Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:105–108, continued
ورابِعُها: أنَّهُ قالَ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ الآتِيَ بِذَلِكَ الخَيْرِ هو المُخْتَصُّ بِالقُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الخَيْراتِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ تَعالى. والجَوابُ عَنِ الوُجُوهِ الأرْبَعَةِ بِأسْرِها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾ لَيْسَ فِيهِ أنَّ ذَلِكَ الخَيْرَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ ناسِخًا، بَلْ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الخَيْرُ شَيْئًا مُغايِرًا لِلنّاسِخِ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ النَّسْخِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى تَحْقِيقِ هَذا الِاحْتِمالِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّ الإتْيانَ بِذَلِكَ الخَيْرِ مُرَتَّبٌ عَلى نَسْخِ الآيَةِ الأوْلى، فَلَوْ كانَ نَسْخُ تِلْكَ الآيَةِ مُرَتَّبًا عَلى الإتْيانِ بِهَذا الخَيْرِ، لَزِمَ الدَّوْرُ وهو باطِلٌ، ثُمَّ احْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى وُقُوعِ نَسْخِ الكِتابِ بِالسُّنَّةِ؛ لِأنَّ آيَةَ الوَصِيَّةِ لِلْأقْرَبِينَ مَنسُوخَةٌ، بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» “ وبِأنَّ آيَةَ الجَلْدِ صارَتْ مَنسُوخَةً بِخَبَرِ الرَّجْمِ.
قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أمّا الأوَّلُ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ كَوْنَ المِيراثِ حَقًّا لِلْوارِثِ يَمْنَعُ مِن صَرْفِهِ إلى الوَصِيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ آيَةَ المِيراثِ مانِعَةٌ مِنَ الوَصِيَّةِ، وأمّا الثّانِي فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ لِأنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَوى أنَّ قَوْلَهُ ”الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ“ كانَ قُرْآنًا، فَلَعَلَّ النَّسْخَ إنَّما وقَعَ بِهِ، وتَمامُ الكَلامِ فِيهِ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
صفحة ٢١١
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَتَنْبِيهٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِ عَلى قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى تَصْرِيفِ المُكَلَّفِ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وحُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وأنَّهُ لا دافِعَ لِما أرادَ، ولا مانِعَ لِما اخْتارَ.
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اسْتَدَلَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ القُرْآنَ مَخْلُوقٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ كَلامَ اللَّهِ تَعالى لَوْ كانَ قَدِيمًا لَكانَ النّاسِخُ والمَنسُوخُ قَدِيمَيْنِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مُحالٌ؛ لَأنَّ النّاسِخَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنِ المَنسُوخِ، والمُتَأخِّرُ عَنِ الشَّيْءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ قَدِيمًا، وأمّا المَنسُوخُ فَلِأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَزُولَ ويَرْتَفِعَ، وما ثَبَتَ زَوالُهُ اسْتَحالَ قِدَمُهُ بِالِاتِّفاقِ.
وثانِيها: أنَّ الآيَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ بَعْضَ القُرْآنِ خَيْرٌ مِن بَعْضٍ، وما كانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ قَدِيمًا.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى نَسْخِ بَعْضِها، والإتْيانِ بِشَيْءٍ آخَرَ بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، وما كانَ داخِلًا تَحْتَ القُدْرَةِ وكانَ فِعْلًا كانَ مُحْدَثًا، أجابَ الأصْحابُ عَنْهُ: بِأنَّ كَوْنَهُ ناسِخًا ومَنسُوخًا إنَّما هو مِن عَوارِضِ الألْفاظِ والعِباراتِ واللُّغاتِ، ولا نِزاعَ في حُدُوثِها، فَلِمَ قُلْتُمْ: إنَّ المَعْنى الحَقِيقِيَّ الَّذِي هو مَدْلُولُ العِباراتِ والِاصْطِلاحاتِ مُحْدَثٌ ؟ قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: ذَلِكَ المَعْنى الَّذِي هو مَدْلُولُ العِباراتِ واللُّغاتِ لا شَكَّ أنَّ تَعَلُّقَهُ الأوَّلَ قَدْ زالَ وحَدَثَ لَهُ تَعَلُّقٌ آخَرُ، فالتَّعَلُّقُ الأوَّلُ مُحْدَثٌ؛ لِأنَّهُ زالَ، والقَدِيمُ لا يَزُولُ، والتَّعَلُّقُ الثّانِي حادِثٌ؛ لِأنَّهُ حَصَلَ بَعْدَما لَمْ يَكُنْ، والكَلامُ الحَقِيقِيُّ لا يَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ التَّعَلُّقاتِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنْ هَذِهِ التَّعَلُّقاتِ (مُحْدَثٌ) وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ والكَلامُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُحْدَثًا.
أجابَ الأصْحابُ: أنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ كانَتْ في الأزَلِ مُتَعَلِّقَةً بِإيجادِ العالِمِ، فَعِنْدَ دُخُولِ العالَمِ في الوُجُودِ هَلْ بَقِيَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ أوْ لَمْ يَبْقَ ؟ فَإنْ بَقِيَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ القادِرُ قادِرًا عَلى إيجادِ المَوْجُودِ، وهو مُحالٌ، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَقَدْ زالَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ؛ فَيَلْزَمُكم حُدُوثُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ، وكَذَلِكَ عِلْمُ اللَّهِ كانَ مُتَعَلِّقًا بِأنَّ العالَمَ سَيُوجَدُ، فَعِنْدَ دُخُولِ العالَمِ في الوُجُودِ إنْ بَقِيَ التَّعَلُّقُ الأوَّلُ كانَ جَهْلًا، وإنْ لَمْ يَبْقَ فَيَلْزَمُكم كَوْنُ التَّعَلُّقِ الأوَّلِ حادِثًا؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ قَدِيمًا لَما زالَ، ويَكُونُ التَّعَلُّقُ الَّذِي حَصَلَ بَعْدَ ذَلِكَ حادِثًا، فَإذَنْ عالِمِيَّةُ اللَّهِ تَعالى لا تَنْفَكُّ عَنِ التَّعَلُّقاتِ الحادِثَةِ، وما لا يَنْفَكُّ عَنِ المُحْدَثِ مُحْدَثٌ، فَعالِمِيَّةُ اللَّهِ مُحْدَثَةٌ، فَكُلُّ ما تَجْعَلُونَهُ جَوابًا عَنِ العالِمِيَّةِ والقادِرِيَّةِ فَهو جَوابُنا عَنِ الكَلامِ.
المَسْألَةُ العاشِرَةُ: احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَقْرِيرِهِ فَلا نُعِيدُهُ، والقَدِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنى الفاعِلِ، وهو بِناءُ المُبالَغَةِ.
2:107Page 17
أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٠٧
Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and [that] you have not besides Allāh any protector or any helper?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكَمَ بِجَوازِ النَّسْخِ عَقَّبَهُ بِبَيانِ أنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ لا لِغَيْرِهِ،
صفحة ٢١٢
وهَذا هو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما حَسُنَ مِنهُ الأمْرُ والنَّهْيُ؛ لِكَوْنِهِ مالِكًا لِلْخَلْقِ، وهَذا هو مَذْهَبُ أصْحابِنا، وأنَّهُ إنَّما حَسُنَ التَّكْلِيفُ مِنهُ لِمَحْضِ كَوْنِهِ مالِكًا لِلْخَلْقِ مُسْتَوْلِيًا عَلَيْهِمْ، لا لِثَوابٍ يَحْصُلُ، أوْ لِعِقابٍ يَنْدَفِعُ.
قالَ القَفّالُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا إشارَةً إلى أمْرِ القِبْلَةِ، فَإنَّهُ تَعالى أخْبَرَهم بِأنَّهُ مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ الأمْكِنَةَ والجِهاتِ كُلَّها لَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بَعْضُ الجِهاتِ أكْبَرَ حُرْمَةً مِنَ البَعْضِ، إلّا مِن حَيْثُ يَجْعَلُها هو تَعالى لَهُ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ بِاسْتِقْبالِ القِبْلَةِ إنَّما هو مَحْضُ التَّخْصِيصِ بِالتَّشْرِيفِ، فَلا مانِعَ يَمْنَعُ مِن تَغَيُّرِهِ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، وأمّا الوَلِيُّ والنَّصِيرُ فَكِلاهُما فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ عَلى وجْهِ المُبالِغَةِ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُلْكَ غَيْرُ القُدْرَةِ، فَقالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ أوَّلًا: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَلَوْ كانَ المُلْكُ عِبارَةً عَنِ القُدْرَةِ لَكانَ هَذا تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، والكَلامُ في حَقِيقَةِ المُلْكِ والقُدْرَةِ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] .
2:108Page 17
أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١٠٨
Or do you intend to ask1 your Messenger as Moses was asked before? And whoever exchanges faith for disbelief has certainly strayed from the soundness of the way.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ اعْلَمْ أنَّ هَهُنا مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”أمْ“ عَلى ضَرْبَيْنِ: مُتَّصِلَةٍ، ومُنْقَطِعَةٍ، فالمُتَّصِلَةُ عَدِيلَةُ الألِفِ، وهي مُفَرِّقَةٌ لِما جَمَعَتْهُ (أيٌّ) كَما أنَّ ”أوْ“ مُفَرِّقَةٌ لِما جَمَعَتْهُ، تَقُولُ: اضْرِبْ أيَّهم شِئْتَ زَيْدًا أمْ عَمْرًا، فَإذا قُلْتَ: اضْرِبْ أحَدَهم، قُلْتَ: اضْرِبْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا، والمُنْقَطِعَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ كَلامٍ تامٍّ، لِأنَّها بِمَعْنى ”بَلْ“ والألِفِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها الإبِلُ أمْ شاءٌ، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ هي شاءٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] أيْ: بَلْ يَقُولُونَ، قالَ الأخْطَلُ:
كَذَبَتْكَ عَيْنُكَ أمْ رَأيْتَ بِواسِطٍ غَلَسَ الظَّلامِ مِنَ الرَّبابِ خَيالًا
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في المُخاطَبِ بِهِ عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ، وهو قَوْلُ الأصَمِّ والجُبّائِيِّ وأبِي مُسْلِمٍ، واسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهُ قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ وهَذا الكَلامُ لا يَصِحُّ إلّا في حَقِّ المُؤْمِنِينَ.
الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾ يَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: وقُولُوا: انْظُرْنا واسْمَعُوا، فَهَلْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ كَما أُمِرْتُمْ، أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم ؟ .
الثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْألُونَ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ أُمُورٍ لا خَيْرَ لَهم في البَحْثِ عَنْها، لِيَعْلَمُوها، كَما سَألَ اليَهُودُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما لَمْ يَكُنْ لَهم فِيهِ خَيْرٌ عَنِ البَحْثِ عَنْهُ.
الرّابِعُ: سَألَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ كَما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ ذاتُ أنْواطٍ، وهي شَجَرَةٌ كانُوا يَعْبُدُونَها، ويُعَلِّقُونَ عَلَيْها المَأْكُولَ والمَشْرُوبَ، كَما سَألُوا مُوسى أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ.
القَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ. قالَ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ المَخْزُومِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في رَهْطٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ واللَّهِ ما أُومِنُ بِكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا، أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ، أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ، أوْ تَرْقى في السَّماءِ بِأنْ تَصْعَدَ، ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا مِنَ اللَّهِ إلى
صفحة ٢١٣
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فاتَّبِعُوهُ.
وقالَ لَهُ بَقِيَّةُ الرَّهْطِ: فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ ذَلِكَ فائْتِنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ جُمْلَةً واحِدَةً، فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ والفَرائِضُ، كَما جاءَ مُوسى إلى قَوْمِهِ بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيها كُلُّ ذَلِكَ، فَنُؤْمِنُ بِكَ عِنْدَ ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم مُحَمَّدًا أنْ يَأْتِيَكُمُ الآياتِ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما سَألَ السَّبْعُونَ، فَقالُوا: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً.
وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ قُرَيْشًا سَألَتْ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا وفِضَّةً، فَقالَ: نَعَمْ، هو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأبَوْا ورَجَعُوا.
القَوْلُ الثّالِثُ: المُرادُ اليَهُودُ، وهَذا القَوْلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوَّلِ قَوْلِهِ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٧] حِكايَةٌ عَنْهم، ومَحاجَّةٌ مَعَهم، ولِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، ولِأنَّهُ جَرى ذِكْرُ اليَهُودِ وما جَرى ذِكْرُ غَيْرِهِمْ، ولِأنَّ المُؤْمِنَ بِالرَّسُولِ لا يَكادُ يَسْألُهُ، فَإذا سَألَهُ كانَ مُتَبَدِّلًا كُفْرًا بِالإيمانِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَيْسَ في ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنَّهم أتَوْا بِالسُّؤالِ فَضْلًا عَنْ كَيْفِيَّةِ السُّؤالِ، بَلِ المَرْجِعُ فِيهِ إلى الرِّواياتِ الَّتِي ذَكَرْناها في أنَّهم سَألُوا، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اعْلَمْ أنَّ السُّؤالَ الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِلْمُعْجِزاتِ، فَمِن أيْنَ أنَّهُ كُفْرٌ ؟ ومَعْلُومٌ أنَّ طَلَبَ الدَّلِيلِ عَلى الشَّيْءِ لا يَكُونُ كُفْرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ طَلَبًا لِوَجْهِ الحِكْمَةِ المُفَصَّلَةِ في نَسْخِ الأحْكامِ، فَهَذا أيْضًا لا يَكُونُ كُفْرًا؛ فَإنَّ المَلائِكَةَ طَلَبُوا الحِكْمَةَ التَّفْصِيلِيَّةَ في خِلْقَةِ البَشَرِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُفْرًا، فَلَعَلَّ الأوْلى حَمْلُ الآيَةِ عَلى أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ، وإنْ كانُوا طَلَبُوا المُعْجِزاتِ فَإنَّهم يَطْلُبُونَها عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ واللَّجاجِ، فَلِهَذا كَفَرُوا بِسَبَبِ هَذا السُّؤالِ.
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ذَكَرُوا في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكَمَ بِجَوازِ النَّسْخِ في الشَّرائِعِ، فَلَعَلَّهم كانُوا يُطالِبُونَهُ بِتَفاصِيلِ ذَلِكَ الحُكْمِ فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْها، وبَيَّنَ أنَّهم لَيْسَ لَهم أنْ يَشْتَغِلُوا بِهَذِهِ الأسْئِلَةِ كَما أنَّهُ ما كانَ لِقَوْمِ مُوسى أنْ يَذْكُرُوا أسْئِلَتَهُمُ الفاسِدَةَ.
وثانِيها: لَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، قالَ لَهم: إنْ لَمْ تَقْبَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ وتَمَرَّدْتُمْ عَنِ الطّاعَةِ، كُنْتُمْ كَمَن سَألَ مُوسى ما لَيْسَ لَهُ أنْ يَسْألَهُ؛ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ.
وثالِثُها: لَمّا أمَرَ ونَهى، قالَ: أتَفْعَلُونَ ما أُمِرْتُمْ، أمْ تَفْعَلُونَ كَما فَعَلَ مَن قَبْلَكم مِن قَوْمِ مُوسى ؟
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وسَطَهُ، قالَ تَعالى: ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] أيْ: وسَطِ الجَحِيمِ، والغَرَضُ التَّشْبِيهُ دُونَ نَفْسِ الحَقِيقَةِ، ووَجْهُ التَّشْبِيهِ في ذَلِكَ أنَّ مَن سَلَكَ طَرِيقَةَ الإيمانِ فَهو جارٍ عَلى الِاسْتِقامَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى الفَوْزِ والظَّفَرِ بِالطِّلْبَةِ مِنَ الثَّوابِ والنَّعِيمِ، فالمُبَدِّلُ لِذَلِكَ بِالكُفْرِ عادِلٌ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، فَقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences