Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:102–103

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:102–103, continued

وأمّا المَلَكانِ فَلا نُسَلِّمُ أنَّهُما عَلَّما هَذا النَّوْعَ مِنَ السِّحْرِ، بَلْ لَعَلَّهم يُعَلِّمانِ سائِرَ الأنْواعِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ وأيْضًا فَبِتَقْدِيرِ أنْ يُقالَ: إنَّهُما عَلَّما هَذا النَّوْعَ، لَكِنَّ تَعْلِيمَ هَذا النَّوْعِ إنَّما يَكُونُ كُفْرًا إذا قَصَدَ المُعَلِّمُ أنْ يُعْتَقَدَ حَقِيقَتُهُ وكَوْنُهُ صَوابًا، فَأمّا أنْ يُعَلِّمَهُ لِيُحْتَرَزَ عَنْهُ، فَهَذا التَّعْلِيمُ لا يَكُونُ كُفْرًا، وتَعْلِيمُ المَلائِكَةِ كانَ لِأجْلِ أنْ يَصِيرَ المُكَلَّفُ مُحْتَرِزًا عَنْهُ عَلى ما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُما: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ وأمّا الشَّياطِينُ الَّذِينَ عَلَّمُوا النّاسَ السِّحْرَ فَكانَ مَقْصُودُهُمُ اعْتِقادَ حَقِيقَةِ هَذِهِ الأشْياءِ فَظَهَرَ الفَرْقُ.

المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو بِتَشْدِيدِ ”لَكِنَّ“ و”الشَّياطِينَ“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْمُ ”لَكِنَّ“ والباقُونَ: ”لَكِنْ“ بِالتَّخْفِيفِ و”الشَّياطِينُ“ بِالرَّفْعِ، والمَعْنى واحِدٌ، وكَذَلِكَ في الأنْفالِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] والِاخْتِيارُ أنَّهُ إذا كانَ بِالواوِ كانَ التَّشْدِيدُ أحْسَنَ، وإذا كانَ بِغَيْرِ الواوِ فالتَّخْفِيفُ أحْسَنُ، والوَجْهُ فِيهِ أنَّ ”لَكِنْ“ بِالتَّخْفِيفِ يَكُونُ عَطْفًا فَلا يَحْتاجُ إلى الواوِ لِاتِّصالِ الكَلامِ، والمُشَدَّدَةُ لا تَكُونُ عَطْفًا؛ لِأنَّها تَعْمَلُ عَمَلَ ”إنَّ“ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ﴾ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ بِمَعْنى الَّذِي، ثُمَّ هَؤُلاءِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ”السِّحْرِ“ أيْ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ، ويُعَلِّمُونَهم ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ أيْضًا.

وثانِيها: أنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيْ: واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ افْتِراءً عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ؛ لِأنَّ السِّحْرَ مِنهُ ما هو كُفْرٌ، وهو الَّذِي تَلَتْهُ الشَّياطِينُ، ومِنهُ ما تَأْثِيرُهُ في التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، وهو الَّذِي أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ عَنِ اليَهُودِ أنَّهُمُ اتَّبَعُوا كِلا الأمْرَيْنِ، ولَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى أحَدِهِما.

وثالِثُها: أنَّ مَوْضِعَهُ جَرٌّ عَطْفًا عَلى ﴿مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ وتَقْدِيرُهُ: ما تَتْلُوهُ الشَّياطِينُ افْتِراءً عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ، وعَلى ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ، وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وأنْكَرَ في المَلَكَيْنِ أنْ يَكُونَ السِّحْرُ نازِلًا عَلَيْهِما، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ السِّحْرَ لَوْ كانَ نازِلًا عَلَيْهِما لَكانَ مُنْزِلُهُ هو اللَّهَ تَعالى، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ؛ لَأنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ وعَبَثٌ، ولا يَلِيقُ بِاللَّهِ إنْزالُ ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ، فَلَوْ ثَبَتَ في المَلائِكَةِ أنَّهم يُعَلِّمُونَ السِّحْرَ لَزِمَهُمُ الكُفْرُ، وذَلِكَ باطِلٌ.

الثّالِثُ: كَما لا يَجُوزُ في الأنْبِياءِ أنْ يُبْعَثُوا لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فَكَذَلِكَ في المَلائِكَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى.

الرّابِعُ: أنَّ السِّحْرَ لا يَنْضافُ إلّا إلى الكَفَرَةِ والفَسَقَةِ والشَّياطِينِ المَرَدَةِ، وكَيْفَ يُضافُ إلى اللَّهِ ما يَنْهى عَنْهُ ويَتَوَعَّدُ عَلَيْهِ بِالعِقابِ ؟ وهَلِ السِّحْرُ إلّا الباطِلُ المُمَوَّهُ، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ تَعالى بِإبْطالِهِ كَما قالَ في قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] ثُمَّ إنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ سَلَكَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَهْجًا آخَرَ يُخالِفُ قَوْلَ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، فَقالَ: كَما أنَّ الشَّياطِينَ نَسَبُوا السِّحْرَ إلى مُلْكِ سُلَيْمانَ مَعَ أنَّ مُلْكَ سُلَيْمانَ كانَ مُبَرَّأً عَنْهُ، فَكَذَلِكَ نَسَبُوا ما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ إلى السِّحْرِ مَعَ أنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِما كانَ مُبَرَّأً عَنِ السِّحْرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِما كانَ هو الشَّرْعَ والدِّينَ والدُّعاءَ إلى الخَيْرِ، وإنَّما كانا يُعَلِّمانِ النّاسَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِما: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ تَوْكِيدًا لِبَعْثِهِمْ عَلى القَبُولِ والتَّمَسُّكِ، وكانَتْ طائِفَةٌ تَتَمَسَّكُ وأُخْرى

صفحة ١٩٨

تُخالِفُ وتَعْدِلُ عَنْ ذَلِكَ ويَتَعَلَّمُونَ مِنهُما - أيْ: مِنَ الفِتْنَةِ والكُفْرِ - مِقْدارَ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، فَهَذا تَقْرِيرُ مَذْهَبِ أبِي مُسْلِمٍ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الجَحْدِ ويَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَكْفُرْ سُلَيْمانُ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ سِحْرٌ؛ لِأنَّ السَّحَرَةَ كانَتْ تُضِيفُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَزْعُمُ أنَّهُ مِمّا أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾ جَحْدٌ أيْضًا، أيْ: لا يُعَلِّمانِ أحَدًا، بَلْ يَنْهَيانِ عَنْهُ أشَدَّ النَّهْيِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أيِ: ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾، وهو كَقَوْلِكَ: ما أمَرْتُ فُلانًا بِكَذا حَتّى قُلْتُ لَهُ: إنْ فَعَلْتَ كَذا نالَكَ كَذا، أيْ: ما أمَرْتُ بِهِ بَلْ حَذَّرْتُهُ عَنْهُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ وإنْ كانَتْ حَسَنَةً إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أحْسَنُ مِنها، وذَلِكَ لِأنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ﴾ عَلى ما يَلِيهِ أوْلى مِن عَطْفِهِ عَلى ما بَعُدَ عَنْهُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، أمّا قَوْلُهُ: لَوْ نَزَلَ السِّحْرُ عَلَيْهِما لَكانَ مُنْزِلُ ذَلِكَ السِّحْرِ هو اللَّهَ تَعالى. قُلْنا: تَعْرِيفُ صِفَةِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّرْغِيبِ في إدْخالِهِ في الوُجُودِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ أنْ يَقَعَ الِاحْتِرازُ عَنْهُ كَما قالَ الشّاعِرُ:

عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ تَعْلِيمَ السِّحْرِ كُفْرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾، فالجَوابُ: أنّا بَيَّنّا أنَّهُ واقِعَةُ حالٍ، فَيَكْفِي في صِدْقِها صُورَةٌ واحِدَةٌ، وهي ما إذا اشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِ سِحْرِ مَن يَقُولُ بِإلَهِيَّةِ الكَواكِبِ، ويَكُونُ قَصْدُهُ مِن ذَلِكَ التَّعْلِيمِ إثْباتَ أنَّ ذَلِكَ المَذْهَبَ حَقٌّ.

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّهُ لا يَجُوزُ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ فَكَذا المَلائِكَةُ. قُلْنا: لا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يَجُوزُ بَعْثَةُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِتَعْلِيمِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ الغَرَضُ مِن ذَلِكَ التَّعْلِيمِ التَّنْبِيهَ عَلى إبْطالِهِ.

القَوْلُ الرّابِعُ: إنَّما يُضافُ السِّحْرُ إلى الكَفَرَةِ والمَرَدَةِ، فَكَيْفَ يُضافُ إلى اللَّهِ تَعالى ما يَنْهى عَنْهُ ؟ قُلْنا: فَرْقٌ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَ التَّعْلِيمِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العَمَلُ مَنهِيًّا عَنْهُ ؟ وأمّا تَعْلِيمُهُ لِغَرَضِ التَّنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ فَإنَّهُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ الحَسَنُ: (مَلِكَيْنِ) بِكَسْرِ اللّامِ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ وابْنِ عَبّاسٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ الحَسَنُ: كانا عِلْجَيْنِ أقْلَفَيْنِ بِبابِلَ يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، وقِيلَ: كانا رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ مِنَ المُلُوكِ. والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِفَتْحِ اللّامِ، وهُما كانا مَلَكَيْنِ نَزَلا مِنَ السَّماءِ، وهارُوتُ ومارُوتُ اسْمانِ لَهُما، وقِيلَ: هُما جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، وقِيلَ: غَيْرُهُما، أمّا الَّذِينَ كَسَرُوا اللّامَ فَقَدِ احْتَجُّوا بِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِالمَلائِكَةِ تَعْلِيمُ السِّحْرِ.

وثانِيها: كَيْفَ يَجُوزُ إنْزالُ المَلَكَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨] .

وثالِثُها: لَوْ أنْزَلَ المَلَكَيْنِ لَكانَ إمّا أنْ يَجْعَلَهُما في صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ أوْ لا يَجْعَلَهُما كَذَلِكَ، فَإنْ جَعَلَهُما في صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ مَعَ أنَّهُما لَيْسا بِرَجُلَيْنِ كانَ ذَلِكَ تَجْهِيلًا وتَلْبِيسًا عَلى النّاسِ، وهو غَيْرُ جائِزٍ، ولَوْ جازَ ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ نُشاهِدُهم لا يَكُونُ في الحَقِيقَةِ إنْسانًا، بَلْ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ ؟ وإنْ لَمْ يَجْعَلْهُما في صُورَةِ الرَّجُلَيْنِ قَدَحَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] .

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنّا سَنُبَيِّنُ وجْهَ الحِكْمَةِ في إنْزالِ المَلائِكَةِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، وعَنِ

صفحة ١٩٩

الثّانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ وقِراءَةُ المَلَكَيْنِ بِفَتْحِ اللّامِ مُتَواتِرَةٌ وخاصَّةٌ، والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ، وعَنِ الثّالِثِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَهُما في صُورَةِ رَجُلَيْنِ، وكانَ الواجِبُ عَلى المُكَلَّفِينَ في زَمانِ الأنْبِياءِ أنْ لا يَقْطَعُوا عَلى مَن صُورَتُهُ صُورَةُ الإنْسانِ بِكَوْنِهِ إنْسانًا، كَما أنَّهُ في زَمانِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ الواجِبُ عَلى مَن شاهَدَ دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ ألّا يَقْطَعَ بِكَوْنِهِ مِنَ البَشَرِ، بَلِ الواجِبُ التَّوَقُّفُ فِيهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إذا قُلْنا بِأنَّهُما كانا مِنَ المَلائِكَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِهِما، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا أعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِآدَمَ وقالُوا: ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ عَلَيْهِمْ جَمْعًا مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، فَكانُوا يَعْرُجُونَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، فَعَجِبَتِ المَلائِكَةُ مِنهم ومِن تَبْقِيَةِ اللَّهِ لَهم مَعَ ما ظَهَرَ مِنهم مِنَ القَبائِحِ، ثُمَّ أضافُوا إلَيْها عَمَلَ السِّحْرِ فازْدادَ تَعَجُّبُ المَلائِكَةِ، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَبْتَلِيَ المَلائِكَةَ، فَقالَ لَهُمُ: اخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِن أعْظَمِ المَلائِكَةِ عِلْمًا وزُهْدًا ودِيانَةً لِأُنْزِلَهُما إلى الأرْضِ فَأخْتَبِرَهُما، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، ورَكَّبَ فِيهِما شَهْوَةَ الإنْسِ، وأنْزَلَهُما ونَهاهُما عَنِ الشِّرْكِ والقَتْلِ والزِّنا والشُّرْبِ، فَنَزَلا فَذَهَبَتْ إلَيْهِما امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النِّساءِ، وهي الزُّهَرَةُ فَراوَداها عَنْ نَفْسِها، فَأبَتْ أنْ تُطِيعَهُما إلّا بَعْدَ أنْ يَعْبُدا الصَّنَمَ، وإلّا بَعْدَ أنْ يَشْرَبا الخَمْرَ، فامْتَنَعا أوَّلًا، ثُمَّ غَلَبَتِ الشَّهْوَةُ عَلَيْهِما فَأطاعاها في كُلِّ ذَلِكَ، فَعِنْدَ إقْدامِهِما عَلى الشُّرْبِ وعِبادَةِ الصَّنَمِ دَخَلَ سائِلٌ عَلَيْهِمْ، فَقالَتْ: إنْ أظْهَرَ هَذا السّائِلُ لِلنّاسِ ما رَأى مِنّا فَسَدَ أمْرُنا، فَإنْ أرَدْتُما الوُصُولَ إلَيَّ فاقْتُلا هَذا الرَّجُلَ، فامْتَنَعا مِنهُ ثُمَّ اشْتَغَلا بِقَتْلِهِ، فَلَمّا فَرَغا مِنَ القَتْلِ وطَلَبا المَرْأةَ فَلَمْ يَجِداها، ثُمَّ إنَّ المَلَكَيْنِ عِنْدَ ذَلِكَ نَدِما وتَحَسَّرا وتَضَرَّعا إلى اللَّهِ تَعالى، فَخَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، وهُما يُعَذَّبانِ بِبابِلَ مُعَلَّقانِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، يُعَلِّمانِ النّاسَ السِّحْرَ، ثُمَّ لَهم في الزُّهَرَةِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ابْتَلى المَلَكَيْنِ بِشَهْوَةِ بَنِي آدَمَ، أمَرَ اللَّهُ الكَوْكَبَ الَّذِي يُقالُ لَهُ: الزُّهَرَةُ وفَلَكَها أنِ اهْبِطا إلى الأرْضِ، إلى أنْ كانَ ما كانَ، فَحِينَئِذٍ ارْتَفَعَتِ الزُّهَرَةُ وفَلَكُها إلى مَوْضِعِهِما مِنَ السَّماءِ مُوَبِّخَيْنِ لَهُما عَلى ما شاهَداهُ مِنهُما.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَرْأةَ فاجِرَةٌ مِن أهْلِ الأرْضِ، وواقَعاها بَعْدَ شُرْبِ الخَمْرِ، وقَتْلِ النَّفْسِ، وعِبادَةِ الصَّنَمِ، ثُمَّ عَلَّماها الِاسْمَ الَّذِي كانا بِهِ يَعْرُجانِ إلى السَّماءِ، فَتَكَلَّمَتْ بِهِ وعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، وكانَ اسْمُها ”بِيدَخْتَ“ فَمَسَخَها اللَّهُ، وجَعَلَها هي الزُّهَرَةَ، واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ فاسِدَةٌ، مَرْدُودَةٌ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، بَلْ فِيهِ ما يُبْطِلُها مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلالَةِ الدّالَّةِ عَلى عِصْمَةِ المَلائِكَةِ عَنْ كُلِّ المَعاصِي.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهم: إنَّهُما خُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وبَيْنَ عَذابِ الآخِرَةِ فاسِدٌ، بَلْ كانَ الأوْلى أنْ يُخَيَّرا بَيْنَ التَّوْبَةِ والعَذابِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَيَّرَ بَيْنَهُما مَن أشْرَكَ بِهِ طُولَ عُمُرِهِ، فَكَيْفَ يَبْخَلُ عَلَيْهِما بِذَلِكَ ؟ .

وثالِثُها: أنَّ مِن أعْجَبِ الأُمُورِ قَوْلَهم: إنَّهُما يُعَلِّمانِ السِّحْرَ في حالِ كَوْنِهِما مُعَذَّبَيْنِ، ويَدْعُوانِ إلَيْهِ وهُما يُعاقَبانِ، ولَمّا ظَهَرَ فَسادُ هَذا القَوْلِ فَنَقُولُ: السَّبَبُ في إنْزالِهِما وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ السَّحَرَةَ كَثُرَتْ في ذَلِكَ الزَّمانِ، واسْتَنْبَطَتْ أبْوابًا غَرِيبَةً في السِّحْرِ، وكانُوا يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ، ويَتَحَدَّوْنَ النّاسَ بِها، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِأجْلِ أنْ يُعَلِّما النّاسَ أبْوابَ السِّحْرِ، حَتّى يَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ كَذِبًا، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أحْسَنِ الأغْراضِ والمَقاصِدِ.

وثانِيها: أنَّ العِلْمَ بِكَوْنِ المُعْجِزَةِ مُخالِفَةً لِلسِّحْرِ

صفحة ٢٠٠

مُتَوَقِّفٌ عَلى العِلْمِ بِماهِيَّةِ المُعْجِزَةِ وبِماهِيَّةِ السِّحْرِ، والنّاسُ كانُوا جاهِلِينَ بِماهِيَّةِ السِّحْرِ، فَلا جَرَمَ، هَذا تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ المُعْجِزَةِ، فَبَعَثَ اللَّهُ هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِتَعْرِيفِ ماهِيَّةِ السِّحْرِ؛ لِأجْلِ هَذا الغَرَضِ.

وثالِثُها: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: السِّحْرُ الَّذِي يُوقِعُ الفُرْقَةَ بَيْنَ أعْداءِ اللَّهِ والأُلْفَةَ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ كانَ مُباحًا عِنْدَهم أوْ مَندُوبًا، فاللَّهُ تَعالى بَعَثَ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ لِهَذا الغَرَضِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ تَعَلَّمُوا ذَلِكَ مِنهُما، واسْتَعْمَلُوهُ في الشَّرِّ وإيقاعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ والأُلْفَةِ بَيْنَ أعْداءِ اللَّهِ.

ورابِعُها: أنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ، ولَمّا كانَ السِّحْرُ مَنهِيًّا عَنْهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرًا مَعْلُومًا؛ لِأنَّ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا امْتَنَعَ النَّهْيُ عَنْهُ.

وخامِسُها: لَعَلَّ الجِنَّ كانَ عِنْدَهم أنْواعٌ مِنَ السِّحْرِ لَمْ يَقْدِرِ البَشَرُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها، فَبَعَثَ اللَّهُ المَلائِكَةَ لِيُعَلِّمُوا البَشَرَ أُمُورًا يَقْدِرُونَ بِها عَلى مُعارَضَةِ الجِنِّ.

وسادِسُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا عَلَّمَهُ ما أمْكَنَهُ أنْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إلى اللَّذّاتِ العاجِلَةِ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنِ اسْتِعْمالِها كانَ ذَلِكَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ؛ فَيَسْتَوْجِبُ بِهِ الثَّوابَ الزّائِدَ، كَما ابْتُلِيَ قَوْمُ طالُوتَ بِالنَّهَرِ عَلى ما قالَ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْزالُ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ الواقِعَةُ إنَّما وقَعَتْ في زَمانِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّهُما إذا كانا مَلَكَيْنِ نَزَلا بِصُورَةِ البَشَرِ لِهَذا الغَرَضِ فَلا بُدَّ مِن رَسُولٍ في وقْتِهِما لِيَكُونَ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لَهُ، ولا يَجُوزُ كَوْنُهُما رَسُولَيْنِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ تَعالى لا يَبْعَثُ الرَّسُولَ إلى الإنْسِ مَلَكًا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ”هارُوتُ ومارُوتُ“ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ، عَلَمانِ لَهُما، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ بِدَلِيلِ مَنعِ الصَّرْفِ، ولَوْ كانا مِنَ الهَرْتِ والمَرْتِ، وهو الكَسْرُ كَما زَعَمَ بَعْضُهم لانْصَرَفا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ: ”هارُوتُ ومارُوتُ“ بِالرَّفْعِ عَلى: هُما هارُوتُ ومارُوتُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى شَرَحَ حالَهُما، فَقالَ: وهَذانِ المَلَكانِ لا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ إلّا بَعْدَ التَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنَ العَمَلِ بِهِ، وهو قَوْلُهُما: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ والمُرادُ هَهُنا بِالفِتْنَةِ المِحْنَةُ الَّتِي بِها يَتَمَيَّزُ المُطِيعُ عَنِ العاصِي، كَقَوْلِهِمْ: فَتَنْتُ الذَّهَبَ بِالنّارِ، إذا عُرِضَ عَلى النّارِ لِيَتَمَيَّزَ الخالِصُ عَنِ المَشُوبِ، وقَدْ بَيَّنّا الوُجُوهَ في أنَّهُ كَيْفَ يَحْسُنُ بَعْثَةُ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، فالمُرادُ أنَّهُما لا يُعَلِّمانِ أحَدًا السِّحْرَ، ولا يَصِفانِهِ لِأحَدٍ ولا يَكْشِفانِ لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِيالِ حَتّى يَبْذُلا لَهُ النَّصِيحَةَ، فَيَقُولا لَهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي نَصِفُهُ لَكَ، وإنْ كانَ الغَرَضُ مِنهُ أنْ يَتَمَيَّزَ بِهِ الفَرْقُ بَيْنَ السِّحْرِ وبَيْنَ المُعْجِزِ، ولَكِنَّهُ يُمَكِّنُكَ أنْ تَتَوَصَّلَ بِهِ إلى المَفاسِدِ والمَعاصِي، فَإيّاكَ بَعْدَ وُقُوفِكَ عَلَيْهِ أنْ تَسْتَعْمِلَهُ فِيما نُهِيتَ عَنْهُ، أوْ تَتَوَصَّلَ بِهِ إلى شَيْءٍ مِنَ الأعْراضِ العاجِلَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ هَذا التَّفْرِيقِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا التَّفْرِيقَ إنَّما يَكُونُ بِأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ ذَلِكَ السِّحْرَ مُؤَثِّرٌ في هَذا التَّفْرِيقِ، فَيَصِيرُ كافِرًا، وإذا صارَ كافِرًا بانَتْ مِنهُ امْرَأتُهُ، فَيَحْصُلُ تَفَرُّقٌ بَيْنَهُما.

الثّانِي: أنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَهُما بِالتَّمْوِيهِ والحِيَلِ والتَّضْرِيبِ، وسائِرِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الَّذِي يَتَعَلَّمُونَ مِنهُما لَيْسَ إلّا هَذا القَدْرَ، لَكِنْ ذَكَرَ هَذِهِ الصُّورَةَ تَنْبِيهًا عَلى سائِرِ الصُّوَرِ، فَإنَّ اسْتِكانَةَ المَرْءِ إلى زَوْجَتِهِ ورُكُونَهُ إلَيْها مَعْرُوفٌ زائِدٌ عَلى كُلِّ مَوَدَّةٍ، فَنَبَّهَ

صفحة ٢٠١

اللَّهُ تَعالى بِذِكْرِ ذَلِكَ عَلى أنَّ السِّحْرَ إذا أمْكَنَ بِهِ هَذا الأمْرُ عَلى شِدَّتِهِ فَغَيْرُهُ بِهِ أوْلى.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما هم بِضارِّينَ بِهِ مِن أحَدٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْناهُ؛ لِأنَّهُ أطْلَقَ الضَّرَرَ، ولَمْ يَقْصُرْهُ عَلى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ تَعالى إنَّما ذَكَرَهُ لِأنَّهُ مِن أعْلى مَراتِبِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ الإذْنَ حَقِيقَةٌ في الأمْرِ، واللَّهُ لا يَأْمُرُ بِالسِّحْرِ، ولِأنَّهُ تَعالى أرادَ عَيْبَهم وذَمَّهم، ولَوْ كانَ قَدْ أمَرَهم بِهِ لَما جازَ أنْ يَذُمَّهم عَلَيْهِ، فَلا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: قالَ الحَسَنُ: المُرادُ مِنهُ التَّخْلِيَةُ، يَعْنِي: السِّحْرُ إذا سَحَرَ إنْسانًا فَإنْ شاءَ اللَّهُ مَنَعَهُ مِنهُ، وإنْ شاءَ خَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ ضَرَرِ السِّحْرِ.

وثانِيها: قالَ الأصَمُّ: المُرادُ إلّا بِعِلْمِ اللَّهِ، وإنَّما سُمِّيَ الأذانُ أذانًا؛ لِأنَّهُ إعْلامٌ لِلنّاسِ بِوَقْتِ الصَّلاةِ، وسُمِّيَ الإذْنُ إذْنًا؛ لِأنَّ بِالحاسَّةِ القائِمَةِ بِهِ يُدْرَكُ الإذْنُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ﴾ [التوبة: ٣] أيْ: إعْلامٌ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] مَعْناهُ: فاعْلَمُوا، وقَوْلُهُ: ﴿آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] .

وثالِثُها: أنَّ الضَّرَرَ الحاصِلَ عِنْدَ فِعْلِ السِّحْرِ إنَّما يَحْصُلُ بِخَلْقِ اللَّهِ وإيجادِهِ وإبْداعِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَإنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُضافَ إلى إذْنِ اللَّهِ تَعالى كَما قالَ: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] .

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالإذْنِ الأمْرَ، وهَذا الوَجْهُ لا يَلِيقُ إلّا بِأنْ يُفَسَّرَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ بِأنْ يَصِيرَ كافِرًا، والكُفْرُ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، فَإنَّ هَذا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: إنَّما ذَكَرَ لَفْظَ الشِّراءِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهم لَمّا نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى التَّمَسُّكِ بِما تَتْلُو الشَّياطِينُ، فَكَأنَّهم قَدِ اشْتَرَوْا ذَلِكَ السِّحْرَ بِكِتابِ اللَّهِ.

وثانِيها: أنَّ المَلَكَيْنِ إنَّما قَصَدا بِتَعْلِيمِ السِّحْرِ الِاحْتِرازَ عَنْهُ لِيَصِلَ بِذَلِكَ الِاحْتِرازِ إلى مَنافِعِ الآخِرَةِ، فَلَمّا اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى بِمَنافِعِ الآخِرَةِ مَنافِعَ الدُّنْيا.

وثالِثُها: أنَّهُ لَمّا اسْتَعْمَلَ السِّحْرَ عَلِمْنا أنَّهُ إنَّما تَحَمَّلَ المَشَقَّةَ لِيَتَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ، فَكَأنَّهُ اشْتَرى بِالمِحَنِ الَّتِي تَحَمَّلَها قُدْرَتَهُ عَلى ذَلِكَ الِاسْتِعْمالِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الأكْثَرُونَ: ”الخَلاقُ“ النَّصِيبُ، قالَ القَفّالُ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الخَلَقِ، ومَعْناهُ التَّقْدِيرُ، ومِنهُ خَلِقَ الأدِيمُ، ومِنهُ يُقالُ: قَدَّرَ لِلرَّجُلِ كَذا دِرْهَمًا رِزْقًا عَلى عَمَلِ كَذا. وقالَ آخَرُونَ: الخَلاقُ الخَلاصُ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:

يَدْعُونَ بِالوَيْلِ فِيها لا خَلاقَ لَهم إلّا سَرابِيلَ قَطْرانٍ وأغْلالِ

بَقِيَ في الآيَةِ سُؤالٌ، وهو أنَّهُ: كَيْفَ أثْبَتَ لَهُمُ العِلْمَ أوَّلًا في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ ثُمَّ نَفاهُ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ الَّذِينَ عَلِمُوا غَيْرَ الَّذِينَ لَمْ يَعْلَمُوا، فالَّذِينَ عَلِمُوا هُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا السِّحْرَ ودَعَوُا النّاسَ إلى تَعَلُّمِهِ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ في حَقِّهِمْ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ وأمّا الجُهّالُ الَّذِينَ يَرْغَبُونَ في تَعَلُّمِ السِّحْرِ فَهُمُ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ، وهَذا جَوابُ الأخْفَشِ وقُطْرُبٍ.

وثانِيها: لَوْ سَلَّمْنا كَوْنَ القَوْمِ واحِدًا ولَكِنَّهم عَلِمُوا شَيْئًا وجَهِلُوا شَيْئًا آخَرَ،

صفحة ٢٠٢

عَلِمُوا أنَّهم لَيْسَ لَهم في الآخِرَةِ خَلاقٌ، ولَكِنَّهم جَهِلُوا مِقْدارَ ما فاتَهم مِن مَنافِعِ الآخِرَةِ، وما حَصَلَ لَهم مِن مَضارِّها وعُقُوباتِها.

وثالِثُها: لَوْ سَلَّمْنا أنَّ القَوْمَ واحِدٌ والمَعْلُومَ واحِدٌ، ولَكِنَّهم لَمْ يَنْتَفِعُوا بِعِلْمِهِمْ، بَلْ أعْرَضُوا عَنْهُ فَصارَ ذَلِكَ العِلْمُ كالعَدَمِ كَما سَمّى اللَّهُ تَعالى الكُفّارَ: ”صُمًّا وبُكْمًا وعُمْيًا“ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَذِهِ الحَواسِّ. ويُقالُ لِلرَّجُلِ في شَيْءٍ يَفْعَلُهُ لَكِنَّهُ لا يَضَعُهُ مَوْضِعَهُ: صَنَعْتَ ولَمْ تَصْنَعْ.

2:103Page 16

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣

And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ إلى اليَهُودِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيهِمُ الوَعِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ﴾ أتْبَعَهُ بِالوَعْدِ جامِعًا بَيْنَ التَّرْهِيبِ والتَّرْغِيبِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما أدْعى إلى الطّاعَةِ والعُدُولِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمَنُوا﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ، وأنَّهم تَمَسَّكُوا بِالسِّحْرِ. قالَ مِن بَعْدِ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ يَعْنِي: بِما نَبَذُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ. فَإنْ حَمَلْتَ ذَلِكَ عَلى القُرْآنِ جازَ، وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى كِتابِهِمُ المُصَدِّقِ لِلْقُرْآنِ جازَ؛ وإنْ حَمَلْتَهُ عَلى الأمْرَيْنِ جازَ، والمُرادُ مِنَ التَّقْوى الِاحْتِرازُ عَنْ فِعْلِ المَنهِيّاتِ وتَرْكِ المَأْمُوراتِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّهم آمَنُوا واتَّقَوْا لَأُثِيبُوا إلّا أنَّهُ تُرِكَتِ الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ إلى هَذِهِ الِاسْمِيَّةِ لِما في الجُمْلَةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ واسْتِقْرارِها. فَإنْ قِيلَ: هَلّا قِيلَ: لَمَثُوبَةُ اللَّهِ خَيْرٌ ؟ قُلْنا: لِأنَّ المُرادَ: لَشَيْءٌ مِن ثَوابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهم.

وثانِيها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ تَمَنِّيًا لِإيمانِهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ عَنْ إرادَةِ اللَّهِ إيمانَهم، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَيْتَهم آمَنُوا، ثُمَّ ابْتَدَأ: لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском