Ar-RaziMaryam · 19:31–37

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Maryam 19:31–37

19:31–32Page 307

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١

And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢

And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ قالَ بَعْضُهم أخْبَرَ أنَّهُ نَبِيٌّ ولَكِنَّهُ ما كانَ رَسُولًا؛ لِأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ما جاءَ بِالشَّرِيعَةِ ومَعْنى كَوْنِهِ نَبِيًّا أنَّهُ رَفِيعُ القَدْرِ عَلى الدَّرَجَةِ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ النَّبِيَّ في عُرْفِ الشَّرْعِ هو الَّذِي خَصَّهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ وبِالرِّسالَةِ خُصُوصًا إذا قُرِنَ إلَيْهِ ذِكْرُ الشَّرْعِ وهو قَوْلُهُ وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ.

الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ كَيْفَ جَعَلَهُ مُبارَكًا والنّاسُ كانُوا قَبْلَهُ عَلى المِلَّةِ الصَّحِيحَةِ فَلَمّا جاءَ صارَ بَعْضُهم يَهُودًا وبَعْضُهم نَصارى قائِلِينَ بِالتَّثْلِيثِ ولَمْ يَبْقِ عَلى الحَقِّ إلّا القَلِيلُ ؟

والجَوابُ ذَكَرُوا في ”تَفْسِيرِ المُبارَكِ“ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ البَرَكَةَ في اللُّغَةِ هي الثَّباتُ وأصْلُهُ مِن بُرُوكِ البَعِيرِ فَمَعْناهُ جَعَلَنِي ثابِتًا عَلى دِينِ اللَّهِ مُسْتَقِرًّا عَلَيْهِ.

وثانِيها: أنَّهُ إنَّما كانَ مُبارَكًا؛ لِأنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ النّاسَ دِينَهم ويَدْعُوهم إلى طَرِيقِ الحَقِّ فَإنْ ضَلُّوا فَمِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ لا مِن قِبَلِهِ «ورَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قالَ: أسْلَمَتْ أُمُّ عِيسى عَلَيْها السَّلامُ عِيسى إلى الكُتّابِ فَقالَتْ لِلْمُعَلِّمِ: أدْفَعُهُ إلَيْكَ عَلى أنْ لا تَضْرِبَهُ فَقالَ لَهُ المُعَلِّمُ: اكْتُبْ فَقالَ: أيُّ شَيْءٍ أكْتُبُ، فَقالَ: اكْتُبْ أبْجَدْ فَرَفَعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأْسَهُ فَقالَ: هَلْ تَدْرِي ما أبْجَدْ ؟ فَعَلاهُ بِالدِّرَّةِ لِيَضْرِبَهُ فَقالَ: يا مُؤَدِّبُ لا تَضْرِبْنِي؛ إنْ كُنْتَ لا تَدْرِي؛ فاسْألْنِي، فَأنا أُعَلِّمُكَ: الألِفُ مِن آلاءِ اللَّهِ والباءُ مِن بَهاءِ اللَّهِ والجِيمُ مِن جَمالِ اللَّهِ والدّالُ مِن أداءِ الحَقِّ إلى اللَّهِ» .

وثالِثُها: البَرَكَةُ الزِّيادَةُ والعُلُوُّ فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلَنِي في جَمِيعِ الأحْوالِ غالِبًا مُفْلِحًا مُنْجِحًا لِأنِّي ما دُمْتُ أبْقى في الدُّنْيا أكُونُ عَلى الغَيْرِ مُسْتَعْلِيًا بِالحُجَّةِ فَإذا جاءَ الوَقْتُ المَعْلُومُ يُكْرِمُنِي اللَّهُ تَعالى بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ.

ورابِعُها: مُبارَكٌ عَلى النّاسِ بِحَيْثُ يَحْصُلُ بِسَبَبِ دِعائِيِّ إحْياءُ المَوْتى وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ رَأتْهُ امْرَأةٌ وهو يُحْيِي المَوْتى ويُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ فَقالَتْ: طُوبى لِبَطْنٍ حَمَلَكَ وثَدْيٍ أُرْضِعْتَ بِهِ، فَقالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُجِيبًا لَها: طُوبى لِمَن تَلا كِتابَ اللَّهِ واتَّبَعَ ما فِيهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا شَقِيًّا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّ حالَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ كَما قِيلَ إنَّهُ عادَ إلى حالِ الصِّغَرِ وزَوالِ التَّكْلِيفِ.

* * *

الصِّفَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ فَإنْ قِيلَ كَيْفَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ مَعَ أنَّهُ كانَ طِفْلًا صَغِيرًا والقَلَمُ مَرْفُوعٌ عَنْهُ عَلى ما قالَهُ -ﷺ-: («رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ الصَّبِيِّ حَتّى يَبْلُغَ» ) الحَدِيثَ ؟ وجَوابُهُ

صفحة ١٨٤

مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أوْصاهُ بِأدائِهِما في الحالِ بَلْ بَعْدَ البُلُوغِ فَلَعَلَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى أوْصاهُ بِهِما وبِأدائِهِما في الوَقْتِ المُعَيَّنِ لَهُ وهو وقْتُ البُلُوغِ.

الثّانِي: لَعَلَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا انْفَصَلَ عِيسى عَنْ أُمِّهِ صَيَّرَهُ بالِغًا عاقِلًا تامَّ الأعْضاءِ والخِلْقَةِ وتَحْقِيقُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٩] فَكَما أنَّهُ تَعالى خَلَقَ آدَمَ تامًّا كامِلًا دَفْعَةً فَكَذا القَوْلُ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي أقْرَبُ إلى الظّاهِرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ فَإنَّهُ يُفِيدُ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ مُتَوَجِّهٌ عَلَيْهِ في جَمِيعِ زَمانِ حَياتِهِ، ولَكِنْ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَكانَ القَوْمُ حِينَ رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ شَخْصًا كامِلَ الأعْضاءِ تامَّ الخِلْقَةِ، وصُدُورُ الكَلامِ عَنْ مِثْلِ هَذا الشَّخْصِ لا يَكُونُ عَجَبًا فَكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْجَبُوا فَلَعَلَّ الأوْلى أنْ يُقالَ إنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ مَعَ صِغَرِ جُثَّتِهِ قَوِيَّ التَّرْكِيبِ كامِلَ العَقْلِ بِحَيْثُ كانَ يُمْكِنُهُ أداءُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ تَكْلِيفَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ حِينَ كانَ في الأرْضِ وحِينَ رُفِعَ إلى السَّماءِ وحِينَ يَنْزِلُ مَرَّةً أُخْرى.

الصِّفَةُ السّادِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ أيْ: جَعَلَنِي بَرًّا بِوالِدَتِي وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا: إنَّ فِعْلَ العَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعالى لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهُ بَرًّا إنَّما حَصَلَ بِجَعْلِ اللَّهِ، وخَلْقُهُ وحَمْلُهُ عَلى الألْطافِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي﴾ إشارَةٌ إلى تَنْزِيهِ أُمِّهِ عَنِ الزِّنا إذْ لَوْ كانَتْ زانِيَةً لَما كانَ الرَّسُولُ المَعْصُومُ مَأْمُورًا بِتَعْظِيمِها.

قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: جَعَلَ ذاتَهُ بَرًّا لِفَرْطِ بِرِّهِ، ونَصْبُهُ بِفِعْلٍ في مَعْنى أوْصانِي وهو كَلَّفَنِي لِأنَّ أوْصانِي بِالصَّلاةِ وكَلَّفَنِي بِها واحِدٌ.

الصِّفَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى قَوْلِنا؛ لِأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ جَعَلَهُ بَرًّا وما جَعَلَهُ جَبّارًا؛ فَهَذا إنَّما يَحْسُنُ لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ غَيْرَهُ جَبّارًا وغَيْرَ بارٍّ بِأُمِّهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِكُلِّ أحَدٍ لَمْ يَكُنْ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَزِيدُ تَخْصِيصٍ بِذَلِكَ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ التَّخْصِيصِ وقَوْلُهُ: ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا﴾ أيْ ما جَعَلَنِي مُتَكَبِّرًا بَلْ أنا خاضِعٌ لِأنِّي مُتَواضِعٌ لَها ولَوْ كُنْتُ جَبّارًا لَكُنْتُ عاصِيًا شَقِيًّا.

ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: قَلْبِي لَيِّنٌ وأنا صَغِيرٌ في نَفْسِي، وعَنْ بَعْضِ العُلَماءِ لا تَجِدُ العاقَّ إلّا جَبّارًا شَقِيًّا وتَلا: ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ولا تَجِدُ سَيِّئَ المِلْكَةِ إلّا مُخْتالًا فَخُورًا وقَرَأ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] .

19:33Page 307

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣

And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."

الصِّفَةُ الثّامِنَةُ: هي قَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: لامُ التَّعْرِيفِ في السَّلامِ مُنْصَرِفٌ إلى ما تَقَدَّمَ في قِصَّتَيْ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ﴾ (مَرْيَمَ: ١٥) أيِ: السَّلامُ المُوَجَّهُ إلَيْهِ في المَواطِنِ الثَّلاثَةِ مَوْجَّهٌ إلَيَّ أيْضًا، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الصَّحِيحُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّعْرِيفُ تَعْوِيضًا بِاللَّعْنِ عَلى مَنِ اتَّهَمَ مَرْيَمَ بِالزِّنا، وتَحْقِيقُهُ أنَّ اللّامَ لِلِاسْتِغْراقِ فَإذا قالَ: ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وكُلُّ السَّلامِ عَلَيَّ وعَلى أتْباعِي فَلَمْ يَبْقَ لِلْأعْداءِ إلّا اللَّعْنُ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [ طه: ٤٧] بِمَعْنى أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى، وكانَ المَقامُ مَقامَ اللَّجاجِ والعِنادِ ويَلِيقُ بِهِ مِثْلُ هَذا التَّعْرِيضِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رَوى بَعْضُهم عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِيَحْيى أنْتَ خَيْرٌ مِنِّي سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ وسَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي وأجابَ الحَسَنُ فَقالَ: إنَّ تَسْلِيمَهُ عَلى نَفْسِهِ بِتَسْلِيمِ اللَّهِ عَلَيْهِ.

صفحة ١٨٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ القاضِي: السَّلامُ عِبارَةٌ عَمّا يَحْصُلُ بِهِ الأمانُ، ومِنهُ السَّلامَةُ في النِّعَمِ وزَوالُ الآفاتِ فَكَأنَّهُ سَألَ رَبَّهُ وطَلَبَ مِنهُ ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ فَعَلَهُ بِيَحْيى، ولا بُدَّ في الأنْبِياءِ مِن أنْ يَكُونُوا مُسْتَجابِي الدَّعْوَةِ، وأعْظَمُ أحْوالِ الإنْسانِ احْتِياجًا إلى السَّلامَةِ هي هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ وهي يَوْمُ الوِلادَةِ ويَوْمُ المَوْتِ ويَوْمُ البَعْثِ فَجَمِيعُ الأحْوالِ الَّتِي يَحْتاجُ فِيها إلى السَّلامَةِ واجْتِماعِ السَّعادَةِ مِن قِبَلِهِ تَعالى طَلَبَها لِيَكُونَ مَصُونًا عَنِ الآفاتِ والمُخافاتِ في كُلِّ الأحْوالِ، واعْلَمْ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى يُنْكِرُونَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ في زَمانِ الطُّفُولِيَّةِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنَّ هَذا مِنَ الوَقائِعِ العَجِيبَةِ الَّتِي تَتَوافَرُ الدَّواعِي عَلى نَقْلِها فَلَوْ وُجِدَتْ لَنُقِلَتْ بِالتَّواتُرِ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَعَرَفَهُ النَّصارى لا سِيَّما وهم مِن أشَدِّ النّاسِ بَحْثًا عَنْ أحْوالِهِ وأشَدِّ النّاسِ غُلُوًّا فِيهِ حَتّى زَعَمُوا كَوْنَهُ إلَهًا ولا شَكَّ أنَّ الكَلامَ في الطُّفُولِيَّةِ مِنَ المَناقِبِ العَظِيمَةِ والفَضائِلِ التّامَّةِ فَلَمّا لَمْ تَعْرِفْهُ النَّصارى مَعَ شِدَّةِ الحُبِّ وكَمالِ البَحْثِ عَنْ أحْوالِهِ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ ولِأنَّ اليَهُودَ أظْهَرُوا عَداوَتَهُ حالَ ما أظْهَرَ ادِّعاءَ النُّبُوَّةِ فَلَوْ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ في زَمانِ الطُّفُولِيَّةِ وادَّعى الرِّسالَةَ لَكانَتْ عَداوَتُهم مَعَهُ أشَدَّ ولَكانَ قَصْدُهم قَتْلَهُ أعْظَمَ فَحَيْثُ لَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ ما تَكَلَّمَ، أمّا المُسْلِمُونَ فَقَدِ احْتَجُّوا مِن جِهَةِ العَقْلِ عَلى أنَّهُ تَكَلَّمَ فَإنَّهُ لَوْلا كَلامُهُ الَّذِي دَلَّهم عَلى بَراءَةِ أُمِّهِ مِنَ الزِّنا لَما تَرَكُوا إقامَةَ الحَدِّ عَلى الزِّنا عَلَيْها فَفي تَرْكِهِمْ لِذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلَّمَ في المَهْدِ وأجابُوا عَنِ الشُّبْهَةِ الأُولى بِأنَّهُ رُبَّما كانَ الحاضِرُونَ عِنْدَ كَلامِهِ قَلِيلِينَ فَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَهِرْ، وعَنِ الثّانِي لَعَلَّ اليَهُودَ ما حَضَرُوا هُناكَ وما سَمِعُوا كَلامَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَغِلُوا بِقَصْدِ قَتْلِهِ.

19:34–35Page 307

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤

That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ: ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ بِالنَّصْبِ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (قالَ الحَقَّ) و(قالَ اللَّهُ) وعَنِ الحَسَنِ: (قُولَ الحَقَّ) بِضَمِّ القافِ وكَذَلِكَ في الأنْعامِ: (قَوْلُهُ الحَقُّ) والقَوْلُ والقالُ والقُولُ في مَعْنًى واحِدٍ كالرَّهْبِ والرَّهَبِ والرُّهْبِ، أمّا ارْتِفاعُهُ فَعَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأمّا انْتِصابُهُ فَعَلى المَدْحِ إنْ فُسِرَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ كَقَوْلِكَ: هو عِنْدَ اللَّهِ الحَقُّ لا الباطِلُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شُبْهَةَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ وهو قَوْلُهُ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيْ: ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفاتِ هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ولَدُ هَذِهِ المَرْأةِ وابْنُها لا أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. فَأمّا ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: وهو أنَّ نَفْسَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو قَوْلُ الحَقِّ وذَلِكَ لِأنَّ الحَقَّ هو اسْمُ اللَّهِ فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ نَقُولَ عِيسى كَلِمَةُ اللَّهِ وبَيْنَ أنْ نَقُولَ عِيسى قَوْلُ الحَقِّ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ: ”ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ القَوْلُ الحَقُّ“ إلّا أنَّكَ أضَفْتَ المَوْصُوفَ إلى الصِّفَةِ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ (الواقِعَةِ: ٩٥) وفائِدَةُ قَوْلِكَ: القَوْلُ الحَقُّ تَأْكِيدُ

صفحة ١٨٦

ما ذَكَرْتَ أوَّلًا مِن كَوْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ابْنًا لِمَرْيَمَ.

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ووَصْفُنا لَهُ هو قَوْلُ الحَقِّ فَكَأنَّهُ تَعالى وصَفَهُ أوَّلًا ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَذا المَوْصُوفَ هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ هَذا الوَصْفَ أجْمَعَ هو قَوْلُ الحَقِّ عَلى مَعْنى أنَّهُ ثابِتٌ لا يَجُوزُ أنْ يَبْطُلَ كَما بَطَلَ ما يَقَعُ مِنهم مَنِ المِرْيَةِ ويَكُونُ في مَعْنى (إنَّ هَذا لَهْوُ الحَقُّ اليَقِينُ) .

فَأمّا امْتِراؤُهم في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فالمَذاهِبُ الَّتِي حَكَيْناها مِن قَوْلِ اليَهُودِ والنَّصارى وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رُفِعَ حَضَرَ أرْبَعَةٌ مِن أكابِرِهِمْ وعُلَمائِهِمْ فَقِيلَ لِلْأوَّلِ ما تَقُولُ في عِيسى ؟ فَقالَ: هو إلَهٌ واللَّهُ إلَهٌ وأُمُّهُ إلَهٌ، فَتابَعَهُ عَلى ذَلِكَ ناسٌ وهُمُ الإسْرائِيلِيَّةٌ، وقِيلَ لِلرّابِعِ ما تَقُولُ ؟ فَقالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ وهو المُؤْمِنُ المُسْلِمُ، وقالَ: أما تَعْلَمُونَ أنَّ عِيسى كانَ يَطْعَمُ ويَنامُ وأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ؟ فَخَصَمَهم.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ فَهو يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ ثُبُوتَ الوَلَدِ لَهُ مُحالٌ فَقَوْلُنا: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ كَقَوْلِهِ ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَقُولَ لِأحَدٍ إنَّهُ ولَدِي لِأنَّ هَذا الخَبَرَ كَذِبٌ والكَذِبُ لا يَلِيقُ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وكَمالِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ كَقَوْلِنا: ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَظْلِمَ أيْ لا يَلِيقُ ذَلِكَ بِحِكْمَتِهِ وكَمالِ إلَهِيَّتِهِ، واحْتَجَّ الجُبّائِيُّ بِالآيَةِ بِناءً عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ أنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ هَذا الإيجادُ أيْ: لَيْسَ لَهُ هَذا الِاخْتِيارُ وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ الكَذِبَ مُحالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى فَلا جَرَمَ قالَ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿سُبْحانَهُ﴾ ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كانَ كالحُجَّةِ عَلى تَنْزِيهِهِ عَنِ الوَلَدِ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ الَّذِي يُجْعَلُ ولَدًا لِلَّهِ، إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أزَلِيًّا أوْ يَكُونَ مُحْدَثًا فَإنْ كانَ أزَلِيًّا فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا لِذاتِهِ لَكانَ واجِبُ الوُجُودِ أكْثَرَ مِن واحِدٍ، هَذا خُلْفٌ، وإنْ كانَ مُمْكِنًا لِذاتِهِ كانَ مُفْتَقِرًا في وُجُودِهِ إلى الواجِبِ لِذاتِهِ غَنِيًّا لِذاتِهِ فَيَكُونُ المُمْكِنُ مُحْتاجًا لِذاتِهِ فَيَكُونُ عَبْدًا لَهُ؛ لِأنَّهُ لا مَعْنى لِلْعُبُودِيَّةِ إلّا ذَلِكَ، وأمّا إنْ كانَ الَّذِي يُجْعَلُ ولَدًا يَكُونُ مُحْدَثًا فَيَكُونُ وُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ بِخَلْقِ ذَلِكَ القَدِيمِ وإيجادِهِ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فَيَكُونُ عَبْدًا لَهُ لا ولَدًا لَهُ فَثَبَتَ أنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ ولَدٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ عَلى قِدَمِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى قالُوا: لِأنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إذا أرادَ إحْداثَ شَيْءٍ قالَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ فَلَوْ كانَ قَوْلُهُ كُنْ مُحْدَثًا لافْتَقَرَ حُدُوثُهُ إلى قَوْلٍ آخَرَ ولَزِمَ التَّسَلْسُلُ وهو مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَ اللَّهِ قَدِيمٌ لا مُحْدَثٌ، واحْتَجَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى حُدُوثِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ عَلَيْهِ كَلِمَةَ إذا، وهَذِهِ الكَلِمَةُ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِقْبالِ؛ فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ القَوْلُ إلّا في الِاسْتِقْبالِ.

وثانِيها: أنَّ حَرْفَ الفاءِ لِلتَّعْقِيبِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ﴾ يَدُلُّ عَلى تَأخُّرِ ذَلِكَ القَوْلِ عَنْ ذَلِكَ القَضاءِ، والمُتَأخِّرُ عَنْ غَيْرِهِ مُحْدَثٌ.

وثالِثُها: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَكُونُ﴾ يَدُلُّ عَلى حُصُولِ ذَلِكَ الشَّيْءِ عَقِيبَ ذَلِكَ القَوْلِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ فَيَكُونُ قَوْلُ اللَّهِ مُتَقَدِّمًا عَلى حُدُوثِ الحادِثِ تَقَدُّمًا بِلا فَصْلٍ، والمُتَقَدِّمُ عَلى المُحْدَثِ تَقَدُّمًا بِلا فَصْلٍ يَكُونُ مُحْدَثًا، فَقَوْلُ اللَّهِ مُحْدَثٌ. واعْلَمْ أنَّ اسْتِدْلالَ الفَرِيقَيْنِ ضَعِيفٌ، أمّا اسْتِدْلالُ الأصْحابِ فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ قَدِيمًا وذَلِكَ باطِلٌ بِالِاتِّفاقِ، وأمّا اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ فَلِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى هو المُرَكَّبَ مِنَ الحُرُوفِ

صفحة ١٨٧

والأصْواتِ وهو مُحْدَثٌ وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ إنَّما المُدَّعى قِدَمُ شَيْءٍ آخَرَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: مِنَ النّاسِ مَن أجْرى الآيَةَ عَلى ظاهِرِها فَزَعَمَ أنَّهُ تَعالى إذا أحْدَثَ شَيْئًا قالَ لَهُ كُنْ وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ، إمّا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ قَبْلَ حُدُوثِهِ أوْ حالَ حُدُوثِهِ. فَإنْ كانَ الأوَّلُ كانَ ذَلِكَ خِطابًا مَعَ المَعْدُومِ وهو عَبَثٌ وإنْ كانَ الثّانِي فَهو حالَ حُدُوثِهِ قَدْ وُجِدَ بِالقُدْرَةِ والإرادَةِ فَأيُّ تَأْثِيرٍ لِقَوْلِهِ (كُنْ) فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن زَعَمَ أنَّ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ هو التَّخْلِيقُ والتَّكْوِينُ وذَلِكَ لِأنَّ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ غَيْرٌ وتَكْوِينُ الشَّيْءِ غَيْرٌ فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قادِرٌ في الأزَلِ وغَيْرُ مَكُونٍ في الأزَلِ، ولِأنَّهُ الآنَ قادِرٌ عَلى عَوالِمَ سِوى هَذا العالَمِ وغَيْرُ مَكُونٍ لَها، والقادِرِيَّةُ غَيْرُ المَكُونِيَّةِ، والتَّكْوِينُ لَيْسَ هو نَفْسَ المَكُونِ لِأنّا نَقُولُ: المَكُونُ إنَّما حَدَثَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَوَّنَهُ فَأوْجَدَهُ، فَلَوْ كانَ التَّكْوِينُ نَفْسَ المَكُونِ لَكانَ قَوْلُنا المَكُونُ إنَّما وُجِدَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى نازِلًا مَنزِلَةَ قَوْلِنا المَكُونُ إنَّما وُجِدَ بِنَفْسِهِ وذَلِكَ مُحالٌ، فَثَبَتَ أنَّ التَّكْوِينَ غَيْرُ المَكُونِ فَقَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ إشارَةٌ إلى الصِّفَةِ المُسَمّاةِ بِالتَّكْوِينِ، وقالَ آخَرُونَ قَوْلُهُ: ﴿كُنْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ نَفاذِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ في المُمْكِناتِ. فَإنَّ وُقُوعَها بِتِلْكَ القُدْرَةِ والإرادَةِ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ وانْدِفاعٍ يَجْرِي مَجْرى العَبْدِ المُطِيعِ المُسَخَّرِ المُنْقادِ لِأوامِرِ مَوْلاهُ، فَعَبَّرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ المَعْنى بِهَذِهِ العِبارَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ.

[قوله تعالى وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ...

19:36–37Page 307

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧

Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ المَدَنِيُّونَ وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ أنَّ، ومَعْناهُ ولِأنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وأبُو عُبَيْدَةَ بِالكَسْرِ عَلى الِابْتِداءِ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ [إنَّ اللَّهَ] بِالكَسْرِ مِن غَيْرِ واوٍ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فاعْبُدُوهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يَقُولَ اللَّهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قائِلُ هَذا غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: التَّقْدِيرُ فَقُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم بَعْدَ إظْهارِ البَراهِينِ الباهِرَةِ في أنَّ عِيسى هو عَبْدُ اللَّهِ.

الثّانِي: قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الواوُ في ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [ مَرْيَمَ: ٣٠] كَأنَّهُ قالَ: إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وإنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَهِدَ إلَيْهِمْ حِينَ أخْبَرَهم عَنْ بَعْثِهِ ومَوْلِدِهِ ونَعْتِهِ أنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم أيْ كُلُّنا عُبَيْدُ اللَّهِ تَعالى.

صفحة ١٨٨

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُدَبِّرَ النّاسِ ومُصْلِحَ أُمُورِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى عَلى خِلافِ قَوْلِ المُنَجِّمِينَ إنَّ مُدَبِّرَ النّاسِ ومُصْلِحَ أُمُورِهِمْ في السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ هي الكَواكِبُ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الإلَهَ واحِدٌ لِأنَّ لَفْظَ اللَّهِ اسْمُ عَلَمٍ لَهُ سُبْحانَهُ فَلَمّا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ أيْ لا رَبَّ لِلْمَخْلُوقاتِ سِوى اللَّهِ تَعالى وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، أمّا قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ فَقَدْ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِالعِلِّيَّةِ فَهَهُنا الأمْرُ بِالعِبادَةِ وقَعَ مُرَتَّبًا عَلى ذِكْرِ وصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ إنَّما تَلْزَمُنا عِبادَتُهُ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ رَبًّا لَنا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما تَجِبُ عِبادَتُهُ لِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلى الخَلائِقِ بِأُصُولِ النِّعَمِ وفُرُوعِها، ولِذَلِكَ فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا مَنَعَ أباهُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ قالَ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ يَعْنِي أنَّها لَمّا لَمْ تَكُنْ مُنْعِمَةً عَلى العِبادِ لَمْ تَجُزْ عِبادَتُها، وبِهَذِهِ الآيَةِ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا كانَ رَبًّا ومُرَبِّيًا لِعِبادِهِ وجَبَ عِبادَتُهُ، فَقَدْ ثَبَتَ طَرْدًا وعَكْسًا تَعَلُّقُ العِبادَةِ بِكَوْنِ المَعْبُودِ مُنْعِمًا، أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ يَعْنِي: القَوْلُ بِالتَّوْحِيدِ ونَفِيُ الوَلَدِ والصّاحِبَةِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وأنَّهُ سَمّى هَذا القَوْلَ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ تَشْبِيهًا بِالطَّرِيقِ؛ لِأنَّهُ المُؤَدِّي إلى الجَنَّةِ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ فَفي الأحْزابِ أقْوالٌ:

الأوَّلُ: المُرادُ فِرَقُ النَّصارى عَلى ما بَيَّنّا أقْسامَهم.

الثّانِي: المُرادُ النَّصارى واليَهُودُ فَجَعَلَهُ بَعْضُهم ولَدًا وبَعْضُهم كَذّابًا.

الثّالِثُ: المُرادُ الكُفّارُ الدّاخِلُ فِيهِمُ اليَهُودُ والنَّصارى والكُفّارُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإذا قُلْنا المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، فَهَذا القَوْلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّهُ لا تَخْصِيصَ فِيهِ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُؤَكِّدٌ لِهَذا الِاحْتِمالِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ فالمَشْهَدُ إمّا أنْ يَكُونَ هو الشُّهُودُ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ أوِ الشَّهادَةُ وما يَتَعَلَّقُ بِها.

أمّا الأوَّلُ: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ المَشْهَدِ نَفْسَ شُهُودِهِمْ هَوْلَ الحِسابِ والجَزاءِ في القِيامَةِ، أوْ مَكانَ الشُّهُودِ فِيهِ وهو المَوْقِفُ، أوْ وقْتُ الشُّهُودِ، وأمّا الشَّهادَةُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ شَهادَةَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ، وشَهادَةَ ألْسِنَتِهِمْ وأيْدِيهِمْ وأرْجُلِهِمْ بِالكُفْرِ وسُوءِ الأعْمالِ، وأنْ يَكُونَ مَكانَ الشَّهادَةِ أوْ وقْتَها، وقِيلَ: هو ما قالُوهُ وشَهِدُوا بِهِ في عِيسى وأُمِّهِ، وإنَّما وُصِفَ ذَلِكَ المَشْهَدُ بِأنَّهُ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعْظَمُ مِمّا يُشاهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن مُحاسَبَةٍ ومُساءَلَةٍ، ولا شَيْءَ مِنَ المَنافِعِ أعْظَمُ مِمّا هُنالِكَ مِنَ الثَّوابِ ولا شَيْءَ مِنَ المَضارِّ أعْظَمُ مِمّا هُنالِكَ مِنَ العِقابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском