Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:50–59
18:50–53Page 299
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا ٥٠
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees. He was of the jinn and departed from [i.e., disobeyed] the command of his Lord. Then will you take him and his descendants as allies other than Me while they are enemies to you? Wretched it is for the wrongdoers as an exchange.
۞ مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا ٥١
I did not make them witness to the creation of the heavens and the earth or to the creation of themselves, and I would not have taken the misguiders as assistants.
وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا ٥٢
And [warn of] the Day when He will say, "Call My 'partners' whom you claimed," and they will invoke them, but they will not respond to them. And We will put between them [a valley of] destruction.
وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا ٥٣
And the criminals will see the Fire and will be certain that they are to fall therein. And they will not find from it a way elsewhere.
قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١١٦
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾
وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ الرَّدُّ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ افْتَخَرُوا بِأمْوالِهِمْ وأعْوانِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ، وهَذِهِ الآيَةُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها عَيْنُ هَذا المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ؛ لِأنَّهُ افْتَخَرَ بِأصْلِهِ ونَسَبِهِ، وقالَ: خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ فَأنا أشْرَفُ مِنهُ في الأصْلِ والنَّسَبِ، فَكَيْفَ أسْجُدُ وكَيْفَ أتَواضَعُ لَهُ ؟ وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ عامَلُوا فُقَراءَ المُسْلِمِينَ بِعَيْنِ هَذِهِ المُعامَلَةِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَجْلِسُ مَعَ هَؤُلاءِ الفُقَراءِ مَعَ أنّا مِن أنْسابٍ شَرِيفَةٍ وهم مِن أنْسابٍ نازِلَةٍ، ونَحْنُ أغْنِياءُ وهم فُقَراءُ ؟ فاللَّهُ تَعالى ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ هَهُنا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هي بِعَيْنِها طَرِيقَةُ إبْلِيسَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَذَّرَ عَنْها وعَنِ الِاقْتِداءِ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ فَهَذا هو وجْهُ النَّظْمِ وهو حَسَنٌ مُعْتَبَرٌ، وذَكَرَ القاضِي وجْهًا آخَرَ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مِن قَبْلُ أمْرَ القِيامَةِ وما يَجْرِي عِنْدَ الحَشْرِ ووَضْعَ الكِتابِ، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَ هَهُنا أنَّهُ يُنادِي المُشْرِكِينَ، ويَقُولُ لَهم: أيْنَ شُرَكائِي الَّذِي زَعَمْتُمْ وكانَ قَدْ عَلِمَ تَعالى أنَّ إبْلِيسَ هو الَّذِي يَحْمِلُ الإنْسانَ عَلى إثْباتِ هَؤُلاءِ الشُّرَكاءِ، لا جَرَمَ قَدَّمَ قِصَّتَهُ في هَذِهِ الآيَةِ إتْمامًا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ثُمَّ قالَ القاضِي: وهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ كانَ تَعالى قَدْ كَرَّرَها في سُوَرٍ كَثِيرَةٍ إلّا أنَّ في كُلِّ مَوْضِعٍ مِنها فائِدَةً مُجَدَّدَةً.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ ولِلنّاسِ في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وكَوْنُهُ مِنَ المَلائِكَةِ لا يُنافِي كَوْنَهُ مِنَ الجِنِّ، ولَهم فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ يُسَمَّوْنَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ (الصّافّاتِ: ١٥٨) ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ (الأنْعامِ: ١٠٠) .
والثّانِي: أنَّ الجِنَّ سُمُّوا جِنًّا لِلِاسْتِتارِ والمَلائِكَةُ كَذَلِكَ فَهم داخِلُونَ في الجِنِّ.
الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ خازِنَ الجَنَّةِ ونُسِبَ إلى الجَنَّةِ، كَقَوْلِهِمْ: كُوفِيٌّ وبَصْرِيٌّ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ مَنِ الجَنّانِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ في الجَنّاتِ حَيٌّ مِنَ المَلائِكَةِ يَصُوغُونَ حِلْيَةَ أهْلِ الجَنَّةِ مُذْ خُلِقُوا، رَواهُ القاضِي في تَفْسِيرِهِ عَنْ هِشامٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ هُمُ الشَّياطِينُ والَّذِينَ خُلِقُوا مِن نارٍ وهو أبُوهم.
والقَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مَن قالَ: كانَ مِنَ المَلائِكَةِ فَمُسِخَ وغُيِّرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ أحْكَمْناها في سُورَةِ البَقَرَةِ وأصْلُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ لَهُ ذُرِّيَّةً ونَسْلًا في هَذِهِ الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ والمَلائِكَةُ لَيْسَ لَهم ذُرِّيَّةٌ ولا نَسْلٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، بَقِيَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُّجُودِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَكَيْفَ تَناوَلَهُ ذَلِكَ الأمْرُ ؟ وأيْضًا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ فَكَيْفَ يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهُ مِنهم ؟ وقَدْ أجَبْنا عَنْ كُلِّ ذَلِكَ بِالِاسْتِقْصاءِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ وفي ظاهِرِهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّ الفاسِقَ لا يَفْسُقُ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:
الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أيْ خَرَجَ عَنْ طاعَتِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ مِن قِشْرِها أيْ خَرَجَتْ، وسُمِّيَتِ الفَأْرَةُ فُوَيْسِقَةً لِخُرُوجِها مِن جُحْرِها مِنَ البابَيْنِ، وقالَ رُؤْبَةُ:
يَهْوِينَ في نَجْدٍ وغَوْرٍ غائِرًا فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا
صفحة ١١٧
الثّانِي: حَكى الزَّجّاجُ عَنِ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: لَمّا أُمِرَ فَعَصى كانَ سَبَبُ فِسْقِهِ هو ذَلِكَ الأمْرُ، والمَعْنى أنَّهُ لَوْلا ذَلِكَ الأمْرُ السّابِقُ لَما حَصَلَ الفِسْقُ، فَلِأجْلِ هَذا المَعْنى حَسُنَ أنْ يُقالَ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ.
الثّالِثُ: قالَ قُطْرُبٌ: فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ رَدَّهُ، كَقَوْلِهِ: واسْألِ القَرْيَةَ، واسْألِ العِيرَ.
* * *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ إبْلِيسَ تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ وتَرَفَّعَ عَلَيْهِ لَمّا ادَّعى أنَّ أصْلَهُ أشْرَفُ مِن أصْلِ آدَمَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ هو أشْرَفَ مِن آدَمَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِأُولَئِكَ الكافِرِينَ الَّذِينَ افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِشَرَفِ نَسَبِهِمْ وعُلُوِّ مَنصِبِهِمْ: إنَّكم في هَذا القَوْلِ اقْتَدَيْتُمْ بِإبْلِيسَ في تَكَبُّرِهِ عَلى آدَمَ فَلَمّا عَلِمْتُمْ أنَّ إبْلِيسَ عَدُوٌّ لَكم، فَكَيْفَ تَقْتَدُونَ بِهِ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المَذْمُومَةِ ؟ هَذا هو تَقْرِيرُ الكَلامِ.
فَإنْ قِيلَ: إنَّ هَذا الكَلامَ لا يَتِمُّ إلّا بِإثْباتِ مُقَدِّماتٍ:
فَأوَّلُها: إثْباتُ إبْلِيسَ.
وثانِيها: إثْباتُ ذُرِّيَّةِ إبْلِيسَ.
وثالِثُها: إثْباتُ عَداوَةٍ بَيْنَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتِهِ وبَيْنَ أوْلادِ آدَمَ.
ورابِعُها: أنَّ هَذا القَوْلَ الَّذِي قالَهُ أُولَئِكَ الكُفّارُ اقْتَدَوْا فِيهِ بِإبْلِيسَ.
وكُلُّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ لا سَبِيلَ إلى إثْباتِها إلّا بِقَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ -ﷺ-: فالجاهِلُ بِصِدْقِ النَّبِيِّ جاهِلٌ بِها، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآياتِ هَلْ عَرَفُوا كَوْنَ مُحَمَّدٍ نَبِيًّا صادِقًا أوْ ما عَرَفُوا ذَلِكَ ؟ فَإنْ عَرَفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا صادِقًا قَبِلُوا قَوْلَهُ في كُلِّ ما يَقُولُهُ فَكُلَّما نَهاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَوْلٍ انْتَهَوْا عَنْهُ، وحِينَئِذٍ فَلا حاجَةَ إلى قِصَّةِ إبْلِيسَ وإنْ لَمْ يَعْرِفُوا كَوْنَهُ نَبِيًّا جَهِلُوا كُلَّ هَذِهِ المُقَدِّماتِ الأرْبَعَةِ، ولَمْ يَعْرِفُوا صِحَّتَها فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في إيرادِها عَلَيْهِمْ فائِدَةٌ، والجَوابُ: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ سَمِعُوا قِصَّةَ إبْلِيسَ وآدَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ واعْتَقَدُوا صِحَّتَها وعَلِمُوا أنَّ إبْلِيسَ إنَّما تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ بِسَبَبِ نَسَبِهِ، فَإذا أوْرَدْنا عَلَيْهِمْ هَذِهِ القِصَّةَ كانَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَمّا أظْهَرُوهُ مَعَ فُقَراءِ المُسْلِمِينَ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّرَفُّعِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ الكُفْرَ ولا يَخْلُقُهُ في العَبْدِ، إذْ لَوْ أرادَهُ وخَلَقَهُ فِيهِ، ثُمَّ عاقَبَهُ عَلَيْهِ، لَكانَ ضَرَرُ إبْلِيسَ أقَلَّ مِن ضَرَرِ اللَّهِ عَلَيْهِما، فَكَيْفَ يُوَبِّخُهم بِقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ ؟ ! تَعالى اللَّهُ عَنْهُ عُلُوًّا كَبِيرًا، بَلْ عَلى هَذا المَذْهَبِ: لا ضَرَرَ البَتَّةَ مِن إبْلِيسَ بَلِ الضَّرَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ. والجَوابُ: المُعارَضَةُ بِالدّاعِي والعِلْمِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما قالَ لِلْكُفّارِ المُفْتَخِرِينَ بِأنْسابِهِمْ وأمْوالِهِمْ عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ: أفَتَتَّخِذُونَ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى تَرْكِ دِينِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- هو النَّخْوَةُ وإظْهارُ العَجَبِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن أقْدَمَ عَلى عَمَلٍ أوْ قَوْلٍ بِناءً عَلى هَذا الدّاعِي، فَهو مُتَّبِعٌ لِإبْلِيسَ حَتّى أنَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في إظْهارِ العِلْمِ والمُناظَرَةِ التَّفاخُرَ والتَّكَبُّرَ والتَّرَفُّعَ، فَهو مُقْتَدٍ بِإبْلِيسَ، وهو مَقامٌ صَعْبٌ غَرِقَ فِيهِ أكْثَرُ الخَلْقِ، فَنَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنهُ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ أيْ بِئْسَ البَدَلُ مِنَ اللَّهِ إبْلِيسُ لِمَنِ اسْتَبْدَلَهُ بِهِ، فَأطاعَهُ بَدَلَ طاعَتِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: -وهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الأكْثَرُونَ- أنَّ المَعْنى ما أشْهَدْتُ الَّذِي اتَّخَذْتُمُوهم أوْلِياءَ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ، ولا أشْهَدْتُ بَعْضَهم خَلْقَ بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ (النِّساءِ: ٦٦) يَعْنِي ما أشْهَدْتُهم لِأعْتَضِدَ بِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أيْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَهم، فَوُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِإضْلالِهِمْ وقَوْلُهُ: ﴿عَضُدًا﴾ أيْ أعْوانًا.
وثانِيها: -وهُوَ أقْرَبُ عِنْدِي- أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى الكُفّارِ الَّذِينَ قالُوا
صفحة ١١٨
لِلرَّسُولِ -ﷺ- إنْ لَمْ تَطْرُدْ مِن مَجْلِسِكَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ لَمْ نُؤْمِن بِكَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَوْا بِهَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ والتَّعَنُّتِ الباطِلِ ما كانُوا شُرَكاءَ لِي في تَدْبِيرِ العالَمِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ ولا اعْتَضَدْتُ بِهِمْ في تَدْبِيرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، بَلْ هم قَوْمٌ كَسائِرِ الخَلْقِ، فَلِمَ أقْدَمُوا عَلى هَذا الِاقْتِراحِ الفاسِدِ ؟ ونَظِيرُهُ أنَّ مَنِ اقْتَرَحَ عَلَيْكَ اقْتِراحاتٍ عَظِيمَةً، فَإنَّكَ تَقُولُ لَهُ: لَسْتَ بِسُلْطانِ البَلَدِ ولا ذُرِّيَّةِ المَمْلَكَةِ حَتّى نَقْبَلَ مِنكَ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ الهائِلَةَ، فَلِمَ تُقْدِمُ عَلَيْها ؟ والَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا أنَّ الضَّمِيرَ يَجِبُ عَوْدُهُ إلى أقْرَبِ المَذْكُوراتِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ الأقْرَبُ هو ذِكْرُ أُولَئِكَ الكُفّارِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ والمُرادُ بِالظّالِمِينَ أُولَئِكَ الكُفّارُ.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ كَوْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ جاهِلِينَ بِما جَرى بِهِ القَلَمُ في الأزَلِ مِن أحْوالِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهم: السَّعِيدُ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِسَعادَتِهِ في الأزَلِ، والشَّقِيُّ مَن حَكَمَ اللَّهُ بِشَقاوَتِهِ في الأزَلِ، وأنْتُمْ غافِلُونَ عَنْ أحْوالِ الأزَلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ وإذا جَهِلْتُمْ هَذِهِ الحالَةَ فَكَيْفَ يُمْكِنُكم أنْ تَحْكُمُوا لِأنْفُسِكم بِالرِّفْعَةِ والعُلُوِّ والكَمالِ ولِغَيْرِكم بِالدَّناءَةِ والذُّلِّ ؟ بَلْ رُبَّما صارَ الأمْرُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ عَلى العَكْسِ فِيما حَكَمْتُمْ بِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قُرِئَ وما كُنْتَ بِالفَتْحِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، والمَعْنى: وما صَحَّ لَكَ الِاعْتِضادُ بِهِمْ، وما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْتَزَّ بِهِمْ، وقَرَأ عَلِيٌّ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ: (مُتَّخِذًا المُضِلِّينَ) بِالتَّنْوِينِ عَلى الأصْلِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (عُضْدًا) بِسُكُونِ الضّادِ ونَقْلِ ضَمَّتِها إلى العَيْنِ، وقُرِئَ: (عَضْدًا) بِالفَتْحِ وسُكُونِ الضّادِ (وعُضُدًا) بِضَمَّتَيْنِ (وعَضَدًا) بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ عاضِدٍ، كَخادِمٍ وخَدَمٍ، وراصِدٍ ورَصَدٍ، مِن عَضَدَهُ إذا قَوّاهُ وأعانَهُ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَرَّرَ أنَّ القَوْلَ الَّذِي قالُوهُ في الِافْتِخارِ عَلى الفُقَراءِ اقْتِداءً بِإبْلِيسَ عادَ بَعْدَهُ إلى التَّهْوِيلِ بِأحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ وفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ: (نَقُولُ) بِالنُّونِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ و﴿أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾ و﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ وما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ والباقُونَ قَرَءُوا بِالياءِ.
البَحْثُ الثّانِي: واذْكُرْ يَوْمَ نَقُولُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا﴾ .
البَحْثُ الثّالِثُ: المَعْنى: واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ أحْوالَهم وأحْوالَ آلِهَتِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ إذْ يَقُولُ اللَّهُ لَهم: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ أيِ ادْعُوا مَن زَعَمْتُمْ أنَّهم شُرَكاءُ لِي حَيْثُ أهَّلْتُمُوهم لِلْعِبادَةِ، ادْعُوهم يَشْفَعُوا لَكم ويَنْصُرُوكم والمُرادُ بِالشُّرَكاءِ الجِنُّ، فَدَعَوْهم، ولَمْ يَذْكُرْ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم كَيْفَ دَعَوُا الشُّرَكاءَ؛ لِأنَّهُ تَعالى بَيَّنَ ذَلِكَ في آيَةٍ أُخْرى، وهو أنَّهم قالُوا: ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا﴾ (غافِرٍ: ٤٧) ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يُجِيبُوهم إلى ما دَعَوْهم إلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعُوا عَنْهم ضَرَرًا وما أوْصَلُوا إلَيْهِمْ نَفْعًا، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: المَوْبِقُ المَهْلِكُ مِن وبِقَ يَبِقُ وُبُوقًا ووَبَقًا، إذا هَلَكَ وأوْبَقَهُ غَيْرُهُ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالمَوْرِدِ والمَوْعِدِ، وتَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ: إنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً كالمَلائِكَةِ وعِيسى دَعَوْا هَؤُلاءِ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهم
صفحة ١١٩
ثُمَّ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَهم فَأدْخَلَ اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ جَهَنَّمَ، وأدْخَلَ عِيسى الجَنَّةَ، وصارَ المَلائِكَةُ إلى حَيْثُ أرادَ اللَّهُ مِن دارِ الكَرامَةِ، وحَصَلَ بَيْنَ أُولَئِكَ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا المَوْبِقُ، وهو ذَلِكَ الوادِي في جَهَنَّمَ.
الوَجْهُ الثّانِي: قالَ الحَسَنُ: (مَوْبِقًا) أيْ عَداوَةً، والمَعْنى: عَداوَةٌ هي في شِدَّتِها هَلاكٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: لا يَكُنْ حُبُّكَ كَلَفًا، ولا بُغْضُكَ تَلَفًا.
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: البَيْنُ المُواصَلَةُ أيْ جَعَلْنا مُواصَلَتَهم في الدُّنْيا هَلاكًا في يَوْمِ القِيامَةِ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: المَوْبِقُ البَرْزَخُ البَعِيدُ أيْ جَعَلْنا بَيْنَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ وعِيسى بَرْزَخًا بَعِيدًا يَهْلِكُ فِيهِ السّارِي لِفَرْطِ بُعْدِهِ؛ لِأنَّهم في قَعْرِ جَهَنَّمَ، وهم في أعْلى الجِنانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ وفي هَذا الظَّنِّ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ الظَّنَّ هَهُنا بِمَعْنى العِلْمِ واليَقِينِ.
والثّانِي: وهو الأقْرَبُ أنَّ المَعْنى أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ يَرَوْنَ النّارَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، فَيَظُنُّونَ أنَّهم مُواقِعُوها في تِلْكَ السّاعَةِ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ ومُهْلَةٍ، لِشِدَّةِ ما يَسْمَعُونَ مِن تَغَيُّظِها وزَفِيرِها، كَما قالَ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ (الفُرْقانِ: ١٢) وقَوْلُهُ: ﴿مُواقِعُوها﴾ أيْ مُخالِطُوها، فَإنَّ مُخالَطَةَ الشَّيْءِ لِغَيْرِهِ إذا كانَتْ قَوِيَّةً تامَّةً، يُقالُ لَها: مُواقَعَةٌ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ لَمْ يَجِدُوا عَنِ النّارِ مَعْدِلًا إلى غَيْرِها؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَسُوقُهم إلَيْها.
18:54–56Page 300
وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا ٥٤
And We have certainly diversified in this Qur’ān for the people from every [kind of] example; but man has ever been, most of anything, [prone to] dispute.
وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا ٥٥
And nothing has prevented the people from believing when guidance came to them and from asking forgiveness of their Lord except that there [must] befall them the [accustomed] precedent of the former peoples1 or that the punishment should come [directly] before them.
وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا ٥٦
And We send not the messengers except as bringers of good tidings and warners. And those who disbelieve dispute by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth and have taken My verses, and that of which they are warned, in ridicule.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهم إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ ﴿وما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ واتَّخَذُوا آياتِي وما أُنْذِرُوا هُزُوًا﴾
اعْلَمْ أنَّ أُولَئِكَ الكَفَرَةَ لَمّا افْتَخَرُوا عَلى فُقَراءِ المُسْلِمِينَ بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأتْباعِهِمْ وبَيَّنَ تَعالى بِالوُجُوهِ الكَثِيرَةِ أنَّ قَوْلَهم فاسِدٌ وشُبْهَتَهم باطِلَةٌ، وذَكَرَ فِيهِ المَثَلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، قالَ بَعْدَهُ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهو إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ، والتَّصْرِيفُ يَقْتَضِي التَّكْرِيرَ، والأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبْهَتِهِمُ الَّتِي ذَكَرُوها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، ومَعَ تِلْكَ الجَواباتِ الشّافِيَةِ والأمْثِلَةِ المُطابِقَةِ؛ فَهَؤُلاءِ الكُفّارُ لا يَتْرُكُونَ المُجادَلَةَ الباطِلَةَ، فَقالَ: وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا؛ أيْ أكْثَرَ الأشْياءِ الَّتِي يَتَأتّى مِنها الجَدَلُ، وانْتِصابُ قَوْلِهِ: (جَدَلًا) عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ جادَلُوهم في الدِّينِ حَتّى صارُوا هم مُجادِلِينَ؛ لِأنَّ المُجادَلَةَ لا تَحْصُلُ إلّا مِنَ الطَّرَفَيْنِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالتَّقْلِيدِ باطِلٌ، ثُمَّ قالَ: ﴿وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
صفحة ١٢٠
البَحْثُ الأوَّلُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ما يَمْنَعُ مِنَ الإقْدامِ عَلى الإيمانِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ حَصَلَ المانِعُ. قالَ أصْحابُنا: العِلْمُ بِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مُضادٌّ لِوُجُودِ الإيمانِ، فَإذا كانَ ذَلِكَ العِلْمُ قائِمًا كانَ المانِعُ قائِمًا، وأيْضًا حُصُولُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ قائِمٌ وإلّا لَما وجَبَ لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ بِدُونِ الدّاعِي مُحالٌ، ووُجُودُ الدّاعِي إلى الكُفْرِ مانِعٌ مِن حُصُولِ الإيمانِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ المُرادَ مِقْدارُ المَوانِعِ المَحْسُوسَةِ.
البَحْثُ الثّانِي: المَعْنى أنَّهُ لَمّا جاءَهُمُ الهُدى، وهو الدَّلِيلُ الدّالُّ عَلى صِحَّةِ الإسْلامِ، وثَبَتَ أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ ولا مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ والتَّخْلِيَةُ حاصِلَةٌ، والأعْذارُ زائِلَةٌ، فَلِمَ لَمْ يُقْدِمُوا عَلى الإيمانِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ وهو عَذابُ الِاسْتِئْصالِ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وعاصِمٌ والكِسائِيُّ قُبُلًا بِضَمِّ القافِ والباءِ جَمِيعًا، وهو جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى ضُرُوبٍ مِنَ العَذابِ تَتَواصَلُ مَعَ كَوْنِهِمْ أحْياءً، وقِيلَ: مُقابَلَةً وعِيانًا، والباقُونَ قِبَلًا بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ أيْ عِيانًا أيْضًا، ورَوى صاحِبُ الكَشّافِ: قَبَلًا بِفَتْحَتَيْنِ أيْ مُسْتَقْبَلًا، والمَعْنى أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عِنْدَ نُزُولِ عَذابِ الِاسْتِئْصالِ فَيَهْلِكُوا، أوْ أنْ يَتَواصَلَ أنْواعُ العَذابِ والبَلاءِ حالَ بَقائِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا، واعْلَمْ أنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى الإيمانِ إلّا عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَرْضى بِحُصُولِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ إلّا أنَّ حالَهم شَبِيهٌ بِحالِ مَن وقَفَ العَمَلَ عَلى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ إنَّما أرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ ومُنْذِرِينَ بِالعِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ لِكَيْ يُؤْمِنُوا طَوْعًا وبَيَّنَ مَعَ هَذِهِ الأحْوالِ أنَّهُ يُوجَدُ مِنَ الكُفّارِ المُجادَلَةُ بِالباطِلِ لِغَرَضِ دَحْضِ الحَقِّ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُجادِلُونَهم لِما بَيَّنّا أنَّ المُجادَلَةَ إنَّما تَحْصُلُ مِنَ الجانِبَيْنِ، وبَيَّنَ تَعالى أيْضًا أنَّهُمُ اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ وهي القُرْآنُ وإنْذاراتِ الأنْبِياءِ هُزُوًا، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اسْتِيلاءِ الجَهْلِ والقَسْوَةِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: (ما) في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ويَكُونَ العائِدُ مِنَ الصِّلَةِ مَحْذُوفًا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً بِمَعْنى إنْذارِهِمْ.
18:57–59Page 300
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٥٧
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord but turns away from them and forgets what his hands have put forth? Indeed, We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if you invite them to guidance - they will never be guided, then - ever.
وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا ٥٨
And your Lord is the Forgiving, the possessor of mercy. If He were to impose blame upon them for what they earned, He would have hastened for them the punishment. Rather, for them is an appointment from which they will never find an escape.
وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ٥٩
And those cities - We destroyed them when they wronged, and We made for their destruction an appointed time.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهم بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ بَلْ لَهم مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ .
صفحة ١٢١
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ جِدالَهم بِالباطِلِ وصَفَهم بَعْدَهُ بِالصِّفاتِ المُوجِبَةِ لِلْخِزْيِ والخِذْلانِ.
الصِّفَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيْ لا ظُلْمَ أعْظَمُ مِن كُفْرِ مَن تَرِدُ عَلَيْهِ الآياتُ والبَيِّناتُ، فَيُعْرِضُ عَنْها ويَنْسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ؛ أيْ مَعَ إعْراضِهِ عَنِ التَّأمُّلِ في الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ يَتَناسى ما قَدَّمَتْ يَداهُ مِنَ الأعْمالِ المُنْكَرَةِ والمَذاهِبِ الباطِلَةِ، والمُرادُ مِنَ النِّسْيانِ التَّشاغُلُ والتَّغافُلُ عَنْ كُفْرِهِ المُتَقَدِّمِ.
الصِّفَةُ الثّانِيَةُ: (قَوْلُهُ): ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى الِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ الأنْعامِ، والعَجَبُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مُتَمَسَّكُ القَدَرِيَّةِ، وقَوْلَهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ مُتَمَسَّكُ الجَبْرِيَّةِ، وقَلَّما نَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً لِأحَدِ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ إلّا ومَعَها آيَةٌ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ، والتَّجْرِبَةُ تَكْشِفُ عَنْ صِدْقِ قَوْلِنا، وما ذاكَ إلّا امْتِحانٌ شَدِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ألْقاهُ عَلى عِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ العُلَماءُ الرّاسِخُونَ مِنَ المُقَلِّدِينَ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ الغَفُورُ البَلِيغُ المَغْفِرَةِ وهو إشارَةٌ إلى دَفْعِ المَضارِّ، ذُو الرَّحْمَةِ المَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وإنَّما ذُكِرَ لَفْظُ المُبالَغَةِ في المَغْفِرَةِ لا في الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ تَرْكُ الإضْرارِ، وهو تَعالى قَدْ تَرَكَ مَضارَّ لا نِهايَةَ لَها مَعَ كَوْنِهِ قادِرًا عَلَيْها، أمّا فِعْلُ الرَّحْمَةِ فَهو مُتَناهٍ؛ لِأنَّ تَرْكَ ما لا نِهايَةَ لَهُ مُمْكِنٌ، أمّا فِعْلُ ما لا نِهايَةَ لَهُ فَمُحالٌ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ أنَّهُ يَغْفِرُ كَثِيرًا لِأنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ ولا حاجَةَ بِهِ إلَيْها فَيَهَبُها مِنَ المُحْتاجِينَ كَثِيرًا ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِتَرْكِ مُؤاخَذَةِ أهْلِ مَكَّةَ عاجِلًا مِن غَيْرِ إمْهالٍ مَعَ إفْراطِهِمْ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ وهو إمّا يَوْمَ القِيامَةِ، وإمّا في الدُّنْيا وهو يَوْمُ بَدْرِ وسائِرُ أيّامِ الفَتْحِ (وقَوْلُهُ): ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أيْ مَنجًى ولا مَلْجَأً، يُقالُ: وألَ إذا لَجَأ، ووَألَ إلَيْهِ إذا لَجَأ إلَيْهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ يُرِيدُ قُرى الأوَّلِينَ مِن ثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ وغَيْرِهِمْ أشارَ إلَيْها لِيَعْتَبِرُوا، وتِلْكَ مُبْتَدَأٌ، والقُرى صِفَةٌ لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُوصَفُ بِأصْنافِ الأجْناسِ، وأهْلَكْناهم خَبَرٌ والمَعْنى، وتِلْكَ أصْحابُ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا مِثْلَ ظُلْمِ أهْلِ مَكَّةَ: ﴿وجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ أيْ وضَرَبْنا لِإهْلاكِهِمْ وقْتًا مَعْلُومًا لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ كَما ضَرَبْنا لِأهْلِ مَكَّةَ يَوْمَ بَدْرٍ، والمَهْلِكُ الإهْلاكُ أوْ وقْتُهُ، وقُرِئَ: (لِمَهْلَكِهِمْ) بِفَتْحِ المِيمِ واللّامُ مَفْتُوحَةٌ أوْ مَكْسُورَةٌ، أيْ لِهَلاكِهِمْ أوْ وقْتَ هَلاكِهِمْ، والمَوْعِدُ وقْتٌ أوْ مَصْدَرٌ، والمُرادُ: إنّا عَجَّلْنا هَلاكَهم، ومَعَ ذَلِكَ لَمْ نَدَعْ أنْ نَضْرِبَ لَهُ وقْتًا لِيَكُونُوا إلى التَّوْبَةِ أقْرَبَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences