةِ الأعْضاءِ ثُمَّ أضافَ الرُّوحَ إلى نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رُوحِي﴾ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ جَوْهَرَ الرُّوحِ مَعْنًى مُغايِرٌ لِجَوْهَرِ الجَسَدِ.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ (الشَّمْسِ: ٨) وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في وُجُودِ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ بِالإدْراكِ والتَّحْرِيكِ حَقًّا لِأنَّ الإلْهامَ عِبارَةٌ عَنِ الإدْراكِ، وأمّا الفُجُورُ والتَّقْوى فَهو فِعْلٌ، وهَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ واحِدٌ وهو مَوْصُوفٌ أيْضًا بِالإدْراكِ والتَّحْرِيكِ ومَوْصُوفٌ أيْضًا بِفِعْلِ الفُجُورِ تارَةً وفِعْلِ التَّقْوى تارَةً أُخْرى، ومَعْلُومٌ أنَّ جُمْلَةَ البَدَنِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ فَلا بُدَّ مِن إثْباتِ جَوْهَرٍ آخَرَ يَكُونُ مَوْصُوفًا بِكُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (الإنْسانِ: ٢) فَهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ واحِدٌ وذَلِكَ الشَّيْءُ هو المُبْتَلى بِالتَّكالِيفِ الإلَهِيَّةِ والأُمُورِ الرَّبّانِيَّةِ وهو المَوْصُوفُ بِالسَّمْعِ والبَصَرِ، ومَجْمُوعُ البَدَنِ لَيْسَ كَذَلِكَ، ولَيْسَ عُضْوًا مِن أعْضاءِ البَدَنِ كَذَلِكَ، فالنَّفْسُ شَيْءٌ مُغايِرٌ لِجُمْلَةِ البَدَنِ ومُغايِرٌ لِأجْزاءِ البَدَنِ وهو مَوْصُوفٌ بِكُلِّ هَذِهِ الصِّفاتِ، واعْلَمْ أنَّ الأحادِيثَ

صفحة ٤٤

الوارِدَةَ في صِفَةِ الأرْواحِ قَبْلَ تَعَلُّقِها بِالأجْسادِ وبَعْدَ انْفِصالِها مِنَ الأجْسادِ كَثِيرَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّفْسَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذا الجَسَدِ، والعَجَبُ مِمَّنْ يَقْرَأُ هَذِهِ الآياتِ الكَثِيرَةَ ويَرْوِي هَذِهِ الأخْبارَ الكَثِيرَةَ ثُمَّ يَقُولُ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وما كانَ يَعْرِفُ الرُّوحَ وهَذا مِنَ العَجائِبِ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: في دَلالَةِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ في تَفْسِيرِها عَلى صِحَّةِ ما ذَكَرْناهُ أنَّ الرُّوحَ لَوْ كانَ جِسْمًا مُنْتَقِلًا مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ ومِن صِفَةٍ إلى صِفَةٍ لَكانَ مُساوِيًا لِلْبَدَنِ في كَوْنِهِ مُتَوَلِّدًا مِن أجْسامٍ اتَّصَفَتْ بِصِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِصِفاتٍ أُخْرى فَإذا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّوحِ وجَبَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ جِسْمٌ كانَ كَذا ثُمَّ صارَ كَذا حَتّى صارَ رُوحًا مِثْلَ ما ذَكَرَ في كَيْفِيَّةِ تَوَلُّدِ البَدَنِ أنَّهُ كانَ نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً، ثُمَّ مُضْغَةً فَلَمّا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بَلْ قالَ: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] بِمَعْنى أنَّهُ لا يَحْدُثُ ولا يَدْخُلُ في الوُجُودِ إلّا لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (النَّحْلِ: ٤٠) دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ جَوْهَرٌ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأجْسامِ بَلْ هو جَوْهَرٌ قُدْسِيٌّ مُجَرَّدٌ، واعْلَمْ أنَّ أكْثَرَ العارِفِينَ المُكاشِفِينَ مِن أصْحابِ الرِّياضِيّاتِ وأرْبابِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ مُصِرُّونَ عَلى هَذا القَوْلِ جازِمُونَ بِهَذا المَذْهَبِ، قالَ الواسِطِيُّ: خَلَقَ اللَّهُ الأرْواحَ مِن بَيْنِ الجَمالِ والبَهاءِ فَلَوْلا أنَّهُ سَتَرَها لَسَجَدَ لَها كُلُّ كافِرٍ، وأمّا بَيانُ أنَّ تَعَلُّقَهُ الأوَّلَ بِالقَلْبِ ثُمَّ بِواسِطَتِهِ يَصِلُ تَأْثِيرُهُ إلى جُمْلَةِ الأعْضاءِ فَقَدْ شَرَحْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٩٣) واحْتَجَّ المُنْكِرُونَ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: لَوْ كانَتْ مُساوِيَةً لِذاتِ اللَّهِ في كَوْنِهِ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ لَكانَتْ مُساوِيَةً لَهُ في تَمامِ الماهِيَّةِ وذَلِكَ مُحالٌ.

الثّانِي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ﴾ ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ (عَبَسَ: ٢١) وهَذا تَصْرِيحٌ بِأنَّ الإنْسانَ شَيْءٌ مَخْلُوقٌ مِنَ النُّطْفَةِ، وأنَّهُ يَمُوتُ ويَدْخُلُ القَبْرَ ثُمَّ إنَّهُ تَعالى يُخْرِجُهُ مِنَ القَبْرِ، ولَوْ لَمْ يَكُنِ الإنْسانُ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الجُثَّةِ لَمْ تَكُنِ الأحْوالُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ صَحِيحَةً.

الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٦٩) إلى قَوْلِهِ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾ ﴿فَرِحِينَ﴾ (آلِ عِمْرانَ: ١٧٠) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لِأنَّ الأرْزاقَ والفَرَحَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ.

الجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُساواةَ في أنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ مُساواةٌ في صِفَةٍ سَلْبِيَّةٍ، والمُساواةُ في الصِّفَةِ السَّلْبِيَّةِ لا تُوجِبُ المُماثَلَةَ، واعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِنَ الجُهّالِ يَظُنُّونَ أنَّهُ لَمّا كانَ الرُّوحُ مَوْجُودًا لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا حالٍّ في المُتَحَيِّزِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَثَلًا لِلْإلَهِ أوْ جُزْءًا لِلْإلَهِ وذَلِكَ جَهْلٌ فاحِشٌ وغَلَطٌ قَبِيحٌ، وتَحْقِيقُهُ ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المُساواةَ في السُّلُوبِ لَوْ أوْجَبَتِ المُماثَلَةَ لَوَجَبَ القَوْلُ بِاسْتِواءِ كُلِّ المُخْتَلِفاتِ وأنَّ كُلَّ ماهِيَّتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ يَشْتَرِكا في سَلْبِ كُلِّ ما عَداهُما، فَلْتَكُنْ هَذِهِ الدَّقِيقَةُ مَعْلُومَةً فَإنَّها مَغْلَطَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْجُهّالِ.

والجَوابُ عَنِ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ الإنْسانُ في العُرْفِ والظّاهِرِ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الجُثَّةِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الإنْسانِ في العُرْفِ.

والجَوابُ عَنِ الثّالِثِ: أنَّ الرِّزْقَ المَذْكُورَ في الآيَةِ مَحْمُولٌ عَلى ما يُقَوِّي حالَهم ويُكْمِلُ كَمالَهم وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ ومَحَبَّتُهُ بَلْ نَقُولُ هَذا مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا؛ لِأنَّ أبْدانَهم قَدْ بَلِيَتْ تَحْتَ التُّرابِ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ إنَّ أرْواحَهم تَأْوِي إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ العَرْشِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الرُّوحَ غَيْرُ البَدَنِ ولْيَكُنْ هَذا آخِرَ كَلامِنا في هَذا البابِ ولْنَرْجِعْ إلى عِلْمِ التَّفْسِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ وعَلى قَوْلِنا قَدْ ذَكَرْنا فِيهِ احْتِمالَيْنِ، أمّا المُفَسِّرُونَ فَقالُوا إنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ قالُوا نَحْنُ مُخْتَصُّونَ بِهَذا الخِطابِ أمْ أنْتَ مَعَنا ؟ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«بَلْ نَحْنُ وأنْتُمْ لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا» “ فَقالُوا: ما أعْجَبَ شَأْنَكَ يا مُحَمَّدُ ساعَةً تَقُولُ:

صفحة ٤٥

﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] وساعَةً تَقُولُ هَذا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ (لُقْمانَ: ٢٧) إلى آخِرِهِ وما ذَكَرُوهُ لَيْسَ بِلازِمٍ لِأنَّ الشَّيْءَ قَدْ يَكُونُ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ، كَثِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، فالعُلُومُ الحاصِلَةُ عِنْدَ النّاسِ قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ وبِالنِّسْبَةِ إلى حَقائِقِ الأشْياءِ، ولَكِنَّها كَثِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّهَواتِ الجُسْمانِيَّةِ واللَّذّاتِ الجَسَدانِيَّةِ.

17:86–87Page 290

وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦

And if We willed, We could surely do away with that which We revealed to you. Then you would not find for yourself concerning it an advocate against Us.

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧

Except [We have left it with you] as a mercy from your Lord. Indeed, His favor upon you has ever been great.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ ما آتاهم ﴿مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يَأْخُذَ مِنهم ذَلِكَ القَلِيلَ أيْضًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ بِأنْ يَمْحُوَ حِفْظَهُ مِنَ القُلُوبِ وكِتابَتَهُ مِنَ الكُتُبِ، وهَذا وإنْ كانَ أمْرًا مُخالِفًا لِلْعادَةِ إلّا أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الكَعْبِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ فَقالَ والَّذِي يَقْدِرُ عَلى إزالَتِهِ والذَّهابِ بِهِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا بَلْ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بَعِيدٌ لِأنَّ المُرادَ بِهَذا الإذْهابِ إزالَةُ العِلْمِ بِهِ عَنِ القُلُوبِ وإزالَةُ النُّقُوشِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ عَنِ المُصْحَفِ، وذَلِكَ لا يُوجِبُ كَوْنَ ذَلِكَ المَعْلُومِ المَدْلُولِ مُحْدَثًا، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا﴾ أيْ لا تَجِدُ مَن تَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في رَدِّ شَيْءٍ مِنهُ ثُمَّ قالَ: ﴿إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ أيْ إلّا أنْ يَرْحَمَكَ رَبُّكَ فَيَرُدَّهُ عَلَيْكَ، أوْ يَكُونَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ بِمَعْنى: ولَكِنَّ رَحْمَةَ رَبِّكَ تَرَكَتْهُ غَيْرَ مَذْهُوبٍ بِهِ، وهَذا امْتِنانٌ مِنَ اللَّهِ بِبَقاءِ القُرْآنِ، عَلى أنَّهُ تَعالى مَنَّ عَلى جَمِيعِ العُلَماءِ بِنَوْعَيْنِ مِنَ المِنَّةِ:

أحَدُهُما: تَسْهِيلُ ذَلِكَ العِلْمِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: إبْقاءُ حِفْظِهِ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ أنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا بِسَبَبِ إبْقاءِ العِلْمِ والقُرْآنِ عَلَيْكَ.

الثّانِي: المُرادُ أنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا بِسَبَبِ أنَّهُ جَعَلَكَ سَيِّدَ ولَدِ آدَمَ وخَتَمَ بِكَ النَّبِيِّينَ وأعْطاكَ المَقامَ المَحْمُودَ فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ لا جَرَمَ أنْعَمَ عَلَيْكَ أيْضًا بِإبْقاءِ العِلْمِ والقُرْآنِ عَلَيْكَ.

17:88Page 291

قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨

Say, "If mankind and the jinn gathered in order to produce the like of this Qur’ān, they could not produce the like of it, even if they were to each other assistants."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ (البَقَرَةِ: ٢٣) بالَغْنا في بَيانِ إعْجازِ القُرْآنِ، ولِلنّاسِ فِيهِ قَوْلانِ مِنهم مَن قالَ: القُرْآنُ مُعْجِزٌ في

صفحة ٤٦

نَفْسِهِ، ومِنهم مَن قالَ إنَّهُ لَيْسَ في نَفْسِهِ مُعْجِزًا إلّا أنَّهُ تَعالى لَمّا صَرَفَ دَواعِيَهم عَنِ الإثْباتِ بِمُعارَضَتِهِ مَعَ أنَّ تِلْكَ الدَّواعِيَ كانَتْ قَوِيَّةً كانَتْ هَذِهِ الصِّرْفَةُ مُعْجِزَةً، والمُخْتارُ عِنْدَنا في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ القُرْآنُ في نَفْسِهِ إمّا أنْ يَكُونَ مُعْجِزًا أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ مُعْجِزًا فَقَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُعْجِزًا بَلْ كانُوا قادِرِينَ عَلى الإتْيانِ بِمُعارَضَتِهِ وكانَتِ الدَّواعِي مُتَوَفِّرَةً عَلى الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعارَضَةِ وما كانَ لَهم عَنْها صارِفٌ ومانِعٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ كانَ الإتْيانُ بِمُعارَضَتِهِ واجِبًا لازِمًا فَعَدَمُ الإتْيانِ بِهَذِهِ المُعارَضَةِ مَعَ التَّقْدِيراتِ المَذْكُورَةِ يَكُونُ نَقْضًا لِلْعادَةِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا، فَهَذا هو الطَّرِيقُ الَّذِي نَخْتارُهُ في هَذا البابِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَبْ أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَجْزُ الإنْسانِ عَنْ مُعارَضَتِهِ فَكَيْفَ عَرَفْتُمْ عَجْزَ الجِنِّ عَنْ مُعارَضَتِهِ ؟ وأيْضًا فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّ هَذا الكَلامَ نَظْمُ الجِنِّ ألْقَوْهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ وخَصُّوهُ بِهِ عَلى سَبِيلِ السَّعْيِ في إضْلالِ الخَلْقِ فَعَلى هَذا إنَّما تَعْرِفُونَ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ إذا عَرَفْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ في قَوْلِهِ أنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الجِنِّ بَلْ هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ الدَّوْرُ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنَّ يَقُولَ كَيْفَ يُعْقَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن قَوْلِ الجِنِّ لِأنّا نَقُولُ إنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى وُقُوعِ التَّحَدِّي مَعَ الجِنِّ، وإنَّما يَحْسُنُ هَذا التَّحَدِّي لَوْ كانُوا فُصَحاءَ بُلَغاءَ، ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ كانَ الِاحْتِمالُ المَذْكُورُ قائِمًا.

أجابَ العُلَماءُ عَنِ الأوَّلِ: بِأنَّ عَجْزَ البَشَرِ عَنْ مُعارَضَتِهِ يَكْفِي في إثْباتِ كَوْنِهِ مُعْجِزًا.

وعَنِ الثّانِي: أنَّ ذَلِكَ لَوْ وقَعَ لَوَجَبَ في حِكْمَةِ اللَّهِ أنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ التَّلْبِيسَ وحَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ دَلَّ عَلى عَدَمِهِ وعَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ أجابَ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِالأجْوِبَةِ الشّافِيَةِ الكافِيَةِ في آخِرِ سُورَةِ الشُّعَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ ﴿تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ (الشُّعَراءِ: ٢٢٢) وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الأجْوِبَةَ هُناكَ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ لِأنَّ التَّحَدِّيَ بِالقَدِيمِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها أيْضًا بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا فائِدَةَ في الإعادَةِ.

17:89Page 291

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩

And We have certainly diversified for the people in this Qur’ān from every [kind of] example, but most of the people refused except disbelief.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾

وهَذا الكَلامُ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ وقَعَ التَّحَدِّي بِكُلِّ القُرْآنِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، ووَقَعَ التَّحَدِّي أيْضًا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِنهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ (هُودٍ: ١٣) ووَقَعَ التَّحَدِّي بِالسُّورَةِ الواحِدَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] ووَقَعَ التَّحَدِّي بِكَلامٍ مِن سُورَةٍ واحِدَةٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ (الطَّوْرِ: ٣٤) فَقَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ التَّحَدِّيَ كَما شَرَحْناهُ، ثُمَّ إنَّهم مَعَ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ في جَمِيعِ هَذِهِ المَراتِبِ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى كُفْرِهِمْ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أنّا أخْبَرْناهم بِأنَّ الَّذِينَ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ مِثْلَ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ كَيْفَ ابْتَلاهم بِأنْواعِ البَلاءِ، وشَرَحْنا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ مِرارًا وأطْوارًا ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الأقْوامَ - يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ - لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذا البَيانِ بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ ونَفى الشُّرَكاءَ والأضْدادَ في هَذا القُرْآنِ مِرارًا كَثِيرَةً، وذَكَرَ شُبَهاتِ مُنْكِرِي النُّبُوَّةِ والمَعادِ مِرارًا وأطْوارًا، وأجابَ عَنْها ثُمَّ أرْدَفَها بِذِكْرِ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ والمُعادِ،

صفحة ٤٧

ثُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِسَماعِها بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ وإنْكارِ النُّبُوَّةِ.

﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ يُرِيدُ (أبى) أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ ﴿إلّا كُفُورًا﴾ أيْ جُحُودًا لِلْحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهم أنْكَرُوا ما لا حاجَةَ إلى إظْهارِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جازَ: ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا ؟ قُلْنا: لَفْظُ أبى يُفِيدُ النَّفْيَ كَأنَّهُ قِيلَ فَلَمْ يَرْضَوْا إلّا كُفُورًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском