Ar-RaziAl‑Kahf · 18:65–73

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Kahf 18:65–73

18:65–66Page 301

فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا ٦٥

And they found a servant from among Our servants [i.e., al-Khiḍr] to whom We had given mercy from Us and had taught him from Us a [certain] knowledge.

قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا ٦٦

Moses said to him, "May I follow you on [the condition] that you teach me from what you have been taught of sound judgement?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ ﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ فِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ كانَ نَبِيًّا، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ﴾ والرَّحْمَةُ هي النُّبُوَّةُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ﴾ (الزُّخْرُفِ: ٣٢) وقَوْلِهِ: ﴿وما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ (القَصَصِ: ٨٦) والمُرادُ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: نُسَلِّمُ أنَّ النُّبُوَّةَ رَحْمَةٌ، أمّا لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ رَحْمَةٍ نُبُوَّةً.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ لا بِواسِطَةِ تَعْلِيمِ مُعَلِّمٍ، ولا إرْشادِ مُرْشِدٍ، وكُلُّ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ لا بِواسِطَةِ البَشَرِ وجَبَ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا يَعْلَمُ الأُمُورَ بِالوَحْيِ مِنَ اللَّهِ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ تَحْصُلُ ابْتِداءً مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ والنَّبِيُّ لا يَتَّبِعُ غَيْرَ النَّبِيِّ في التَّعْلِيمِ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ لا يَتَّبِعُ غَيْرَ النَّبِيِّ في العُلُومِ الَّتِي بِاعْتِبارِها صارَ نَبِيًّا، أمّا في غَيْرِ تِلْكَ العُلُومِ فَلا.

صفحة ١٢٧

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: أنَّ ذَلِكَ العَبْدَ أظْهَرَ التَّرَفُّعَ عَلى مُوسى حَيْثُ قالَ لَهُ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ وأمّا مُوسى فَإنَّهُ أظْهَرَ التَّواضُعَ لَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ فَوْقَ مُوسى، ومَن لا يَكُونُ نَبِيًّا لا يَكُونُ فَوْقَ النَّبِيِّ، وهَذا أيْضًا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ غَيْرُ النَّبِيِّ فَوْقَ النَّبِيِّ في عُلُومٍ لا تَتَوَقَّفُ نُبُوَّتُهُ عَلَيْها، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَإنْ قالُوا: لِأنَّهُ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ.

قُلْنا: فَإرْسالُ مُوسى إلى التَّعَلُّمِ مِنهُ بَعْدَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْهِ التَّوْراةَ وتَكْلِيمِهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ يُوجِبُ التَّنْفِيرَ، فَإنْ قالُوا: إنَّ هَذا لا يُوجِبُ التَّنْفِيرَ، فَكَذا القَوْلُ فِيما ذَكَرُوهُ.

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: احْتَجَّ الأصَمُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بِقَوْلِهِ في أثْناءِ القِصَّةِ: ﴿وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ ومَعْناهُ: فَعَلْتُهُ بِوَحْيِ اللَّهِ، وهو يَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ، وهَذا أيْضًا دَلِيلٌ ضَعِيفٌ، وضَعْفُهُ ظاهِرٌ.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: ما رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وصَلَ إلَيْهِ قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ يا نَبِيَّ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: مَن عَرَّفَكَ هَذا ؟ قالَ: الَّذِي بَعَثَكَ إلَيَّ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إنَّما عَرَفَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ، والوَحْيُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ النُّبُوَّةِ، ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن بابِ الكَراماتِ والإلْهاماتِ ؟ .

البَحْثُ الثّانِي: قالَ الأكْثَرُونَ: إنَّ ذَلِكَ العَبْدَ هو الخَضِرُ، وقالُوا: إنَّما سُمِّيَ بِالخَضِرِ؛ لِأنَّهُ كانَ لا يَقِفُ مَوْقِفًا إلّا اخْضَرَّ ذَلِكَ المَوْضِعُ، قالَ الجُبّائِيُّ: قَدْ ظَهَرَتِ الرِّوايَةُ أنَّ الخَضِرَ إنَّما بُعِثَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ هَذا العَبْدُ هو الخَضِرُ، وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ هَذا العَبْدُ هو الخَضِرُ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، فَهَذا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الخَضِرُ أعْلى شَأْنًا مِن مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ؛ لِأنّا قَدْ بَيَّنّا أنَّ الألْفاظَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ يَتَرَفَّعُ عَلى مُوسى، وكانَ مُوسى يُظْهِرُ التَّواضُعَ لَهُ إلّا أنَّ كَوْنَ الخَضِرِ أعْلى شَأْنًا مِن مُوسى غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الخَضِرَ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ ما كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنْ قُلْنا: إنَّهُ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَقَدْ كانَ مِن أُمَّةِ مُوسى لِقَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِفِرْعَوْنَ: ﴿أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ (الشُّعَراءِ: ١٧) والأُمَّةُ لا تَكُونُ أعْلى حالًا مِنَ النَّبِيِّ، وإنْ قُلْنا: إنَّهُ ما كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ مِن مُوسى لِقَوْلِهِ تَعالى لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ (البَقَرَةِ: ٤٧) وهَذِهِ الكَلِماتُ تُقَوِّي قَوْلَ مَن يَقُولُ: إنَّ مُوسى هَذا غَيْرُ مُوسى صاحِبِ التَّوْراةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ يُفِيدُ أنَّ تِلْكَ العُلُومَ حَصَلَتْ عِنْدَهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، والصُّوفِيَّةُ سَمَّوُا العُلُومَ الحاصِلَةَ بِطَرِيقِ المُكاشَفاتِ العُلُومَ اللَّدُنِّيَّةَ، ولِلشَّيْخِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ رِسالَةٌ في إثْباتِ العُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، وأقُولُ: تَحْقِيقُ الكَلامِ في هَذا البابِ أنْ نَقُولَ: إذا أدْرَكْنا أمْرًا مِنَ الأُمُورِ وتَصَوَّرْنا حَقِيقَةً مِنَ الحَقائِقِ، فَإمّا أنْ نَحْكُمَ عَلَيْهِ بِحُكْمٍ وهو التَّصْدِيقُ أوْ لا نَحْكُمَ وهو التَّصَوُّرُ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ فَإمّا أنْ يَكُونَ نَظَرِيًّا حاصِلًا مِن غَيْرِ كَسْبٍ وطَلَبٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَسْبِيًّا، أمّا العُلُومُ النَّظَرِيَّةُ فَهي تَحْصُلُ في النَّفْسِ والعَقْلِ مِن غَيْرِ كَسْبٍ وطَلَبٍ، مِثْلُ تَصَوُّرِنا الألَمَ واللَّذَّةَ، والوُجُودَ والعَدَمَ، ومِثْلُ تَصْدِيقِنا بِأنَّ النَّفْيَ والإثْباتَ لا يَجْتَمِعانِ ولا يَرْتَفِعانِ، وأنَّ الواحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ. وأمّا العُلُومُ الكَسْبِيَّةُ فَهي الَّتِي لا تَكُونُ حاصِلَةً في جَوْهَرِ النَّفْسِ ابْتِداءً، بَلْ لا بُدَّ مِن طَرِيقٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى اكْتِسابِ تِلْكَ العُلُومِ، وهَذا الطَّرِيقُ

صفحة ١٢٨

عَلى قِسْمَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَتَكَلَّفَ الإنْسانُ تَرَكُّبَ تِلْكَ العُلُومِ البَدِيهِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ حَتّى يَتَوَصَّلَ بِتَرَكُّبِها إلى اسْتِعْلامِ المَجْهُولاتِ، وهَذا الطَّرِيقُ هو المُسَمّى بِالنَّظَرِ والتَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ والتَّرَوِّي والِاسْتِدْلالِ، وهَذا النَّوْعُ مِن تَحْصِيلِ العُلُومِ هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِالجُهْدِ والطَّلَبِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: أنْ يَسْعى الإنْسانُ بِواسِطَةِ الرِّياضاتِ والمُجاهَداتِ في أنْ تَصِيرَ القُوى الحِسِّيَّةُ والخَيالِيَّةُ ضَعِيفَةً، فَإذا ضَعُفَتْ قَوِيَتِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ، وأشْرَقَتِ الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ في جَوْهَرِ العَقْلِ، وحَصَلَتِ المَعارِفُ وكَمُلَتِ العُلُومُ مِن غَيْرِ واسِطَةِ سَعْيٍ وطَلَبٍ في التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، وهَذا هو المُسَمّى بِالعُلُومِ اللَّدُنِّيَّةِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: جَواهِرُ النَّفْسِ النّاطِقَةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ فَقَدْ تَكُونُ النَّفْسُ نَفْسًا مُشْرِقَةً نُورانِيَّةً إلَهِيَّةً عُلْوِيَّةً قَلِيلَةَ التَّعَلُّقِ بِالجَواذِبِ البَدَنِيَّةِ والنَّوازِعِ الجُسْمانِيَّةِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ أبَدًا شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ الجَلايا القُدُسِيَّةِ والأنْوارِ الإلَهِيَّةِ، فَلا جَرَمَ فاضَتْ عَلَيْها مِن عالَمِ الغَيْبِ تِلْكَ الأنْوارُ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ والتَّمامِ، وهَذا هو المُرادُ بِالعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وأمّا النَّفْسُ الَّتِي ما بَلَغَتْ في صَفاءِ الجَوْهَرِ وإشْراقِ العُنْصُرِ فَهي النَّفْسُ النّاقِصَةُ البَلِيدَةُ الَّتِي لا يُمْكِنُها تَحْصِيلُ المَعارِفِ والعُلُومِ إلّا بِمُتَوَسِّطٍ بَشَرِيٍّ يُحْتالُ في تَعْلِيمِهِ وتَعَلُّمِهِ، والقِسْمُ الأوَّلُ بِالنِّسْبَةِ إلى القِسْمِ الثّانِي كالشَّمْسِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأضْواءِ الجُزْئِيَّةِ، وكالبَحْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى الجَداوِلِ الجُزْئِيَّةِ، وكالرُّوحِ الأعْظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْواحِ الجُزْئِيَّةِ، فَهَذا تَنْبِيهٌ قَلِيلٌ عَلى هَذا المَأْخَذِ، ووَراءَهُ أسْرارٌ لا يُمْكِنُ ذِكْرُها في هَذا الكِتابِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (رَشَدًا) بِفَتْحِ الرّاءِ والشِّينِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- بِضَمِّ الرّاءِ والشِّينِ، والباقُونَ بِضَمِّ الرّاءِ وتَسْكِينِ الشِّينِ، قالَ القَفّالُ: وهي لُغاتٌ في مَعْنًى واحِدٍ، يُقالُ: رُشْدٌ ورَشَدٌ مِثْلَ: نُكْرٌ ونَكْرٌ، كَما يُقالُ: سُقْمٌ وسَقَمٌ، وشُغْلٌ وشَغْلٌ، وبُخْلٌ وبَخَلٌ، وعُدْمٌ وعَدَمٌ، وقَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ أيْ عِلْمًا ذا رُشْدٍ، قالَ القَفّالُ: قَوْلُهُ: ﴿رُشْدًا﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الرُّشْدُ راجِعًا إلى الخَضِرِ أيْ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وأرْشَدَكَ بِهِ.

والثّانِي: أنْ يَرْجِعَ ذَلِكَ إلى مُوسى، ويَكُونُ المَعْنى عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي وتُرْشِدَنِي مِمّا عُلِّمْتَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ راعى أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الأدَبِ واللُّطْفِ عِنْدَما أرادَ أنْ يَتَعَلَّمَ مِنَ الخَضِرِ:

فَأحَدُها: أنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ تَبَعًا لَهُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ .

وثانِيها: أنَّهُ اسْتَأْذَنَ في إثْباتِ هَذِهِ التَّبَعِيَّةِ، فَإنَّهُ قالَ: هَلْ تَأْذَنُ لِي أنْ أجْعَلَ نَفْسِي تَبَعًا لَكَ، وهَذِهُ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في التَّواضُعِ.

وثالِثُها: أنَّهُ قالَ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ وهَذا إقْرارٌ لَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالجَهْلِ وعَلى أُسْتاذِهِ بِالعِلْمِ.

ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ وصِيغَةُ مِن لِلتَّبْعِيضِ فَطَلَبَ مِنهُ تَعْلِيمَ بَعْضِ ما عَلَّمَهُ اللَّهُ، وهَذا أيْضًا مُشْعِرٌ بِالتَّواضُعِ، كَأنَّهُ يَقُولُ لَهُ: لا أطْلُبُ مِنكَ أنْ تَجْعَلَنِي مُساوِيًا في العِلْمِ لَكَ، بَلْ أطْلُبُ مِنكَ أنْ تُعْطِيَنِي جُزْأً مِن أجْزاءِ عِلْمِكَ، كَما يَطْلُبُ الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ أنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ جُزْأً مِن أجْزاءِ مالِهِ.

وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ اعْتِرافٌ بِأنَّ اللَّهَ عَلَّمَهُ ذَلِكَ العِلْمَ.

وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿رُشْدًا﴾ طَلَبٌ مِنهُ لِلْإرْشادِ والهِدايَةِ، والإرْشادُ هو الأمْرُ الَّذِي لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لَحَصَلَتِ الغَوايَةُ والضَّلالُ.

وسابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ﴾ مَعْناهُ أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ أنْ يُعامِلَهُ بِمِثْلِ ما عامَلَهُ اللَّهُ بِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ يَكُونُ إنْعامُكَ عَلَيَّ عِنْدَ هَذا التَّعْلِيمِ شَبِيهًا بِإنْعامِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْكَ في هَذا

صفحة ١٢٩

التَّعْلِيمِ ولِهَذا مِ ولِهَذا المَعْنى قِيلَ: أنا عَبْدُ مَن تَعَلَّمْتُ مِنهُ حَرْفًا.

وثامِنُها: أنَّ المُتابَعَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِأجْلِ كَوْنِهِ فِعْلًا لِذَلِكَ الغَيْرِ، فَإنّا إذا قُلْنا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فاليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَنا كانُوا يَذْكُرُونَ هَذِهِ الكَلِمَةَ؛ فَلا يَجِبُ كَوْنُنا مُتَّبِعِينَ لَهم في ذِكْرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِأنّا لا نَقُولُ هَذِهِ الكَلِمَةَ لِأجْلِ أنَّهم قالُوها، بَلْ إنَّما نَقُولُها لِقِيامِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ يَجِبُ ذِكْرُها، أمّا إذا أتَيْنا بِهَذِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ عَلى مُوافَقَةِ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّما أتَيْنا بِها لِأجْلِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِها لا جَرَمَ كُنّا مُتابِعِينَ في فِعْلِ هَذِهِ الصَّلَواتِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَأْتِي بِمِثْلِ أفْعالِ ذَلِكَ الأُسْتاذِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِ ذَلِكَ الأُسْتاذِ آتِيًا بِها. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُتَعَلِّمَ يَجِبُ عَلَيْهِ في أوَّلِ الأمْرِ التَّسْلِيمُ وتَرْكُ المُنازَعَةِ والِاعْتِراضِ.

وتاسِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أتَّبِعُكَ﴾ يَدُلُّ عَلى طَلَبِ مُتابَعَتِهِ مُطْلَقًا في جَمِيعِ الأُمُورِ؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.

وعاشِرُها: أنَّهُ ثَبَتَ بِالأخْبارِ أنَّ الخَضِرَ عَرَفَ أوَّلًا أنَّهُ نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ وأنَّهُ هو مُوسى صاحِبُ التَّوْراةِ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، وخَصَّهُ بِالمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ الباهِرَةِ، ثُمَّ إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ هَذِهِ المَناصِبِ الرَّفِيعَةِ والدَّرَجاتِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ أتى بِهَذِهِ الأنْواعِ الكَثِيرَةِ مِنَ التَّواضُعِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ آتِيًا في طَلَبِ العِلْمِ بِأعْظَمِ أنْواعِ المُبالَغَةِ، وهَذا هو اللّائِقُ بِهِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن كانَتْ إحاطَتُهُ بِالعُلُومِ أكْثَرَ كانَ عِلْمُهُ بِما فِيها مِنَ البَهْجَةِ والسَّعادَةِ أكْثَرَ؛ فَكانَ طَلَبُهُ لَها أشَدَّ، وكانَ تَعْظِيمُهُ لِأرْبابِ العِلْمِ أكْمَلَ وأشَدَّ.

والحادِي عَشَرَ: أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ فَأثْبَتَ كَوْنَهُ تَبَعًا لَهُ أوَّلًا ثُمَّ طَلَبَ ثانِيًا أنْ يُعَلِّمَهُ، وهَذا مِنهُ ابْتِداءٌ بِالخِدْمَةِ ثُمَّ في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ طَلَبَ مِنهُ التَّعْلِيمَ.

والثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ قالَ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ فَلَمْ يَطْلُبْ عَلى تِلْكَ المُتابَعَةِ عَلى التَّعْلِيمِ شَيْئًا كَأنَّهُ قالَ: لا أطْلُبُ مِنكَ عَلى هَذِهِ المُتابَعَةِ المالَ والجاهَ ولا غَرَضَ لِي إلّا طَلَبُ العِلْمِ.

18:67–68Page 301

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٦٧

He said, "Indeed, with me you will never be able to have patience.

وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا ٦٨

And how can you have patience for what you do not encompass in knowledge?"

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ الخَضِرِ أنَّهُ قالَ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ المُتَعَلِّمَ عَلى قِسْمَيْنِ: مُتَعَلِّمٌ لَيْسَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ العِلْمِ، ولَمْ يُمارِسِ القِيلَ والقالَ، ولَمْ يَتَعَوَّدِ التَّقْرِيرَ والِاعْتِراضَ، ومُتَعَلِّمٌ حَصَّلَ العُلُومَ الكَثِيرَةَ ومارَسَ الِاسْتِدْلالَ والِاعْتِراضَ.

ثُمَّ إنَّهُ يُرِيدُ أنْ يُخالِطَ إنْسانًا أكْمَلَ مِنهُ لِيَبْلُغَ دَرَجَةَ التَّمامِ والكَمالِ؛ والتَّعَلُّمُ في هَذا القِسْمِ الثّانِي شاقٌّ شَدِيدٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا رَأى شَيْئًا أوْ سَمِعَ كَلامًا؛ فَرُبَّما كانَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ مُنْكَرًا إلّا أنَّهُ كانَ في الحَقِيقَةِ حَقًّا صَوابًا.

فَهَذا المُتَعَلِّمُ لِأجْلِ أنَّهُ ألِفَ القِيلَ والقالَ، وتَعَوَّدَ الكَلامَ والجِدالَ؛ يَغْتَرُّ ظاهِرُهُ، ولِأجْلِ عَدَمِ كَمالِهِ؛ لا يَقِفُ عَلى سِرِّهِ وحَقِيقَتِهِ، وحِينَئِذٍ يُقْدِمُ عَلى النِّزاعِ والِاعْتِراضِ والمُجادَلَةِ، وذَلِكَ مِمّا يَثْقُلُ سَماعُهُ عَلى الأُسْتاذِ الكامِلِ المُتَبَحِّرِ.

فَإذا اتَّفَقَ مِثْلُ هَذِهِ الواقِعَةِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثَةً؛ حَصَلَتِ النَّفْرَةُ التّامَّةُ والكَراهَةُ الشَّدِيدَةُ، وهَذا هو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الخَضِرُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ ألِفَ الكَلامَ وتَعَوَّدَ الإثْباتَ والإبْطالَ والِاسْتِدْلالَ والِاعْتِراضَ، وقَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ إشارَةً إلى كَوْنِهِ غَيْرَ عالِمٍ بِحَقائِقِ الأشْياءِ كَما هي، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ مَتى حَصَلَ الأمْرانِ صَعُبَ السُّكُوتُ وعَسُرَ التَّعْلِيمُ وانْتَهى الأمْرُ بِالآخِرَةِ إلى النَّفْرَةِ والكَراهِيَةِ وحُصُولِ التَّقاطُعِ والتَّنافُرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ أصْحابُنا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ

صفحة ١٣٠

الفِعْلِ. قالُوا: لَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الفِعْلِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ الفِعْلِ؛ لَكانَتِ الِاسْتِطاعَةُ عَلى الصَّبْرِ حاصِلَةً لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ حُصُولِ الصَّبْرِ؛ فَيَلْزَمُ أنْ يَصِيرَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ كَذِبًا، ولَمّا بَطَلَ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تُوجَدُ قَبْلَ الفِعْلِ؛ أجابَ الجُبّائِيُّ عَنْهُ أنَّ المُرادَ مِن هَذا القَوْلِ؛ أنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ لا أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُهُ، يُقالُ في العُرْفِ: إنَّ فُلانًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرى فَلانًا و(لا) أنْ يُجالِسَهُ إذا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمُ الِاسْتِماعُ، فَيُقالُ لَهُ: هَذا عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وإنَّهُ لا يَجُوزُ. وأقُولُ: مِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاسْتِدْلالَ الَّذِي ذَكَرَهُ الأصْحابُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ اسْتَبْعَدَ حُصُولَ الصَّبْرِ عَلى ما لَمْ يَقِفِ الإنْسانُ عَلى حَقِيقَتِهِ، ولَوْ كانَتِ الِاسْتِطاعَةُ قَبْلَ الفِعْلِ لَكانَتِ القُدْرَةُ عَلى العِلْمِ حاصِلَةً قَبْلَ حُصُولِ ذَلِكَ العِلْمِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ حُصُولُ الصَّبْرِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ العِلْمِ مُسْتَبْعَدًا؛ لِأنَّ القادِرَ عَلى الفِعْلِ لا يَبْعُدُ مِنهُ إقْدامُهُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، ولَمّا حَكَمَ اللَّهُ بِاسْتِبْعادِهِ عَلِمْنا أنَّ الِاسْتِطاعَةَ لا تَحْصُلُ قَبْلَ الفِعْلِ.

18:69–70Page 301

قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا ٦٩

[Moses] said, "You will find me, if Allāh wills, patient, and I will not disobey you in [any] order."

قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا ٧٠

He said, "Then if you follow me, do not ask me about anything until I make to you about it mention [i.e., explanation]."

ثُمَّ حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْ مُوسى أنَّهُ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ اللَّهِ الأنْبِياءَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: إنَّ الخَضِرَ قالَ لِمُوسى: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وقالَ مُوسى: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يُكَذِّبُ الآخَرَ؛ فَيَلْزَمُ إلْحاقُ الكَذِبِ بِأحَدِهِما، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ صُدُورُ الكَذِبِ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والجَوابُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ عَلى الأكْثَرِ الأغْلَبِ وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا يَلْزَمُ ما ذَكَرُوهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لَفْظَةُ إنْ كانَ كَذا تُفِيدُ الشَّكَّ فَقَوْلُهُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾ مَعْناهُ: سَتَجِدُنِي صابِرًا إنْ شاءَ اللَّهُ كَوْنِي صابِرًا، وهَذا يَقْتَضِي وُقُوعَ الشَّكِّ في أنَّ اللَّهَ هَلْ يُرِيدُ كَوْنَهُ صابِرًا أمْ لا.

ولا شَكَّ أنَّ الصَّبْرَ في مَقامِ التَّوَقُّفِ واجِبٌ، فَهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ لا يُرِيدُ مِنَ العَبْدِ ما أوْجَبَهُ عَلَيْهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ يَأْمُرُ بِالشَّيْءِ مَعَ أنَّهُ لا يُرِيدُهُ، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الكَلِمَةُ إنَّما تُذْكَرُ رِعايَةً لِلْأدَبِ فِيما يُرِيدُ الإنْسانُ أنْ يَفْعَلَهُ في المُسْتَقْبَلِ؛ فَيُقالُ لَهم هَذا الأدَبُ إنْ صَحَّ مَعْناهُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ المَطْلُوبُ، وإنْ فَسَدَ فَأيُّ أدَبٍ في ذِكْرِ هَذا الكَلامِ الباطِلِ ؟

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ لِأنَّ تارِكَ المَأْمُورِ بِهِ عاصٍ بِدَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ، والعاصِي يَسْتَحِقُّ العِقابَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجِنِّ: ٢٣] وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ظاهِرَ الأمْرِ يُفِيدُ الوُجُوبَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُ الخَضِرِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ نِسْبَةٌ إلى قِلَّةِ العِلْمِ والخَبَرِ، وقَوْلُ مُوسى لَهُ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لَكَ أمْرًا﴾ تَواضُعٌ شَدِيدٌ وإظْهارٌ لِلتَّحَمُّلِ التّامِّ والتَّواضُعِ الشَّدِيدِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الواجِبَ عَلى المُتَعَلِّمِ إظْهارُ التَّواضُعِ بِأقْصى الغاياتِ، وأمّا المُعَلِّمُ فَإنْ رَأى أنَّ في التَّغْلِيظِ عَلى المُتَعَلِّمِ ما يُفِيدُهُ نَفْعًا وإرْشادًا إلى الخَيْرِ؛ فالواجِبُ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ؛ فَإنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ يُوقِعُ المُتَعَلِّمَ في الغُرُورِ والنَّخْوَةِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّعَلُّمِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾ أيْ: لا تَسْتَخْبِرْنِي عَمّا تَراهُ مِنِّي مِمّا لا تَعْلَمُ وجْهَهُ حَتّى أكُونَ أنا

صفحة ١٣١

المُبْتَدِئَ لِتَعْلِيمِكَ إيّاهُ وإخْبارِكِ بِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ (فَلا تَسْألَنِّ) مُحَرَّكَةَ اللّامِ مُشَدَّدَةَ النُّونِ بِغَيْرِ ياءٍ.

ورُوِيَ عَنْهُ (لا تَسْألَنِّي) مُثَقَّلَةً مَعَ الياءِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ: (لا تَسْألْنِ) خَفِيفَةً والمَعْنى واحِدٌ.

18:71–73Page 301

فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا ٧١

So they set out, until when they had embarked on the ship, he [i.e., al-Khiḍr] tore it open. [Moses] said, "Have you torn it open to drown its people? You have certainly done a grave thing."

قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٢

[Al-Khiḍr] said, "Did I not say that with me you would never be able to have patience?"

قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا ٧٣

[Moses] said, "Do not blame me for what I forgot and do not overwhelm me in my matter with difficulty."

﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾

اعْلَمْ أنَّ مُوسى وذَلِكَ العالِمَ لَمّا تَشارَطا عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وسارا فانْتَهَيا إلى مَوْضِعٍ احْتاجا فِيهِ إلى رُكُوبِ السَّفِينَةِ؛ فَرَكِباها، وأقْدَمَ ذَلِكَ العالِمُ عَلى خَرْقِ السَّفِينَةِ، وأقُولُ: لَعَلَّهُ أقْدَمَ عَلى خَرْقِ جِدارِ السَّفِينَةِ؛ لِتَصِيرَ السَّفِينَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَرْقِ مَعِيبَةً ظاهِرَةَ العَيْبِ؛ فَلا يَتَسارَعُ الغَرَقُ إلى أهْلِها، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ مُوسى لَهُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (لِيَغْرَقَ أهْلُها) بِفَتْحِ الياءِ عَلى إسْنادِ الغَرَقِ إلى الأهْلِ والباقُونَ ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ عَلى الخِطابِ، والتَّقْدِيرُ لِتُغْرِقَ أنْتَ أهْلَ هَذِهِ السَّفِينَةِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا شاهَدَ ذَلِكَ الأمْرَ المُنْكَرَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَسِيَ الشَّرْطَ المُتَقَدِّمَ فَلِهَذا المَعْنى قالَ ما قالَ، واحْتَجَّ الطّاعِنُونَ في عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِهَذِهِ الآيَةِ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ مِنَ الأنْبِياءِ، ثُمَّ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ فَإنْ صَدَقَ مُوسى في هَذا القَوْلِ؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى صُدُورِ الذَّنْبِ العَظِيمِ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ، وإنْ كَذَبَ؛ دَلَّ عَلى صُدُورِ الكَذِبِ عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الثّانِي: أنَّهُ التَزَمَ أنْ لا يَعْتَرِضَ عَلى ذَلِكَ العالِمِ، وجَرَتِ العُهُودُ المُؤَكِّدَةُ لِذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ خالَفَ تِلْكَ العُهُودَ وذَلِكَ ذَنْبٌ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّهُ لَمّا شاهَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ الأمْرَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ قالَ هَذا الكَلامَ، لا لِأجْلِ أنَّهُ اعْتَقَدَ فِيهِ أنَّهُ فَعَلَ قَبِيحًا، بَلْ؛ لِأنَّهُ أحَبَّ أنْ يَقِفَ عَلى وجْهِهِ وسَبَبِهِ، وقَدْ يُقالُ في الشَّيْءِ العَجِيبِ الَّذِي لا يُعْرَفُ سَبَبُهُ، إنَّهُ إمْرٌ يُقالُ: أمِرَ الأمْرُ؛ إذا عَظُمَ، وقالَ الشّاعِرُ:

داهِيَةً دَهْياءَ

وعَلى الثّانِي: أنَّهُ فَعَلَ بِناءً عَلى النِّسْيانِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ لَمّا خالَفَ الشَّرْطَ؛ لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ قالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فَعِنْدَ هَذا اعْتَذَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ﴾ أرادَ أنَّهُ نَسِيَ وصِيَّتَهُ، ولا مُؤاخَذَةَ عَلى النّاسِي بِشَيْءٍ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ يُقالُ: رَهَقَهُ إذا غَشِيَهُ وأرْهَقَهُ إيّاهُ أيْ: ولا تُغْشِنِي مِن أمْرِي عُسْرًا، وهو اتِّباعُهُ إيّاهُ يَعْنِي ولا تُعَسِّرْ عَلَيَّ مُتابَعَتَكَ ويَسِّرْها عَلَيَّ بِالإغْضاءِ وتَرْكِ المُناقَشَةِ، وقُرِئَ: (عُسُرًا) بِضَمَّتَيْنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском