Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Kahf 18:92–109
18:92–95Page 303
ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا ٩٢
Then he followed a way
حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا ٩٣
Until, when he reached [a pass] between two mountains, he found beside them a people who could hardly understand [his] speech.
قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا ٩٤
They said, "O Dhul-Qarnayn, indeed Gog and Magog1 are [great] corrupters in the land. So may we assign for you an expenditure that you might make between us and them a barrier?"
قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا ٩٥
He said, "That in which my Lord has established me is better [than what you offer], but assist me with strength [i.e., manpower]; I will make between you and them a dam.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾
اعْلَمْ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ اتَّبَعَ سَبَبًا آخَرَ، وسَلَكَ الطَّرِيقَ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ، وقَدْ آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ ما يَقُومُ بِهَذِهِ الأُمُورِ. وهَهُنا مَباحِثُ:
الأوَّلُ: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ السُّدَّيْنِ بِضَمِّ السِّينِ وسَدًّا بِفَتْحِها حَيْثُ كانَ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِالفَتْحِ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ فِيهِما في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو السَّدَّيْنِ وسَدًّا هَهُنا بِفَتْحِ السِّينِ فِيهِما وضَمِّها في يس في المَوْضِعَيْنِ قالَ الكِسائِيُّ: هُما لُغَتانِ، وقِيلَ: ما كانَ مِن صَنْعَةِ بَنِي آدَمَ فَهو السَّدُّ بِفَتْحِ السِّينِ، وما كانَ مِن صُنْعِ اللَّهِ فَهو السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ والجَمْعُ سُدَدٌ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ وابْنِ الأنْبارِيِّ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: السُّدُّ بِالضَّمِّ فُعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أيْ هو مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ، والسَّدُّ بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ حَدَثٌ يُحْدِثُهُ النّاسُ.
البَحْثُ الثّانِي: الأظْهَرُ أنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ في ناحِيَةِ الشَّمالِ، وقِيلَ: جَبَلانِ بَيْنَ أرْمِينِيَّةَ وبَيْنَ أذْرَبِيجانَ، وقِيلَ: هَذا المَكانُ في مَقْطَعِ أرْضِ التُّرْكِ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تارِيخِهِ أنَّ صاحِبَ أذْرَبِيجانَ أيّامَ فَتْحِها وجَّهَ إنْسانًا إلَيْهِ مِن ناحِيَةِ الخَزَرِ فَشاهَدَهُ ووَصَفَ أنَّهُ بُنْيانٌ رَفِيعٌ وراءَ خَنْدَقٍ عَمِيقٍ وثِيقٍ مَنِيعٍ، وذَكَرَ ابْنُ خُرْداذَبَّةَ في كِتابِ المَسالِكِ والمَمالِكِ أنَّ الواثِقَ بِاللَّهِ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ فَتَحَ هَذا الرَّدْمَ فَبَعَثَ بَعْضَ الخَدَمِ إلَيْهِ لِيُعايِنُوهُ فَخَرَجُوا مِن بابِ الأبْوابِ حَتّى وصَلُوا إلَيْهِ وشاهَدُوهُ فَوَصَفُوا أنَّهُ بِناءٌ مِن لَبِنٍ مِن حَدِيدٍ مَشْدُودٍ بِالنُّحاسِ المُذابِ وعَلَيْهِ بابٌ مُقْفَلٌ، ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ لَمّا حاوَلَ الرُّجُوعَ؛ أخْرَجَهُمُ الدَّلِيلُ عَلى البِقاعِ المُحاذِيَةِ لِسَمَرْقَنْدَ، قالَ أبُو الرَّيْحانِ: مُقْتَضى هَذا أنَّ مَوْضِعَهُ في الرُّبْعِ الشَّمالِيِّ الغَرْبِيِّ مِنَ المَعْمُورَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: أنَّ ذا القَرْنَيْنِ لَمّا بَلَغَ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما أيْ مِن ورائِهِما مُجاوِزًا عَنْهُما ﴿قَوْمًا﴾ أيْ أُمَّةً مِنَ النّاسِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ يُفَقِهُونَ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ
صفحة ١٤٥
عَلى مَعْنى لا يُمْكِنُهم تَفْهِيمُ غَيْرِهِمْ والباقُونَ بِفَتْحِ الياءِ والقافِ، والمَعْنى أنَّهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَ لُغَةِ أنْفُسِهِمْ وما كانُوا يَفْهَمُونَ اللِّسانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ ذُو القَرْنَيْنِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا ياذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ فَهِمَ ذُو القَرْنَيْنِ مِنهم هَذا الكَلامَ بَعْدَ أنْ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ والجَوابُ: أنْ نَقُولَ كادَ فِيهِ قَوْلانِ.
الأوَّلُ: أنَّ إثْباتَهُ نَفْيٌ، ونَفْيَهُ إثْباتٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَفْهَمُونَ شَيْئًا، بَلْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ يَفْهَمُونَ عَلى مَشَقَّةٍ وصُعُوبَةٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ كادَ مَعْناهُ المُقارَبَةُ، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أيْ لا يَعْلَمُونَ ولَيْسَ لَهم قُرْبٌ مِن أنْ يَفْقَهُوا. وعَلى هَذا القَوْلِ فَلا بُدَّ مِن إضْمارٍ، وهو أنْ يُقالَ: لا يَكادُونَ يَفْهَمُونَهُ إلّا بَعْدَ تَقْرِيبٍ ومَشَقَّةٍ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها، وهَذِهِ الآيَةُ تَصْلُحُ أنْ يُحْتَجَّ بِها عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ كادَ.
البَحْثُ الرّابِعُ: في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ مَوْضُوعانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُما مُشْتَقّانِ، وقَرَأ عاصِمٌ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بِالهَمْزِ. وقَرَأ الباقُونَ: ياجُوجَ وماجُوجَ. وقُرِئَ في رِوايَةٍ: آجُوجَ ومَأْجُوجَ، والقائِلُونَ بِكَوْنِ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مُشْتَقَّيْنِ ذَكَرُوا وجُوهًا.
الأوَّلُ: قالَ الكِسائِيُّ: ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ النّارِ وتَلَهُّبِها فَلِسُرْعَتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ، و”مَأْجُوجَ“ مِن مَوْجِ البَحْرِ.
الثّانِي: أنَّ ”يَأْجُوجَ“ مَأْخُوذٌ مِن تَأجُّجِ المِلْحِ وهو شِدَّةُ مُلُوحَتِهِ فَلِشِدَّتِهِمْ في الحَرَكَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ.
الثّالِثُ: قالَ القُتَيْبِيُّ: هو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ أجَّ الظَّلِيمُ في مَشْيِهِ يَئِجُّ أجًّا إذا هَرْوَلَ وسَمِعْتَ حَفِيفَهُ في عَدْوِهِ.
الرّابِعُ: قالَ الخَلِيلُ: الأجُّ حَبٌّ كالعَدَسِ والمَجُّ مَجُّ الرِّيقِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونا مَأْخُوذَيْنِ مِنهُما، واخْتَلَفُوا في أنَّهُما مِن أيِّ الأقْوامِ فَقِيلَ: إنَّهُما مِنَ التُّرْكِ، وقِيلَ: (يَأْجُوجُ) مِنَ التُّرْكِ، و(مَأْجُوجُ) مِنَ الجِيلِ والدَّيْلَمِ، ثُمَّ مِنَ النّاسِ مَن وصَفَهم بِقِصَرِ القامَةِ وصِغَرِ الجُثَّةِ بِكَوْنِ طُولِ أحَدِهِمْ شِبْرًا، ومِنهم مَن وصَفَهم بِطُولِ القامَةِ وكِبَرِ الجُثَّةِ وأثْبَتُوا لَهم مَخالِيبَ في الأظْفارِ وأضْراسًا كَأضْراسِ السِّباعِ واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ إفْسادِهِمْ في الأرْضِ فَقِيلَ: كانُوا يَقْتُلُونَ النّاسَ وقِيلَ كانُوا يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، وقِيلَ كانُوا يَخْرُجُونَ أيّامَ الرَّبِيعِ، فَلا يَتْرُكُونَ لَهم شَيْئًا أخْضَرَ وبِالجُمْلَةِ فَلَفْظُ الفَسادِ مُحْتَمِلٌ لِكُلِّ هَذِهِ الأقْسامِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ أهْلِ ما بَيْنَ السَّدَّيْنِ أنَّهم قالُوا لِذِي القَرْنَيْنِ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ خَراجًا، والباقُونَ خَرْجًا. قِيلَ: الخَراجُ والخَرْجُ واحِدٌ، وقِيلَ هُما أمْرانِ مُتَغايِرانِ، وعَلى هَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا: قِيلَ: الخَرْجُ بِغَيْرِ ألِفٍ هو الجُعْلُ لِأنَّ النّاسَ يُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَيْئًا مِنهُ فَيُخْرِجُ هَذا أشْياءَ وهَذا أشْياءَ، والخَراجُ هو الَّذِي يَجْبِيهِ السُّلْطانُ كُلَّ سَنَةٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: الخَراجُ هو الِاسْمُ الأصْلِيُّ، والخَرْجُ كالمَصْدَرِ، وقالَ قُطْرُبٌ: الخَرْجُ الجِزْيَةُ، والخَراجُ في الأرْضِ؛ فَقالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي﴾ أيْ ما جَعَلَنِي مَكِينًا مِنَ المالِ الكَثِيرِ واليَسارِ الواسِعِ خَيْرٌ مِمّا تَبْذُلُونَ مِنَ الخَراجِ؛ فَلا حاجَةَ بِي إلَيْهِ، وهو كَما قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ﴾ [النَّمْلِ: ٣٦] قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ما مَكَّنَنِي) بِنُونَيْنِ عَلى الإظْهارِ، والباقُونَ بِنُونٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ عَلى الإدْغامِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ أيْ لا حاجَةَ لِي في مالِكم ولَكِنْ ﴿فَأعِينُونِي﴾ بِرِجالٍ وآلَةٍ أبْنِي بِها السَّدَّ، وقِيلَ المَعْنى: (أعِينُونِي) بِمالٍ أصْرِفُهُ إلى هَذا المُهِمِّ ولا أطْلُبُ المالَ لِآخُذَهُ لِنَفْسِي، والرَّدْمُ هو السَّدُّ. يُقالُ: رَدَمْتُ البابَ أيْ سَدَدْتُهُ ورَدَمْتُ الثَّوْبَ رَقَّعْتُهُ؛ لِأنَّهُ يَسُدُّ الخَرْقَ بِالرُّقْعَةِ، والرَّدْمُ أكْثَرُ مِنَ السَّدِّ مِن قَوْلِهِمْ: ثَوْبٌ مَرْدُومٌ أيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِ رِقاعٌ.
18:96–98Page 303
ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ٩٦
Bring me bars of iron" - until, when he had leveled [them] between the two mountain walls, he said, "Blow [with bellows]," until when he had made it [like] fire, he said, "Bring me, that I may pour over it molten copper."
فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا ٩٧
So they [i.e., Gog and Magog] were unable to pass over it, nor were they able [to effect] in it any penetration.
قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ٩٨
[Dhul-Qarnayn] said, "This is a mercy from my Lord; but when the promise of my Lord1 comes [i.e., approaches], He will make it level, and ever is the promise of my Lord true."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾
اعْلَمْ أنَّ ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ قِطَعُهُ، قالَ الخَلِيلُ: الزُّبْرَةُ مِنَ الحَدِيدِ القِطْعَةُ الضَّخْمَةُ، قِراءَةُ الجَمِيعِ آتَوْنِي بِمَدِّ الألِفِ إلّا حَمْزَةَ؛ فَإنَّهُ قَرَأ ائْتُونِي مِنَ الإتْيانِ، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عاصِمٍ، والتَّقْدِيرُ ائْتُونِي بِزُبَرِ الحَدِيدِ ثُمَّ حُذِفَ الباءُ كَقَوْلِهِ: شَكَرْتُهُ وشَكَرْتُ لَهُ وكَفَرْتُهُ، وكَفَرْتُ لَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ فِيهِ إضْمارٌ أيْ فَأتَوْهُ بِها فَوَضَعَ تِلْكَ الزُّبَرَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ حَتّى صارَتْ بِحَيْثُ تَسُدُّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ إلى أعْلاهُما ثُمَّ وضَعَ المَنافِخَ عَلَيْها حَتّى إذا صارَتْ كالنّارِ صَبَّ النُّحاسَ المُذابَ عَلى الحَدِيدِ المُحْمى فالتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وصارَ جَبَلًا صَلْدًا، واعْلَمْ أنَّ هَذا مُعْجِزٌ قاهِرٌ لِأنَّ هَذِهِ الزُّبَرَ الكَثِيرَةَ إذا نُفِخَ عَلَيْها حَتّى صارَتْ كالنّارِ لَمْ يَقْدِرِ الحَيَوانُ عَلى القُرْبِ مِنها، والنَّفْخُ عَلَيْها لا يُمَكِنُ إلّا مَعَ القُرْبِ مِنها فَكَأنَّهُ تَعالى صَرَفَ تَأْثِيرَ تِلْكَ الحَرارَةِ العَظِيمَةِ عَنْ أبْدانِ أُولَئِكَ النّافِخِينَ عَلَيْها. قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قِيلَ: بُعْدُ ما بَيْنَ (السَّدَّيْنِ) مِائَةُ فَرْسَخٍ. و(الصَّدَفانِ) بِفَتْحَتَيْنِ جانِبا الجَبَلَيْنِ، لِأنَّهُما يَتَصادَفانِ أيْ: يَتَقابَلانِ، وقُرِئَ: (بَيْنَ الصُّدُفَيْنِ) بِضَمَّتَيْنِ. (والصُّدْفَيْنِ) بِضَمَّةٍ وسُكُونٍ، والقِطْرُ النُّحاسُ المُذابُ؛ لِأنَّهُ يَقْطُرُ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿أُفْرِغْ﴾ وتَقْدِيرُهُ آتَوْنِي قِطْرًا: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ فَحُذِفَ الأوَّلُ لِدَلالَةِ الثّانِي عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾ فَحَذَفَ التّاءَ لِلْخِفَّةِ لِأنَّ التّاءَ قَرِيبَةُ المَخْرَجِ مِنَ الطّاءِ وقُرِئَ: (فَما اصْطاعُوا) بِقَلْبِ السِّينِ صادًا ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أنْ يَعْلُوهُ أيْ ما قَدَرُوا عَلى الصُّعُودِ عَلَيْهِ لِأجْلِ ارْتِفاعِهِ ومَلاسَتِهِ، ولا عَلى نَقْبِهِ لِأجْلِ صَلابَتِهِ وثَخانَتِهِ، ثُمَّ قالَ ذُو القَرْنَيْنِ: ﴿هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ فَقَوْلُهُ هَذا إشارَةٌ إلى السَّدِّ، أيْ هَذا السَّدُّ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَحْمَةٌ عَلى عِبادِهِ، أوْ هَذا الِاقْتِدارُ والتَّمْكِينُ مِن تَسْوِيَتِهِ.
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ يَعْنِي: فَإذا دَنا مَجِيءُ القِيامَةِ؛ جَعَلَ السَّدَّ دَكًّا؛ أيْ: مَدْكُوكًا مُسَوًّى بِالأرْضِ، وكُلُّ ما انْبَسَطَ بَعْدَ الِارْتِفاعِ فَقَدِ انْدَكَّ، وقُرِئَ دَكّاءَ بِالمَدِّ أيْ أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ وهَهُنا آخِرُ حِكايَةِ ذِي القَرْنَيْنِ.
18:99–104Page 304
۞ وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا ٩٩
And We will leave them that day1 surging over each other, and [then] the Horn will be blown, and We will assemble them in [one] assembly.
وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا ١٠٠
And We will present Hell that Day to the disbelievers, on display -
ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا ١٠١
Those whose eyes had been within a cover [removed] from My remembrance,1 and they were not able to hear.2
أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا ١٠٢
Then do those who disbelieve think that they can take My servants instead of Me as allies? Indeed, We have prepared Hell for the disbelievers as a lodging.
قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا ١٠٣
Say, [O Muḥammad], "Shall we [believers] inform you of the greatest losers as to [their] deeds?
ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا ١٠٤
[They are] those whose effort is lost in worldly life, while they think that they are doing well in work."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾
اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ ”بَعْضَهم“ عائِدٌ إلى: ﴿يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ يَوْمَ السَّدِّ
صفحة ١٤٧
ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ خَلْفَهُ لَمّا مُنِعُوا مِنَ الخُرُوجِ.
الثّانِي: أنْ عِنْدَ الخُرُوجِ يَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قِيلَ إنَّهم حِينَ يَخْرُجُونَ مِن وراءِ السَّدِّ يَمُوجُونَ مُزْدَحِمِينَ في البِلادِ؛ يَأْتُونَ البَحْرَ فَيَشْرَبُونَ ماءَهُ ويَأْكُلُونَ دَوابَّهُ ثُمَّ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، ويَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَأْتُوا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَيَواناتٍ فَتَدْخُلُ آذانَهم فَيَمُوتُونَ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ إلّا أنَّ الأقْرَبَ أنَّ المُرادَ الوَقْتُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ السَّدَّ دَكًّا فَعِنْدَهُ ماجَ بَعْضُهم في بَعْضٍ، وبَعْدَهُ نُفِخَ في الصُّورِ، وصارَ ذَلِكَ مِن آياتِ القِيامَةِ، والكَلامُ في الصُّورِ قَدْ تَقَدَّمَ، وسَيَجِيءُ مِن بَعْدُ، وأمّا عَرْضُ جَهَنَّمَ وإبْرازُهُ حَتّى يَصِيرَ مَكْشُوفًا بِأهْوالِهِ فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى عِقابِ الكُفّارِ لِما يَتَداخَلُهم مِنَ الغَمِّ العَظِيمِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَكْشِفُهُ لِلْكافِرِينَ الَّذِينَ عَمُوا وصَمُّوا، أمّا العَمى فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ والمُرادُ مِنهُ شِدَّةُ انْصِرافِهِمْ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، وأمّا الصَّمَمُ فَهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ يَعْنِي أنَّ حالَتَهم أعْظَمُ مِنَ الصَّمَمِ؛ لِأنَّ الأصَمَّ قَدْ يَسْتَطِيعُ السَّمْعَ إذا صِيحَ بِهِ وهَؤُلاءِ زالَتْ عَنْهم تِلْكَ الِاسْتِطاعَةُ واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ عَلى أنَّ الِاسْتِطاعَةَ مَعَ الفِعْلِ وذَلِكَ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَسْمَعُوا لَمْ يَسْتَطِيعُوا، قالَ القاضِي: المُرادُ مِنهُ نَفْرَتُهم عَنْ سَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ واسْتِثْقالُهم إيّاهُ كَقَوْلِ الرَّجُلِ: لا أسْتَطِيعُ النَّظَرَ إلى فُلانٍ.
18:105–106Page 304
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا ١٠٥
Those are the ones who disbelieve in the verses of their Lord and in [their] meeting Him, so their deeds have become worthless; and We will not assign to them on the Day of Resurrection any weight [i.e., importance].
ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ١٠٦
That is their recompense - Hell - for what they denied and [because] they took My signs and My messengers in ridicule.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ مِن حالِ الكافِرِينَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنِ الذِّكْرِ وعَنِ اسْتِماعِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾ والمُرادُ: أفَظَنُّوا أنَّهم يَنْتَفِعُونَ بِما عَبَدُوهُ مَعَ إعْراضِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ الآياتِ وتَمَرُّدِهِمْ عَنْ قَبُولِ أمْرِهِ وأمْرِ رَسُولِهِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ أبُو بَكْرٍ ولَمْ يَرْفَعْهُ إلى عاصِمٍ: (أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بِسُكُونِ السِّينِ ورَفْعِ الباءِ. وهي مِنَ الأحْرُفِ الَّتِي خالَفَ فِيها عاصِمًا، وذَكَرَ أنَّهُ قِراءَةُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَقَوْلُهُ: حَسْبُ مُبْتَدَأٌ، أنْ يَتَّخِذُوا خَبَرٌ، والمَعْنى أفَكافِيهِمْ وحَسْبُهم أنْ يَتَّخِذُوا كَذا وكَذا، وأمّا الباقُونَ
صفحة ١٤٨
فَقَرَءُوا أفَحَسِبَ عَلى لَفْظِ الماضِي، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ حَذْفٌ والمَعْنى: أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا اتِّخاذَ عِبادِي أوْلِياءَ نافِعًا.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في العِبادِ أقْوالٌ قِيلَ: أرادَ عِيسى والمَلائِكَةَ، وقِيلَ: هُمُ الشَّياطِينُ يُوالُونَهم ويُطِيعُونَهم، وقِيلَ: هي الأصْنامُ سَمّاهم عِبادًا كَقَوْلِهِ: ﴿عِبادٌ أمْثالُكُمْ﴾، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ وفي النُّزُلِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ المَأْوى والمَنزِلُ.
والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُقامُ لِلنَّزِيلِ وهو الضَّيْفُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما نَبَّهَ بِهِ عَلى جَهْلِ القَوْمِ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ قِيلَ إنَّهم هُمُ الرُّهْبانُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ وعَنْ مُجاهِدٍ: أهْلُ الكِتابِ، وعَنْ عَلِيٍّ أنَّ ابْنَ الكَوّاءِ سَألَهُ عَنْهم فَقالَ: هم أهْلُ حَرُوراءَ، والأصْلُ أنْ يُقالَ: هو الَّذِي يَأْتِي بِالأعْمالِ يَظُنُّها طاعاتٍ وهي في أنْفُسِها مَعاصِي، وإنْ كانَتْ طاعاتٍ لَكِنَّها لا تُقْبَلُ مِنهم لِأجْلِ كُفْرِهِمْ فَأُولَئِكَ إنَّما أتَوْا بِتِلْكَ الأعْمالِ لِرَجاءِ الثَّوابِ، وإنَّما أتْعَبُوا أنْفُسَهم فِيها لِطَلَبِ الأجْرِ والفَوْزِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَإذا لَمْ يَفُوزُوا بِمَطالِبِهِمْ بَيَّنَ أنَّهم كانُوا ضالِّينَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صُنْعَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقاءُ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يُقالُ: لَقِيتُ فُلانًا أيْ رَأيْتُهُ، فَإنْ قِيلَ: اللِّقاءُ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ، قالَ تَعالى: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القَمَرِ: ١٢] وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى لِقاءِ ثَوابِ اللَّهِ، والجَوابُ أنَّ لَفْظَ اللِّقاءِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ عِبارَةً عَنِ الوُصُولِ والمُلاقاةِ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَهُ في الرُّؤْيَةِ مَجازٌ ظاهِرٌ مَشْهُورٌ، والَّذِي يَقُولُونَهُ مِن أنَّ المُرادَ مِنهُ لِقاءُ ثَوابِ اللَّهِ فَهو لا يَتِمُّ إلّا بِالإضْمارِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ المُتَعارَفِ المَشْهُورِ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى ما يَحْتاجُ مَعَهُ إلى الإضْمارِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَحَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ عَلى أنَّ القَوْلَ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ حَقٌّ، وهَذِهِ المَسْألَةُ قَدْ ذَكَرْناها بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُها، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنّا نَزْدَرِي بِهِمْ ولَيْسَ لَهم عِنْدَنا وزْنٌ ومِقْدارٌ.
الثّانِي: لا نُقِيمُ لَهم مِيزانًا لِأنَّ المِيزانَ إنَّما يُوضَعُ لِأهْلِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ مِنَ المُوَحِّدِينَ لِتَمْيِيزِ مِقْدارِ الطّاعاتِ ومِقْدارِ السَّيِّئاتِ.
الثّالِثُ: قالَ القاضِي: إنَّ مَن غَلَبَتْ مَعاصِيهِ صارَ ما في فِعْلِهِ مِنَ الطّاعَةِ كَأنْ لَمْ يَكُنْ فَلا يَدْخُلُ في الوَزْنِ شَيْءٌ مِن طاعَتِهِ. وهَذا التَّفْسِيرُ بِناءً عَلى قَوْلِهِ بِالإحْباطِ والتَّكْفِيرِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ وفَصَّلْناهُ مِن أنْواعِ الوَعِيدِ هو جَزاؤُهم عَلى أعْمالِهِمُ الباطِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ الجَزاءَ جَزاءٌ عَلى مَجْمُوعِ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: كُفْرُهم.
الثّانِي: أنَّهم أضافُوا إلى الكُفْرِ أنِ اتَّخَذُوا آياتِ اللَّهِ واتَّخَذُوا رُسُلَهُ هُزُوًا، فَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، حَتّى اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ.
18:107–109Page 304
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا ١٠٧
Indeed, those who have believed and done righteous deeds - they will have the Gardens of Paradise1 as a lodging,
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا ١٠٨
Wherein they abide eternally. They will not desire from it any transfer.
قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا ١٠٩
Say, "If the sea were ink for [writing] the words1 of my Lord, the sea would be exhausted before the words of my Lord were exhausted, even if We brought the like of it in [continual] supplement."
صفحة ١٤٩
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾
فِي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ، ولَمّا ذَكَرَ في الكُفّارِ أنَّ جَهَنَّمَ نُزُلُهم، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ ما يُرَغِّبُ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ .
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: عَطْفُ عَمَلِ الصّالِحاتِ عَلى الإيمانِ، والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ مُغايِرَةٌ لِلْإيمانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: عَنْ قَتادَةَ: الفِرْدَوْسُ وسَطُ الجَنَّةِ وأفْضَلُها، وعَنْ كَعْبٍ: لَيْسَ في الجِنانِ أعْلى مِن جَنَّةِ الفِرْدَوْسِ، وفِيها الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ، وعَنْ مُجاهِدٍ الفِرْدَوْسُ هو البُسْتانُ بِالرُّومِيَّةِ، وعَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أنَّهُ قالَ: («الجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَسِيرَةُ مِائَةِ عامٍ، والفِرْدَوْسُ أعْلاها دَرَجَةً، ومِنها الأنْهارُ الأرْبَعَةُ، والفِرْدَوْسُ مِن فَوْقِها، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ الجَنَّةَ فاسْألُوهُ الفِرْدَوْسَ فَإنَّ فَوْقَها عَرْشَ الرَّحْمَنِ، ومِنها تَتَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» ) .
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم إنَّهُ تَعالى جَعَلَ الجَنَّةَ بِكُلِّيَّتِها نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والكَرِيمُ إذا أعْطى النُّزُلَ أوَّلًا فَلا بُدَّ أنْ يُتْبِعَهُ بِالخُلْعَةِ، ولَيْسَ بَعْدَ الجَنَّةِ بِكُلِّيَّتِها إلّا رُؤْيَةَ اللَّهِ، فَإنْ قالُوا: ألَيْسَ أنَّهُ تَعالى جَعَلَ في الآيَةِ الأُولى جُمْلَةَ جَهَنَّمَ نُزُلًا لِلْكافِرِينَ، ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ جُمْلَةِ جَهَنَّمَ عَذابٌ آخَرُ، فَكَذَلِكَ هَهُنا جَعَلَ جُمْلَةَ الجَنَّةِ نُزُلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ بَعْدَ الجَنَّةِ، والجَوابُ: قُلْنا لِلْكافِرِ بَعْدَ حُصُولِ جَهَنَّمَ مَرْتَبَةٌ أعْلى مِنها وهو كَوْنُهُ مَحْجُوبًا عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ [المُطَفِّفِينَ: ١٥، ١٦] فَجَعَلَ الصِّلاءَ بِالنّارِ مُتَأخِّرًا في المَرْتَبَةِ عَنْ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ الحِوَلُ التَّحَوُّلُ، يُقالُ: حالَ مِن مَكانِهِ حِوَلًا كَقَوْلِهِ عادَ في حُبِّها عَوْدًا يَعْنِي لا مَزِيدَ عَلى سِعاداتِ الجَنَّةِ وخَيْراتِها، حَتّى يُرِيدَ أشْياءَ غَيْرَها، وهَذا الوَصْفُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ في الدُّنْيا إذا وصَلَ إلى أيِّ دَرَجَةٍ كانَتْ في السَّعاداتِ، فَهو طامِحُ الطَّرْفِ إلى ما هو أعْلى مِنها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences