Ar-RaziAl‑Kahf · 18:29–31

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:29–31

18:29Page 297

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

And say, "The truth is from your Lord, so whoever wills - let him believe; and whoever wills - let him disbelieve." Indeed, We have prepared for the wrongdoers a fire whose walls will surround them. And if they call for relief, they will be relieved with water like murky oil, which scalds [their] faces. Wretched is the drink, and evil is the resting place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في تَقْرِيرِ النَّظْمِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ رَسُولَهُ بِأنْ لا يَلْتَفِتَ إلى أُولَئِكَ الأغْنِياءِ الَّذِينَ قالُوا إنْ طَرَدْتَ الفُقَراءَ آمَنّا بِكَ، قالَ بَعْدَهُ: ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ: إنَّ هَذا الدِّينَ الحَقَّ إنَّما أتى مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإنْ قَبِلْتُمُوهُ عادَ النَّفْعُ إلَيْكم، وإنْ لَمْ تَقْبَلُوهُ عادَ الضَّرَرُ إلَيْكم، ولا تَعَلُّقَ لِذَلِكَ بِالفَقْرِ والغِنى والقُبْحِ والحُسْنِ والخُمُولِ والشُّهْرَةِ.

الوَجْهُ الثّانِي في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ الحَقَّ ما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والحَقُّ الَّذِي جاءَنِي مِن عِنْدِهِ أنْ أصْبِرَ نَفْسِيَ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ ولا أطْرُدَهم، ولا ألْتَفِتَ إلى الرُّؤَساءِ وأهْلِ الدُّنْيا.

والوَجْهُ الثّالِثُ في تَقْرِيرِ النَّظْمِ: أنْ يَكُونَ المُرادُ هو أنَّ الحَقَّ الَّذِي جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْذَنْ في طَرْدِ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا؛ لِأجْلِ أنْ يَدْخُلَ في الإيمانِ جَمْعٌ مِنَ الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ العَقْلَ يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الأهَمِّ عَلى المُهِمِّ، فَطَرْدُ أُولَئِكَ الفُقَراءِ لا يُوجِبُ إلّا سُقُوطَ حُرْمَتِهِمْ وهَذا ضَرَرٌ قَلِيلٌ، أمّا عَدَمُ طَرْدِهِمْ فَإنَّهُ يُوجِبُ بَقاءَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ، وهَذا ضَرَرٌ عَظِيمٌ ؟ قُلْنا: أمّا عَدَمُ طَرْدِهِمْ فَإنَّهُ يُوجِبُ بَقاءَ الكُفّارِ عَلى الكُفْرِ فَمُسَلَّمٌ إلّا أنَّ مَن تَرَكَ الإيمانَ لِأجْلِ الحَذَرِ مِن مُجالَسَةِ الفُقَراءِ فَإيمانُهُ لَيْسَ بِإيمانٍ بَلْ هو نِفاقٌ قَبِيحٌ، فَوَجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ لا يَلْتَفِتَ إلى إيمانِ مَن هَذا حالُهُ وصِفَتُهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ الأمْرَ في الإيمانِ والكُفْرِ والطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ مُفَوَّضٌ إلى العَبْدِ واخْتِيارِهِ، فَمَن أنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ خالَفَ صَرِيحَ القُرْآنِ، ولَقَدْ سَألَنِي بَعْضُهم عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقُلْتُ: هَذِهِ الآيَةُ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا، وذَلِكَ لِأنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في

صفحة ١٠٢

أنَّ حُصُولَ الإيمانِ، وحُصُولَ الكُفْرِ مَوْقُوفٌ عَلى حُصُولِ مَشِيئَةِ الإيمانِ وحُصُولِ مَشِيئَةِ الكُفْرِ وصَرِيحُ العَقْلِ أيْضًا يَدُلُّ لَهُ، فَإنَّ العَقْلَ الِاخْتِيارِيَّ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ بِدُونِ القَصْدِ إلَيْهِ وبِدُونِ الِاخْتِيارِ لَهُ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: حُصُولُ ذَلِكَ القَصْدِ والِاخْتِيارِ إنْ كانَ بِقَصْدٍ آخَرَ يَتَقَدَّمُهُ واخْتِيارٍ آخَرَ يَتَقَدَّمُهُ لَزِمَهُ أنْ يَكُونَ كُلُّ قَصْدٍ واخْتِيارٍ مَسْبُوقًا بِقَصْدٍ آخَرَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ وهو مُحالٌ، فَوَجَبَ انْتِهاءُ تِلْكَ القُصُودِ وتِلْكَ الِاخْتِياراتِ إلى قَصْدٍ واخْتِيارٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعالى في العَبْدِ عَلى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ عِنْدَ حُصُولِ ذَلِكَ القَصْدِ الضَّرُورِيِّ، والِاخْتِيارُ الضَّرُورِيُّ يُوجِبِ الفِعْلَ، فالإنْسانُ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ إنْ لَمْ تَحْصُلْ في قَلْبِهِ تِلْكَ المَشِيئَةُ الجازِمَةُ الخالِيَةُ عَنِ المُعارِضِ لَمْ يَتَرَتَّبِ الفِعْلُ، وإذا حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ الجازِمَةُ شاءَ أوْ لَمْ يَشَأْ يَجِبُ تَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلَيْهِ، فَلا حُصُولُ المَشِيئَةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى حُصُولِ الفِعْلِ، ولا حُصُولُ الفِعْلِ مُتَرَتِّبٌ عَلى المَشِيئَةِ، فالإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، ولَقَدْ قَرَّرَ الشَّيْخُ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- هَذا المَعْنى في بابِ التَّوَكُّلِ مِن كِتابِ إحْياءِ عُلُومِ الدِّينِ، فَقالَ: فَإنْ قُلْتَ: إنِّي أجِدُ في نَفْسِي وِجْدانًا ضَرُورِيًّا أنِّي إنْ شِئْتُ الفِعْلَ قَدَرْتُ عَلى الفِعْلِ، وإنْ شِئْتُ التَّرْكَ قَدَرْتُ عَلى التَّرْكِ، فالفِعْلُ والتَّرْكُ بِي لا بِغَيْرِي، وأجابَ عَنْهُ، وقالَ: هَبْ أنَّكَ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ هَذا المَعْنى ولَكِنْ هَلْ تَجِدُ مِن نَفْسِكَ أنَّكَ إنْ شِئْتَ مَشِيئَةَ الفِعْلِ حَصَلَتْ تِلْكَ المَشِيئَةُ، وإنْ لَمْ تَشَأْ تِلْكَ المَشِيئَةَ لَمْ تَحْصُلْ، بَلِ العَقْلُ يَشْهَدُ بِأنَّهُ يَشاءُ الفِعْلَ لا بِسَبْقِ مَشِيئَةٍ أُخْرى عَلى تِلْكَ المَشِيئَةِ، وإذا شاءَ الفِعْلَ وجَبَ حُصُولُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ مُكْنَةٍ واخْتِيارٍ في هَذا المَقامِ فَحُصُولُ المَشِيئَةِ في القَلْبِ أمْرٌ لازِمٌ وتَرَتُّبُ الفِعْلِ عَلى حُصُولِ المَشِيئَةِ أيْضًا أمْرٌ لازِمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فِيهِ فَوائِدُ:

الفائِدَةُ الأُولى: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ صُدُورَ الفِعْلِ عَنِ الفاعِلِ بِدُونِ القَصْدِ والدّاعِي مُحالٌ.

الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ صِيغَةَ الأمْرِ لا لِمَعْنى الطَّلَبِ في كِتابِ اللَّهِ كَثِيرَةٌ، ثُمَّ نُقِلَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الصِّيغَةُ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ ولَيْسَتْ بِتَخْيِيرٍ.

الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَنْتَفِعُ بِإيمانِ المُؤْمِنِينَ ولا يَسْتَضِرُّ بِكُفْرِ الكافِرِينَ، بَلْ نَفْعُ الإيمانِ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، وضَرَرُ الكُفْرِ يَعُودُ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ (الإسْراءِ: ٧) . واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ الكُفْرَ والإيمانَ والباطِلَ والحَقَّ أتْبَعَهُ بِذِكْرِ الوَعِيدِ عَلى الكُفْرِ والأعْمالِ الباطِلَةِ، وبِذِكْرِ الوَعْدِ عَلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، أمّا الوَعِيدُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ يَقُولُ أعْتَدْنا لِمَن ظَلَمَ نَفْسَهُ ووَضَعَ العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، والأنَفَةَ في غَيْرِ مَحَلِّها، فَعِنْدَما اسْتَحْسَنَ بِهَواهُ وأنِفَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ؛ لِأجْلِ أنَّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فُقَراءُ ومَساكِينُ، فَهَذا كُلُّهُ ظُلْمٌ ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى: أنَّهُ أعَدَّ لِهَؤُلاءِ الأقْوامِ نارًا وهي الجَحِيمُ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى تِلْكَ النّارَ بِصِفَتَيْنِ:

الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ والسُّرادِقُ هو الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ، فَأثْبَتَ لِلنّارِ شَيْئًا شَبِيهًا بِذَلِكَ يُحِيطُ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ، والمُرادُ: أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لَهم مِنها ولا فُرْجَةَ يَتَفَرَّجُونَ بِالنَّظَرِ إلى ما وراءَها مِن غَيْرِ النّارِ، بَلْ هي مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِن كُلِّ الجَوانِبِ، وقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِن هَذا السُّرادِقِ الدُّخّانُ الَّذِي وصَفَهُ اللَّهُ في قَوْلِهِ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ (المُرْسَلاتِ: ٣٠) وقالُوا: هَذِهِ الإحاطَةُ بِهِمْ إنَّما تَكُونُ قَبْلَ دُخُولِهِمُ النّارَ، فَيَغْشاهم هَذا الدُّخانُ ويُحِيطُ بِهِمْ كالسُّرادِقِ حَوْلَ الفُسْطاطِ.

صفحة ١٠٣

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ لِهَذِهِ النّارِ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ قِيلَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: إنَّهُ دَرْدِيُّ الزَّيْتِ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ دَخَلَ بَيْتَ المالِ وأخْرَجَ نُفاثَةً كانَتْ فِيهِ وأوْقَدَ عَلَيْها النّارَ حَتّى تَلَأْلَأتْ، ثُمَّ قالَ: هَذا هو المُهْلُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: كُلُّ شَيْءٍ أذَبْتَهُ مِن ذَهَبٍ أوْ نُحاسٍ أوْ فِضَّةٍ فَهو المُهْلُ، وقِيلَ: إنَّهُ الصَّدِيدُ والقَيْحُ، وقِيلَ: إنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ القَطْرانِ، ثُمَّ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الِاسْتِغاثَةُ؛ لِأنَّهم إذا طَلَبُوا ماءً لِلشُّرْبِ، فَيُعْطَوْنَ هَذا المُهْلَ. قالَ تَعالى: ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ (الغاشِيَةِ:٤ - ٥) ويُحْتَمَلُ أنْ يَسْتَغِيثُوا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ، فَيَطْلُبُوا ماءً يَصُبُّونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ لِلتَّبْرِيدِ، فَيُعْطَوْنَ هَذا الماءَ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾ ( الأعْرافِ: ٥٠) وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ وتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ (إبْراهِيمَ: ٥٠) فَإذا اسْتَغاثُوا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ صُبَّ عَلَيْهِمُ القَطْرانُ الَّذِي يَعُمُّ كُلَّ أبْدانِهِمْ كالقَمِيصِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ وارِدٌ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ، كَقَوْلِهِ:

تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أيْ أنَّ الماءَ الَّذِي هو كالمُهْلِ بِئْسَ الشَّرابُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِشُرْبِ الشَّرابِ تَسْكِينُ الحَرارَةِ، وهَذا يَبْلُغُ في احْتِراقِ الأجْسامِ مَبْلَغًا عَظِيمًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ قالَ قائِلُونَ: ساءَتِ النّارُ مَنزِلًا ومُجْتَمَعًا لِلرُّفْقَةِ؛ لِأنَّ أهْلَ النّارِ يَجْتَمِعُونَ رُفَقاءَ كَأهْلِ الجَنَّةِ، قالَ تَعالى في صِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النِّساءِ: ٦٩) وأمّا رُفَقاءُ النّارِ فَهُمُ الكُفّارُ والشَّياطِينُ، والمَعْنى: بِئْسَ الرُّفَقاءُ هَؤُلاءِ، وبِئْسَ مَوْضِعُ التَّرافُقِ النّارُ، كَما أنَّهُ نِعْمَ الرُّفَقاءُ أهْلُ الجَنَّةِ ونِعْمَ مَوْضِعُ الرُّفَقاءِ الجَنَّةُ، وقالَ آخَرُونَ: مُرْتَفَقًا أيْ مُتَّكَأً، وسُمِّيَ المِرْفَقُ مِرْفَقًا؛ لِأنَّهُ يُتَّكَأُ عَلَيْهِ، فالِاتْكاءُ إنَّما يَكُونُ لِلِاسْتِراحَةِ، والمُرْتَفَقُ مَوْضِعُ الِاسْتِراحَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

18:30–31Page 297

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

Indeed, those who have believed and done righteous deeds - indeed, We will not allow to be lost the reward of any who did well in deeds.

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١

Those will have gardens of perpetual residence; beneath them rivers will flow. They will be adorned therein with bracelets of gold and will wear green garments of fine silk and brocade, reclining therein on adorned couches. Excellent is the reward, and good is the resting place.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعِيدَ المُبْطِلِينَ أرْدَفَهُ بِوَعْدِ المُحِقِّينَ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ مُغايِرٌ لِلْإيمانِ؛ لِأنَّ العَطْفَ يُوجِبُ المُغايِرَةَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّهُ يَسْتَوْجِبُ المُؤْمِنُ بِحُسْنِ عَمَلِهِ عَلى اللَّهِ أجْرًا، وعِنْدَ أصْحابِنا ذَلِكَ الِاسْتِيجابُ حَصَلَ بِحُكْمِ الوَعْدِ، وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ لِذاتِ الفِعْلِ، وهو باطِلٌ؛ لِأنَّ نِعَمَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وهي مُوجِبَةٌ لِلشُّكْرِ والعُبُودِيَّةِ، فَلا يَصِيرُ الشُّكْرُ والعُبُودِيَّةُ مُوَجِبَيْنِ لِثَوابٍ آخَرَ؛ لِأنَّ أداءَ

صفحة ١٠٤

الواجِبِ لا يُوجِبُ شَيْئًا آخَرَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلَخْ قَوْلُ الشّاعِرِ:

إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ سِرْبالَ مُلْكٍ بِهِ تُرْجى الخَواتِيمُ

كَرَّرَ إنَّ تَأْكِيدًا لِلْأعْمالِ والجَزاءِ عَلَيْها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أُولَئِكَ خَبَرُ إنَّ، وإنّا لا نُضِيعُ اعْتِراضٌ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (إنّا لا نُضِيعُ) و(أُولَئِكَ) خَبَرَيْنِ مَعًا، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ أُولَئِكَ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا بَيانًا لِلْأجْرِ المُبْهَمِ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أثْبَتَ الأجْرَ المُبْهَمَ أرْدَفَهُ بِالتَّفْصِيلِ مِن وُجُوهٍ:

أوَّلُها: صِفَةُ مَكانِهِمْ وهو قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ والعَدْنُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ الإقامَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ إقامَةٍ، كَما يُقالُ: هَذِهِ دارُ إقامَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَدْنُ اسْمًا لِمَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الجَنَّةِ وهو وسَطُها وأشْرَفُ أماكِنِها، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا فِيهِ فِيما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ﴾ لَفْظُ جَمْعٍ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما قالَهُ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ (الرَّحْمَنِ: ٤٦) ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: أنَّ نَصِيبَ كَلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ جَنَّةٌ عَلى حِدَةٍ، وذُكِرَ أنَّ مِن صِفاتِ تِلْكَ الجَنّاتِ أنَّ الأنْهارَ تَجْرِي مِن تَحْتِها، وذَلِكَ لِأنَّ أفْضَلَ المَساكِنِ في الدُّنْيا البَساتِينُ الَّتِي يَجْرِي فِيها الأنْهارُ.

وثانِيها: أنَّ لِباسَ أهْلِ الدُّنْيا إمّا لِباسُ التَّحَلِّي، وإمّا لِباسُ التَّسَتُّرِ، أمّا لِباسُ التَّحَلِّي، فَقالَ تَعالى في صِفَتِهِ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ والمَعْنى: أنَّهُ يُحَلِّيهِمُ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ أوْ تُحَلِّيهِمُ المَلائِكَةُ، وقالَ بَعْضُهم عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ثَلاثَةُ أسْوِرَةٍ؛ سِوارٌ مِن ذَهَبٍ لِأجْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وسِوارٌ مِن فِضَّةٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ (الإنْسانِ: ٢١) وسِوارٌ مِن لُؤْلُؤٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ (الحَجِّ: ٢٣)، وأمّا لِباسُ التَّسَتُّرِ فَقَوْلُهُ: ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾ والمُرادُ مِن سُنْدُسِ الآخِرَةِ وإسْتَبْرَقِ الآخِرَةِ، والأوَّلُ هو الدِّيباجُ الرَّقِيقُ، وهو الخَزُّ، والثّانِي هو الدِّيباجُ الصَّفِيقُ وقِيلَ: أصْلُهُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وهو اسْتَبْرَهْ، أيْ غَلِيظٌ، فَإنْ قِيلَ: ما السَّبَبُ في أنَّهُ تَعالى قالَ في الحُلِيِّ: ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وقالَ في السُّنْدُسِ والإسْتَبْرَقِ: ويَلْبَسُونَ، فَأضافَ اللُّبْسَ إلَيْهِمْ ؟ قُلْنا: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللُّبْسُ إشارَةً إلى ما اسْتَوْجَبُوهُ بِعَمَلِهِمْ، وأنْ يَكُونَ الحُلِيُّ إشارَةً إلى ما تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمِ ابْتِداءً مِن زَوائِدِ الكَرَمِ.

وثالِثُها: كَيْفِيَّةُ جُلُوسِهِمْ فَقالَ في صِفَتِها: مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ، قالُوا: الأرائِكُ جَمْعُ أرِيكَةٍ وهي سَرِيرٌ في حَجْلَةٍ، أمّا السَّرِيرُ وحْدَهُ فَلا يُسَمّى أرِيكَةً، ولَمّا وصَفَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الأقْسامَ قالَ: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ والمُرادُ أنْ يَكُونَ هَذا في مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском