Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:102
2:102Page 16
وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢
And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.
قَوْلُهُ تَعالى: (? ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾
صفحة ١٨٥
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو نَوْعٌ آخَرُ مِن قَبائِحِ أفْعالِهِمْ وهو اشْتِغالُهم بِالسِّحْرِ وإقْبالُهم عَلَيْهِ ودُعاؤُهُمُ النّاسَ إلَيْهِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا﴾ حِكايَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وهُمُ اليَهُودُ، ثُمَّ فِيهِ أقْوالٌ:
أحَدُها: أنَّهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وثانِيها: أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا مِنَ اليَهُودِ.
وثالِثُها: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّحَرَةِ لِأنَّ أكْثَرَ اليَهُودِ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويَعُدُّونَهُ مِن جُمْلَةِ المُلُوكِ في الدُّنْيا، فالَّذِينَ كانُوا مِنهم في زَمانِهِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَعْتَقِدُوا فِيهِ أنَّهُ إنَّما وُجِدَ ذَلِكَ المُلْكُ العَظِيمُ بِسَبَبِ السِّحْرِ.
ورابِعُها: أنَّهُ يَتَناوَلُ الكُلَّ وهَذا أوْلى لِأنَّهُ لَيْسَ صَرْفُ اللَّفْظِ إلى البَعْضِ أوْلى مِن صَرْفِهِ إلى غَيْرِهِ، إذْ لا دَلِيلَ عَلى التَّخْصِيصِ. قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ فَخاصَمُوهُ بِها فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ والقُرْآنُ فَنَبَذُوا التَّوْراةَ وأخَذُوا بِكِتابِ آصِفَ وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ فَلَمْ يُوافِقِ القُرْآنَ، فَهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا كُتُبَ السِّحْرِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ: ﴿تَتْلُو﴾ وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ مِنهُ التِّلاوَةُ والإخْبارُ.
وثانِيها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ (تَتْلُوا) أيْ تَكْذِبُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. يُقالُ: تَلا عَلَيْهِ إذا كَذَبَ وتَلا عَنْهُ إذا صَدَقَ وإذا أبْهَمَ جازَ الأمْرانِ. والأقْرَبُ هو الأوَّلُ لِأنَّ التِّلاوَةَ حَقِيقَةٌ في الخَبَرِ، إلّا أنَّ المُخْبِرَ يُقالُ في خَبَرِهِ إذا كانَ كَذِبًا إنَّهُ تَلا فُلانٌ وإنَّهُ قَدْ تَلا عَلى فُلانٍ لِيَمِيزَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصِّدْقِ الَّذِي لا يُقالُ فِيهِ رَوى عَلى فُلانٍ، بَلْ يُقالُ: رَوى عَنْ فُلانٍ وأخْبَرَ عَنْ فُلانٍ وتَلا عَنْ فُلانٍ وذَلِكَ لا يَلِيقُ إلّا بِالأخْبارِ والتِّلاوَةِ، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ الَّذِي كانُوا يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْ سُلَيْمانَ مِمّا يُتْلى ويُقْرَأُ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ كُلُّ الأوْصافِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في الشَّياطِينِ فَقِيلَ: المُرادُ شَياطِينُ الجِنِّ وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقِيلَ: شَياطِينُ الإنْسِ وهو قَوْلُ المُتَكَلِّمِينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: هم شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ مَعًا. أمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى شَياطِينِ الجِنِّ قالُوا: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ ثُمَّ يَضُمُّونَ إلى ما سَمِعُوا أكاذِيبَ يُلَفِّقُونَها ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ، وقَدْ دَوَّنُوها في كُتُبٍ يَقْرَءُونَها ويُعَلِّمُونَها النّاسَ وفَشا ذَلِكَ في زَمَنِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى قالُوا: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ وكانُوا يَقُولُونَ: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ وما تَمَّ لَهُ مُلْكُهُ إلّا بِهَذا العِلْمِ وبِهِ يُسَخِّرُ الجِنَّ والإنْسَ والرِّيحَ الَّتِي تَجْرِي بِأمْرِهِ. وأمّا الَّذِينَ حَمَلُوهُ عَلى شَياطِينِ الإنْسِ قالُوا: رُوِيَ في الخَبَرِ أنَّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ دَفَنَ كَثِيرًا مِنَ العُلُومِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ حِرْصًا عَلى أنَّهُ إنْ هَلَكَ الظّاهِرُ مِنها يَبْقى ذَلِكَ المَدْفُونُ، فَلَمّا مَضَتْ مُدَّةٌ عَلى ذَلِكَ تَوَصَّلَ قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ إلى أنْ كَتَبُوا في خِلالِ ذَلِكَ أشْياءَ مِنَ السِّحْرِ تُناسِبُ تِلْكَ الأشْياءَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ واطِّلاعِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الكُتُبِ أوْهَمُوا النّاسَ أنَّهُ مِن عَمَلِ سُلَيْمانَ وأنَّهُ ما وصَلَ إلى ما وصَلَ إلَيْهِ إلّا بِسَبَبِ هَذِهِ الأشْياءِ فَهَذا مَعْنى: ”﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾“ .
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ عَلى فَسادِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ شَياطِينَ الجِنِّ لَوْ قَدَرُوا عَلى تَغْيِيرِ كُتُبِ الأنْبِياءِ وشَرائِعِهِمْ بِحَيْثُ يَبْقى ذَلِكَ التَّحْرِيفُ فِيما بَيْنَ النّاسِ لارْتَفَعَ الوُثُوقُ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ وذَلِكَ يُفْضِي إلى الطَّعْنِ في كُلِّ الأدْيانِ. فَإنْ قِيلَ: إذا جَوَّزْتُمْ ذَلِكَ عَلى شَياطِينِ الإنْسِ فَلِمَ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ عَلى شَياطِينِ الجِنِّ ؟ قُلْنا: الفَرْقُ أنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ الإنْسانُ لا بُدَّ وأنْ يَظْهَرَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، أمّا لَوْ جَوَّزْنا هَذا الِافْتِعالَ مِنَ الجِنِّ وهو أنْ نَزِيدَ في
صفحة ١٨٦
كُتُبِ سُلَيْمانَ بِخَطٍّ مِثْلِ خَطِّ سُلَيْمانَ فَإنَّهُ لا يَظْهَرُ ذَلِكَ ويَبْقى مَخْفِيًّا فَيُفْضِي إلى الطَّعْنِ في جَمِيعِ الأدْيانِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ فَقِيلَ في مُلْكِ سُلَيْمانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وقِيلَ عَلى عَهْدِ مُلْكِ سُلَيْمانَ والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ واتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ افْتِراءً عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ لِأنَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ مِن كُتُبِ السِّحْرِ ويَقُولُونَ إنَّ سُلَيْمانَ إنَّما وجَدَ ذَلِكَ المُلْكَ بِسَبَبِ هَذا العِلْمِ، فَكانَتْ تِلاوَتُهم لِتِلْكَ الكُتُبِ كالِافْتِراءِ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِمُلْكِ سُلَيْمانَ، فَقالَ القاضِي: إنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ هو النُّبُوَّةُ، أوْ يَدْخُلُ فِيهِ النُّبُوَّةُ وتَحْتَ النُّبُوَّةِ الكِتابُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ والشَّرِيعَةُ. وإذا صَحَّ ذَلِكَ ثُمَّ أخْرَجَ القَوْمُ صَحِيفَةً فِيها ضُرُوبُ السِّحْرِ وقَدْ دَفَنُوها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ ثُمَّ أخْرَجُوها بَعْدَ مَوْتِهِ وأوْهَمُوا أنَّها مِن جِهَتِهِ صارَ ذَلِكَ مِنهم تَقَوُّلا عَلى مُلْكِهِ في الحَقِيقَةِ. والأصَحُّ عِنْدِي أنْ يُقالَ: إنَّ القَوْمَ لَمّا ادَّعَوْا أنَّ سُلَيْمانَ إنَّما وجَدَ تِلْكَ المَمْلَكَةَ بِسَبَبِ ذَلِكَ العِلْمِ كانَ ذَلِكَ الِادِّعاءُ كالِافْتِراءِ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: السَّبَبُ في أنَّهم أضافُوا السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وُجُوهٌ:
أحَدُها: أنَّهم أضافُوا السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَرْغِيبًا لِلْقَوْمِ في قَبُولِ ذَلِكَ مِنهم.
وثانِيها: أنَّ اليَهُودَ ما كانُوا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ سُلَيْمانَ بَلْ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّما وجَدَ ذَلِكَ المُلْكَ بِسَبَبِ السِّحْرِ.
وثالِثُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَخَّرَ الجِنَّ لِسُلَيْمانَ فَكانَ يُخالِطُهم ويَسْتَفِيدُ مِنهم أسْرارًا عَجِيبَةً فَغَلَبَ عَلى الظُّنُونِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَفادَ السِّحْرَ مِنهم.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ( ? ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ فَهَذا تَنْزِيهٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الكُفْرِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَوْمَ نَسَبُوهُ إلى الكُفْرِ والسِّحْرِ قِيلَ فِيهِ أشْياءُ:
أحَدُها: ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أحْبارِ اليَهُودِ أنَّهم قالُوا: ألا تَعْجَبُونَ مِن مُحَمَّدٍ يَزْعُمُ أنَّ سُلَيْمانَ كانَ نَبِيًّا وما كانَ إلّا ساحِرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وثانِيها: أنَّ السَّحَرَةَ مِنَ اليَهُودِ زَعَمُوا أنَّهم أخَذُوا السِّحْرَ عَنْ سُلَيْمانَ فَنَزَّهَهُ اللَّهُ تَعالى مِنهُ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أنَّ قِوامَ مُلْكِهِ كانَ بِالسِّحْرِ فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِنهُ لِأنَّ كَوْنَهُ نَبِيًّا يُنافِي كَوْنَهُ ساحِرًا كافِرًا، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي بَرَّأهُ مِنهُ لاصِقٌ بِغَيْرِهِ فَقالَ: ( ? ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ يُشِيرُ بِهِ إلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِمَّنِ اتَّخَذَ السِّحْرَ كالحِرْفَةِ لِنَفْسِهِ ويَنْسِبُهُ إلى سُلَيْمانَ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى ما بِهِ كَفَرُوا فَقَدْ كانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّهم ما كَفَرُوا أوَّلًا بِالسِّحْرِ فَقالَ تَعالى: ( ? ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في السِّحْرِ يَقَعُ مِن وُجُوهٍ:
المَسْألَةُ الأُولى: في البَحْثِ عَنْهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ فَنَقُولُ: ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ في الأصْلِ عِبارَةٌ عَمّا لَطُفَ وخَفِيَ سَبَبُهُ، والسَّحْرُ بِالنَّصْبِ هو الغِذاءُ لِخَفائِهِ ولُطْفِ مَجارِيهِ، قالَ لَبِيَدٌ:
ونَسْحَرُ بِالطَّعامِ وبِالشَّرابِ
قِيلَ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنّا نُعَلَّلُ ونُخْدَعُ كالمَسْحُورِ المَخْدُوعِ.
والآخَرُ: نُغَذّى، وأيُّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَمَعْناهُ الخَفاءُ وقالَ:
صفحة ١٨٧
فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
وهَذا البَيْتُ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى ما احْتَمَلَهُ الأوَّلُ، ويَحْتَمِلُ أيْضًا أنْ يُرِيدَ بِالمُسَحَّرِ أنَّهُ ذُو سَحْرٍ، والسَّحْرُ هو الرِّئَةُ، وما تَعَلَّقَ بِالحُلْقُومِ وهَذا أيْضًا يَرْجِعُ إلى مَعْنى الخَفاءِ ومِنهُ قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”«تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ سَحْرِي ونَحْرِي» “، وقَوْلُهُ تَعالى: ( ? ﴿إنَّما أنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣]، يَعْنِي مِنَ المَخْلُوقِينَ، الَّذِي يَطْعَمُ ويَشْرَبُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهم: ( ? ﴿ما أنْتَ إلّا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [الشعراء: ١٥٤] ويُحْتَمَلُ أنَّهُ ذُو سَحْرٍ مِثْلُنا، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ لِلسَّحَرَةِ: ( ? ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] وقالَ: ( ? ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١١٦] فَهَذا هو مَعْنى السِّحْرِ في أصْلِ اللُّغَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ لَفْظَ السِّحْرِ في عُرْفِ الشَّرْعِ مُخْتَصٌّ بِكُلِّ أمْرٍ يَخْفى سَبَبُهُ ويُتَخَيَّلُ عَلى غَيْرِ حَقِيقَتِهِ ويَجْرِي مَجْرى التَّمْوِيهِ والخِداعِ، ومَتى أُطْلِقَ ولَمْ يُقَيَّدْ أفادَ ذَمَّ فاعِلِهِ قالَ تَعالى: ( ? ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي مَوَّهُوا عَلَيْهِمْ حَتّى ظَنُّوا أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم تَسْعى وقالَ تَعالى: ( ? ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مُقَيَّدًا فِيما يُمْدَحُ ويُحْمَدُ. رُوِيَ أنَّهُ «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الزِّبْرِقانُ بْنُ بَدْرٍ وعَمْرُو بْنُ الأهْتَمِ، فَقالَ لِعَمْرٍو: خَبِّرْنِي عَنِ الزِّبْرِقانِ، فَقالَ: مُطاعٌ في نادِيهِ شَدِيدُ العارِضَةِ مانِعٌ لِما وراءَ ظَهْرِهِ، فَقالَ الزِّبْرِقانُ: هو واللَّهِ يَعْلَمُ أنِّي أفْضَلُ مِنهُ، فَقالَ عَمْرٌو: إنَّهُ زَمَنُ المُرُوءَةِ ضَيِّقُ العَطَنِ أحْمَقُ الأبِ لَئِيمُ الخالِ، يا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقْتَ فِيهِما، أرْضانِي فَقُلْتُ أحْسَنَ ما عَلِمْتُ، وأسْخَطَنِي فَقُلْتُ أسْوَأ ما عَلِمْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا“» فَسَمّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْضَ البَيانِ سِحْرًا لِأنَّ صاحِبَهُ يُوَضِّحُ الشَّيْءَ المُشْكِلَ ويَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِحُسْنِ بَيانِهِ وبَلِيغِ عِبارَتِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُسَمِّيَ ما يُوَضِّحُ الحَقَّ ويُنْبِئُ عَنْهُ سِحْرًا، وهَذا القائِلُ إنَّما قَصَدَ إظْهارَ الخَفِيِّ لا إخْفاءَ الظّاهِرِ ولَفْظُ السِّحْرِ إنَّما يُفِيدُ إخْفاءَ الظّاهِرِ ؟ قُلْنا: إنَّما سَمّاهُ سِحْرًا لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: أنَّ ذَلِكَ القَدْرَ لِلُطْفِهِ وحُسْنِهِ اسْتَمالَ القُلُوبَ فَأشْبَهَ السِّحْرَ الَّذِي يَسْتَمِيلُ القُلُوبَ، فَمِن هَذا الوَجْهِ سُمِّيَ سِحْرًا، لا مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ظَنَنْتَ.
الثّانِي: أنَّ المُقْتَدِرَ عَلى البَيانِ يَكُونُ قادِرًا عَلى تَحْسِينِ ما يَكُونُ قَبِيحًا وتَقْبِيحِ ما يَكُونُ حَسَنًا فَذَلِكَ يُشْبِهُ السِّحْرَ مِن هَذا الوَجْهِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في أقْسامِ السِّحْرِ: اعْلَمْ أنَّ السِّحْرَ عَلى أقْسامٍ:
الأوَّلُ: سِحْرُ الكَلْدانِيِّينَ والكَسْدانِيِّينَ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ وهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَزْعُمُونَ أنَّها هي المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ، ومِنها تَصْدُرُ الخَيْراتُ والشُّرُورُ والسَّعادَةُ والنُّحُوسَةُ وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُبْطِلًا لِمَقالَتِهِمْ ورادًّا عَلَيْهِمْ في مَذْهَبِهِمْ. أمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهم عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ، واحْتَجُّوا بِوُجُوهٍ ذَكَرَها القاضِي ولَخَّصَها في تَفْسِيرِهِ وفي سائِرِ كُتُبِهِ ونَحْنُ نَنْقُلُ تِلْكَ الوُجُوهَ ونَنْظُرُ فِيها.
أوَّلُها: وهو النُّكْتَةُ العَقْلِيَّةُ الَّتِي عَلَيْها يُعَوِّلُونَ أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ إمّا مُتَحَيِّزٌ وإمّا قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ، فَلَوْ كانَ غَيْرُ اللَّهِ فاعِلًا لِلْجِسْمِ والحَياةِ لَكانَ ذَلِكَ الغَيْرُ مُتَحَيِّزًا، وذَلِكَ المُتَحَيِّزُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا بِالقُدْرَةِ، إذْ لَوْ كانَ قادِرًا لِذاتِهِ لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ الأجْسامَ مُتَماثِلَةٌ لَكِنَّ القادِرَ بِالقُدْرَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ فِعْلُ الجِسْمِ
صفحة ١٨٨
والحَياةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ حاصِلٌ بِأنَّ الواحِدَ مِنّا لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ ابْتِداءً، فَقُدْرَتُنا مُشْتَرِكَةٌ في امْتِناعِ ذَلِكَ عَلَيْها، فَهَذا الِامْتِناعُ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ فَلا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ ولا مُشْتَرَكَ هَهُنا إلّا كَوْنُنا قادِرِينَ بِالقُدْرَةِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ فِيمَن كانَ قادِرًا بِالقُدْرَةِ أنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُ الجِسْمِ والحَياةِ.
الثّانِي: أنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ الَّتِي لَنا لا شَكَّ أنَّ بَعْضَها يُخالِفُ بَعْضًا، فَلَوْ قَدَّرْنا قُدْرَةً صالِحَةً لِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ لَمْ تَكُنْ مُخالَفَتُها لِهَذِهِ القُدْرَةِ أشَدَّ مِن مُخالَفَةِ بَعْضِ هَذِهِ القُدْرَةِ لِلْبَعْضِ، فَلَوْ كَفى ذَلِكَ القَدْرُ مِنَ المُخالَفَةِ في صَلاحِيَّتِها لِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ لَوَجَبَ في هَذِهِ القُدْرَةِ أنْ يُخالِفَ بَعْضُها بَعْضًا، وأنْ تَكُونَ صالِحَةً لِخَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ القادِرَ بِالقُدْرَةِ لا يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ.
وثانِيها: أنّا لَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَتَعَذَّرَ الِاسْتِدْلالُ بِالمُعْجِزاتِ عَلى النُّبُوّاتِ لِأنّا لَوْ جَوَّزْنا اسْتِحْداثَ الخَوارِقِ بِواسِطَةِ تَمْزِيجِ القُوى السَّماوِيَّةِ بِالقُوى الأرْضِيَّةِ لَمْ يُمْكِنّا القَطْعُ بِأنَّ هَذِهِ الخَوارِقَ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى أيْدِي الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ صَدَرَتْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ يَجُوزُ فِيها أنَّهم أتَوْا بِها مِن طَرِيقِ السِّحْرِ، وحِينَئِذٍ يَبْطُلُ القَوْلُ بِالنُّبُوّاتِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ.
وثالِثُها: أنّا لَوْ جَوَّزْنا أنْ يَكُونَ في النّاسِ مَن يَقْدِرُ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والحَياةِ والألْوانِ لَقَدَرَ ذَلِكَ الإنْسانُ عَلى تَحْصِيلِ الأمْوالِ العَظِيمَةِ مِن غَيْرِ تَعَبٍ، لَكِنّا نَرى مَن يَدَّعِي السِّحْرَ مُتَوَصِّلًا إلى اكْتِسابِ الحَقِيرِ مِنَ المالِ بِجُهْدٍ جَهِيدٍ، فَعَلِمْنا كَذِبَهُ وبِهَذا الطَّرِيقِ نَعْلَمُ فَسادَ ما يَدَّعِيهِ قَوْمٌ مِنَ الكِيمْياءِ، لِأنّا نَقُولُ: لَوْ أمْكَنَهم بِبَعْضِ الأدْوِيَةِ أنْ يَقْلِبُوا غَيْرَ الذَّهَبِ ذَهَبًا لَكانَ إمّا أنْ يُمْكِنَهم ذَلِكَ بِالقَلِيلِ مِنَ الأمْوالِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُغْنُوا أنْفُسَهم بِذَلِكَ عَنِ المَشَقَّةِ والذِّلَّةِ أوْ لا يُمْكِنَهم إلّا بِالآلاتِ العِظامِ والأمْوالِ الخَطِيرَةِ، فَكانَ يَجِبُ أنْ يُظْهِرُوا ذَلِكَ لِلْمُلُوكِ المُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَفْطِنَ المُلُوكُ لِذَلِكَ لِأنَّهُ أنْفَعُ لَهم مِن فَتْحِ البِلادِ الَّذِي لا يَتِمُّ إلّا بِإخْراجِ الأمْوالِ والكُنُوزِ، وفي عِلْمِنا بِانْصِرافِ النُّفُوسِ والهِمَمِ عَنْ ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى فَسادِ هَذا القَوْلِ، قالَ القاضِي: فَثَبَتَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ السّاحِرَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ فاعِلًا لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ ضَعِيفَةٌ جِدًّا:
أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: فَنَقُولُ: ما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِوى اللَّهِ، إمّا أنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا، وإمّا قائِمًا بِالمُتَحَيِّزِ، أما عَلِمْتُمْ أنَّ الفَلاسِفَةَ مُصِرُّونَ عَلى إثْباتِ العُقُولِ والنُّفُوسِ الفَلَكِيَّةِ والنُّفُوسِ النّاطِقَةِ، وزَعَمُوا أنَّها في أنْفُسِها لَيْسَتْ بِمُتَحَيِّزَةٍ ولا قائِمَةٍ بِالمُتَحَيِّزِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِهَذا ؟ فَإنْ قالُوا: لَوْ وُجِدَ مَوْجُودٌ هَكَذا لَزِمَ أنْ يَكُونَ مِثْلًا لِلَّهِ تَعالى، قُلْنا: لا نُسَلِّمُ ذَلِكَ لِأنَّ الِاشْتِراكَ في الأُسْلُوبِ لا يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ في الماهِيَّةِ، سَلَّمْنا ذَلِكَ لَكِنْ لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأجْسامِ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ لِذاتِهِ ؟ قَوْلُهُ: الأجْسامُ مُتَماثِلَةٌ. فَلَوْ كانَ جِسْمٌ كَذَلِكَ لَكانَ كُلُّ جِسْمٍ كَذَلِكَ، قُلْنا: ما الدَّلِيلُ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ، فَإنْ قالُوا: إنَّهُ لا مَعْنى لِلْجِسْمِ إلّا المُمْتَدُّ في الجِهاتِ، الشّاغِلُ لِلْأحْيازِ ولا تَفاوُتَ بَيْنَها في هَذا المَعْنى، قُلْنا: الِامْتِدادُ في الجِهاتِ والشُّغْلُ لِلْأحْيازِ صِفَةٌ مِن صِفاتِها ولازِمٌ مِن لَوازِمِها، ولا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ في الماهِيَّةِ مُشْتَرِكَةً في بَعْضِ اللَّوازِمِ، سَلَّمْنا أنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا بِالقُدْرَةِ، فَلِمَ قُلْتُمْ إنَّ القادِرَ بِالقُدْرَةِ لا يَصِحُّ مِنهُ خَلْقُ الجِسْمِ والحَياةِ ؟ قَوْلُهُ: لِأنَّ القُدْرَةَ الَّتِي لَنا مُشْتَرِكَةٌ في هَذا الِامْتِناعِ وهَذا الِامْتِناعُ حُكْمٌ مُشْتَرَكٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ ولا مُشْتَرَكَ سِوى كَوْنِنا قادِرِينَ بِالقُدْرَةِ، قُلْنا: هَذِهِ المُقَدِّماتُ بِأسْرِها مَمْنُوعَةٌ فَلا نُسَلِّمُ أنَّ الِامْتِناعَ حُكْمٌ مُعَلَّلٌ وذَلِكَ لِأنَّ الِامْتِناعَ عَدَمِيٌّ والعَدَمُ لا يُعَلَّلُ، سَلَّمْنا أنَّهُ أمْرٌ وُجُودِيٌّ، ولَكِنْ مِن مَذْهَبِهِمْ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الأحْكامِ لا يُعَلَّلُ، فَلِمَ
صفحة ١٨٩
لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ هَهُنا كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ مُعَلَّلٌ، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ الحُكْمَ المُشْتَرَكَ لا بُدَّ لَهُ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، ألَيْسَ أنَّ القُبْحَ حَصَلَ في الظُّلْمِ مُعَلَّلًا بِكَوْنِهِ ظُلْمًا وفي الكَذِبِ بِكَوْنِهِ كَذِبًا، وفي الجَهْلِ بِكَوْنِهِ جَهْلًا ؟ سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن عِلَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا مُشْتَرَكَ إلّا كَوْنُنا قادِرِينَ بِالقُدْرَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القُدْرَةُ الَّتِي لَنا مُشْتَرِكَةً في وصْفٍ مُعَيَّنٍ وتِلْكَ القُدْرَةُ الَّتِي تَصْلُحُ لِخَلْقِ الجِسْمِ تَكُونُ خارِجَةً عَنْ ذَلِكَ الوَصْفِ، فَما الدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ وأمّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنَّهُ لَيْسَتْ مُخالَفَةُ تِلْكَ القُدْرَةِ لِبَعْضِ القُدَرِ أشَدَّ مِن مُخالَفَةِ بَعْضِ هَذِهِ القُدَرِ لِلْبَعْضِ، فَنَقُولُ: هَذا ضَعِيفٌ، لِأنّا لا نُعَلِّلُ صَلاحِيَّتَها لِخَلْقِ الجِسْمِ بِكَوْنِها مُخالِفَةً لِهَذِهِ القُدَرِ، بَلْ لِخُصُوصِيَّتِها المُعَيَّنَةِ الَّتِي لِأجْلِها خالَفَتْ سائِرَ القُدَرِ، وتِلْكَ الخُصُوصِيَّةُ مَعْلُومٌ أنَّها غَيْرُ حاصِلَةٍ في سائِرِ القُدَرِ. ونَظِيرُ ما ذَكَرُوهُ أنْ يُقالَ: لَيْسَتْ مُخالَفَةُ الصَّوْتِ لِلْبَياضِ بِأشَدَّ مِن مُخالَفَةِ السَّوادِ لِلْبَياضِ، فَلَوْ كانَتْ تِلْكَ المُخالَفَةُ مانِعَةً لِلصَّوْتِ مِن صِحَّةِ أنْ يُرى لَوَجَبَ لِكَوْنِ السَّوادِ مُخالِفًا لِلْبَياضِ أنْ يَمْتَنِعَ رُؤْيَتُهُ.
ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ فاسِدًا فَكَذا ما قالُوهُ، والعَجَبُ مِنَ القاضِي أنَّهُ لَمّا حَكى هَذِهِ الوُجُوهَ عَنِ الأشْعَرِيَّةِ في مَسْألَةِ الرُّؤْيَةِ وزَيْفِها بِهَذِهِ الأسْئِلَةِ، ثُمَّ إنَّهُ نَفْسَهُ تَمَسَّكَ بِها في هَذِهِ المَسْألَةِ الَّتِي هي الأصْلُ في إثْباتِ النُّبُوَّةِ والرَّدِّ عَلى مَن أثْبَتَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَنا. أمّا الوَجْهُ الثّانِي وهو أنَّ القَوْلَ بِصِحَّةِ النُّبُوّاتِ لا يَبْقى مَعَ تَجْوِيزِ هَذا الأصْلِ فَنَقُولُ: إمّا أنْ يَكُونَ القَوْلُ بِصِحَّةِ النُّبُوّاتِ مُتَفَرِّعًا عَلى فَسادِ هَذِهِ القاعِدَةِ أوْ لا يَكُونُ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ امْتَنَعَ فَسادُ هَذا الأصْلِ بِالبِناءِ عَلى صِحَّةِ النُّبُوّاتِ، وإلّا وقَعَ الدَّوْرُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فَقَدْ سَقَطَ هَذا الكَلامُ بِالكُلِّيَّةِ.
وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ: فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: الكَلامُ في الإمْكانِ غَيْرٌ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِأنَّ هَذِهِ الحالَةَ حاصِلَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ بَلْ هَذِهِ الحالَةُ لا تَحْصُلُ لِلْبَشَرِ إلّا في الأعْصارِ المُتَباعِدَةِ فَكَيْفَ يَلْزَمُنا ما ذَكَرْتُمُوهُ ؟ فَهَذا هو الكَلامُ في النَّوْعِ الأوَّلِ مِنَ السِّحْرِ.
النَّوْعُ الثّانِي مِنَ السِّحْرِ: سِحْرُ أصْحابِ الأوْهامِ والنَّفْسِ القَوِيَّةِ، قالُوا: اخْتَلَفَ النّاسُ في أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: ”أنا“ ما هو ؟ فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّهُ هو هَذِهِ البِنْيَةُ، ومِنهم مَن يَقُولُ: إنَّهُ جِسْمٌ صارَ في هَذِهِ البِنْيَةِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: بِأنَّهُ مَوْجُودٌ ولَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجِسْمانِيٍّ. أمّا إذا قُلْنا إنَّ الإنْسانَ هو هَذِهِ البِنْيَةُ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذِهِ البِنْيَةَ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الأخْلاطِ الأرْبَعَةِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقَ في بَعْضِ الأعْصارِ البارِدَةِ أنْ يَكُونَ مِزاجُهُ مِزاجًا مِنَ الأمْزِجَةِ في ناحِيَةٍ مِنَ النَّواحِي يَقْتَضِي القُدْرَةَ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ والعِلْمِ بِالأُمُورِ الغائِبَةِ عَنّا والمُتَعَذِّرَةِ، وهَكَذا الكَلامُ إذا قُلْنا الإنْسانُ جِسْمٌ صارَ في هَذِهِ البِنْيَةِ، أمّا إذا قُلْنا: إنَّ الإنْسانَ هو النَّفْسُ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: النُّفُوسُ مُخْتَلِفَةٌ فَيَتَّفِقُ في بَعْضِ النُّفُوسِ إنْ كانَتْ لِذاتِها قادِرَةً عَلى هَذِهِ الحَوادِثِ الغَرِيبَةِ مُطَّلِعَةً عَلى الأسْرارِ الغائِبَةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ مِمّا لَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ عَلى فَسادِهِ سِوى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ، وقَدْ بانَ بُطْلانُها، ثُمَّ الَّذِي يُؤَكِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ وُجُوهٌ:
أوَّلُها: أنَّ الجِذْعَ الَّذِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ المَشْيِ عَلَيْهِ لَوْ كانَ مَوْضُوعًا عَلى الأرْضِ لا يُمْكِنُهُ المَشْيُ عَلَيْهِ لَوْ كانَ كالجِسْرِ عَلى هاوِيَةٍ تَحْتَهُ، وما ذاكَ إلّا أنَّ تَخَيُّلَ السُّقُوطِ مَتى قَوِيَ أوْجَبَهُ.
وثانِيها: اجْتَمَعَتِ الأطِبّاءُ عَلى نَهْيِ المَرْعُوفِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ الحُمْرِ، والمَصْرُوعِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ والدَّوَرانِ، وما ذاكَ إلّا أنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مُطِيعَةً لِلْأوْهامِ.
وثالِثُها: حَكى صاحِبُ الشِّفاءِ عَنْ ”أرِسْطُو“ أنَّ طَبائِعَ الحَيَوانِ: أنَّ الدَّجاجَةَ إذْ تَشَبَّهَتْ كَثِيرًا بِالدِّيَكَةِ في الصَّوْتِ وفي الحَرْبِ مَعَ الدِّيَكَةِ نَبَتَ عَلى ساقِها مِثْلُ الشَّيْءِ النّابِتِ عَلى ساقِ الدِّيكِ، ثُمَّ قالَ صاحِبُ الشِّفاءِ: وهَذا يَدُلُّ
صفحة ١٩٠
عَلى أنَّ الأحْوالَ الجُسْمانِيَّةَ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ.
ورابِعُها: أجْمَعَتِ الأُمَمُ عَلى أنَّ الدُّعاءَ اللِّسانِيَّ الخالِيَ عَنِ الطَّلَبِ النَّفْسانِيِّ قَلِيلُ العَمَلِ عَدِيمُ الأثَرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لِلْهِمَمِ والنُّفُوسِ آثارًا وهَذا الِاتِّفاقُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَسْألَةٍ مُعَيَّنَةٍ وحِكْمَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
وخامِسُها: أنَّكَ لَوْ أنْصَفْتَ لَعَلِمْتَ أنَّ المَبادِئَ القَرِيبَةَ لِلْأفْعالِ الحَيَوانِيَّةِ لَيْسَتْ إلّا التَّصَوُّراتِ النَّفْسانِيَّةَ لِأنَّ القُوَّةَ المُحَرِّكَةَ المَغْرُوزَةَ في العَضَلاتِ صالِحَةٌ لِلْفِعْلِ وتَرْكِهِ أوْ ضِدِّهِ، ولَنْ يَتَرَجَّحَ أحَدُ الطَّرَفَيْنِ عَلى الآخَرِ إلّا لِمُرَجِّحٍ وما ذاكَ إلّا تَصَوُّرُ كَوْنِ الفِعْلِ جَمِيلًا أوْ لَذِيذًا أوْ تَصَوُّرُ كَوْنِهِ قَبِيحًا أوْ مُؤْلِمًا فَتِلْكَ التَّصَوُّراتُ هي المَبادِئُ لِصَيْرُورَةِ القُوى العَضَلِيَّةِ، مَبادِئُ لِلْفِعْلِ لِوُجُودِ الأفْعالِ بَعْدَ أنْ كانَتْ كَذَلِكَ بِالقُوَّةِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ التَّصَوُّراتُ هي المَبادِئَ لِمَبادِئِ هَذِهِ الأفْعالِ فَأيُّ اسْتِبْعادٍ في كَوْنِها مَبادِئَ الِأفْعالِ أنْفُسَها وإلْغاءَ الواسِطَةِ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.
وسادِسُها: التَّجْرِبَةُ والعِيانُ شاهِدانِ بِأنَّ هَذِهِ التَّصَوُّراتِ مَبادِئُ قَرِيبَةٌ لِحُدُوثِ الكَيْفِيّاتِ في الأبْدانِ فَإنَّ الغَضْبانَ تَشْتَدُّ سُخُونَةُ مِزاجِهِ حَتّى أنَّهُ يُفِيدُهُ سُخُونَةٌ قَوِيَّةٌ.
يُحْكى أنَّ بَعْضَ المُلُوكِ عَرَضَ لَهُ فالِجٌ فَأعْيا الأطِبّاءَ مُزاوَلَةُ عِلاجِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ الحُذّاقِ مِنهم عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنهُ وشافَهَهُ بِالشَّتْمِ والقَدْحِ في العِرْضِ، فاشْتَدَّ غَضَبُ المَلِكِ وقَفَزَ مِن مَرْقَدِهِ قَفْزَةً اضْطِرارِيَّةً لِما نالَهُ مِن شِدَّةِ ذَلِكَ الكَلامِ فَزالَتْ تِلْكَ العِلَّةُ المُزْمِنَةُ والمَرْضَةُ المُهْلِكَةُ. وإذا جازَ كَوْنُ التَّصَوُّراتِ مَبادِئَ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ في البَدَنِ فَأيُّ اسْتِبْعادٍ مِن كَوْنِها مَبادِئَ لِحُدُوثِ الحَوادِثِ خارِجَ البَدَنِ.
وسابِعُها: أنَّ الإصابَةَ بِالعَيْنِ أمْرٌ قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ العُقَلاءُ وذَلِكَ أيْضًا يُحَقِّقُ إمْكانَ ما قُلْناهُ. إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: النُّفُوسُ الَّتِي تَفْعَلُ هَذِهِ الأفاعِيلَ قَدْ تَكُونُ قَوِيَّةً جِدًّا، فَتَسْتَغْنِي في هَذِهِ الأفْعالِ عَنِ الِاسْتِعانَةِ بِالآلاتِ والأدَواتِ، وقَدْ تَكُونُ ضَعِيفَةً فَتَحْتاجُ إلى الِاسْتِعانَةِ بِهَذِهِ الآلاتِ. وتَحْقِيقُهُ أنَّ النَّفْسَ إذا كانَتْ مُسْتَعْلِيَةً عَلى البَدَنِ شَدِيدَةَ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ [ السَّماءِ ] كانَتْ كَأنَّها رُوحٌ مِنَ الأرْواحِ السَّماوِيَّةِ، فَكانَتْ قَوِيَّةً عَلى التَّأْثِيرِ في مَوادِّ هَذا العالَمِ، أمّا إذا كانَتْ ضَعِيفَةً شَدِيدَةَ التَّعَلُّقِ بِهَذِهِ اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَها تَصَرُّفٌ البَتَّةَ إلّا في هَذا البَدَنِ، فَإذا أرادَ هَذا الإنْسانُ صَيْرُورَتَها بِحَيْثُ يَتَعَدّى تَأْثِيرٌ مِن بَدَنِها إلى بَدَنٍ آخَرَ اتَّخَذَ تِمْثالَ ذَلِكَ الغَيْرِ ووَضَعَهُ عِنْدَ الحِسِّ واشْتَغَلَ الحِسُّ بِهِ فَيَتْبَعُهُ الخَيالُ عَلَيْهِ، وأقْبَلَتِ النَّفْسُ النّاطِقَةُ عَلَيْهِ فَقَوِيَتِ التَّأْثِيراتُ النَّفْسانِيَّةُ والتَّصَرُّفاتُ الرُّوحانِيَّةُ، ولِذَلِكَ أجْمَعْتِ الأُمَمُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ لِمُزاوَلَةِ هَذِهِ الأعْمالِ مِنِ انْقِطاعِ المَأْلُوفاتِ والمُشْتَهَياتِ وتَقْلِيلِ الغِذاءِ والِانْقِطاعِ عَنْ مُخالَطَةِ الخَلْقِ. وكُلَّما كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ أتَمَّ كانَ ذَلِكَ التَّأْثِيرُ أقْوى، فَإذا اتَّفَقَ أنْ كانَتِ النَّفْسُ مُناسِبَةً لِهَذا الأمْرِ نَظَرًا إلى ماهِيَّتِها وخاصِّيَّتِها عَظُمَ التَّأْثِيرُ، والسَّبَبُ المُتَعَيَّنُ فِيهِ أنَّ النَّفْسَ إذا اشْتَغَلَتْ بِالجانِبِ الأوَّلِ أشْغَلَتْ جَمِيعَ قُوَّتِها في ذَلِكَ الفِعْلِ وإذا اشْتَغَلَتْ بِالأفْعالِ الكَثِيرَةِ تَفَرَّقَتْ قُوَّتُها وتَوَزَّعَتْ عَلى تِلْكَ الأفْعالِ فَتَصِلُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأفْعالِ شُعْبَةٌ مِن تِلْكَ القُوَّةِ وجَدْوَلٌ مِن ذَلِكَ النَّهْرِ. ولِذَلِكَ نَرى أنَّ إنْسانَيْنِ يَسْتَوِيانِ في قُوَّةِ الخاطِرِ إذا اشْتَغَلَ أحَدُهُما بِصِناعَةٍ واحِدَةٍ واشْتَغَلَ الآخَرُ بِصِناعَتَيْنِ. فَإنَّ [ ذا الفَنِّ ] الواحِدِ يَكُونُ أقْوى مِن ذِي الفَنَّيْنِ، ومَن حاوَلَ الوُقُوفَ عَلى حَقِيقَةِ مَسْألَةٍ مِنَ المَسائِلِ فَإنَّهُ حالَ تَفَكُّرِهِ فِيها لا بُدَّ وأنْ يُفَرِّغَ خاطِرَهُ عَمّا عَداها، فَإنَّهُ عِنْدَ تَفْرِيغِ الخاطِرِ يَتَوَجَّهُ الخاطِرُ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِ فَيَكُونُ الفِعْلُ أسْهَلَ وأحْسَنَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَإذا كانَ الإنْسانُ مَشْغُولَ الهَمِّ والهِمَّةِ بِقَضاءِ اللَّذّاتِ وتَحْصِيلِ الشَّهَواتِ كانَتِ القُوَّةُ النَّفْسانِيَّةُ مَشْغُولَةً بِها مُسْتَغْرِقَةً فِيها، فَلا يَكُونُ انْجِذابُها إلى تَحْصِيلِ الفِعْلِ الغَرِيبِ الَّذِي يُحاوِلُهُ انْجِذابًا قَوِيًّا لا سِيَّما، وهَهُنا آفَةٌ أُخْرى وهي أنَّ مِثْلَ هَذِهِ النَّفْسِ قَدِ اعْتادَتِ الِاشْتِغالَ بِاللَّذّاتِ مِن أوَّلِ أمْرِها إلى آخِرِهِ، ولَمْ تَشْتَغِلْ قَطُّ بِاسْتِحْداثِ هَذِهِ الأفْعالِ الغَرِيبَةِ، فَهي بِالطَّبْعِ حَنُونٌ إلى الأوَّلِ عَزُوفٌ عَنْ
صفحة ١٩١
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences