Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:45–49
18:45–46Page 298
وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥
And present to them the example of the life of this world, [its being] like rain which We send down from the sky, and the vegetation of the earth mingles with it1 and [then] it becomes dry remnants, scattered by the winds. And Allāh is ever, over all things, Perfect in Ability.
ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا ٤٦
Wealth and children are [but] adornment of the worldly life. But the enduring good deeds are better to your Lord1 for reward and better for [one's] hope.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾
اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ: اضْرِبْ مَثَلًا آخَرَ يَدُلُّ عَلى حَقارَةِ الدُّنْيا، وقِلَّةِ بَقائِها والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِما تَقَدَّمَ مِن قِصَّةِ المُشْرِكِينَ المُتَكَبِّرِينَ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْصارِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: ﴿مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ ثُمَّ ذَكَرَ المَثَلَ فَقالَ: ﴿كَماءٍ أنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ وحِينَئِذٍ يَرْبُو ذَلِكَ النَّباتُ ويَهْتَزُّ ويَحْسُنُ مَنظَرُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾ (الحَجِّ: ٥) ثُمَّ إذا انْقَطَعَ ذَلِكَ مُدَّةً جَفَّ ذَلِكَ النَّباتُ وصارَ هَشِيمًا، وهو النَّبْتُ المُتَكَسِّرُ المُتَفَتِّتُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: هَشَّمْتُ أنْفَهُ وهَشَّمْتُ الثَّرِيدَ، وأنْشَدَ:
عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِأهْلِهِ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ
وإذا صارَ النَّباتُ كَذَلِكَ طَيَّرَتْهُ الرِّياحُ وذَهَبَتْ بِتِلْكَ الأجْزاءِ إلى سائِرِ الجَوانِبِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ بِتَكْوِينِهِ أوَّلًا، وتَنْمِيَتِهِ وسَطًا، وإبْطالِهِ آخِرًا، وأحْوالُ الدُّنْيا أيْضًا كَذَلِكَ تَظْهَرُ أوَّلًا في غايَةِ الحُسْنِ والنَّضارَةِ، ثُمَّ تَتَزايَدُ قَلِيلًا قَلِيلًا، ثُمَّ تَأْخُذُ في الِانْحِطاطِ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى الهَلاكِ والفَناءِ؛ ومِثْلُ هَذا الشَّيْءِ لَيْسَ لِلْعاقِلِ أنْ يَبْتَهِجَ بِهِ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ فاخْتَلَطَ بَعْضُ أنْواعِ النَّباتِ بِسائِرِ الأنْواعِ بِسَبَبِ هَذا الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ يَقْوى النَّباتُ ويَخْتَلِطُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ ويَشْتَبِكُ بَعْضُهُ بِالبَعْضِ، ويَصِيرُ في المَنظَرِ في غايَةِ الحُسْنِ والزِّينَةِ.
والثّانِي: فاخْتَلَطَ ذَلِكَ الماءُ بِالنَّباتِ واخْتَلَطَ ذَلِكَ النَّباتُ بِالماءِ حَتّى رَوِيَ ورَفَّ رَفِيفًا، وكانَ حَقُّ اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ: فاخْتَلَطَ بِنَباتِ الأرْضِ؛ ووَجْهُ صِحَّتِهِ أنَّ كُلَّ مُخْتَلِطَيْنِ مَوْصُوفٌ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِصِفَةِ صاحِبِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾
لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ الدُّنْيا سَرِيعَةُ الِانْقِراضِ والِانْقِضاءِ مُشْرِفَةٌ عَلى الزَّوالِ والبَوارِ والفَناءِ بَيَّنَ تَعالى أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا، والمَقْصُودُ إدْخالُ هَذا الجُزْءِ تَحْتَ ذَلِكَ الكُلِّ، وسَنَعْقِدُ مِنهُ قِياسَ الإنْتاجِ، وهو أنَّ المالَ والبَنِينَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا وكُلُّ ما كانَ مِن زِينَةِ الدُّنْيا، فَهو سَرِيعُ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ يُنْتِجُ إنْتاجًا بَدِيهِيًّا أنَّ المالَ والبَنِينَ سَرِيعَةُ الِانْقِضاءِ والِانْقِراضِ، ومِنَ المُقْتَضى البَدِيهِيِّ أنَّ ما كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّهُ يَقْبُحُ بِالعاقِلِ أنْ يَفْتَخِرَ بِهِ أوْ يَفْرَحَ بِسَبَبِهِ أوْ يُقِيمَ لَهُ في نَظَرِهِ وزْنًا، فَهَذا بُرْهانٌ باهِرٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ أُولَئِكَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى رُجْحانِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ عَلى أُولَئِكَ الكُفّارِ مِنَ الأغْنِياءِ، فَقالَ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الدَّلِيلِ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا مُنْقَرِضَةٌ مُنْقَضِيَةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ دائِمَةٌ باقِيَةٌ، والدّائِمُ الباقِي خَيْرٌ مِنَ المُنْقَرِضِ المُنْقَضِي، وهَذا مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، لا سِيَّما إذا ثَبَتَ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ حَقِيرَةٌ، وأنَّ خَيْراتِ الآخِرَةِ عالِيَةٌ رَفِيعَةٌ، لِأنَّ خَيْراتِ
صفحة ١١٢
الدُّنْيا حِسِّيَّةٌ وخَيْراتِ الآخِرَةِ عَقْلِيَّةٌ، والعَقْلِيَّةُ أشْرَفُ مِنَ الحِسِّيَّةِ بِكَثِيرٍ بِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (النُّورِ: ٣٥) في بَيانِ أنَّ الإدْراكاتِ العَقْلِيَّةَ أفْضَلُ مِنَ الحِسِّيَّةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ مَجْمُوعُ السَّعاداتِ العَقْلِيَّةِ والحِسِّيَّةِ هي السَّعاداتُ الأُخْرَوِيَّةُ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ أفْضَلَ مِنَ السَّعاداتِ الحِسِّيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
والمُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا في الباقِياتِ الصّالِحاتِ أقْوالًا:
قِيلَ: إنَّها قَوْلُنا: ”سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ“ ولِلشَّيْخِ الغَزالِيِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- في تَفْسِيرِ هَذِهِ الكَلِماتِ وجْهٌ لَطِيفٌ، فَقالَ: رُوِيَ أنَّ مَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ حَصَلَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ عَشْرُ مَرّاتٍ، فَإذا قالَ: والحَمْدُ لِلَّهِ صارَتْ عِشْرِينَ، فَإذا قالَ: ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ صارَتْ ثَلاثِينَ، فَإذا قالَ: واللَّهُ أكْبَرُ صارَتْ أرْبَعِينَ.
قالَ: وتَحْقِيقُ القَوْلِ فِيهِ: أنَّ أعْظَمَ مَراتِبِ الثَّوابِ هو الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ وفي مَحَبَّتِهِ، فَإذا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ فَقَدْ عَرَفَ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَحُصُولُ هَذا العِرْفانِ سَعادَةٌ عَظِيمَةٌ وبَهْجَةٌ كامِلَةٌ، فَإذا قالَ مَعَ ذَلِكَ: والحَمْدُ لِلَّهِ فَقَدْ أقَرَّ بِأنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَهو المَبْدَأُ لِإفادَةِ كُلِّ ما يَنْبَغِي ولِإفاضَةِ كُلِّ خَيْرٍ وكَمالٍ، فَقَدْ تَضاعَفَتْ دَرَجاتُ المَعْرِفَةِ، فَلا جَرَمَ قُلْنا: تَضاعَفَ الثَّوابُ، فَإذا قالَ مَعَ ذَلِكَ: ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَدْ أقَرَّ بِأنَّ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي، فَهو المَبْدَأُ لِكُلِّ ما يَنْبَغِي ولَيْسَ في الوُجُودِ مَوْجُودٌ، هَكَذا إلّا الواحِدَ، فَقَدْ صارَتْ مَراتِبُ المَعْرِفَةِ ثَلاثَةً، فَلا جَرَمَ صارَتْ دَرَجاتُ الثَّوابِ ثَلاثَةً، فَإذا قالَ: واللَّهُ أكْبَرُ مَعْناهُ أنَّهُ أكْبَرُ وأعْظَمُ مِن أنْ يَصِلَ العَقْلُ إلى كُنْهِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ، فَقَدْ صارَتْ مَراتِبُ المَعْرِفَةِ أرْبَعَةً، لا جَرَمَ صارَتْ دَرَجاتُ الثَّوابِ أرْبَعَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الباقِياتِ الصّالِحاتِ هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها الطَّيِّبُ مِنَ القَوْلِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وهُدُوا إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ (الحَجِّ: ٢٤) .
والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ كُلَّ عَمَلٍ وقَوْلٍ دَعاكَ إلى الِاشْتِغالِ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ وبِمَحَبَّتِهِ وخِدْمَتِهِ، فَهو الباقِياتُ الصّالِحاتُ، وكُلُّ عَمَلٍ وقَوْلٍ دَعاكَ إلى الِاشْتِغالِ بِأحْوالِ الخَلْقِ فَهو خارِجٌ عَنْ ذَلِكَ، وذَلِكَ: أنَّ كُلَّ ما سِوى الحَقِّ سُبْحانَهُ، فَهو فانٍ لِذاتِهِ هالِكٌ لِذاتِهِ، فَكانَ الِاشْتِغالُ بِهِ والِالتِفاتُ إلَيْهِ عَمَلًا باطِلًا وسَعْيًا ضائِعًا، أمّا الحَقُّ لِذاتِهِ فَهو الباقِي لا يَقْبَلُ الزَّوالَ لا جَرَمَ كانَ الِاشْتِغالُ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ وطاعَتِهِ هو الَّذِي يَبْقى بَقاءً لا يَزُولُ ولا يَفْنى.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلًا﴾ أيْ كُلُّ عَمَلٍ أُرِيدَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ، فَلا شَكَّ أنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الثَّوابِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأمَلِ يَكُونُ خَيْرًا وأفْضَلَ؛ لِأنَّ صاحِبَ تِلْكَ الأعْمالِ يُؤَمِّلُ في الدُّنْيا ثَوابَ اللَّهِ ونَصِيبَهُ في الآخِرَةِ.
18:47–49Page 299
وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا ٤٧
And [warn of] the Day when We will remove the mountains and you will see the earth exposed,1 and We will gather them and not leave behind from them anyone.
وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا ٤٨
And they will be presented before your Lord in rows, [and He will say], "You have certainly come to Us just as We created you the first time. But you claimed that We would never make for you an appointment."
وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩
And the record [of deeds] will be placed [open], and you will see the criminals fearful of that within it, and they will say, "Oh, woe to us! What is this book that leaves nothing small or great except that it has enumerated it?" And they will find what they did present [before them]. And your Lord does injustice to no one.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ ﴿ووُضِعَ الكِتابُ فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ ياوَيْلَتَنا مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾
صفحة ١١٣
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ خَساسَةَ الدُّنْيا وشَرَفَ القِيامَةِ أرْدَفَهُ بِأحْوالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والمَقْصُودُ مِنهُ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِي افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأعْوانِ، واخْتَلَفُوا في النّاصِبِ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ، واذْكُرْ لَهم: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ .
الثّانِي: أنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ حَصَلَ كَذا وكَذا يُقالُ لَهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لِأنَّ القَوْلَ مُضْمَرٌ في هَذا المَوْضِعِ فَكانَ المَعْنى أنَّهُ يُقالُ لَهم: هَذا في هَذا المَوْضِعِ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ ﴿وخَيْرٌ أمَلًا﴾ في ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ والأوَّلُ أظْهَرُ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ مِن أحْوالِ القِيامَةِ أنْواعًا:
النَّوْعُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وابْنُ عامِرٍ (تُسَيَّرُ) عَلى فِعْلِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، (الجِبالُ) بِالرَّفْعِ بِإسْنادِ (تُسَيَّرُ) إلَيْهِ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (التَّكْوِيرِ: ٣) والباقُونَ (نَسَيِّرُ) بِإسْنادِ فِعْلِ التَّسْيِيرِ إلى نَفْسِهِ تَعالى، (والجِبالَ) بِالنَّصْبِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولَ نُسَيِّرُ، والمَعْنى نَحْنُ نَفْعَلُ بِها ذَلِكَ اعْتِبارًا بِقَوْلِهِ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى واحِدٌ؛ لِأنَّها إذا سُيِّرَتْ فَمُسَيِّرُها لَيْسَ إلّا اللَّهَ سُبْحانَهُ.
ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ قِراءَةً أُخْرى وهي: (تَسِيرُ الجِبالُ) بِإسْنادِ تَسِيرُ إلى الجِبالِ.
البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها إلى أيْنَ تَسِيرُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُرِيدُهُ ولَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ المَوْضِعَ لِخَلْقِهِ، والحَقُّ أنَّ المُرادَ: أنَّهُ تَعالى يُسَيِّرُها إلى العَدَمِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ (طَهَ: ١٠٧) ولِقَوْلِهِ: ﴿وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (الواقِعَةِ: ٥) .
والنَّوْعُ الثّانِي مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ وفي تَفْسِيرِهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلى وجْهِها شَيْءٌ مِنَ العِماراتِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الجِبالِ، ولا شَيْءٌ مِنَ الأشْجارِ، فَبَقِيَتْ بارِزَةً ظاهِرَةً لَيْسَ عَلَيْها ما يَسْتُرُها، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ .
وثانِيها: أنَّ المُرادَ مِن كَوْنِها بارِزَةً أنَّها أبْرَزَتْ ما في بَطْنِها، وقَذَفَتِ المَوْتى المَقْبُورِينَ فِيها، فَهي بارِزَةُ الجَوْفِ والبَطْنِ، فَحُذِفَ ذِكْرُ الجَوْفِ، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ (الِانْشِقاقِ: ٤) وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ (الزَّلْزَلَةِ: ٢) وقَوْلُهُ: ﴿وبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ (إبْراهِيمَ: ٢١) .
وثالِثُها: أنَّ وُجُوهَ الأرْضِ كانَتْ مَسْتُورَةً بِالجِبالِ والبِحارِ، فَلَمّا أفْنى اللَّهُ تَعالى الجِبالَ والبِحارَ فَقَدْ بَرَزَتْ وُجُوهُ تِلْكَ البِقاعِ بَعْدَ أنْ كانَتْ مَسْتُورَةً.
والنَّوْعُ الثّالِثُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ: قَوْلُهُ: ﴿وحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ والمَعْنى: جَمَعْناهم لِلْحِسابِ، فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا، أيْ لَمْ نَتْرُكْ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ أحَدًا إلّا وجَمَعْناهم لِذَلِكَ اليَوْمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ( الواقِعَةِ:٤٩ - ٥٠) ومَعْنى لَمْ نُغادِرْ لَمْ نَتْرُكْ، يُقالُ: غادَرَهُ وأغْدَرَهُ إذا تَرَكَهُ، ومِنهُ الغَدْرُ تَرْكُ الوَفاءِ، ومِنهُ الغَدِيرُ؛ لِأنَّهُ ما تَرَكَتْهُ السُّيُولُ، ومِنهُ سُمِّيَتْ ضَفِيرَةُ المَرْأةِ بِالغَدِيرَةِ؛ لِأنَّها تَجْعَلُها خَلْفَها.
ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حَشْرَ الخَلْقِ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ عَرْضِهِمْ، فَقالَ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في تَفْسِيرِ الصَّفِّ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهُ تُعْرَضُ الخَلْقُ كُلُّهم عَلى اللَّهِ صَفًّا واحِدًا ظاهِرِينَ بِحَيْثُ لا يَحْجُبُ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ القَفّالُ: ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ الصَّفُّ راجِعًا إلى الظُّهُورِ والبُرُوزِ، ومِنهُ اشْتُقَّ الصَّفْصَفُ لِلصَّحْراءِ.
وثانِيها: لا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ صُفُوفًا يَقِفُ بَعْضُهم وراءَ بَعْضٍ مِثْلَ الصُّفُوفِ
صفحة ١١٤
المُحِيطَةِ بِالكَعْبَةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها خَلْفَ بَعْضٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ: صَفًّا صُفُوفًا كَقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُكم طِفْلًا﴾ (غافِرٍ: ٦٧) أيْ أطْفالًا.
وثالِثُها: صَفًّا أيْ قِيامًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾ (الحَجِّ: ٣٦) قالُوا قِيامًا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُشَبِّهَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (الفَجْرِ: ٢٢) يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ وتُعْرَضُ عَلَيْهِ أهْلُ القِيامَةِ صَفًّا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في ذَلِكَ المَكانِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ وُقُوفَهم في المَوْضِعِ الَّذِي يَسْألُهم فِيهِ عَنْ أعْمالِهِمْ ويُحاسِبُهم عَلَيْها عَرْضًا عَلَيْهِ، لا عَلى أنَّهُ تَعالى يَحْضُرُ في مَكانٍ وعُرِضُوا عَلَيْهِ لِيَراهم بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَراهم، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ولَيْسَ المُرادُ حُصُولَ المُساواةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ؛ لِأنَّهم خُلِقُوا صِغارًا ولا عَقْلَ لَهم ولا تَكْلِيفَ عَلَيْهِمْ بَلِ المُرادُ أنَّهُ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ المُفْتَخِرِينَ في الدُّنْيا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً حُفاةً بِغَيْرِ أمْوالٍ ولا أعْوانٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكم وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنْعامِ: ٩٤) وقالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ (مَرْيَمَ: ٨٠) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾ أيْ كُنْتُمْ مَعَ التَّعَزُّزِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالأمْوالِ والأنْصارِ تُنْكِرُونَ البَعْثَ والقِيامَةَ، فالآنَ قَدْ تَرَكْتُمُ الأمْوالَ والأنْصارَ في الدُّنْيا وشاهَدْتُمْ أنَّ البَعْثَ والقِيامَةَ حَقٌّ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ والمُرادُ: أنَّهُ يُوضَعُ في هَذا اليَوْمِ كِتابُ كُلِّ إنْسانٍ في يَدِهِ، إمّا في اليَمِينِ أوْ في الشَّمالِ، والمُرادُ الجِنْسُ وهو صُحُفُ الأعْمالِ: ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ أيْ خائِفِينَ مِمّا في الكِتابِ مِن أعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ وخائِفِينَ مِن ظُهُورِ ذَلِكَ لِأهْلِ المَوْقِفِ فَيَفْتَضِحُونَ، وبِالجُمْلَةِ يَحْصُلُ لَهم خَوْفُ العِقابِ مِنَ الحَقِّ وخَوْفُ الفَضِيحَةِ عِنْدَ الخَلْقِ، ويَقُولُونَ: يا ويْلَتَنا يُنادُونَ هِلْكَتَهُمُ الَّتِي هَلَكُوها خاصَّةً مِن بَيْنِ الهِلْكاتِ: ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها﴾ وهي عِبارَةٌ عَنِ الإحاطَةِ بِمَعْنى لا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنَ المَعاصِي سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً إلّا وهي مَذْكُورَةٌ في هَذا الكِتابِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (الِانْفِطارِ: ١٠) وقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (الجاثِيَةِ: ٢٩) وإدْخالُ تاءِ التَّأْنِيثِ في الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ المُرادَ الفِعْلَةُ الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ: ﴿إلّا أحْصاها﴾ إلّا ضَبَطَها وحَصَرَها، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ضَجُّوا مِنَ الصَّغائِرِ قَبْلَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الصَّغائِرَ هي الَّتِي جَرَّتْهم إلى الكَبائِرِ، فاحْتَرَزُوا مِنَ الصَّغائِرِ جِدًّا: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ في الصُّحُفِ عَتِيدًا أوْ جَزاءَ ما عَمِلُوا: ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ مَعْناهُ: أنَّهُ لا يَكْتُبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ، ولا يَزِيدُ في عِقابِهِ المُسْتَحَقِّ، ولا يُعَذِّبُ أحَدًا بِجُرْمِ غَيْرِهِ، بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ المُجَبِّرَةِ في مَسائِلَ: أحَدُها: أنَّهُ لَوْ عَذَّبَ عِبادَهُ مِن غَيْرِ فِعْلٍ صَدَرَ مِنهم لَكانَ ظالِمًا.
وثانِيها: أنَّهُ لا يُعَذِّبُ الأطْفالَ بِغَيْرِ ذَنْبٍ.
وثالِثُها: بُطْلانُ قَوْلِهِمْ: لِلَّهِ
صفحة ١١٥
أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ويُعَذِّبَ مِن غَيْرِ جُرْمٍ؛ لِأنَّ الخَلْقَ خَلْقُهُ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ لِنَفْيِ الظُّلْمِ عَنْهُ مَعْنًى لَأنَّ بِتَقْدِيرِ أنَّهُ إذا فَعَلَ أيَّ شَيْءٍ أرادَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا مِنهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: إنَّهُ لا يَظْلِمُ فائِدَةٌ، فَيُقالُ لَهُ:
أمّا الجَوابُ عَنِ الأوَّلَيْنِ: فَهو المُعارَضَةُ بِالعِلْمِ والدّاعِي.
وأمّا الجَوابُ عَنْ هَذا الثّالِثِ: فَهو أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ (مَرْيَمَ: ٣٥) ولَمْ يَدُلَّ هَذا عَلى أنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ صَحِيحٌ عَلَيْهِ، فَكَذا هَهُنا.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: ”«يُحاسَبُ النّاسُ في القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةٍ يُوسُفَ، وأيُّوبَ، وسُلَيْمانَ، فَيَدْعُو بِالمَمْلُوكِ ويَقُولُ لَهُ: ما شَغَلَكَ عَنِّي، فَيَقُولُ: جَعَلْتَنِي عَبْدًا لِلْآدَمِيِّ فَلَمْ تُفَرِّغْنِي، فَيَدْعُو يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَقُولُ: كانَ هَذا عَبْدًا مِثْلَكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يَدْعُو بِالمُبْتَلِي فَإذا قالَ: شَغَلْتَنِي بِالبَلاءِ دَعا بِأيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَقُولُ: قَدِ ابْتَلَيْتُ هَذا بِأشَدَّ مِن بَلائِكَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، ثُمَّ يُؤْتى بِالمَلِكِ في الدُّنْيا مَعَ ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ الغِنى والسَّعَةِ، فَيَقُولُ: ماذا عَمِلْتَ فِيما آتَيْتُكَ ؟ فَيَقُولُ: شَغَلَنِي المُلْكُ عَنْ ذَلِكَ، فَيُدْعى بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيَقُولُ: هَذا عَبْدِي سُلَيْمانُ آتَيْتُهُ أكْثَرَ ما آتَيْتُكَ، فَلَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنْ عِبادَتِي، اذْهَبْ فَلا عُذْرَ لَكَ، ويُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ» “، وعَنْ مُعاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: «لَنْ يَزُولَ قَدَمُ العَبْدِ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى يُسْألَ عَنْ أرْبَعٍ: عَنْ جَسَدِهِ فِيما أبْلاهُ، وعَنْ عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعَنْ مالِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَنْ عِلْمِهِ كَيْفَ عَمِلَ بِهِ» .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إثْباتِ صَغائِرَ وكَبائِرَ في الذُّنُوبِ، وهَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ، فَقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الكَبِيرَةُ ما يَزِيدُ عِقابُهُ عَلى ثَوابِ فاعِلِهِ، والصَّغِيرَةُ ما يَنْقُصُ عِقابُهُ عَنْ ثَوابِ فاعِلِهِ، واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدَّ إنَّما يَصِحُّ لَوْ ثَبَتَ أنَّ الفِعْلَ يُوجِبُ ثَوابًا وعِقابًا، وذَلِكَ عِنْدَنا باطِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ، في إبْطالِ القَوْلِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ بَلِ الحَقُّ عِنْدَنا أنَّ الطّاعاتِ مَحْصُورَةٌ في نَوْعَيْنِ: التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ والشَّفَقَةُ عَلى خَلْقِ اللَّهِ فَكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ جَهْلًا بِاللَّهِ كانَ أعْظَمَ في كَوْنِهِ كَبِيرَةً، وكُلُّ ما كانَ أقْوى في كَوْنِهِ إضْرارًا بِالغَيْرِ كانَ أكْثَرَ في كَوْنِهِ ذَنْبًا أوْ مَعْصِيَةً فَهَذا هو الضَّبْطُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences