Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:74–81
18:74–76Page 301
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا ٧٤
So they set out, until when they met a boy, he [i.e., al-Khiḍr] killed him. [Moses] said, "Have you killed a pure soul for other than [having killed] a soul? You have certainly done a deplorable thing."
۞ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا ٧٥
[Al-Khiḍr] said, "Did I not tell you that with me you would never be able to have patience?"
قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا ٧٦
[Moses] said, "If I should ask you about anything after this, then do not keep me as a companion. You have obtained from me an excuse."
قَوْلُهُ تَعالى ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ ﴿قالَ ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾
اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الغُلامِ قَدْ يَتَناوَلُ الشّابَّ البالِغَ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: رَأْيُ الشَّيْخِ خَيْرٌ مِن مَشْهَدِ الغُلامِ؛ جَعَلَ الشَّيْخَ نَقِيضًا لِلْغُلامِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الغُلامَ هو الشّابُّ، وأصْلُهُ مِنَ الِاغْتِلامِ وهو شِدَّةُ الشَّبَقِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الشَّبابِ، وأمّا تَناوُلُ هَذا اللَّفْظِ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ فَظاهِرٌ، ولَيْسَ في القُرْآنِ كَيْفَ لَقِياهُ؛ هَلْ كانَ يَلْعَبُ مَعَ جَمْعٍ مِنَ الغِلْمانِ الصِّبْيانِ، أوْ كانَ مُنْفَرِدًا ؟ وهَلْ كانَ مُسْلِمًا، أوْ كانَ كافِرًا ؟ وهَلْ كانَ مُنْعَزِلًا ؟ وهَلْ كانَ بالِغًا أوْ كانَ صَغِيرًا ؟ وكانَ اسْمُ الغُلامِ بِالصَّغِيرِ ألْيَقَ، وإنِ احْتَمَلَ الكَبِيرَ إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ألْيَقُ بِالبالِغِ مِنهُ بِالصَّبِيِّ؛ لِأنَّ الصَّبِيَّ لا يُقْتَلُ وإنْ قَتَلَ، وأيْضًا فَهَلْ قَتَلَهُ بِأنْ حَزَّ رَأْسَهُ أوْ بِأنْ ضَرَبَ رَأْسَهُ بِالجِدارِ، أوْ بِطْرِيقٍ آخَرَ؛ فَلَيْسَ في لَفْظِ القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأقْسامِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ وفِيهِ مَباحِثُ:
البَحْثُ الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (زاكِيَةً) بِالألِفِ، والباقُونَ (زَكِيَّةً) بِغَيْرِ ألِفٍ قالَ الكِسائِيُّ: الزّاكِيَةُ والزَّكِيَّةُ لُغَتانِ، ومَعْناهُما الطّاهِرَةُ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الزّاكِيَةُ الَّتِي لَمْ تُذْنِبُ، والزَّكِيَّةُ الَّتِي أذْنَبَتْ ثُمَّ تابَتْ.
البَحْثُ الثّانِي: ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ اسْتَبْعَدَ أنْ يَقْتُلَ النَّفْسَ إلّا لِأجْلِ القِصاصِ بِالنَّفْسِ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَحِلُّ دَمُهُ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وجَوابُهُ أنَّ السَّبَبَ الأقْوى هو ذَلِكَ.
البَحْثُ الثّالِثُ: النُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ الإمْرِ في القُبْحِ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ قَتْلَ الغُلامِ أقْبَحُ مِن خَرْقِ السَّفِينَةِ لِأنَّ ذَلِكَ ما كانَ إتْلافًا لِلنَّفْسِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُمْكِنُ أنْ لا يَحْصُلَ الغَرَقُ، أمّا هَهُنا حَصَلَ الإتْلافُ قَطْعًا؛ فَكانَ أنْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ: عَجَبًا، والنُّكْرُ أعْظَمُ مِنَ العَجَبِ، وقِيلَ النُّكْرُ ما أنْكَرَتْهُ العُقُولُ، ونَفَرَتْ عَنْهُ النُّفُوسُ؛ فَهو أبْلَغُ في تَقْبِيحِ الشَّيْءِ مِنَ الإمْرِ، ومِنهم مَن قالَ: الإمْرُ أعْظَمُ. قالَ: لِأنَّ خَرْقَ السَّفِينَةِ يُؤَدِّي إلى إتْلافِ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ، وهَذا القَتْلُ لَيْسَ إلّا إتْلافَ شَخْصٍ واحِدٍ، وأيْضًا (الإمْرُ) هو الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ فَهو أبْلَغُ مِنَ (النُّكْرِ) وإنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ ذَلِكَ العالِمِ أنَّهُ ما زادَ عَلى أنْ ذَكَّرَهُ ما عاهَدَهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ وهَذا عَيْنُ ما ذَكَرَهُ في المَسْألَةِ الأُولى إلّا أنَّهُ زادَ هَهُنا لَفْظَةَ ”لَكَ“؛ لِأنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تُؤَكِّدُ التَّوْبِيخَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ مُوسى: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ مَعَ العِلْمِ بِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى مُصاحَبَتِهِ وهَذا كَلامُ نادِمٍ شَدِيدِ النَّدامَةِ ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ والمُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَمْدَحُهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن حَيْثُ احْتَمَلَهُ مَرَّتَيْنِ أوَّلًا وثانِيًا، مَعَ قُرْبِ المُدَّةِ وبَقِيَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالقِراءَةِ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَةُ مَواضِعَ:
الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ بِرِوايَةِ ورْشٍ وقالُونُ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (نُكُرًا) بِضَمِّ الكافِ في جَمِيعِ القُرْآنِ، والباقُونَ ساكِنَةَ الكافِ حَيْثُ كانَ وهُما لُغَتانِ.
الثّانِي: الكُلُّ قَرَءُوا: (لا تُصاحِبْنِي) بِالألِفِ إلّا يَعْقُوبَ
صفحة ١٣٣
فَإنَّهُ قَرَأ: (لا تَصْحَبْنِي) مِن صَحِبَ والمَعْنى واحِدٌ.
الثّالِثُ: في ﴿لَدُنِّي﴾ قِراءاتٌ:
الأُولى: قِراءَةُ نافِعٍ وأبِي بَكْرٍ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ: (مِن لَدُنِي) بِتَخْفِيفِ النُّونِ وضَمِّ الدّالِ.
الثّانِيَةُ: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: (لَدُنِّي) مُشَدَّدَةَ النُّونِ وضَمَّ الدّالِ.
الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالإشْمامِ وغَيْرِ إشْباعٍ.
الرّابِعَةُ: (مِن لُدْنِي) بِضَمِّ اللّامِ وسُكُونِ الدّالِ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنْ عاصِمٍ وهَذِهِ القِراءاتُ كُلُّها لُغاتٌ في هَذِهِ اللَّفْظَةِ.
18:77–78Page 302
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا ٧٧
So they set out, until when they came to the people of a town, they asked its people for food, but they refused to offer them hospitality. And they found therein a wall about to collapse, so he [i.e., al-Khiḍr] restored it. [Moses] said, "If you wished, you could have taken for it a payment."
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا ٧٨
[Al-Khiḍr] said, "This is parting between me and you. I will inform you of the interpretation of that about which you could not have patience.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾
اعْلَمْ أنَّ تِلْكَ القَرْيَةَ هي أنْطاكِيَّةُ، وقِيلَ هي الأيْلَةُ، وهَهُنا سُؤالاتٌ:
الأوَّلُ: إنَّ الِاسْتِطْعامَ لَيْسَ مِن عادَةِ الكِرامِ؛ فَكَيْفَ أقْدَمَ عَلَيْهِ مُوسى وذَلِكَ العالِمُ ؟ لِأنَّ مُوسى كانَ مِن عادَتِهِ عَرْضُ الحاجَةِ، وطَلَبُ الطَّعامِ؛ ألا تَرى أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في قِصَّةِ مُوسى عِنْدَ وُرُودِ ماءِ مَدْيَنَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القَصَصِ: ٢٤] .
الجَوابُ: أنَّ إقْدامَ الجائِعِ عَلى الِاسْتِطْعامِ أمْرٌ مُباحٌ في كُلِّ الشَّرائِعِ بَلْ رُبَّما وجَبَ ذَلِكَ عِنْدَ خَوْفِ الضَّرَرِ الشَّدِيدِ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ قالَ: ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ وكانَ مِنَ الواجِبِ أنْ يُقالَ: اسْتَطْعَما مِنهم ؟
والجَوابُ أنَّ التَّكْرِيرَ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
لَيْتَ الغُرابَ غَداةَ يَنْعِبُ دائِمًا كانَ الغُرابُ مُقَطَّعَ الأوْداجِ
السُّؤالُ الثّالِثُ: إنَّ الضِّيافَةَ مِنَ المَندُوباتِ؛ فَتَرْكُها تَرْكٌ لِلْمَندُوبِ، وذَلِكَ أمْرٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ عُلُوِّ مَنصِبِهِ أنَّهُ غَضِبَ عَلَيْهِمُ الغَضَبَ الشَّدِيدَ الَّذِي لِأجْلِهِ تَرَكَ العَهْدَ الَّذِي التَزَمَهُ مَعَ ذَلِكَ العالِمِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ وأيْضًا مِثْلُ هَذا الغَضَبِ لِأجْلِ تَرْكِ الأكْلِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ لا يَلِيقُ بِأدْوَنِ النّاسِ فَضْلًا عَنْ كَلِيمِ اللَّهِ.
الجَوابُ: أمّا قَوْلُهُ: الضِّيافَةُ مِنَ المَندُوباتِ قُلْنا: قَدْ تَكُونُ مِنَ المَندُوباتِ، وقَدْ تَكُونُ مِنَ الواجِباتِ بِأنْ كانَ الضَّيْفُ قَدْ بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَيْثُ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ لَهَلَكَ، وإذا كانَ التَّقْدِيرُ ما ذَكَرْناهُ لَمْ يَكُنِ الغَضَبُ الشَّدِيدُ لِأجْلِ تَرْكِ الأكْلِ يَوْمًا، فَإنْ قالُوا: ما بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَدِّ الهَلاكِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ وكانَ يَطْلُبُ عَلى إصْلاحِ ذَلِكَ الجِدارِ أُجْرَةً، ولَوْ كانَ قَدْ بَلَغَ في الجُوعِ إلى حَدِّ الهَلاكِ لَما قَدَرَ عَلى ذَلِكَ العَمَلِ؛ فَكَيْفَ يَصِحُّ مِنهُ طَلَبُ الأُجْرَةِ ؟ قُلْنا لَعَلَّ ذَلِكَ الجُوعَ كانَ شَدِيدًا إلّا أنَّهُ ما بَلَغَ حَدَّ الهَلاكِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:
البَحْثُ الأوَّلُ: يُضَيِّفُوهُما يُقالُ: ضافَهُ إذا كانَ لَهُ ضَيْفًا، وحَقِيقَتُهُ مالَ إلَيْهِ مِن ضافَ السَّهْمُ عَنِ الغَرَضِ. ونَظِيرُهُ: زارَهُ مِنَ الِازْوِرارِ، وأضافَهُ وضَيَّفَهُ أنْزَلَهُ، وجَعَلَهُ ضَيْفَهُ، وعَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- كانُوا أهْلَ قَرْيَةٍ لِئامًا.
صفحة ١٣٤
البَحْثُ الثّانِي: رَأيْتُ في كُتُبِ الحِكاياتِ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القَرْيَةِ لَمّا سَمِعُوا نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ اسْتَحْيَوْا، وجاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِحِمْلٍ مِنَ الذَّهَبِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ نَشْتَرِي بِهَذا الذَّهَبِ أنْ تَجْعَلَ الباءَ تاءً؛ حَتّى تَصِيرَ القِراءَةُ هَكَذا: (فَأتَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما) . أيْ (أتَوْا) لِأنْ يُضَيِّفُوهُما، أيْ كانَ إتْيانُ أهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ إلَيْهِما لِأجْلِ الضِّيافَةِ، وقالُوا: غَرَضُنا مِنهُ أنْ يَنْدَفِعَ عَنّا هَذا اللُّؤْمُ فامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وقالَ: إنَّ تَغْيِيرَ هَذِهِ النُّقْطَةِ يُوجِبُ دُخُولَ الكَذِبِ في كَلامِ اللَّهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَدْحَ في الإلَهِيَّةِ؛ فَعَلِمْنا أنَّ تَغْيِيرَ النُّقْطَةِ الواحِدَةِ مِنَ القُرْآنِ يُوجِبُ بُطْلانَ الرُّبُوبِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾ أيْ: فَرَأيا في القَرْيَةِ حائِطًا مائِلًا، فَإنْ قِيلَ كَيْفَ يَجُوزُ وصْفُ الجِدارِ بِالإرادَةِ مَعَ أنَّ الإرادَةَ مِن صِفاتِ الأحْياءِ ؟ قُلْنا: هَذا اللَّفْظُ ورَدَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ، ولَهُ نَظائِرُ في الشِّعْرِ قالَ:
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَرْغَبُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلٍ
وأنْشَدَ الفَرّاءُ:
إنْ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بَجَمْعَلٍ ∗∗∗ لَزَمانٌ يَهُمُّ بِالإحْسانِ
وقالَ الرّاعِي:
فِي مَهْمَهٍ فَلَقْتُ بِهِ هاماتِها ∗∗∗ فَلْقَ الفُئُوسِ إذا أرَدْنَ نُصُولًا
ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فُصِّلَتْ: ١١] وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَنْقَضَّ﴾ يُقالُ انْقَضَّ إذا أسْرَعَ سُقُوطُهُ مِنَ انْقِضاضِ الطّائِرِ، وهو انْفَعَلَ مُطاوِعُ قَضَضْتُهُ، وقِيلَ: انْقَضَّ فِعْلٌ مِنَ النَّقْضِ كاحْمَرَّ مِنَ الحُمْرَةِ، وقُرِئَ: أنْ يُنْقَضَ، مِنَ النَّقْضِ، وأنْ يَنْقاضَّ مَنِ انْقاضَّتِ العَيْنُ إذا انْشَقَّتْ طُولًا، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأقامَهُ﴾ قِيلَ: نَقَضَهُ ثُمَّ بَناهُ، وقِيلَ: أقامَهُ بِيَدِهِ، وقِيلَ: مَسَحَهُ بِيَدِهِ؛ فَقامَ، واسْتَوى، وكانَ ذَلِكَ مِن مُعْجِزاتِهِ، واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ لَمّا فَعَلَ ذَلِكَ، وكانَتِ الحالَةُ حالَةَ اضْطِرارٍ وافْتِقارٍ إلى الطَّعامِ؛ فَلِأجْلِ تِلْكَ الضَّرُورَةِ نَسِيَ مُوسى ما قالَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ أيْ طَلَبْتَ عَلى عَمَلِكَ أُجْرَةً تَصْرِفُها في تَحْصِيلِ المَطْعُومِ وتَحْصِيلِ سائِرِ المُهِمّاتِ، وقُرِئَ: ﴿لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾ والتّاءُ في تَخِذْتَ أصْلٌ كَما في تَبِعَ، واتَّخَذَ افْتَعَلَ مِنهُ كَقَوْلِنا اتَّبَعْ مِن قَوْلِنا تَبِعَ، واعْلَمْ أنَّ مُوسى -عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ذَكَرَ هَذا الكَلامَ قالَ العالِمُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: هَذِهِ إشارَةٌ إلى ماذا ؟ والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ شَرَطَ أنَّهُ إنْ سَألَهُ بَعْدَ ذَلِكَ سُؤالًا آخَرَ يَحْصُلُ الفِراقُ حَيْثُ قالَ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي﴾ فَلَمّا ذَكَرَ هَذا السُّؤالَ فارَقَهُ ذَلِكَ العالِمُ وقالَ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ أيْ هَذا الفِراقُ المَوْعُودُ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ هَذا إشارَةً إلى السُّؤالِ الثّالِثِ أيْ: هَذا الِاعْتِراضُ هو سَبَبُ الفِراقِ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ ؟ الجَوابُ: مَعْناهُ هَذا فِراقٌ حَصَلَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَأُضِيفَ المَصْدَرُ إلى الظَّرْفِ، حَكى القَفّالُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ البَيْنَ هو الوَصْلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ فَكانَ المَعْنى هَذا فِراقُ بَيْنِنا، أيِ اتِّصالُنا، كَقَوْلِ القائِلِ: أخْزى اللَّهُ الكاذِبَ مِنِّي ومِنكَ، أيْ أحَدَنا هَكَذا قالَهُ الزَّجّاجُ، ثُمَّ قالَ العالِمُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ أيْ سَأُخْبِرُكَ بِحِكْمَةِ هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ، وأصْلُ التَّأْوِيلِ راجِعٌ إلى قَوْلِهِمْ آلَ الأمْرُ إلى كَذا أيْ صارَ إلَيْهِ، فَإذا قِيلَ: ما تَأْوِيلُهُ ؟ فالمَعْنى ما مَصِيرُهُ ؟ .
18:79Page 302
أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا ٧٩
As for the ship, it belonged to poor people working at sea. So I intended to cause defect in it as there was after them a king who seized every [good] ship by force.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ ﴿وأمّا الجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المَدِينَةِ وكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وكانَ أبُوهُما صالِحًا فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما رَحْمَةً مِن رَبِّكَ وما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسائِلَ الثَّلاثَةَ مُشْتَرِكَةٌ في شَيْءٍ واحِدٍ وهو أنَّ أحْكامَ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مَبْنِيَّةٌ عَلى الظَّواهِرِ كَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظّاهِرِ واللَّهُ يَتَوَلّى السَّرائِرَ» .
وهَذا العالِمُ ما كانَتْ أحْكامُهُ مَبْنِيَّةً عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ بَلْ كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الأسْبابِ الحَقِيقِيَّةِ الواقِعَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ يَحْرُمُ التَّصَرُّفُ في أمْوالِ النّاسِ وفي أرْواحِهِمْ في المَسْألَةِ الأُولى وفي الثّانِيَةِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ يُبِيحُ ذَلِكَ التَّصَرُّفَ؛ لِأنَّ تَخْرِيقَ السَّفِينَةِ تَنْقِيصٌ لِمِلْكِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ، وقَتْلَ الغُلامِ تَفْوِيتٌ لِنَفْسٍ مَعْصُومَةٍ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ، والإقْدامَ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ المائِلِ في المَسْألَةِ الثّالِثَةِ تَحَمُّلُ التَّعَبِ والمَشَقَّةِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ ظاهِرٍ، وفي هَذِهِ المَسائِلِ الثَّلاثَةِ لَيْسَ حُكْمُ ذَلِكَ العالِمِ فِيها مَبْنِيًّا عَلى الأسْبابِ الظّاهِرَةِ المَعْلُومَةِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ الحُكْمُ مَبْنِيًّا عَلى أسْبابٍ مُعْتَبَرَةٍ في نَفْسِ الأمْرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ قَدْ آتاهُ اللَّهُ قُوَّةً عَقْلِيَّةً؛ قَدَرَ بِها أنْ يُشْرِفَ عَلى بَواطِنِ الأُمُورِ، ويَطَّلِعَ بِها عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ؛ فَكانَتْ مَرْتَبَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في مَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ بِناءَ الأمْرِ عَلى الظَّواهِرِ، وهَذا العالِمُ كانَتْ مَرْتَبَتُهُ الوُقُوفَ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وحَقائِقِ الأُمُورِ والِاطِّلاعِ عَلى أسْرارِها الكامِنَةِ، فَبِهَذا الطَّرِيقِ ظَهَرَ أنَّ مَرْتَبَتَهُ في العِلْمِ كانَتْ فَوْقَ مَرْتَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَسائِلُ الثَّلاثَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ وهو أنَّ عِنْدَ تَعارُضِ الضَّرَرَيْنِ يَجِبُ تَحَمُّلُ الأدْنى لِدَفْعِ الأعْلى؛ فَهَذا هو الأصْلُ المُعْتَبَرُ في المَسائِلِ الثَّلاثَةِ.
أمّا المَسْألَةُ الأُولى: فَلِأنَّ ذَلِكَ العالِمَ عَلِمَ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَعِبْ تِلْكَ السَّفِينَةَ بِالتَّخْرِيقِ لَغَصَبَها ذَلِكَ المَلِكُ، وفاتَتْ مَنافِعُها عَنْ مُلّاكِها بِالكُلِّيَّةِ فَوَقَعَ التَّعارُضُ بَيْنَ أنْ يَخْرِقَها ويَعِيبَها فَتَبْقى مَعَ ذَلِكَ عَلى مُلّاكِها، وبَيْنَ أنْ لا يَخْرِقَها فَيَغْصِبَها المَلِكُ فَتَفُوتَ مَنافِعُها بِالكُلِّيَّةِ عَلى مُلّاكِها، ولا شَكَّ أنَّ الضَّرَرَ الأوَّلَ أقَلُّ فَوَجَبَ تَحَمُّلُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ الثّانِي الَّذِي هو أعْظَمُهُما.
صفحة ١٣٦
وأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: فَكَذَلِكَ لِأنَّ بَقاءَ ذَلِكَ الغُلامِ حَيًّا كانَ مَفْسَدَةً لِلْوالِدَيْنِ في دِينِهِمْ وفي دُنْياهم، ولَعَلَّهُ عَلِمَ بِالوَحْيِ أنَّ المَضارَّ النّاشِئَةَ مِن قَتْلِ ذَلِكَ الغُلامِ أقَلُّ مِنَ المَضارِّ النّاشِئَةِ بِسَبَبِ حُصُولِ تِلْكَ المَفاسِدِ لِلْأبَوَيْنِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أقْدَمَ عَلى قَتْلِهِ.
والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أيْضًا كَذَلِكَ لِأنَّ المَشَقَّةَ الحاصِلَةَ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ ضَرَرُها أقَلُّ مِن سُقُوطِهِ؛ لِأنَّهُ لَوْ سَقَطَ لَضاعَ مالُ تِلْكَ الأيْتامِ، وفِيهِ ضَرَرٌ شَدِيدٌ، فالحاصِلُ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ كانَ مَخْصُوصًا بِالوُقُوفِ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وبِالِاطِّلاعِ عَلى حَقائِقِها كَما هي عَلَيْها في أنْفُسِها، وكانَ مَخْصُوصًا بِبِناءِ الأحْكامِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ الباطِنَةِ، وأمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَما كانَ كَذَلِكَ بَلْ كانَتْ أحْكامُهُ مَبْنِيَّةً عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ فَلا جَرَمَ ظَهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في العِلْمِ، فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَحاصِلُ الكَلامِ أنَّهُ تَعالى أطْلَعَهُ عَلى بَواطِنِ الأشْياءِ وحَقائِقِها في نَفْسِها، وهَذا النَّوْعُ مِنَ العِلْمِ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُهُ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَهَبَ إلَيْهِ لِيَتَعَلَّمَ مِنهُ العِلْمَ فَكانَ مِنَ الواجِبِ عَلى ذَلِكَ العالِمِ أنْ يُظْهِرَ لَهُ عِلْمًا يُمْكِنُ لَهُ تَعَلُّمُهُ، وهَذِهِ المَسائِلُ الثَّلاثَةُ عُلُومٌ لا يُمْكِنُ تَعَلُّمُها؛ فَما الفائِدَةُ في ذِكْرِها وإظْهارِها ؟ والجَوابُ: أنَّ العِلْمَ بِظَواهِرِ الأشْياءِ يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِناءً عَلى مَعْرِفَةِ الشَّرائِعِ الظّاهِرَةِ، وأمّا العِلْمُ بِبَواطِنِ الأشْياءِ فَإنَّما يُمْكِنُ تَحْصِيلُهُ بِناءً عَلى تَصْفِيَةِ الباطِنِ وتَجْرِيدِ النَّفْسِ وتَطْهِيرِ القَلْبِ عَنِ العَلائِقِ الجَسَدانِيَّةِ، ولِهَذا قالَ تَعالى في صِفَةِ عِلْمِ ذَلِكَ العالِمِ: ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ (الكَهْفِ: ٦٥)، ثُمَّ إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَمُلَتْ مَرْتَبَتُهُ في عِلْمِ الشَّرِيعَةِ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى هَذا العالِمِ لِيَعْلَمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ كَمالَ الدَّرَجَةِ في أنْ يَنْتَقِلَ الإنْسانُ مِن عُلُومِ الشَّرِيعَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الظَّواهِرِ إلى عُلُومِ الباطِنِ المَبْنِيَّةِ عَلى الإشْرافِ عَلى البَواطِنِ والتَّطَلُّعِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ العالِمَ أجابَ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها وكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ وفِيهِ فَوائِدُ:
الفائِدَةُ الأُولى: أنَّ تِلْكَ السَّفِينَةَ كانَتْ لِأقْوامٍ مُحْتاجِينَ مُتَعَيِّشِينَ بِها في البَحْرِ واللَّهُ تَعالى سَمّاهم مَساكِينَ، واعْلَمْ أنَّ الشّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ حالَ الفَقِيرِ في الضُّرِّ والحاجَةِ أشَدُّ مِن حالِ المِسْكِينِ؛ لِأنَّهُ تَعالى سَمّاهم مَساكِينَ مَعَ أنَّهم كانُوا يَمْلِكُونَ تِلْكَ السَّفِينَةَ.
الفائِدَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ مُرادَ ذَلِكَ العالِمِ مِن هَذا الكَلامِ أنَّهُ ما كانَ مَقْصُودِي مِن تَخْرِيقِ تِلْكَ السَّفِينَةِ تَغْرِيقَ أهْلِها؛ بَلْ مَقْصُودِي أنَّ ذَلِكَ المَلِكَ الظّالِمَ كانَ يَغْصِبُ السُّفُنَ الخالِيَةَ عَنِ العُيُوبِ؛ فَجَعَلْتُ هَذِهِ السَّفِينَةَ مَعِيبَةً؛ لِئَلّا يَغْصِبَها ذَلِكَ الظّالِمُ، فَإنَّ ضَرَرَ هَذا التَّخْرِيقِ أسْهَلُ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن ذَلِكَ الغَصْبِ، فَإنْ قِيلَ وهَلْ يَجُوزُ لِلْأجْنَبِيِّ أنْ يَتَصَرَّفَ في مِلْكِ الغَيْرِ لِمِثْلِ هَذا الغَرَضِ ؟
قُلْنا: هَذا مِمّا يَخْتَلِفُ أحْوالُهُ بِحَسَبِ اخْتِلافِ الشَّرائِعِ فَلَعَلَّ هَذا المَعْنى كانَ جائِزًا في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، وأمّا في شَرِيعَتِنا فَمِثْلُ هَذا الحُكْمِ غَيْرُ بَعِيدٍ، فَإنّا إذا عَلِمْنا أنَّ الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ ويَأْخُذُونَ جَمِيعَ مِلْكِ الإنْسانِ، فَإنْ دَفَعْنا إلى قاطِعِ الطَّرِيقِ بَعْضَ ذَلِكَ المالِ سَلِمَ الباقِي فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ مِنّا أنْ نَدْفَعَ بَعْضَ مالِ ذَلِكَ الإنْسانِ إلى قاطِعِ الطَّرِيقِ؛ لِيَسْلَمَ الباقِي، وكانَ هَذا مِنّا يُعَدُّ إحْسانًا إلى ذَلِكَ المالِكِ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّ ذَلِكَ التَّخْرِيقَ وجَبَ أنْ يَكُونَ واقِعًا عَلى وجْهٍ لا تَبْطُلُ بِهِ تِلْكَ السَّفِينَةُ بِالكُلِّيَّةِ إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الضَّرَرُ الحاصِلُ مِن غَصْبِها أبْلَغَ مِنَ الضَّرَرِ الحاصِلِ مِن تَخْرِيقِها، وحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ تَخْرِيقُها جائِزًا.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: لَفْظُ الوَراءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ وراءَهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنهُ وكانَ أمامَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ، هَكَذا قالَهُ الفَرّاءُ
صفحة ١٣٧
وتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ (الجاثِيَةِ: ١٠) أيْ أمامِهِمْ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ (الإنْسانِ: ٢٧) وتَحْقِيقُهُ أنَّ كُلَّ ما غابَ عَنْكَ فَقَدْ تَوارى عَنْكَ وأنْتَ مُتَوارٍ عَنْهُ، فَكُلُّ ما غابَ عَنْكَ فَهو وراءَكَ، وأمامُ الشَّيْءِ وقُدّامُهُ إذا كانَ غائِبًا عَنْهُ مُتَوارِيًا عَنْهُ فَلَمْ يَبْعُدْ إطْلاقُ لَفْظِ وراءَ عَلَيْهِ.
والقَوْلُ الثّانِي: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَلِكُ كانَ مِن وراءِ المَوْضِعِ الَّذِي يَرْكَبُ مِنهُ صاحِبُهُ وكانَ مَرْجِعُ السَّفِينَةِ عَلَيْهِ.
18:80–81Page 302
وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا ٨٠
And as for the boy, his parents were believers, and we feared that he would overburden them by transgression and disbelief.
فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا ٨١
So we intended that their Lord should substitute for them one better than him in purity and nearer to mercy.
وأمّا المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: وهي قَتْلُ الغُلامِ فَقَدْ أجابَ العالِمُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿وأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الغُلامَ كانَ بالِغًا وكانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ ويُقْدِمُ عَلى الأفْعالِ المُنْكَرَةِ، وكانَ أبَواهُ يَحْتاجانِ إلى دَفْعِ شَرِّ النّاسِ عَنْهُ والتَّعَصُّبِ لَهُ وتَكْذِيبِ مَن يَرْمِيهِ بِشَيْءٍ مِنَ المُنْكَراتِ وكانَ يَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِما في الفِسْقِ. ورُبَّما أدّى ذَلِكَ الفِسْقُ إلى الكُفْرِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ صَبِيًّا إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ مِنهُ أنَّهُ لَوْ صارَ بالِغًا؛ لَحَصَلَتْ مِنهُ هَذِهِ المَفاسِدُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ الخَشْيَةُ بِمَعْنى الخَوْفِ وغَلَبَةِ الظَّنِّ، واللَّهُ تَعالى قَدْ أباحَ لَهُ قَتْلَ مَن غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ تَوَلُّدُ مِثْلِ هَذا الفَسادِ مِنهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ الغُلامَ يَحْمِلُ أبَوَيْهِ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ (الكَهْفِ: ٧٣) أيْ لا تَحْمِلْنِي عَلى عُسْرٍ وضِيقٍ وذَلِكَ لِأنَّ أبَوَيْهِ لِأجْلِ حُبِّ ذَلِكَ الوَلَدِ يَحْتاجانِ إلى الذَّبِّ عَنْهُ، ورُبَّما احْتاجا إلى مُوافَقَتِهِ في تِلْكَ الأفْعالِ المُنْكَرَةِ.
والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ الوَلَدَ كانَ يُعاشِرُهُما مُعاشَرَةَ الطُّغاةِ الكُفّارِ، فَإنْ قِيلَ: هَلْ يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى قَتْلِ الإنْسانِ لِمِثْلِ هَذا الظَّنِّ ؟ قُلْنا: إذا تَأكَّدَ ذَلِكَ الظَّنُّ بِوَحْيِ اللَّهِ جازَ ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ أيْ أرَدْنا أنْ يَرْزُقَهُما اللَّهُ تَعالى ولَدًا خَيْرًا مِن هَذا الغُلامِ زَكاةً؛ أيْ: دِينًا وصَلاحًا، وقِيلَ: إنَّ ذِكْرَهُ الزَّكاةَ هَهُنا عَلى مُقابَلَةِ قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ فَقالَ العالِمُ: أرَدْنا أنْ يَرْزُقَ اللَّهُ هَذَيْنِ الأبَوَيْنِ خَيْرًا بَدَلًا عَنِ ابْنِهِما هَذا ولَدًا؛ يَكُونُ خَيْرًا مِنهُ كَما ذَكَرْتَهُ مِنَ الزَّكاةِ، ويَكُونُ المُرادُ مِنَ الزَّكاةِ الطَّهارَةَ؛ فَكَأنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أقَتَلْتَ نَفْسًا طاهِرَةً لِأنَّها ما وصَلَتْ إلى حَدِّ البُلُوغِ فَكانَتْ زاكِيَةً طاهِرَةً مِنَ المَعاصِي فَقالَ العالِمُ: إنَّ تِلْكَ النَّفْسَ وإنْ كانَتْ زاكِيَةً طاهِرَةً في الحالِ إلّا أنَّهُ تَعالى عَلِمَ مِنها أنَّها إذا بَلَغَتْ أقْدَمَتْ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ؛ فَأرَدْنا أنْ يَجْعَلَ لَهُما ولَدًا أعْظَمَ زَكاةً وطَهارَةً مِنهُ وهو الَّذِي يَعْلَمُ اللَّهُ مِنهُ أنَّهُ عِنْدَ البُلُوغِ لا يُقْدِمُ عَلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المَحْظُوراتِ ومَن قالَ: إنَّ ذَلِكَ الغُلامَ كانَ بالِغًا قالَ: المُرادُ مِن صِفَةِ نَفْسِهِ بِكَوْنِها زاكِيَةً أنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ ثُمَّ قالَ: ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ أيْ يَكُونُ هَذا البَدَلُ أقْرَبَ عَطْفًا ورَحْمَةً بِأبَوَيْهِ بِأنْ يَكُونَ أبَرَّ بِهِما وأشْفَقَ عَلَيْهِما، والرُّحْمُ الرَّحْمَةُ والعَطْفُ. رُوِيَ أنَّهُ وُلِدَتْ لَهُما جارِيَةٌ تَزَوَّجَها نَبِيٌّ فَوَلَدَتْ نَبِيًّا هَدى اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ أُمَّةً عَظِيمَةً.
بَقِيَ مِن مَباحِثِ هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعانِ في القِراءَةِ:
الأوَّلُ: قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو (يُبَدِّلَهُما) بِفَتْحِ الباءِ وتَشْدِيدِ الدّالِ، وكَذَلِكَ في التَّحْرِيمِ: (أنْ يُبَدِّلَهُ أزْواجًا) وفي القَلَمِ: (عَسى رَبُّنا أنْ يُبَدِّلَنا) والباقُونَ ساكِنَةَ الباءِ خَفِيفَةَ الدّالِ وهُما لُغَتانِ أبْدَلَ يُبْدِلُ وبَدَّلَ يُبَدِّلُ.
الثّانِي: قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أبِي عَمْرٍو (رُحُمًا) بِضَمِّ الحاءِ، والباقُونَ بِسُكُونِها، وهُما لُغَتانِ مِثْلَ نُكْرٍ ونُكُرٍ وشُغْلٍ وشُغُلٍ.
وأمّا المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: وهي إقامَةُ الجِدارِ فَقَدْ أجابَ العالِمُ عَنْها بِأنَّ الدّاعِيَ لَهُ إلَيْها أنَّهُ كانَ تَحْتَ ذَلِكَ الجِدارِ كَنْزٌ وكانَ ذَلِكَ لِيَتِيمَيْنِ في تِلْكَ المَدِينَةِ وكانَ أبُوهُما صالِحًا ولَمّا كانَ ذَلِكَ الجِدارُ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ
صفحة ١٣٨
ولَوْ سَقَطَ لَضاعَ ذَلِكَ الكَنْزُ فَأرادَ اللَّهُ إبْقاءَ ذَلِكَ الكَنْزِ عَلى ذَيْنِكَ اليَتِيمَيْنِ رِعايَةً لِحَقِّهِما ورِعايَةً لَحِقِّ صَلاحِ أبِيهِما؛ فَأمَرَنِي بِإقامَةِ ذَلِكَ الجِدارِ رِعايَةً لِهَذِهِ المَصالِحِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences