Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:22–23
18:22Page 296
سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢
They [i.e., people] will say there were three, the fourth of them being their dog; and they will say there were five, the sixth of them being their dog - guessing at the unseen; and they will say there were seven, and the eighth of them was their dog. Say, [O Muḥammad], "My Lord is most knowing of their number. None knows them except a few. So do not argue about them except with an obvious argument1 and do not inquire about them among [the speculators] from anyone."
صفحة ٨٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهم فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾
اعْلَمْ أنَّ المَعْنى كَما زِدْناهم هُدًى ورَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ وأنَمْناهم وقَلَّبْناهم وبَعَثْناهم لِما فِيها مِنَ الحِكَمِ الظّاهِرَةِ، فَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ أيْ أطْلَعْنا غَيْرَهم عَلى أحْوالِهِمْ، يُقالُ: عَثَرْتُ عَلى كَذا أيْ عَلِمْتُهُ، وقالُوا: إنَّ أصْلَ هَذا أنَّ مَن كانَ غافِلًا عَنْ شَيْءٍ فَعَثَرَ بِهِ نَظَرَ إلَيْهِ فَعَرَفَهُ، فَكانَ العِثارُ سَبَبًا لِحُصُولِ العِلْمِ والتَّبَيُّنِ، فَأُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ، واخْتَلَفُوا في السَّبَبِ الَّذِي لِأجْلِهِ عَرَفَ النّاسُ واقِعَةَ أصْحابِ الكَهْفِ عَلى وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ طالَتْ شُعُورُهم وأظْفارُهم طُولًا مُخالِفًا لِلْعادَةِ، وظَهَرَتْ في بَشَرَةِ وُجُوهِهِمْ آثارٌ عَجِيبَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُدَّتَهم قَدْ طالَتْ طُولًا خارِجًا عَنِ العادَةِ.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ لَمّا دَخَلَ إلى السُّوقِ لِيَشْتَرِيَ الطَّعامَ وأخْرَجَ الدَّراهِمَ لِثَمَنِ الطَّعامِ، قالَ صاحِبُ الطَّعامِ: هَذِهِ النُّقُودُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ في هَذا اليَوْمِ، وإنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذا الوَقْتِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ ودَهْرٍ داهِرٍ، فَلَعَلَّكَ وجَدْتَ كَنْزًا، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، وحَمَلُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ إلى مَلِكِ البَلَدِ، فَقالَ المَلِكُ: مِن أيْنَ وجَدْتَ هَذِهِ الدَّراهِمَ ؟ فَقالَ: بِعْتُ بِها أمْسِ شَيْئًا مِنَ التَّمْرِ، وخَرَجْنا فِرارًا مِنَ المَلِكِ دِقْيانُوسَ، فَعَرَفَ ذَلِكَ المَلِكُ أنَّهُ ما وجَدَ كَنْزًا، وأنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ يَعْنِي أنّا إنَّما أطْلَعْنا القَوْمَ عَلى أحْوالِهِمْ لِيَعْلَمَ القَوْمُ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ بِالبَعْثِ والحَشْرِ والنَّشْرِ.
رُوِيَ أنَّ مَلِكَ ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مِمَّنْ يُنْكِرُ البَعْثَ إلّا أنَّهُ كانَ مَعَ كُفْرِهِ مُنْصِفًا، فَجَعَلَ اللَّهُ أمْرَ الفِتْيَةِ دَلِيلًا لِلْمَلِكِ، وقِيلَ: بَلِ اخْتَلَفَتِ الأُمَّةُ في ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ بَعْضُهم: الجَسَدُ والرُّوحُ يُبْعَثانِ جَمِيعًا، وقالَ آخَرُونَ: الرُّوحُ تُبْعَثُ، وأمّا الجَسَدُ فَتَأْكُلُهُ الأرْضُ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ المَلِكَ كانَ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ أنْ يُظْهِرَ لَهُ آيَةً يَسْتَدِلُّ بِها عَلى ما هو الحَقُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى أمْرِ أصْحابِ أهْلِ الكَهْفِ، فاسْتَدَلَّ ذَلِكَ المَلِكُ بِواقِعَتِهِمْ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ لِلْأجْسادِ؛ لِأنَّ انْتِباهَهم بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ الطَّوِيلِ يُشْبِهُ مَن يَمُوتُ ثُمَّ يُبْعَثُ فَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأعْثَرْنا أيْ أعْثَرْناهم عَلَيْهِمْ حِينَ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم، واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذا التَّنازُعِ، فَقِيلَ: كانُوا يَتَنازَعُونَ في صِحَّةِ البَعْثِ، فالقائِلُونَ بِهِ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الواقِعَةِ عَلى صِحَّتِهِ، وقالُوا كَما قَدِرَ اللَّهُ عَلى حِفْظِ أجْسادِهِمْ مُدَّةَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، فَكَذَلِكَ يَقْدِرُ عَلى حَشْرِ الأجْسادِ بَعْدَ مَوْتِها، وقِيلَ: إنَّ المَلِكَ وقَوْمَهُ لَمّا رَأوْا أصْحابَ الكَهْفِ ووَقَفُوا عَلى أحْوالِهِمْ عادَ القَوْمُ إلى كَهْفِهِمْ، فَأماتَهُمُ اللَّهُ.
فَعِنْدَ هَذا اخْتَلَفَ النّاسُ:
فَقالَ قَوْمٌ: إنَّهم نِيامٌ كالكَرَّةِ الأُولى.
وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الآنَ ماتُوا.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ بَعْضَهم قالَ: الأوْلى أنْ يُسَدَّ بابُ الكَهْفِ لِئَلّا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ أحَدٌ ولا يَقِفَ عَلى أحْوالِهِمْ إنْسانٌ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ الأوْلى أنْ يُبْنى عَلى بابِ الكَهْفِ مَسْجِدٌ، وهَذا القَوْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولَئِكَ الأقْوامَ كانُوا عارِفِينَ بِاللَّهِ مُعْتَرِفِينَ بِالعِبادَةِ والصَّلاةِ.
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ الكُفّارَ قالُوا: إنَّهم كانُوا عَلى دِينِنا، فَنَتَّخِذُ عَلَيْهِمْ بُنْيانًا، والمُسْلِمُونَ قالُوا: كانُوا عَلى دِينِنا فَنَتَّخِذُ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا.
والقَوْلُ الخامِسُ: أنَّهم تَنازَعُوا في قَدْرِ مُكْثِهِمْ.
والسّادِسُ: أنَّهم تَنازَعُوا في عَدَدِهِمْ وأسْمائِهِمْ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ﴾ وهَذا فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ مِن كَلامِ المُتَنازِعِينَ كَأنَّهم لَمّا تَذاكَرُوا أمْرَهم وتَناقَلُوا الكَلامَ في أسْمائِهِمْ وأحْوالِهِمْ ومُدَّةِ لُبْثِهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَهْتَدُوا إلى حَقِيقَةِ ذَلِكَ، قالُوا: رَبُّهم أعْلَمُ بِهِمْ.
الثّانِي: أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُهُ؛ رَدًّا لِلْخائِضِينَ في حَدِيثِهِمْ مِن
صفحة ٩٠
أُولَئِكَ المُتَنازِعِينَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ﴾ قِيلَ المُرادُ بِهِ المَلِكُ المُسْلِمُ، وقِيلَ: أوْلِياءُ أصْحابِ الكَهْفِ، وقِيلَ: رُؤَساءُ البَلَدِ: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ نَعْبُدُ اللَّهَ فِيهِ ونَسْتَبْقِي آثارَ أصْحابِ الكَهْفِ بِسَبَبِ ذَلِكَ المَسْجِدِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ عائِدٌ إلى المُتَنازِعِينَ.
رُوِيَ أنَّ السَّيِّدَ والعاقِبَ وأصْحابَهُما مِن أهْلِ نَجْرانَ كانُوا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَجَرى ذِكْرُ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ السَّيِّدُ وكانَ يَعْقُوبِيًّا: كانُوا ثَلاثَةً رابِعُهم كَلْبُهم، وقالَ العاقِبُ وكانَ نُسْطُورِيًّا: كانُوا خَمْسَةً سادِسُهم كَلْبُهم، وقالَ المُسْلِمُونَ: كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم، قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هَذا الأخِيرُ هو الحَقُّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهُمْ﴾ هي الواوُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، كَما تَدْخُلُ عَلى الواقِعَةِ حالًا عَنِ المَعْرِفَةِ في نَحْوِ قَوْلِكَ: جاءَنِي رَجُلٌ ومَعَهُ آخَرُ، ومَرَرْتُ بِزَيْدٍ وفي يَدِهِ سَيْفٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ (الحِجْرِ: ٤) وفائِدَتُها تَوْكِيدُ ثُبُوتِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَهُ بِها أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، فَكانَتْ هَذِهِ الواوُ دالَّةً عَلى صِدْقِ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهم كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم، وأنَّهم قالُوا قَوْلًا مُتَقَرِّرًا مُتَحَقِّقًا عَنْ ثَباتٍ وعِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالُوا: إنَّهُ تَعالى خَصَّ هَذا المَوْضِعَ بِهَذا الحَرْفِ الزّائِدِ، وهو الواوُ، فَوَجَبَ أنْ تَحْصُلَ بِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ صَوْنًا لِلَّفْظِ عَنِ التَّعْطِيلِ، وكُلُّ مَن أثْبَتَ هَذِهِ الفائِدَةَ الزّائِدَةَ قالَ: المُرادُ مِنها تَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالإثْباتِ والتَّصْحِيحِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى أتْبَعَ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وتَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالوَصْفِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحالَ في الباقِي بِخِلافِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المَخْصُوصُ بِالظَّنِّ الباطِلِ هو القَوْلانِ الأوَّلانِ، وأنْ يَكُونَ القَوْلُ الثّالِثُ مُخالِفًا لَهُما في كَوْنِهِما رَجْمًا بِالظَّنِّ.
والوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى قَوْلَهم: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ فَإتْباعُ القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِكَوْنِهِما رَجْمًا بِالغَيْبِ وإتْباعُ هَذا القَوْلِ الثّالِثِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ مُمْتازٌ عَنِ القَوْلَيْنِ الأوَّلِينَ بِمَزِيدِ القُوَّةِ والصِّحَّةِ.
والوَجْهُ الخامِسُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ حَصَلَ العِلْمُ بِعِدَّتِهِمْ لِذَلِكَ القَلِيلِ، وكُلُّ مَن قالَ مِنَ المُسْلِمِينَ قَوْلًا في هَذا البابِ قالُوا: إنَّهم كانُوا سَبْعَةً وثامِنُهم كَلْبُهم، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن ذَلِكَ القَلِيلِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا هَذا القَوْلَ، كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقُولُ: كانُوا سَبْعَةً وأسْماؤُهم هَذا: يَمْلِيخا، مَكْسَلْمِينا، مسلثينا وهَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ كانُوا أصْحابَ يَمِينِ المَلِكِ، وكانَ عَنْ يَسارِهِ: مرنوسُ، ودرنوسُ، وسادنوسُ، وكانَ المَلِكُ يَسْتَشِيرُ هَؤُلاءِ السِّتَّةَ في مُهِمّاتِهِ.
والسّابِعُ: هو الرّاعِي الَّذِي وافَقَهم لَمّا هَرَبُوا مِن مَلِكِهِمْ، واسْمُ كَلْبِهِمْ قِطْمِيرٌ، وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَقُولُ: أنا مِن ذَلِكَ العَدَدِ القَلِيلِ، وكانَ يَقُولُ: إنَّهم سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم.
الوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهم قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى الأقْوالَ فَقَدْ حَكى كُلَّ ما قِيلَ مِنَ الحَقِّ والباطِلِ؛ لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ الأقْوالَ الباطِلَةَ ولَمْ يَذْكُرْ ما هو الحَقُّ، فَثَبَتَ أنَّ جُمْلَةَ الأقْوالِ الحَقَّةِ والباطِلَةِ لَيْسَتْ إلّا هَذِهِ الثَّلاثَةَ، ثُمَّ خَصَّ
صفحة ٩١
الأوَّلِينَ بِأنَّهُما رَجْمٌ بِالغَيْبِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ هو هَذا الثّالِثَ.
الوَجْهُ السّابِعُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِرَسُولِهِ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾ فَمَنَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَنِ المُناظَرَةِ مَعَهم، وعَنِ اسْتِفْتائِهِمْ في هَذا البابِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ لَوْ عَلَّمَهُ حُكْمَ هَذِهِ الواقِعَةِ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ ويَبْعُدُ أنْ يَحْصُلَ العِلْمُ بِذَلِكَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ولا يَحْصُلَ لِلنَّبِيِّ، فَعَلِمْنا أنَّ العِلْمَ بِهَذِهِ الواقِعَةِ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ العِلْمُ إلّا بِهَذا الوَحْيِ؛ لِأنَّ الأصْلَ فِيما سِواهُ العَدَمُ، وأنْ يَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَكانَ الحَقُّ هو قَوْلَهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ وإنْ كانَ بَعْضُها أضْعَفَ مِن بَعْضٍ إلّا أنَّهُ لَمّا تَقَوّى بَعْضُها بِبَعْضٍ حَصَلَ فِيهِ كَمالٌ وتَمامٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
بَقِيَ في الآيَةِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: في الآيَةِ حَذْفٌ؛ والتَّقْدِيرُ: سَيَقُولُونَ هم ثَلاثَةٌ، فَحُذِفَ المُبْتَدَأُ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: خُصَّ القَوْلُ الأوَّلُ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ، وهو قَوْلُهُ: سَيَقُولُونَ، والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ حَرْفَ العَطْفِ يُوجِبُ دُخُولَ القَوْلَيْنِ الآخَرَيْنِ فِيهِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: الرَّجْمُ هو الرَّمْيُ، والغَيْبُ ما غابَ عَنِ الإنْسانِ فَقَوْلُهُ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ مَعْناهُ أنْ يَرى ما غابَ عَنْهُ ولا يَعْرِفُهُ بِالحَقِيقَةِ، يُقالُ: فُلانٌ يَرْمِي بِالكَلامِ رَمْيًا، أيْ يَتَكَلَّمُ مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ.
البَحْثُ الرّابِعُ: ذَكَرُوا في فائِدَةِ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ وُجُوهًا:
الوَجْهُ الأوَّلُ: ما ذَكَرْنا أنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ أوْلى مِن سائِرِ الأقْوالِ.
وثانِيها: أنَّ السَّبْعَةَ عِنْدَ العَرَبِ أصْلٌ في المُبالَغَةِ في العَدَدِ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (التَّوْبَةِ: ٨٠) وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا وصَلُوا إلى الثَّمانِيَةِ ذَكَرُوا لَفْظًا يَدُلُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ، فَقالُوا: وثَمانِيَةٌ، فَجاءَ هَذا الكَلامُ عَلى هَذا القانُونِ، قالُوا: ويَدُلُّ عَلَيْهِ نَظِيرُهُ في ثَلاثِ آياتٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ (التَّوْبَةِ: ١١٢) لِأنَّ هَذا هو العَدَدُ الثّامِنُ مِنَ الأعْدادِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ (الزُّمَرِ: ٧٣) لِأنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ ثَمانِيَةٌ، وأبْوابُ النّارِ سَبْعَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ (التَّحْرِيمِ: ٥) هو العَدَدُ الثّامِنُ مِمّا تَقَدَّمَ، والنّاسُ يُسَمُّونَ هَذِهِ الواوَ واوَ الثَّمانِيَةِ، ومَعْناهُ ما ذَكَرْناهُ، قالَ القَفّالُ: وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ﴾ (الحَشْرِ: ٢٣) ولَمْ يَذْكُرِ الواوَ في النَّعْتِ الثّامِنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلّا قَلِيلٌ﴾ وهَذا هو الحَقُّ؛ لِأنَّ العِلْمَ بِتَفاصِيلِ كائِناتِ العالَمِ والحَوادِثِ الَّتِي حَدَثَتْ في الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لا تَحْصُلُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإلّا عِنْدَ مَن أخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنا مِن أُولَئِكَ القَلِيلِ، قالَ القاضِي: إنْ كانَ قَدْ عَرَفَهُ بِبَيانِ الرَّسُولِ صَحَّ، وإنْ كانَ قَدْ تَعَلَّقَ فِيهِ بِحَرْفِ الواوِ فَضَعِيفٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: الوُجُوهُ السَّبْعَةُ المَذْكُورَةُ، وإنْ كانَتْ لا تُفِيدُ الجَزْمَ إلّا أنَّها تُفِيدُ الظَّنَّ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ أتْبَعَهُ بِأنْ نَهى رَسُولَهُ عَنْ شَيْئَيْنِ:
عَنِ المِراءِ والِاسْتِفْتاءِ، أمّا النَّهْيُ عَنِ المِراءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلّا مِراءً ظاهِرًا﴾ والمُرادُ مِنَ المِراءِ الظّاهِرِ أنْ لا يُكَذِّبَهم في تَعْيِينِ ذَلِكَ العَدَدِ، بَلْ يَقُولُ: هَذا التَّعْيِينُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ وتَرْكُ القَطْعِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ (العَنْكَبُوتِ: ٤٦) وأمّا النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِفْتاءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهم أحَدًا﴾، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم عِلْمٌ في هَذا البابِ وجَبَ المَنعُ مِنَ اسْتِفْتائِهِمْ، واعْلَمْ أنَّ نُفاةَ القِياسِ تَمَسَّكُوا بِهَذِهِ الآيَةِ
صفحة ٩٢
قالُوا: لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ وُضِعَ الرَّجْمُ فِيهِ مَوْضِعَ الظَّنِّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ظَنًّا بِالغَيْبِ؛ لِأنَّهم أكْثَرُوا أنْ يَقُولُوا: رَجْمٌ بِالظَّنِّ مَكانَ قَوْلِهِمْ: ظَنٌّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ عِنْدَهم فَرْقٌ بَيْنَ العِبارَتَيْنِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ:
وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
أيِ المَظْنُونِ هَكَذا، قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالظَّنِّ مَذْمُومٌ عِنْدَ اللَّهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ رَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ اسْتِفْتاءِ هَؤُلاءِ الظّانِّينَ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الفَتْوى بِالمَظْنُونِ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَ اللَّهِ، وجَوابُ مُثْبِتِي القِياسِ عَنْهُ قَدْ ذَكَرْناهُ مِرارًا.
18:23Page 296
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣
And never say of anything, "Indeed, I will do that tomorrow,"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾ ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ ما لَهم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾
اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا سَألُوا النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أُجِيبُكم عَنْها غَدًا، ولَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فاحْتَبَسَ الوَحْيُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وفي رِوايَةٍ أُخْرى أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، اعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا الكَلامِ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كانَ عالِمًا بِأنَّهُ إذا أخْبَرَ عَنْ أنَّهُ سَيَفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ غَدًا فَرُبَّما جاءَتْهُ الوَفاةُ قَبْلَ الغَدِ، ورُبَّما عاقَهُ عائِقٌ آخَرُ عَنِ الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ غَدًا، وإذا كانَ كُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ مُحْتَمَلًا، فَلَوْ لَمْ يَقِلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ رُبَّما خَرَجَ الكَلامُ مُخالِفًا لِما عَلَيْهِ الوُجُودُ، وذَلِكَ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ عَنْهُ، وعَنْ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا إذا قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ كانَ مُحْتَرِزًا عَنْ هَذا المَحْذُورِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مِنَ البَعِيدِ أنْ يَعِدَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَقُلْ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى فَوائِدَ كَثِيرَةٍ وأحْكامٍ جَمَّةٍ، فَيَبْعُدُ قَصْرُها عَلى هَذا السَّبَبِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لا نِزاعَ أنَّ الأوْلى أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ إلّا أنَّهُ رُبَّما اتَّفَقَ لَهُ أنَّهُ نَسِيَ هَذا الكَلامَ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ فَكانَ ذَلِكَ مِن بابِ تَرْكِ الأوْلى والأفْضَلِ.
وأنْ يُجابَ عَنِ الثّانِي: أنَّ اشْتِمالَهُ عَلى الفَوائِدِ الكَثِيرَةِ لا يَمْنَعُ مِن أنْ يَكُونَ سَبَبُ نُزُولِهِ واحِدًا مِنها.
صفحة ٩٣
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ أنَّهُ شاءَ اللَّهُ ماذا، وفِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أنْ يَأْذَنَ لَكَ في ذَلِكَ القَوْلِ، والمَعْنى: أنَّهُ لَيْسَ لَكَ أنْ تُخْبِرَ عَنْ نَفْسِكَ أنَّكَ تَفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ إلّا إذا أذِنَ اللَّهُ لَكَ في ذَلِكَ الإخْبارِ.
القَوْلُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ إلّا أنْ تَقُولَ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) والسَّبَبُ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذِكْرِ هَذا القَوْلِ هو أنَّ الإنْسانَ إذا قالَ: سَأفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ غَدًا، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يَمُوتَ قَبْلَ مَجِيءِ الغَدِ، ولَمْ يَبْعُدْ أيْضًا لَوْ بَقِيَ حَيًّا أنْ يَعُوقَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ شَيْءٌ مِنَ العَوائِقِ، فَإذا كانَ لَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ صارَ كاذِبًا في ذَلِكَ الوَعْدِ، والكَذِبُ مُنْفَرِدٌ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَلِهَذا السَّبَبِ أوْجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) حَتّى أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِذَلِكَ المَوْعُودِ لَمْ يَصِرْ كاذِبًا فَلَمْ يَحْصُلِ التَّنْفِيرُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ مَذْهَبَ المُعْتَزِلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ الإيمانَ والطّاعَةَ مِنَ العَبْدِ، والعَبْدُ يُرِيدُ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ لِنَفْسِهِ، فَيَقَعُ مُرادُ العَبْدِ ولا يَقَعُ مُرادُ اللَّهِ، فَتَكُونُ إرادَةُ العَبْدِ غالِبَةً وإرادَةُ اللَّهِ تَعالى مَغْلُوبَةً، وأمّا عِنْدَنا فَكُلُّ ما أرادَ اللَّهُ تَعالى فَهو واقِعٌ فَهو تَعالى يُرِيدُ الكُفْرَ مِنَ الكافِرِ ويُرِيدُ الإيمانَ مِنَ المُؤْمِنِ، وعَلى هَذا التَّقْرِيرِ فَإرادَةُ اللَّهِ تَعالى غالِبَةٌ، وإرادَةُ العَبْدِ مَغْلُوبَةٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قالَ العَبْدُ: لَأفْعَلَنَّ كَذا غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، واللَّهُ إنَّما يَدْفَعُ عَنْهُ الكَذِبَ إذا كانَتْ إرادَةُ اللَّهِ غالِبَةً عَلى إرادَةِ العَبْدِ، فَإنَّ عَلى هَذا القَوْلِ: يَكُونُ التَّقْدِيرُ: أنَّ العَبْدَ قالَ: أنا أفْعَلُ الفِعْلَ الفُلانِيَّ إلّا إذا كانَتْ إرادَةُ اللَّهِ بِخِلافِهِ، فَأنا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا أفْعَلُ؛ لِأنَّ إرادَةَ اللَّهِ غالِبَةٌ عَلى إرادَتِي فَعِنْدَ قِيامِ المانِعِ الغالِبِ لا أقْوى عَلى الفِعْلِ، أمّا بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ إرادَةُ اللَّهِ تَعالى مَغْلُوبَةً، فَإنَّها لا تُصْلَحُ عُذْرًا في هَذا البابِ؛ لِأنَّ المَغْلُوبَ لا يَمْنَعُ الغالِبَ إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ إذا قالَ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا، ثُمَّ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ دافِعًا لِلْحِنْثِ، فَلا يَكُونُ دافِعًا لِلْحِنْثِ إلّا إذا كانَتْ إرادَةُ اللَّهِ غالِبَةً، فَلَمّا حَصَلَ دَفْعُ الحِنْثِ بِالإجْماعِ وجَبَ القَطْعُ بِكَوْنِ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى غالِبَةً، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ في الوُجُودِ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ، وأصْحابُنا أكَّدُوا هَذا الكَلامَ في صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وهو أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَ لَهُ عَلى إنْسانٍ دَيْنٌ وكانَ ذَلِكَ المَدْيُونُ قادِرًا عَلى أداءِ الدَّيْنِ، فَقالَ: واللَّهِ لَأقْضِيَنَّ هَذا الدَّيْنَ غَدًا، ثُمَّ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَإذا جاءَ الغَدُ ولَمْ يَقْضِ هَذا الدَّيْنَ لَمْ يَحْنَثْ، وعَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنهُ قَضاءَ الدَّيْنِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: (إنْ شاءَ اللَّهُ) تَعْلِيقٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ عَلى شَرْطٍ واقِعٍ فَوَجَبَ أنْ يَحْنَثَ، ولَمّا أجْمَعُوا عَلى أنْ لا يَحْنَثَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ الفِعْلَ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ قَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ ورَغَّبَ فِيهِ وزَجَرَ عَنِ الإخْلالِ بِهِ، وثَبَتَ أنَّهُ تَعالى قَدْ يَنْهى عَنِ الشَّيْءِ ويُرِيدُهُ، وقَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ ولا يُرِيدُهُ وهو المَطْلُوبُ، فَإنْ قِيلَ: هَبْ أنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ كَثِيرًا مِنَ الفُقَهاءِ قالُوا: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ أنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ لَمْ يَقَعِ الطَّلاقُ، فَما السَّبَبُ فِيهِ ؟
قُلْنا: السَّبَبُ هو أنَّهُ لَمّا عَلَّقَ وُقُوعَ الطَّلاقِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ لَمْ يَقَعْ، إلّا إذا عَرَفْنا وُقُوعَ الطَّلاقِ ولا نَعْرِفُ وُقُوعَ الطَّلاقِ إلّا إذا عَرَفْنا أوَّلًا حُصُولَ هَذِهِ المَشِيئَةِ، لَكِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى غَيْبٌ فَلا سَبِيلَ إلى العِلْمِ بِحُصُولِها إلّا إذا عَلِمْنا أنَّ مُتَعَلَّقَ المَشِيئَةِ قَدْ وقَعَ وحَصَلَ، وهو الطَّلاقُ، فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ لا نَعْرِفُ حُصُولَ المَشِيئَةِ إلّا إذا عَرَفْنا وُقُوعَ الطَّلاقِ، ولا نَعْرِفُ وُقُوعَ الطَّلاقِ إلّا إذا عَرَفْنا وُقُوعَ المَشِيئَةِ، فَيَتَوَقَّفُ العِلْمُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى العِلْمِ بِالآخِرَةِ، وهو دَوْرٌ والدَّوْرُ باطِلٌ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: الطَّلاقُ غَيْرُ واقِعٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: احْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ قالُوا: الشَّيْءُ الَّذِي سَيَفْعَلُهُ الفاعِلُ غَدًا سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى في الحالِ بِأنَّهُ شَيْءٌ لِقَوْلِهِ:
صفحة ٩٤
﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي سَيَفْعَلُهُ الفاعِلُ غَدًا، فَهو مَعْدُومٌ في الحالِ، فَوَجَبَ تَسْمِيَةُ المَعْدُومِ بِأنَّهُ شَيْءٌ.
والجَوابُ: أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّ المَعْدُومَ مُسَمًّى بِكَوْنِهِ شَيْئًا، وعِنْدَنا أنَّ السَّبَبَ فِيهِ أنَّ الَّذِي سَيَصِيرُ شَيْئًا يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ بِكَوْنِهِ شَيْئًا في الحالِ، كَما أنَّهُ قالَ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ (النَّحْلِ: ١) والمُرادُ سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ كَلامٌ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، والتَّقْدِيرُ: أنَّهُ إذا نَسِيَ أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلْيَذْكُرْهُ إذا تَذَكَّرَهُ، وعِنْدَ هَذا اخْتَلَفُوا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَوْ لَمْ يَحْصُلِ التَّذَكُّرُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ إنْ شاءَ اللَّهُ كَفى في دَفْعِ الحِنْثِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ بَعْدَ سَنَةٍ أوْ شَهْرٍ أوْ أُسْبُوعٍ أوْ يَوْمٍ، وعَنْ طاوُسٍ: أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى الِاسْتِثْناءِ في مَجْلِسِهِ، وعَنْ عَطاءٍ يَسْتَثْنِي عَلى مِقْدارِ حَلْبِ النّاقَةِ الغَزِيرَةِ، وعِنْدَ عامَّةِ الفُقَهاءِ: أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ في الأحْكامِ ما لَمْ يَكُنْ مَوْصُولًا، واحْتَجَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ هو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ هو يَتَناوَلُ كُلَّ الأوْقاتِ، فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ في أيِّ وقْتٍ حَصَلَ هَذا التَّذَكُّرُ، وكُلُّ مَن قالَ: وجَبَ هَذا الذِّكْرُ، قالَ: إنَّهُ إنَّما وجَبَ لِدَفْعِ الحِنْثِ، وذَلِكَ يُفِيدُ المَطْلُوبَ.
واعْلَمْ أنَّ اسْتِدْلالَ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- ظاهِرٌ في أنَّ الِاسْتِثْناءَ لا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا، أمّا الفُقَهاءُ فَقالُوا: إنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَزِمَ أنْ لا يَسْتَقِرَّ شَيْءٌ مِنَ العُقُودِ والأيْمانِ، يُحْكى أنَّهُ بَلَغَ المَنصُورَ أنَّ أبا حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- خالَفَ ابْنَ عَبّاسٍ في الِاسْتِثْناءِ المُنْفَصِلِ فاسْتَحْضَرَهُ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا يَرْجِعُ عَلَيْكَ، فَإنَّكَ تَأْخُذُ البَيْعَةَ بِالأيْمانِ، أتَفْرِضُ أنْ يَخْرُجُوا مِن عِنْدِكَ فَيَسْتَثْنُوا فَيَخْرُجُوا عَلَيْكَ ؟ فاسْتَحْسَنَ المَنصُورُ كَلامَهُ ورَضِيَ بِهِ.
واعْلَمْ أنَّ حاصِلَ هَذا الكَلامِ يَرْجِعُ إلى تَخْصِيصِ النَّصِّ بِالقِياسِ وفِيهِ ما فِيهِ. وأيْضًا فَلَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ عَلى سَبِيلِ الخُفْيَةِ بِلِسانِهِ بِحَيْثُ لا يَسْمَعُهُ أحَدٌ فَهو مُعْتَبَرٌ، ودافِعٌ لِلْحِنْثِ بِالإجْماعِ، مَعَ أنَّ المَحْذُورَ الَّذِي ذَكَرْتُمْ حاصِلٌ فِيهِ، فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي عَوَّلُوا عَلَيْهِ لَيْسَ بِقَوِيٍّ، والأوْلى أنْ يَحْتَجُّوا في وُجُوبِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا بِأنَّ الآياتِ الكَثِيرَةَ دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ الوَفاءِ بِالعَقْدِ والعَهْدِ، قالَ تَعالى: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ (المائِدَةِ: ١) وقالَ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ (الإسْراءِ: ٣٤) فالآتِي بِالعَهْدِ يَجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِمُقْتَضاهُ لِأجْلِ هَذِهِ الآياتِ خالَفْنا هَذا الدَّلِيلَ فِيما إذا كانَ مُتَّصِلًا؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مَعَ المُسْتَثْنى مِنهُ كالكَلامِ الواحِدِ بِدَلِيلِ أنَّ لَفْظَ الِاسْتِثْناءِ وحْدَهُ لا يُفِيدُ شَيْئًا، فَهو جارٍ مَجْرى نِصْفِ اللَّفْظَةِ الواحِدَةِ، فَجُمْلَةُ الكَلامِ كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ المُفِيدَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَعِنْدَ ذِكْرِ الِاسْتِثْناءِ عَرَفْنا أنَّهُ لَمْ يَلْزَمْ شَيْءٌ بِخِلافِ ما إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا، فَإنَّهُ حَصَلَ الِالتِزامُ التّامُّ بِالكَلامِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الوَفاءُ بِذَلِكَ المُلْتَزَمِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِما قَبْلَهُ، بَلْ هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ: فَفِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: واذْكُرْ رَبَّكَ بِالتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ إذا نَسِيتَ كَلِمَةَ الِاسْتِثْناءِ، والمُرادُ مِنهُ التَّرْغِيبُ في الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
وثانِيها: واذْكُرْ رَبَّكَ إذا اعْتَراكَ النِّسْيانُ لِيُذَكِّرَكَ المَنسِيَّ.
وثالِثُها: حَمَلَهُ بَعْضُهم عَلى أداءِ الصَّلاةِ المَنسِيَّةِ عِنْدَ ذِكْرِها، وهَذا القَوْلُ بِما فِيهِ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ بِعِيدٌ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ هَذا الكَلامِ بِما قَبْلَهُ يُفِيدُ إتْمامَ الكَلامِ في هَذِهِ القَضِيَّةِ، وجَعْلُهُ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا يُوجِبُ صَيْرُورَةَ الكَلامِ مُبْتَدَأً مُنْقَطِعًا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences