Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:124

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:124

2:124Page 19

۞ وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ ١٢٤

And [mention, O Muḥammad], when Abraham was tried by his Lord with words [i.e., commands] and he fulfilled them. [Allāh] said, "Indeed, I will make you a leader for the people." [Abraham] said, "And of my descendants?" [Allāh] said, "My covenant does not include the wrongdoers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا اسْتَقْصى في شَرْحِ وُجُوهِ نِعَمِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ في شَرْحِ قَبائِحِهِمْ في أدْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وخَتَمَ هَذا الفَصْلَ بِما بَدَأ بِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ شَرَعَ سُبْحانَهُ هَهُنا في نَوْعٍ آخَرَ مِنَ البَيانِ وهو أنْ ذَكَرَ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكَيْفِيَّةَ أحْوالِهِ، والحِكْمَةُ فِيهِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَخْصٌ يَعْتَرِفُ بِفَضْلِهِ جَمِيعُ الطَّوائِفِ والمِلَلِ، فالمُشْرِكُونَ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ ومِن ساكِنِي حَرَمِهِ وخادِمِي بَيْتِهِ، وأهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى كانُوا أيْضًا مُقِرِّينَ بِفَضْلِهِ مُتَشَرِّفِينَ بِأنَّهم مِن أوْلادِهِ، فَحَكى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ إبْراهِيمَ أُمُورًا تُوجِبُ عَلى المُشْرِكِينَ وعَلى اليَهُودِ والنَّصارى قَبُولَ قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ والِاعْتِرافَ بِدِينِهِ والِانْقِيادَ لِشَرْعِهِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِبَعْضِ التَّكالِيفِ فَلَمّا وفّى بِها وخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِها لا جَرَمَ نالَ النُّبُوَّةَ والإمامَةَ وهَذا مِمّا يُنَبِّهُ اليَهُودَ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ عَلى أنَّ الخَيْرَ لا يَحْصُلُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إلّا بِتَرْكِ التَّمَرُّدِ والعِنادِ والِانْقِيادِ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهُ أنَّهُ طَلَبَ الإمامَةَ لِأوْلادِهِ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَنصِبَ الإمامَةِ والرِّياسَةِ في الدِّينِ لا يَصِلُ إلى الظّالِمِينَ، فَهَؤُلاءِ مَتى أرادُوا وِجْدانَ هَذا المَنصِبِ وجَبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُ اللَّجاجِ والتَّعَصُّبِ لِلْباطِلِ.

وثالِثُها: أنَّ الحَجَّ مِن خَصائِصِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ لِيَكُونَ ذَلِكَ كالحُجَّةِ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى في وُجُوبِ الِانْقِيادِ لِذَلِكَ.

ورابِعُها: أنَّ القِبْلَةَ لَمّا حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا البَيْتَ قِبْلَةُ إبْراهِيمَ الَّذِي يَعْتَرِفُونَ بِتَعْظِيمِهِ ووُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ فَكانَ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ زَوالَ ذَلِكَ الغَضَبِ عَنْ قُلُوبِهِمْ.

وخامِسُها: أنَّ مِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِها بِأُمُورٍ يَرْجِعُ حاصِلُها إلى تَنْظِيفِ البَدَنِ وذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَلى المُشْرِكِينَ اخْتِيارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِأنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ويُوجِبُ عَلَيْهِمْ تَرْكَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّلَطُّخِ بِالدِّماءِ وتَرْكِ النَّظافَةِ ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن فَسَّرَ تِلْكَ الكَلِماتِ بِما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ عَلى ما ابْتُلِيَ بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وهو النَّظَرُ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ ومُناظَرَةُ عَبَدَةِ الأوْثانِ، ثُمَّ الِانْقِيادُ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى في ذَبْحِ الوَلَدِ والإلْقاءِ في النّارِ، وهَذا يُوجِبُ عَلى هَؤُلاءِ اليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْتَرِفُونَ بِفَضْلِهِ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِ في ذَلِكَ ويَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ في

صفحة ٣٢

تَرْكِ الحَسَدِ والحَمِيَّةِ وكَراهَةِ الِانْقِيادِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَهَذِهِ الوُجُوهُ الَّتِي لِأجْلِها ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمُورًا يَرْجِعُ بَعْضُها إلى الأُمُورِ الشّاقَّةِ الَّتِي كَلَّفَهُ بِها، وبَعْضُها يَرْجِعُ إلى التَّشْرِيفاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِها، ونَحْنُ نَأْتِي عَلى تَفْسِيرِها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى تَكْلِيفٍ حَصَلَ بَعْدَهُ تَشْرِيفٌ.

* * *

أمّا التَّكْلِيفُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: العامِلُ في ”إذا“ إمّا مُضْمَرٌ نَحْوُ: واذْكُرْ إذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ، أوْ إذِ ابْتَلاهُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ؛ وإمّا ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى وصَفَ تَكْلِيفَهُ إيّاهُ بِبَلْوى تَوَسُّعًا لِأنَّ مِثْلَ هَذا يَكُونُ مِنّا عَلى جِهَةِ البَلْوى والتَّجْرِبَةِ والمِحْنَةِ مِن حَيْثُ لا يَعْرِفُ ما يَكُونُ مِمَّنْ يَأْمُرُهُ، فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ في العُرْفِ بَيْنَنا جازَ أنْ يَصِفَ اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ ونَهْيَهُ بِذَلِكَ مَجازًا لِأنَّهُ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِاخْتِبارُ والِامْتِحانُ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِنَ الأزَلِ إلى الأبَدِ، وقالَ هِشامُ بْنُ الحَكَمِ: إنَّهُ كانَ في الأزَلِ عالِمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ وماهِيّاتِها فَقَطْ، فَأمّا حُدُوثُ تِلْكَ الماهِيّاتِ ودُخُولُها في الوُجُودِ فَهو تَعالى لا يَعْلَمُها إلّا عِنْدَ وُقُوعِها واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالآيَةِ والمَعْقُولِ، أمّا الآيَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ، قالَ: إنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِأنَّهُ يَبْتَلِي عِبادَهُ ويَخْتَبِرُهم وذَكَرَ نَظِيرَهُ في سائِرِ الآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾ [ مُحَمَّدٍ: ٣١] وقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هُودٍ: ٧ ] وقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٥] وذَكَرَ أيْضًا ما يُؤَكِّدُ هَذا المَذْهَبَ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] وكَلِمَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي وقالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١] فَهَذِهِ الآياتُ ونَظائِرُها دالَّةٌ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَعْلَمُ وُقُوعَ الكائِناتِ قَبْلَ وُقُوعِها، أمّا العَقْلُ فَدَلَّ عَلى وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَوْ كانَ عالِمًا بِوُقُوعِ الأشْياءِ قَبْلَ وُقُوعِها لَزِمَ نَفْيُ القُدْرَةِ عَنِ الخالِقِ وعَنِ الخَلْقِ، وذَلِكَ مُحالٌ فَما أدّى إلَيْهِ مِثْلُهُ بَيانُ المُلازَمَةِ: أنَّ ما عَلِمَ اللَّهُ تَعالى وُقُوعَهُ اسْتَحالَ أنْ لا يَقَعَ لِأنَّ العِلْمَ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ وبِلا وُقُوعِ ذَلِكَ الشَّيْءِ مُتَضادّانِ والجَمْعُ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مُحالٌ، وكَذَلِكَ ما عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يَقَعُ كانَ وُقُوعُهُ مُحالًا لِعَيْنِ هَذِهِ الدَّلالَةِ، فَلَوْ كانَ البارِي تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ الأشْياءِ الجُزْئِيَّةِ قَبْلَ وُقُوعِها لَكانَ بَعْضُها واجِبَ الوُقُوعِ وبَعْضُها مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، ولا قُدْرَةَ البَتَّةَ لا عَلى الواجِبِ ولا عَلى المُمْتَنِعِ فَيَلْزَمُ نَفْيُ القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ عَنِ الخالِقِ تَعالى وعَنِ الخَلْقِ وإنَّما قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ مُحالٌ أمّا في حَقِّ الخالِقِ فَلِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّ العالَمَ مُحْدَثٌ ولَهُ مُؤَثِّرٌ وذَلِكَ المُؤَثِّرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا إذْ لَوْ كانَ مُوجِبًا لِذاتِهِ لَزِمَ مِن قِدَمِهِ قِدَمُ العالَمِ أوْ مِن حُدُوثِ العالَمِ حُدُوثُهُ، وأمّا في حَقِّ الخَلْقِ فَلِأنّا نَجِدُ مِن أنْفُسِنا وِجْدانًا ضَرُورِيًّا كَوْنَنا مُتَمَكِّنِينَ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ، عَلى مَعْنى أنّا إنْ شِئْنا الفِعْلَ قَدَرْنا عَلَيْهِ، وإنْ شِئْنا التَّرْكَ قَدَرْنا عَلى التَّرْكِ، فَلَوْ كانَ أحَدُهُما واجِبًا والآخَرُ مُمْتَنِعًا لَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُكْنَةُ الَّتِي يُعْرَفُ ثُبُوتُها بِالضَّرُورَةِ.

وثانِيها: أنَّ تَعَلُّقَ العِلْمِ بِأحَدِ المَعْلُومَيْنِ مُغايِرٌ لِتَعَلُّقِهِ بِالمَعْلُومِ الآخَرِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهُ يَصِلُ مِنّا تَعَقُّلُ أحَدِ

صفحة ٣٣

التَّعَلُّقَيْنِ مَعَ الذُّهُولِ عَنِ التَّعَلُّقِ الآخَرِ، ولَوْ كانَ التَّعَلُّقانِ تَعَلُّقًا واحِدًا لاسْتَحالَ ذَلِكَ، لِأنَّ الشَّيْءَ الواحِدَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مَذْهُولًا عَنْهُ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لَوْ كانَ تَعالى عالِمًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الجُزْئِيّاتِ، لَكانَ لَهُ تَعالى عُلُومٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، أوْ كانَ لِعِلْمِهِ تَعَلُّقاتٌ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَيَلْزَمُ حُصُولُ مَوْجُوداتٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ دَفْعَةً واحِدَةً وذَلِكَ مُحالٌ، لِأنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الأشْياءِ أزْيَدُ مِن ذَلِكَ المَجْمُوعِ بِعَيْنِهِ عِنْدَ نُقْصانِ عَشَرَةٍ مِنهُ، فالنّاقِصُ مُتَناهٍ، والزّائِدُ زادَ عَلى المُتَناهِي بِتِلْكَ العَشَرَةِ، والمُتَناهِي إذا ضُمَّ إلَيْهِ غَيْرُ المُتَناهِي كانَ الكُلُّ مُتَناهِيًا، فَإذًا وُجُودُ أُمُورٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مُحالٌ، فَإنْ قِيلَ: المَوْجُودُ هو العِلْمُ، فَأمّا تِلْكَ التَّعَلُّقاتُ فَهي أُمُورٌ نِسْبِيَّةٌ لا وُجُودَ لَها في الأعْيانِ، قُلْنا: العِلْمُ إنَّما يَكُونُ عِلْمًا لَوْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِالمَعْلُومِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ حاصِلًا في نَفْسِ الأمْرِ لَزِمَ أنْ لا يَكُونَ العِلْمُ عِلْمًا في نَفْسِ الأمْرِ وذَلِكَ مُحالٌ.

وثالِثُها: أنَّ هَذِهِ المَعْلُوماتِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، هَلْ يَعْلَمُ اللَّهُ عَدَدَها أوْ لا يَعْلَمُ، فَإنْ عَلِمَ عَدَدَها فَهي مُتَناهِيَةٌ، لِأنَّ كُلَّ ما لَهُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ فَهو مُتَناهٍ، وإنْ لَمْ يَعْلَمِ اللَّهُ تَعالى عَدَدَها لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وكَلامُنا لَيْسَ إلّا في العِلْمِ التَّفْصِيلِيِّ.

ورابِعُها: أنَّ كُلَّ مَعْلُومٍ فَهو مُتَمَيِّزٌ في الذِّهْنِ عَمّا عَداهُ، وكُلُّ مُتَمَيِّزٍ عَمّا عَداهُ فَإنَّ ما عَداهُ خارِجٌ عَنْهُ، وكُلُّ ما خَرَجَ عَنْهُ فَهو مُتَناهٍ، فَإذَنْ كُلُّ مَعْلُومٍ فَهو مُتَناهٍ، فَإذَنْ كُلُّ ما هو غَيْرُ مُتَناهٍ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مَعْلُومًا.

وخامِسُها: أنَّ الشَّيْءَ إنَّما يَكُونُ مَعْلُومًا لَوْ كانَ لِلْعِلْمِ تَعَلُّقٌ بِهِ ونِسْبَةٌ إلَيْهِ وانْتِسابُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ لِلشَّيْءِ في نَفْسِهِ تَعَيُّنٌ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو نِسْبَةٌ، والشَّيْءُ المُشَخَّصُ قَبْلَ دُخُولِهِ في الوُجُودِ لَمْ يَكُنْ مُشَخَّصًا البَتَّةَ، فاسْتَحالَ كَوْنُهُ مُتَعَلِّقَ العِلْمِ، فَإنْ قِيلَ: يَبْطُلُ هَذا بِالمُحالاتِ والمُرَكَّباتِ قَبْلَ دُخُولِها في الوُجُودِ، فَإنّا نَعْلَمُها وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها تَعَيُّناتٌ البَتَّةَ، قُلْنا: هَذا الَّذِي أوْرَدْتُمُوهُ نَقْضٌ عَلى كَلامِنا، ولَيْسَ جَوابًا عَنْ كَلامِنا، وذَلِكَ مِمّا لا يُزِيلُ الشَّكَّ والشُّبْهَةَ، قالَهِشامٌ: فَهَذِهِ الوُجُوهُ العَقْلِيَّةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا حاجَةَ إلى صَرْفِ هَذِهِ الآياتِ عَنْ ظَواهِرِها.

واعْلَمْ أنَّ هِشامًا كانَ رَئِيسَ الرّافِضَةِ، فَلِذَلِكَ ذَهَبَ قُدَماءُ الرَّوافِضِ إلى القَوْلِ بِالبَداءِ، أمّا الجُمْهُورُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَإنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ قَبْلَ وُقُوعِها، واحْتَجُّوا عَلَيْها بِأنَّها قَبْلَ وُقُوعِها تَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعالى إنَّما قُلْنا إنَّها تَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِأنّا نَعْلَمُها قَبْلَ وُقُوعِها فَإنّا نَعْلَمُ أنَّ الشَّمْسَ غَدًا تَطْلُعُ مِن مَشْرِقِها، والوُقُوعُ يَدُلُّ عَلى الإمْكانِ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ لَمّا صَحَّ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وجَبَ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً لِلَّهِ تَعالى، لِأنَّ تَعَلُّقَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِالمَعْلُومِ أمْرٌ ثَبَتَ لَهُ لِذاتِهِ، فَلَيْسَ تَعَلُّقُهُ بِبَعْضِ ما يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ أوْلى مِن تَعَلُّقِهِ بِغَيْرِهِ، فَلَوْ حَصَلَ التَّخْصِيصُ لافْتَقَرَ إلى مُخَصِّصٍ، وذَلِكَ مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِشَيْءٍ مِنَ المَعْلُوماتِ أصْلًا وإنْ تَعَلَّقَ بِالبَعْضِ فَإنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّها وهو المَطْلُوبُ.

أمّا الشُّبْهَةُ الأُولى: فالجَوابُ عَنْها أنَّ العِلْمَ بِالوُقُوعِ تَبَعٌ لِلْوُقُوعِ، والوُقُوعُ تَبَعٌ لِلْقُدْرَةِ، فالتّابِعُ لا يُنافِي المَتْبُوعَ، فالعِلْمُ لازِمٌ لا يُغْنِي عَنِ القُدْرَةِ.

وأمّا الشُّبْهَةُ الثّانِيَةُ: فالجَوابُ عَنْها: أنَّها مَنقُوضَةٌ بِمَراتِبِ الأعْدادِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَها.

وأمّا الشُّبْهَةُ الثّالِثَةُ: فالجَوابُ عَنْها: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ عَدَدَها، ولا يَلْزَمُ مِنهُ إثْباتُ الجَهْلِ، لِأنَّ الجَهْلَ هو أنْ يَكُونَ لَها عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ عَدَدَها، فَأمّا إذا لَمْ يَكُنْ لَها في نَفْسِها عَدَدٌ، لَمْ

صفحة ٣٤

يَلْزَمْ مِن قَوْلِنا: أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَعْلَمُ عَدَدَها إثْباتُ الجَهْلِ.

وأمّا الشُّبْهَةُ الرّابِعَةُ: فالجَوابُ عَنْها: أنَّهُ لَيْسَ مِن شَرْطِ المَعْلُومِ أنْ يَعْلَمَ العِلْمُ تَمَيُّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ، لِأنَّ العِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِذَلِكَ الغَيْرِ، فَلَوْ كانَ تَوَقُّفُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى العِلْمِ بِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وثَبَتَ أنَّ العِلْمَ بِتَمَيُّزِهِ مِن غَيْرِهِ يُوقَفُ عَلى العِلْمِ بِغَيْرِهِ، لَزِمَ أنْ لا يَعْلَمَ الإنْسانُ شَيْئًا واحِدًا إلّا إذا عَلِمَ أُمُورًا لا نِهايَةَ لَها.

وأمّا الشُّبْهَةُ الخامِسَةُ: فالجَوابُ عَنْها بِالنَّقْضِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإذا انْتَقَضَتِ الشُّبْهَةُ سَقَطَتْ، فَيَبْقى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ عالِمِيَّةِ اللَّهِ تَعالى سالِمًا عَنِ المُعارِضِ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الضَّمِيرَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى مَذْكُورٍ سابِقٍ، فالضَّمِيرُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلى المَذْكُورِ لَفْظًا ومَعْنًى، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَأخِّرًا عَنْهُ لَفْظًا ومَعْنًى، وإمّا أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لَفْظًا ومُتَأخِّرًا مَعْنًى، وإمّا أنْ يَكُونَ بِالعَكْسِ مِنهُ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا لَفْظًا ومَعْنًى فالمَهْشُورُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، وقالَ ابْنُ جِنِّي بِجَوازِهِ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِالشِّعْرِ والمَعْقُولِ، أمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُهُ:

جَزى رَبُّهُ عَنِّي عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ جَزاءَ الكِلابِ العاوِياتِ وقَدْ فَعَلْ

وأمّا المَعْقُولُ فَلِأنَّ الفاعِلَ مُؤَثِّرٌ والمَفْعُولَ قابِلٌ وتَعَلُّقَ الفِعْلِ بِهِما شَدِيدٌ، فَلا يَبْعُدُ تَقْدِيمُ أيِّ واحِدٍ مِنهُما كانَ عَلى الآخَرِ في اللَّفْظِ، ثُمَّ أجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لَوْ قُدِّمَ المَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ في اللَّفْظِ فَإنَّهُ جائِزٌ، فَكَذا إذا لَمْ يُقَدَّمْ مَعَ أنَّ ذَلِكَ التَّقْدِيمَ جائِزٌ.

القِسْمُ الثّانِي: وهو أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَأخِّرًا لَفْظًا ومَعْنًى، وهَذا لا نِزاعَ في صِحَّتِهِ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ زَيْدٌ غُلامَهُ.

القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا في اللَّفْظِ مُتَأخِّرًا في المَعْنى وهو كَقَوْلِكَ: ضَرَبَ غُلامَهُ زَيْدٌ، فَهَهُنا الضَّمِيرُ وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا في اللَّفْظِ لَكِنَّهُ مُتَأخِّرٌ في المَعْنى، لِأنَّ المَنصُوبَ مُتَأخِّرٌ عَنِ المَرْفُوعِ في التَّقْدِيرِ، فَيَصِيرُ كَأنَّكَ قُلْتَ: زَيْدٌ ضَرَبَ غُلامَهُ فَلا جَرَمَ كانَ جائِزًا.

القِسْمُ الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا في المَعْنى مُتَأخِّرًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ فَإنَّ المَرْفُوعَ مُقَدَّمٌ في المَعْنى عَلى المَنصُوبِ، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وإذِ ابْتَلى رَبُّهُ إبْراهِيمَ، إلّا أنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ كَذَلِكَ بِحَسَبِ المَعْنى لَكِنْ لَمّا لَمْ يَكُنِ الضَّمِيرُ مُتَقَدِّمًا في اللَّفْظِ بَلْ كانَ مُتَأخِّرًا لا جَرَمَ كانَ جائِزًا حَسَنًا.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ”إبْراهامَ“ بِألِفٍ بَيْنَ الهاءِ والمِيمِ، والباقُونَ ”إبْراهِيمَ“ وهُما لُغَتانِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”إبْراهِيمُ رَبَّهُ“ بِرَفْعِ إبْراهِيمَ ونَصْبِ رَبِّهِ، والمَعْنى أنَّهُ دَعاهُ بِكَلِماتٍ مِنَ الدُّعاءِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ هَلْ يُجِيبُهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِنَّ أمْ لا.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ هَلْ يَدُلُّ عَلى تِلْكَ الكَلِماتِ أمْ لا ؟ فَقالَ بَعْضُهم: اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَيْها وهي الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى مِنَ الإمامَةِ وتَطْهِيرِ البَيْتِ ورَفْعِ قَواعِدِهِ والدُّعاءِ بِإبْعاثِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ هَذِهِ الأشْياءَ أُمُورٌ شاقَّةٌ، أمّا الإمامَةُ فَلِأنَّ المُرادَ مِنها هَهُنا هو النُّبُوَّةُ، وهَذا التَّكْلِيفُ يَتَضَمَّنُ مَشاقَّ عَظِيمَةً، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَلْزَمُهُ أنْ يَتَحَمَّلَ جَمِيعَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وأنْ لا يَخُونَ في أداءِ شَيْءٍ مِنها، ولَوْ لَزِمَهُ القَتْلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ المَشاقِّ، ولِهَذا قُلْنا: إنَّ ثَوابَ النَّبِيِّ أعْظَمُ مِن ثَوابِ غَيْرِهِ، وأمّا بِناءُ البَيْتِ وتَطْهِيرُهُ ورَفْعُ قَواعِدِهِ، فَمَن وقَفَ عَلى ما رُوِيَ في كَيْفِيَّةِ بِنائِهِ عَرَفَ

صفحة ٣٥

شِدَّةَ البَلْوى فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إقامَةَ المَناسِكِ، وقَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ الخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالشَّيْطانِ في المَوْقِفِ لِرَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِهِ، وأمّا اشْتِغالُهُ بِالدُّعاءِ في أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ في آخِرِ الزَّمانِ، فَهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى، وإزالَةُ الحَسَدِ عَنِ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: تَكالِيفُ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنِ ابْتِلاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِالكَلِماتِ هو ذَلِكَ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِ العَطْفِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وقالَ: إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا، بَلْ قالَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ لَيْسَ إلّا التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا القَوْلِ فَقالَ: هَذا إنَّما يَجُوزُ لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى: وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّها إبْراهِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا فَأتَمَّهُنَّ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى امْتَحَنَهُ بِالكَلِماتِ وأتَمَّها إبْراهِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الكَلِماتِ الإمامَةَ فَقَطْ، بَلِ الإمامَةَ وبِناءَ البَيْتِ وتَطْهِيرَهُ والدُّعاءَ في بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ابْتَلاهُ بِأُمُورٍ عَلى الإجْمالِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ أتَمَّها، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ، وهَذا مِمّا لا بُعْدَ فِيهِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى المُرادِ بِهَذِهِ الكَلِماتِ وهَذا القَوْلُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ:

الوَجْهُ الأوَّلُ: بِكَلِماتٍ كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِنَّ، وهي أوامِرُهُ ونَواهِيهِ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ مِمّا شاءَ كَلَّفَهُ بِالأمْرِ بِها.

والوَجْهُ الثّانِي: بِكَلِماتٍ تَكُونُ مِن إبْراهِيمَ يُكَلِّمُ بِها قَوْمَهُ، أيْ يُبَلِّغُهم إيّاها، والقائِلُونَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ اخْتَلَفُوا في أنَّ ذَلِكَ التَّكْلِيفَ بِأيِّ شَيْءٍ كانَ عَلى أقْوالٍ.

أحَدُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي عَشْرُ خِصالٍ كانَتْ فَرْضًا في شَرْعِهِ وهي سُنَّةٌ في شَرْعِنا، خَمْسٌ في الرَّأْسِ وخَمْسٌ في الجَسَدِ، أمّا الَّتِي في الرَّأْسِ: فالمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ وفَرْقُ الرَّأْسِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، وأمّا الَّتِي في البَدَنِ: فالخِتانُ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، والِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ.

وثانِيها: قالَ بَعْضُهم: ابْتَلاهُ بِثَلاثِينَ خَصْلَةً مِن خِصالِ الإسْلامِ، عَشْرٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١٢] إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرٌ مِنها في سُورَةِ الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحْزابِ: ٣٥] إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرٌ مِنها في المُؤْمِنُونَ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١٠] ورُوِيَ عَشْرٌ في: ﴿سَألَ سائِلٌ﴾ [المَعارِجِ: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [المَعارِجِ: ٣٤] فَجَعَلَها أرْبَعِينَ سَهْمًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وثالِثُها: أمَرَهُ بِمَناسِكِ الحَجِّ، كالطَّوافِ والسَّعْيِ والرَّمْيِ والإحْرامِ وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ عَبّاسٍ.

ورابِعُها: ابْتَلاهُ بِسَبْعَةِ أشْياءَ: بِالشَّمْسِ، والقَمَرِ، والكَواكِبِ، والخِتانِ عَلى الكِبَرِ، والنّارِ، وذَبْحِ الوَلَدِ، والهِجْرَةِ، فَوَفّى بِالكُلِّ فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧] عَنِ الحَسَنِ.

وخامِسُها: أنَّ المُرادَ ما ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣١] .

وسادِسُها: المُناظَراتُ الكَثِيرَةُ في التَّوْحِيدِ مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ ومَعَ نَمْرُوذَ والصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّوْمُ، وقَسْمُ الغَنائِمِ، والضِّيافَةُ، والصَّبْرُ عَلَيْها. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وجُمْلَةُ القَوْلِ أنَّ الِابْتِلاءَ يَتَناوَلُ إلْزامَ كُلِّ ما في فِعْلِهِ كُلْفَةٌ وشِدَّةٌ ومَشَقَّةٌ، فاللَّفْظُ يَتَناوَلُ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأشْياءِ ويَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ مِنها، فَلَوْ ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ في الكُلِّ وجَبَ القَوْلُ بِالكُلِّ، ولَوْ ثَبَتَتِ الرِّوايَةُ

صفحة ٣٦

فِي البَعْضِ دُونَ البَعْضِ فَحِينَئِذٍ يَقَعُ التَّعارُضُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّواياتِ، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القاضِي: هَذا الِابْتِلاءُ إنَّما كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَبَّهَ عَلى أنَّ قِيامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِنَّ كالسَّبَبِ لِأنْ يَجْعَلَهُ اللَّهُ إمامًا، والسَّبَبُ مُقَدَّمٌ عَلى المُسَبَّبِ، فَوَجَبَ كَوْنُ هَذا الِابْتِلاءِ مُتَقَدِّمًا في الوُجُودِ عَلى صَيْرُورَتِهِ إمامًا وهَذا أيْضًا مُلائِمٌ لِقَضايا العُقُولِ، وذَلِكَ لِأنَّ الوَفاءَ مِن شَرائِطِ النُّبُوَّةِ لا يَحْصُلُ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ جَمِيعِ مَلاذِّ الدُّنْيا وشَهَواتِها وتَرْكِ المُداهَنَةِ مَعَ الخَلْقِ وتَقْبِيحِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الفاسِدَةِ، وتَحَمُّلِ الأذى مِن جَمِيعِ أصْنافِ الخَلْقِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا المَعْنى مِن أعْظَمِ المَشاقِّ وأجَلِّ المَتاعِبِ، ولِهَذا السَّبَبِ يَكُونُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْظَمَ أجْرًا مِن أُمَّتِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فاللَّهُ تَعالى ابْتَلاهُ بِالتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَلَمّا وفّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِها لا جَرَمَ أعْطاهُ خُلْعَةَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يَعْلَمُ كَوْنَهُ مُكَلَّفًا بِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلّا مِنَ الوَحْيِ، فَلا بُدَّ مِن تَقَدُّمِ الوَحْيِ عَلى مَعْرِفَتِهِ بِكَوْنِهِ كَذَلِكَ، أجابَ القاضِي عَنْهُ بِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى أوْحى إلَيْهِ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذِهِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، فَلَمّا تَمَّمَ ذَلِكَ جَعَلَهُ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إلى الخَلْقِ، إذا عَرَفْتَ هَذِهِ المَسْألَةَ فَنَقُولُ قالَ القاضِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَلِماتِ ما ذَكَرَهُ الحَسَنُ مِن حَدِيثِ الكَوْكَبِ والشَّمْسِ والقَمَرِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، أمّا ذَبْحُ الوَلَدِ والهِجْرَةُ والنّارُ فَكُلُّ ذَلِكَ كانَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وكَذا الخِتانُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُرْوى أنَّهُ خَتَنَ نَفْسَهُ وكانَ سِنُّهُ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً. ثُمَّ قالَ: فَإنْ قامَتِ الدَّلالَةُ السَّمْعِيَّةُ القاهِرَةُ عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الكَلِماتِ هَذِهِ الأشْياءُ كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: (أتَمَّهُنَّ) أنَّهُ سُبْحانَهُ عَلِمَ مِن حالِهِ أنَّهُ يُتِمُّهُنَّ ويَقُومُ بِهِنَّ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَلا جَرَمَ أعْطاهُ خُلْعَةَ الإمامَةِ والنُّبُوَّةِ.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ في إحْدى القِراءَتَيْنِ لِإبْراهِيمَ بِمَعْنى فَقامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ، وأدّاهُنَّ أحْسَنَ التَّأْدِيَةِ، مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ وتَوانٍ. ونَحْوُهُ: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النَّجْمِ: ٣٧ ] وفي الأُخْرى لِلَّهِ تَعالى بِمَعْنى: فَأعْطاهُ ما طَلَبَهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ فالإمامُ اسْمُ مَن يُؤْتَمُّ بِهِ كالإزارِ لِما يُؤْتَزَرُ بِهِ، أيْ يَأْتَمُّونَ بِكَ في دِينِكَ. وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أهْلُ التَّحْقِيقِ: المُرادُ مِنَ الإمامِ هَهُنا النَّبِيُّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِلنّاسِ إمامًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ إمامًا لِكُلِّ النّاسِ والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ رَسُولًا مِن عِنْدِ اللَّهِ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ تَبَعًا لِرَسُولٍ آخَرَ لَكانَ مَأْمُومًا لِذَلِكَ الرَّسُولِ لا إمامًا لَهُ، فَحِينَئِذٍ يَبْطُلُ العُمُومُ.

وثانِيها: أنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إمامٌ في كُلِّ شَيْءِ والَّذِي يَكُونُ كَذَلِكَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ نَبِيًّا.

وثالِثُها: أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أئِمَّةٌ مِن حَيْثُ يَجِبُ عَلى الخَلْقِ اتِّباعُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنْبِياءِ: ٧٣] والخُلَفاءُ أيْضًا أئِمَّةٌ لِأنَّهم رَتَّبُوا في المَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ عَلى النّاسِ اتِّباعُهم وقَبُولُ قَوْلِهِمْ وأحْكامِهِمْ والقُضاةُ والفُقَهاءُ أيْضًا أئِمَّةٌ لِهَذا المَعْنى، والَّذِي يُصَلِّي بِالنّاسِ يُسَمّى أيْضًا إمامًا لِأنَّ مَن دَخَلَ في صَلاتِهِ لَزِمَهُ الِائْتِمامُ بِهِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّما جُعِلَ الإمامُ إمامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإذا رَكَعَ فارْكَعُوا وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا ولا تَخْتَلِفُوا عَلى إمامِكم» “ فَثَبَتَ بِهَذا أنَّ اسْمَ الإمامِ لِمَنِ اسْتَحَقَّ الِاقْتِداءَ بِهِ في الدِّينِ وقَدْ يُسَمّى بِذَلِكَ أيْضًا مَن يُؤْتَمُّ بِهِ في الباطِلِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القَصَصِ: ٤١] إلّا أنَّ

صفحة ٣٧

اسْمَ الإمامِ لا يَتَناوَلُهُ عَلى الإطْلاقِ بَلْ لا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ إلّا مُقَيَّدًا، فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أئِمَّةَ الضَّلالِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ كَما أنَّ اسْمَ الإلَهِ لا يَتَناوَلُ إلّا المَعْبُودَ الحَقَّ، فَأمّا المَعْبُودُ الباطِلُ فَإنَّما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الإلَهِ مَعَ القَيْدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [هُودٍ: ١٠١] وقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ [طه: ٩٧] إذا ثَبَتَ أنَّ اسْمَ الإمامِ يَتَناوَلُ ما ذَكَرْناهُ، وثَبَتَ أنَّ الأنْبِياءَ في أعْلى مَراتِبِ الإمامَةِ وجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ هَهُنا عَلَيْهِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ لَفْظَ الإمامِ هَهُنا في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، فَلا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّعْمَةُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ لِيَحْسُنَ نِسْبَةُ الِامْتِنانِ فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الإمامَةِ عَلى النُّبُوَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ إمامًا لِلنّاسِ حَقَّقَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ الوَعْدَ فِيهِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، فَإنَّ أهْلَ الأدْيانِ عَلى شَدَّةِ اخْتِلافِها ونِهايَةِ تَنافِيها يُعَظِّمُونَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَتَشَرَّفُونَ بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ إمّا في النَّسَبِ وإمّا في الدِّينِ والشَّرِيعَةِ حَتّى إنَّ عَبَدَةَ الأوْثانِ كانُوا مُعَظِّمِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النَّحْلِ: ١٢٣] وقالَ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٠] وقالَ في آخِرِ سُورَةِ الحَجِّ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ هو سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحَجِّ: ٧٨] وجَمِيعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَقُولُونَ في آخِرِ الصَّلاةِ: وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآلَ مُحَمَّدٍ كَما صَلَّيْتَ وبارَكْتَ وتَرَحَّمْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском