Ar-RaziMaryam · 19:8–11

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:8–11

19:8Page 305

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨

He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عِتِيًّا وصِلِيّا وجِثِيًّا وبِكِيًّا بِكَسْرِ العَيْنِ والصّادِ والجِيمِ والباءِ، وقَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿وبُكِيًّا﴾ بِالضَّمِّ والباقِي بِالكَسْرِ والباقُونَ جَمِيعًا بِالضَّمِّ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ بِفَتْحِ العَيْنِ والصّادِ مَن عَتِيًّا وصَلِيًّا. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ عَبّاسٍ عِسِيًّا بِالسِّينِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في الألْفاظِ وهي ثَلاثَةٌ:

الأوَّلُ: الغُلامُ الإنْسانُ الذَّكَرُ في ابْتِداءِ شَهْوَتِهِ لِلْجِماعِ ومِنهُ اغْتَلَمَ إذا اشْتَدَّتْ شَهْوَتُهُ لِلْجِماعِ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في التِّلْمِيذِ يُقالُ: غُلامٌ ثَعْلَبٌ.

الثّانِي: العِتِيُّ والعِسِيُّ واحِدٌ

صفحة ١٦٠

تَقُولُ عَتا يَعْتُو عُتُوًّا وعِتِيًّا فَهو عاتٍ وعَسا يَعْسُو عُسَوًّا وعِسِيًّا فَهو عاسٍ والعاسِي هو الَّذِي غَيَّرَهُ طُولُ الزَّمانِ إلى حالِ البُؤْسِ، ولَيْلٌ عاتٍ طَوِيلٌ، وقِيلَ شَدِيدُ الظُّلْمَةِ.

الثّالِثُ: لَمْ يُقِلْ عاقِرَةً لِأنَّ ما كانَ عَلى فاعِلٍ مِن صِفَةِ المُؤَنَّثِ مِمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُذَكَّرِ فَإنَّهُ لا تَدْخُلُ فِيهِ الهاءُ نَحْوَ: امْرَأةٌ عاقِرٌ وحائِضٌ قالَ الخَلِيلُ: هَذِهِ صِفاتٌ مُذَكَّرَةٌ وُصِفَ بِها المُؤَنَّثُ كَما وصَفُوا المُذَكَّرَ بِالمُؤَنَّثِ حِينَ قالُوا: رَجُلٌ مَلْحَةٌ ورَبْعَةٌ وغُلامٌ نَفْعَةٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في هَذِهِ الآيَةِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لِمَ تَعَجَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ مَعَ أنَّهُ هو الَّذِي طَلَبَ الغُلامَ ؟ .

السُّؤالُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ لَمْ يَكُنْ هَذا مَذْكُورًا بَيْنَ أُمَّتِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُخْفِي هَذِهِ الأُمُورَ عَنْ أُمَّتِهِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ ذَكَرَهُ في نَفْسِهِ، وهَذا التَّعَجُّبُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ، وذَلِكَ كُفْرٌ وهو غَيْرُ جائِزٍ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ خُصُوصَ الوَلَدِ فالسُّؤالُ زائِلٌ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ طَلَبَ الوَلَدَ فالجَوابُ عَنْهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ هو التَّعَجُّبُ مِن أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُهُما شابَّيْنِ ثُمَّ يَرْزُقُهُما الوَلَدَ أوْ يَتْرُكُهُما شَيْخَيْنِ ويَرْزُقُهُما الوَلَدَ مَعَ الشَّيْخُوخَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلامِ لا بِطْرِيقِ التَّعْجِيبِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزَكَرِيّا إذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وأنْتَ خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (الأنْبِياءِ: ٨٩، ٩٠) وما هَذا الإصْلاحُ إلّا أنَّهُ أعادَ قُوَّةَ الوِلادَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذا الكَلامِ، وذَكَرَ السُّدِّيُّ في الجَوابِ وجْهًا آخَرَ فَقالَ: إنَّهُ لَمّا سَمِعَ النِّداءَ بِالبِشارَةِ جاءَهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: إنَّ هَذا الصَّوْتَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَلْ هو مِنَ الشَّيْطانِ يَسْخَرُ مِنكَ، فَلَمّا شَكَّ زَكَرِيّا قالَ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ واعْلَمْ أنَّ غَرَضَ السُّدِّيِّ مِن هَذا أنَّ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ لَوْ عَلِمَ أنَّ المُبَشِّرَ بِذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى لَما جازَ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ؛ فارْتَكَبَ هَذا، وقالَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ هَذا باطِلٌ قَطْعًا؛ إذْ لَوْ جَوَّزَ الأنْبِياءُ في بَعْضِ ما يَرِدُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ لَجَوَّزُوا في سائِرِهِ ولَزالَتِ الثِّقَةُ عَنْهم في الوَحْيِ وعَنّا فِيما يُورِدُونَهُ إلَيْنا، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّ هَذا الِاحْتِمالَ قائِمٌ في أوَّلِ الأمْرِ وإنَّما يَزُولُ بِالمُعْجِزَةِ فَلَعَلَّ المُعْجِزَةَ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً في هَذِهِ الصُّورَةِ فَحَصَلَ الشَّكُّ فِيها دُونَ ما عَداها، واللَّهُ أعْلَمُ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ لَيْسَ نَصًّا في كَوْنِ ذَلِكَ الغُلامِ ولَدًا لَهُ بَلْ يُحْتَمَلُ أنْ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ راعى الأدَبَ ولَمْ يَقُلْ هَذا الكَلامَ هَلْ يَكُونُ لِي ولَدٌ أمْ لا ؟ بَلْ ذَكَرَ أسْبابَ تَعَذُّرِ حُصُولِ الوَلَدِ في العادَةِ حَتّى إنَّ تِلْكَ البِشارَةَ إنْ كانَتْ بِالوَلَدِ فاللَّهُ تَعالى يُزِيلُ الإبْهامَ ويَجْعَلُ الكَلامَ صَرِيحًا، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ صَرَّحَ اللَّهُ تَعالى بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَلَدِ مِنهُ فَكانَ الغَرَضُ مِن كَلامِ زَكَرِيّا هَذا لا أنَّهُ كانَ شاكًّا في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ ما ذَكَرَ ذَلِكَ لِلشَّكِّ لَكِنْ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ لِقُدْرَتِهِ وهَذا كالرَّجُلِ الَّذِي يَرى صاحِبَهُ قَدْ وهَبَ الكَثِيرَ الخَطِيرَ فَيَقُولُ: أنّى سَمَحَتْ نَفْسُكَ بِإخْراجِ مِثْلِ هَذا مِن مِلْكِكَ ! تَعْظِيمًا وتَعَجُّبًا.

الثّالِثُ: أنَّ مِن شَأْنِ مَن بُشِّرَ بِما يَتَمَنّاهُ أنْ يَتَوَلَّدَ لَهُ فَرْطُ السُّرُورِ بِهِ عِنْدَ أوَّلِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ اسْتِثْباتُ ذَلِكَ الكَلامِ إمّا لِأنَّ شِدَّةَ فَرَحِهِ بِهِ تُوجِبُ ذُهُولَهُ عَنْ مُقْتَضَياتِ العَقْلِ والفِكْرِ وهَذا كَما أنَّ امْرَأةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أنْ بُشِّرَتْ بِإسْحاقَ قالَتْ: ﴿أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (هُودٍ: ٧٢) فَأُزِيلَ تَعَجُّبُها بِقَوْلِهِ: ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ (هُودٍ: ٧٣) وإمّا طَلَبًا لِلِالتِذاذِ بِسَماعِ ذَلِكَ الكَلامِ مَرَّةً أُخْرى، وإمّا مُبالَغَةً في تَأْكِيدِ التَّفْسِيرِ.

19:9Page 305

قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩

[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"

صفحة ١٦١

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الكافَ رَفْعٌ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ ثُمَّ ابْتَدَأ قالَ رَبُّكَ.

وثانِيها: نَصْبٌ، يُقالُ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ تَفْسِيرُهُ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ (الحِجْرِ: ٦٦) .

وثالِثُها: أنَّ المُرادَ: لا تَعْجَبْ فَإنَّهُ كَذَلِكَ قالَ رَبَّكُ لا خُلْفَ في قَوْلِهِ ولا غَلَطَ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ بِدَلِيلِ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا.

ورابِعُها: أنّا ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ مَعْناهُ تُعْطِينِي الغُلامَ بِأنْ تَجْعَلَنِي وزَوْجَتِي شابَّيْنِ أوْ بِأنْ تَتْرُكَنا عَلى الشَّيْخُوخَةِ ومَعَ ذَلِكَ تُعْطِينا الوَلَدَ، وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ أيْ: نَهَبُ الوَلَدَ مَعَ بَقائِكَ وبَقاءِ زَوْجَتِكَ عَلى الحاصِلَةِ في الحالِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ (وهو عَلَيَّ هَيِّنٌ) وهَذا لا يُخَرَّجُ إلّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ أيِ: الأمْرُ كَما قَلْتَ ولَكِنْ قالَ رَبُّكَ هو مَعَ ذَلِكَ عَلَيَّ هَيِّنٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إطْلاقُ لَفْظِ الهَيِّنِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى مَجازٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَجُوزُ في حَقِّ مَن يَجُوزُ أنْ يَصْعُبَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولَكِنَّ المُرادَ أنَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا كانَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في وجْهِ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَمّا خَلَقَهُ مِنَ العَدَمِ الصِّرْفِ والنَّفْيِ المَحْضِ كانَ قادِرًا عَلى خَلْقِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والآثارِ وأمّا الآنَ فَخَلْقُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ والشَّيْخَةِ لا يُحْتاجُ فِيهِ إلّا إلى تَبْدِيلِ الصِّفاتِ، والقادِرُ عَلى خَلْقِ الذَّواتِ والصِّفاتِ والآثارِ مَعًا أوْلى أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَبْدِيلِ الصِّفاتِ وإذا أوْجَدَهُ عَنْ عَدَمٍ فَكَذا يَرْزَقُهُ الوَلَدَ بِأنْ يُعِيدَ إلَيْهِ وإلى صاحِبَتِهِ القُوَّةَ الَّتِي عَنْها يَتَوَلَّدُ الماءانِ اللَّذانِ مِنَ اجْتِماعِهِما يُخْلَقُ الوَلَدُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى وأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾ (الأنْبِياءِ: ٩٠) فَهَذا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾ يَقْتَضِي أنَّ القائِلَ لِذَلِكَ مَلَكٌ مَعَ الِاعْتِرافِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿يازَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ﴾ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلَهُ: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى وهَذا بِعِيدٌ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ ما قَبْلَ هَذا الكَلامِ وما بَعْدَهُ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى فَكَيْفَ يَصِحُّ إدْراجُ هَذِهِ الألْفاظِ فِيما بَيْنَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ؟، والأوْلى أنْ يُقالَ: قائِلُ هَذا القَوْلِ أيْضًا هو اللَّهُ تَعالى كَما أنَّ المَلِكَ العَظِيمَ إذا وعَدَ عَبْدَهُ شَيْئًا عَظِيمًا فَيَقُولُ العَبْدُ: مِن أيْنَ يَحْصُلُ لِي هَذا ؟ فَيَقُولُ إنَّ سُلْطانَكَ ضَمِنَ لَكَ ذَلِكَ، كَأنَّهُ يُنَبِّهُ بِذَلِكَ عَلى أنَّ كَوْنَهُ سُلْطانًا مِمّا يُوجِبُ عَلَيْهِ الوَفاءَ بِالوَعْدِ فَكَذا هَهُنا.

19:10Page 305

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠

[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1

قَوْلُهُ تَعالى ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم طَلَبُ الآيَةِ لِتَحْقِيقِ البِشارَةِ وهَذا بِعِيدٌ لِأنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى قَدْ تَحَقَّقَتِ البِشارَةُ فَلا يَكُونُ إظْهارُ الآيَةِ أقْوى في ذَلِكَ مِن صَرِيحِ القَوْلِ، وقالَ آخَرُونَ: البِشارَةُ بِالوَلَدِ وقَعَتْ مُطْلَقَةً فَلا يُعْرَفُ وقْتُها بِمُجَرَّدِ البِشارَةِ، فَطَلَبَ الآيَةَ لِيَعْرِفَ بِها وقْتَ الوُقُوعِ وهَذا هو الحَقُّ.

صفحة ١٦٢

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ تِلْكَ الآيَةَ هي تَعَذُّرُ الكَلامِ عَلَيْهِ فَإنَّ مُجَرَّدَ السُّكُوتِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الكَلامِ لا يَكُونُ مُعْجِزَةً ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتُقِلَ لِسانُهُ أصْلًا.

والثّانِي: أنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الكَلامُ مَعَ القَوْمِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ مَعَ أنَّهُ كانَ مُتَمَكِّنًا مِن ذِكْرِ اللَّهِ ومِن قِراءَةِ التَّوْراةِ وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّ اعْتِقالَ اللِّسانِ مُطْلَقًا قَدْ يَكُونُ لِمَرَضٍ وقَدْ يَكُونُ مِن فِعْلِ اللَّهِ فَلا يَعْرِفُ زَكَرِيّا -عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقالَ مُعْجِزٌ إلّا إذا عَرَفَ أنَّهُ لَيْسَ لِمَرَضٍ بَلْ لِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ تَعالى مَعَ سَلامَةِ الآلاتِ وهَذا مِمّا لا يُعْرَفُ إلّا بِدَلِيلٍ آخَرَ؛ فَتَفْتَقِرُ تِلْكَ الدَّلالَةُ إلى دَلالَةٍ أُخْرى، أمّا لَوِ اعْتُقِلَ لِسانُهُ عَنِ الكَلامِ مَعَ القَوْمِ مَعَ اقْتِدارِهِ عَلى التَّكَلُّمِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وقِراءَةِ التَّوْراةِ عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقالَ لَيْسَ لِعِلَّةٍ ومَرَضٍ بَلْ هو لِمَحْضِ فِعْلِ اللَّهِ فَيَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ آيَةً ومُعْجِزَةً ومِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ خَصَّ ذَلِكَ بِالتَّكَلُّمِ مَعَ النّاسِ، وهَذا يَدُلُّ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ أنَّهُ كانَ قادِرًا عَلى التَّكَلُّمِ مَعَ غَيْرِ النّاسِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿سَوِيًّا﴾ فَقالَ بَعْضُهم: هو صِفَةٌ لِلَّيالِي الثَّلاثِ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: هو صِفَةٌ لِزَكَرِيّا، والمَعْنى: آيَتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ في هَذِهِ المُدَّةِ مَعَ كَوْنِكَ سَوِيًّا لَمْ يَحْدُثْ بِكَ مَرَضٌ.

19:11Page 305

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١

So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ﴾ قِيلَ كانَ لَهُ مَوْضِعٌ يَنْفَرِدُ فِيهِ بِالصَّلاةِ والعِبادَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إلى قَوْمِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ أوْحى إلَيْهِمْ، وقِيلَ: كانَ مَوْضِعًا يُصَلِّي فِيهِ هو وغَيْرُهُ إلّا أنَّهم كانُوا لا يَدْخُلُونَهُ لِلصَّلاةِ إلّا بِإذْنِهِ وأنَّهُمُ اجْتَمَعُوا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ لِلْإذْنِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وهو لا يَتَكَلَّمُ فَأوْحى إلَيْهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ أوْحى إلَيْهِمُ الكَلامَ؛ لِأنَّ الكَلامَ كانَ مُمْتَنِعًا عَلَيْهِ فَكانَ المُرادُ غَيْرَ الكَلامِ وهو أنْ يُعَرِّفَهم ذَلِكَ إمّا بِالإشارَةِ أوْ بِرَمْزٍ مَخْصُوصٍ أوْ بِكِتابَةٍ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنهُ المُرادُ فَعَلِمُوا أنَّهُ قَدْ كانَ ما بُشِّرَ بِهِ فَكَما حَصَلَ السُّرُورُ لَهُ حَصَلَ لَهم فَظَهَرَ لَهم إكْرامُ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالإجابَةِ، واعْلَمْ أنَّ الأشْبَهَ بِالآيَةِ هو الإشارَةُ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ: ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٤١] والرَّمْزُ لا يَكُونُ كِنايَةً لِلْكَلامِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّهُ أرادَ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةَ وهو جائِزٌ في اللُّغَةِ يُقالُ: سُبْحَةُ الضُّحى أيْ: صَلاةُ الضُّحى، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها في صَلاةِ الضُّحى: ”إنِّي لَأُسَبِّحُها“ أيْ: لَأُصَلِّيُها إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ البُكْرَةَ صَلاةُ الفَجْرِ، والعَشِيَّ صَلاةُ العَصْرِ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إنَّما كانُوا يُصَلُّونَ مَعَهُ في مِحْرابِهِ هاتَيْنِ الصَّلاتَيْنِ فَكانَ يَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَيَأْذَنُ لَهم بِلِسانِهِ، فَلَمّا اعْتُقِلَ لِسانُهُ خَرَجَ إلَيْهِمْ كَعادَتِهِ فَأذِنَ لَهم بِغَيْرِ كَلامٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском