Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:135–138

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:135–138

2:135Page 21

وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥

They say, "Be Jews or Christians [so] you will be guided." Say, "Rather, [we follow] the religion of Abraham, inclining toward truth, and he was not of the polytheists."1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ بِالدَّلائِلِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ صِحَّةَ دِينِ الإسْلامِ حَكى بَعْدَها أنْواعًا مِن شُبَهِ المُخالِفِينَ الطّاعِنِينَ في الإسْلامِ.

الشُّبْهَةُ الأُولى: حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ ولَمْ يَذْكُرُوا في تَقْرِيرِ ذَلِكَ شُبْهَةً، بَلْ أصَرُّوا عَلى التَّقْلِيدِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: ذَكَرَ جَوابًا إلْزامِيًّا وهو قَوْلُهُ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّهُ إنْ كانَ طَرِيقُ الدِّينِ التَّقْلِيدَ فالأوْلى في ذَلِكَ اتِّباعُ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، لِأنَّ هَؤُلاءِ المُخْتَلِفِينَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلى صِحَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ والأخْذُ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ إنْ كانَ المُعَوَّلُ في الدِّينِ عَلى التَّقْلِيدِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: إنْ كانَ المُعَوَّلُ في الدِّينِ عَلى الِاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ، فَقَدْ قَدَّمْنا الدَّلائِلَ، وإنْ كانَ المُعَوَّلُ عَلى التَّقْلِيدِ فالرُّجُوعُ إلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَرْكُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ أوْلى.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى يَدَّعِي أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

قُلْنا: لَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قائِلًا بِالتَّوْحِيدِ، وثَبَتَ أنَّ النَّصارى يَقُولُونَ بِالتَّثْلِيثِ، واليَهُودَ يَقُولُونَ بِالتَّشْبِيهِ، فَثَبَتَ أنَّهم لَيْسُوا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا إلى التَّوْحِيدِ، كانَ هو عَلى دِينِ إبْراهِيمَ.

ولْنَرْجِعْ إلى تَفْسِيرِ الألْفاظِ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّخْيِيرَ، إذِ المَعْلُومُ مِن حالِ اليَهُودِ أنَّها لا تُجَوِّزُ اخْتِيارَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى اليَهُودِيَّةِ، بَلْ تَزْعُمُ أنَّهُ كُفْرٌ. والمَعْلُومُ مِن حالِ النَّصارى أيْضًا ذَلِكَ بَلِ المُرادُ أنَّ اليَهُودَ تَدْعُو إلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصارى إلى النَّصْرانِيَّةِ، فَكُلُّ فَرِيقٍ يَدْعُو إلى دِينِهِ، ويَزْعُمُ أنَّهُ الهُدى فَهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَهْتَدُوا﴾ أيْ أنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اهْتَدَيْتُمْ وصِرْتُمْ عَلى سَنَنِ الِاسْتِقامَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ فَفي انْتِصابِ ”مِلَّةَ“ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

الأوَّلُ: لِأنَّهُ عُطِفَ في المَعْنى عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ وتَقْدِيرُهُ قالُوا: اتَّبِعُوا اليَهُودِيَّةَ قُلْ بَلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ.

الثّانِي: عَلى الحَذْفِ تَقْدِيرُهُ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ.

الثّالِثُ: تَقْدِيرُهُ: بَلْ نَكُونُ أهْلَ مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] أيْ أهْلَها.

الرّابِعُ: التَّقْدِيرُ: بَلِ اتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ، وقَرَأ

صفحة ٧٤

الأعْرَجُ: ”مِلَّةُ إبْراهِيمَ“ بِالرَّفْعِ أيْ مِلَّتُهُ مِلَّتُنا، أوْ دِينُنا مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وبِالجُمْلَةِ فَأنْتَ بِالخِيارِ في أنْ تَجْعَلَهُ مُبْتَدَأً أوْ خَبَرًا.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِأهْلِ اللُّغَةِ في الحَنِيفِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَنِيفَ هو المُسْتَقِيمُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأعْرَجِ: أحْنَفُ، تَفاؤُلًا بِالسَّلامَةِ، كَما قالُوا لِلَّدِيغِ: سَلِيمٌ، ولِلْمَهْلَكَةِ: مَفازَةٌ، قالُوا: فَكُلُّ مَن أسْلَمَ لِلَّهِ ولَمْ يَنْحَرِفْ عَنْهُ في شَيْءٍ فَهو حَنِيفٌ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ.

الثّانِي: أنَّ الحَنِيفَ المائِلُ، لِأنَّ الأحْنَفَ هو الَّذِي يَمِيلُ كُلُّ واحِدٍ مِن قَدَمَيْهِ إلى الأُخْرى بِأصابِعِها، وتَحَنَّفَ إذا مالَ، فالمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَنَفَ إلى دِينِ اللَّهِ، أيْ مالَ إلَيْهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ أيْ مُخالِفًا لِلْيَهُودِ والنَّصارى مُنْحَرِفًا عَنْهُما، وأمّا المُفَسِّرُونَ فَذَكَرُوا عِباراتٍ:

أحَدُها: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ: أنَّ الحَنِيفِيَّةَ حَجُّ البَيْتِ.

وثانِيها: أنَّها اتِّباعُ الحَقِّ، عَنْ مُجاهِدٍ.

وثالِثُها: اتِّباعُ إبْراهِيمَ في شَرائِعِهِ الَّتِي هي شَرائِعُ الإسْلامِ.

ورابِعُها: إخْلاصُ العَمَلِ وتَقْدِيرُهُ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ عَنِ الأصَمِّ قالَ القَفّالُ: وبِالجُمْلَةِ فالحَنِيفُ لَقَبٌ لِمَن دانَ بِالإسْلامِ كَسائِرِ ألْقابِ الدِّياناتِ، وأصْلُهُ مِن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في نَصْبِ حَنِيفًا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: قَوْلُ الزَّجّاجِ أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ مِن إبْراهِيمَ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً.

الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى القَطْعِ أرادَ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ الحَنِيفَ فَلَمّا سَقَطَتِ الألِفُ واللّامُ لَمْ تَتْبَعِ النَّكِرَةُ المَعْرِفَةَ فانْقَطَعَ مِنهُ فانْتَصَبَ، قالَهُ نُحاةُ الكُوفَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ في مَذْهَبِ اليَهُودِ والنَّصارى شُرَكاءَ عَلى ما بَيَّنّاهُ، لِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ بَعْضِ اليَهُودِ قَوْلَهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وذَلِكَ شِرْكٌ.

وثانِيها: أنَّ الحَنِيفَ اسْمٌ لِمَن دانَ بِدِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْلُومٌ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى بِشَرائِعَ مَخْصُوصَةٍ، مِن حَجِّ البَيْتِ والخِتانِ وغَيْرِهِما، فَمَن دانَ بِذَلِكَ فَهو حَنِيفٌ، وكانَتِ العَرَبُ تَدِينُ بِهَذِهِ الأشْياءِ، ثُمَّ كانَتْ تُشْرِكُ، فَقِيلَ مِن أجْلِ هَذا: ﴿حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحَجِّ: ٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلّا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٦] قالَ القاضِي: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ لِلْواحِدِ مِنّا أنْ يَحْتَجَّ عَلى غَيْرِهِ بِما يَجْرِي مَجْرى المُناقَضَةِ لِقَوْلِهِ: إفْحامًا لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُجَّةً في نَفْسِهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ يَحْتَجُّ عَلى نُبُوَّتِهِ بِأمْثالِ هَذِهِ الكَلِماتِ بَلْ كانَ يَحْتَجُّ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ قَدْ أقامَ الحُجَّةَ بِها وأزاحَ العِلَّةَ ثُمَّ وجَدَهم مُعانِدِينَ مُسْتَمِرِّينَ عَلى باطِلِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أوْرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَّةِ ما يُجانِسُ ما كانُوا عَلَيْهِ فَقالَ: إنْ كانَ الدِّينُ بِالِاتِّباعِ فالمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وهو مِلَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْلى بِالِاتِّباعِ.

ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: اليَهُودُ والنَّصارى إنْ كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ إبْراهِيمَ، ومُقِرِّينَ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ مِنَ القائِلِينَ بِالتَّشْبِيهِ والتَّثْلِيثِ، امْتَنَعَ أنْ يَقُولُوا بِذَلِكَ، بَلْ لا بُدَّ وأنْ يَكُونُوا قائِلِينَ بِالتَّنْزِيهِ والتَّوْحِيدِ، ومَتى كانُوا قائِلِينَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ في دَعْوَتِهِمْ إلَيْهِ فائِدَةٌ، وإنْ كانُوا مُنْكِرِينَ فَضْلَ إبْراهِيمَ أوْ كانُوا مُقِرِّينَ بِهِ، لَكِنَّهم أنْكَرُوا كَوْنَهُ مُنْكِرًا لِلتَّجْسِيمِ والتَّثْلِيثِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ فَحِينَئِذٍ لا يَصِحُّ إلْزامُ القَوْلِ بِأنَّ هَذا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَكانَ الأخْذُ بِهِ أوْلى.

والجَوابُ: أنَّهُ كانَ مَعْلُومًا بِالتَّواتُرِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما أثْبَتَ الوَلَدَ لِلَّهِ تَعالى فَلَمّا صَحَّ عَنِ اليَهُودِ

صفحة ٧٥

والنَّصارى أنَّهم قالُوا بِذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ طَرِيقَتَهم مُخالِفَةٌ لِطَرِيقَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

2:136Page 21

قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦

Say, [O believers], "We have believed in Allāh and what has been revealed to us and what has been revealed to Abraham and Ishmael and Isaac and Jacob and the Descendants [al-Asbāṭ]1 and what was given to Moses and Jesus and what was given to the prophets from their Lord. We make no distinction between any of them, and we are Muslims [in submission] to Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أجابَ بِالجَوابِ الجَدَلِيِّ أوَّلًا، ذَكَرَ بَعْدَهُ جَوابًا بُرْهانِيًّا في هَذِهِ الآيَةِ وهو: أنَّ الطَّرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ظُهُورُ المُعْجِزِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلى يَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ والإيمانُ بِرِسالَتِهِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ البَعْضِ بِالقَبُولِ وتَخْصِيصَ البَعْضِ بِالرَّدِّ يُوجِبُ المُناقَضَةَ في الدَّلِيلِ وأنَّهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، فَهَذا هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وهَذا هو الغَرَضُ الأصْلِيُّ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ الإيمانُ بِإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى مَعَ القَوْلِ بِأنَّ شَرائِعَهم مَنسُوخَةٌ ؟ قُلْنا: نَحْنُ نُؤْمِنُ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الشَّرائِعِ كانَ حَقًّا في زَمانِهِ فَلا يَلْزَمُ مِنّا المُناقَضَةُ، أمّا اليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اعْتَرَفُوا بِنُبُوَّةِ بَعْضِ مَن ظَهَرَ المُعْجِزُ عَلَيْهِ، وأنْكَرُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَعَ قِيامِ المُعْجِزِ عَلى يَدِهِ، فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُمُ المُناقَضَةُ فَظَهَرَ الفَرْقُ، ثُمَّ نَقُولُ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾ ذَكَرُوا في مُقابَلَتِهِ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ ثُمَّ قالَ لِأُمَّتِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ، أعْنِي النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّتَهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُولُوا﴾ خِطابٌ عامٌّ فَيَتَناوَلُ الكُلَّ.

الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ لا يَلِيقُ إلّا بِهِ ﷺ، فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ هو داخِلًا فِيهِ، واحْتَجَّ الحَسَنُ عَلى قَوْلِهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ مِن قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ .

الثّانِي: أنَّهُ في نِهايَةِ الشَّرَفِ، والظّاهِرُ إفْرادُهُ بِالخِطابِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ القَرائِنَ وإنْ كانَتْ مُحْتَمَلَةً إلّا أنَّها لا تَبْلُغُ في القُوَّةِ إلى حَيْثُ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ أمّا قَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ فَإنَّما قَدَّمَهُ لِأنَّ الإيمانَ بِاللَّهِ أصْلُ الإيمانِ بِالشَّرائِعِ، فَمَن لا يَعْرِفُ اللَّهَ اسْتَحالَ أنْ يَعْرِفَ نَبِيًّا أوْ كِتابًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى فَسادِ مَذْهَبِ التَّعْلِيمِيَّةِ والمُقَلِّدَةِ القائِلِينَ بِأنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى: الكِتابُ والسُّنَّةُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿والأسْباطِ﴾ قالَ الخَلِيلُ: السِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبِيلَةِ في العَرَبِ، وقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ السِّبْطُ: الحافِدُ، وكانَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ سِبْطَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والأسْباطُ: الحَفَدَةُ وهم يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذَرارِيُّ أبْنائِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ.

* * *

صفحة ٧٦

أمّا قَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنّا لا نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فَإنّا لَوْ فَعَلْنا كانَتِ المُناقَضَةُ لازِمَةً عَلى الدَّلِيلِ وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ.

الثّانِي: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم، أيْ لا نَقُولُ: إنَّهم مُتَفَرِّقُونَ في أُصُولِ الدِّياناتِ، بَلْ هم مُجْتَمِعُونَ عَلى الأُصُولِ الَّتِي هي الإسْلامُ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشُّورى: ١٣] . الوَجْهُ الأوَّلُ: ألْيَقُ بِسِياقِ الآيَةِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فالمَعْنى أنَّ إسْلامَنا لِأجْلِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى لا لِأجْلِ الهَوى، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى ظَهَرَ المُعْجِزُ وجَبَ الإيمانُ بِهِ. فَأمّا تَخْصِيصُ بَعْضِ أصْحابِ المُعْجِزاتِ بِالقَبُولِ، والبَعْضِ بِالرَّدِّ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن ذَلِكَ الإيمانِ لَيْسَ طاعَةَ اللَّهِ والِانْقِيادَ لَهُ، بَلِ اتِّباعُ الهَوى والمَيْلُ.

2:137Page 21

فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧

So if they believe in the same as you believe in, then they have been [rightly] guided; but if they turn away, they are only in dissension, and Allāh will be sufficient for you against them. And He is the Hearing, the Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الطَّرِيقَ الواضِحَ في الدِّينِ، وهو أنْ يَعْتَرِفَ الإنْسانُ بِنُبُوَّةِ مَن قامَتِ الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّتِهِ، وأنْ يَحْتَرِزَ في ذَلِكَ عَنِ المُناقَضَةِ: رَغَّبَهم في مِثْلِ هَذا الإيمانِ فَقالَ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ .

مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّثْبِيتُ والمَعْنى: إنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم ومُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، لَمّا اسْتَحالَ أنْ يُوجَدَ دِينٌ آخَرُ يُساوِي هَذا الدِّينَ في السَّدادِ اسْتَحالَ الِاهْتِداءُ بِغَيْرِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ لِلرَّجُلِ الَّذِي تُشِيرُ عَلَيْهِ: هَذا هو الرَّأْيُ والصَّوابُ فَإنْ كانَ عِنْدَكَ رَأْيٌ أصْوَبَ مِنهُ فاعْمَلْ بِهِ وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا أصْوَبَ مِن رَأْيِكَ ولَكِنَّكَ تُرِيدُ تَثْبِيتَ صاحِبِكَ وتَوْقِيفَهُ عَلى أنَّ ما رَأيْتَ لا رَأْيَ وراءَهُ، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ يَسْتَحِيلُ أنْ يُوجَدَ دِينٌ آخَرُ يُساوِي هَذا الدِّينَ في السَّدادِ لِأنَّ هَذا الدِّينَ مَبْناهُ عَلى أنَّ كُلَّ مَن ظَهَرَ عَلَيْهِ المُعْجِزُ وجَبَ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّتِهِ، وكُلُّ ما غايَرَ هَذا الدِّينَ لا بُدَّ وأنْ يَشْتَمِلَ عَلى المُناقَضَةِ، والمُتَناقِضُ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مُساوِيًا لِغَيْرِ المُتَناقِضِ في السَّدادِ والصِّحَّةِ.

وثانِيها: أنَّ المِثْلَ صِلَةٌ في الكَلامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشُّورى: ١١] أيْ لَيْسَ كَهو شَيْءٌ، وقالَ الشّاعِرُ:

وِصالِيّاتٌ كَكَما يُؤْثَفِينَ

وكانَتْ أُمُّ الأحْنَفِ تُرَقِّصُهُ وتَقُولُ:

واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ بِرِجْلِهِ

ودِقَّةٌ في ساقِهِ مِن هَزْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ مِنكم أحَدٌ كَمِثْلِهِ

صفحة ٧٧

وثالِثُها: أنَّكم آمَنتُمْ بِالفُرْقانِ مِن غَيْرِ تَصْحِيفٍ وتَحْرِيفٍ، فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ وهو التَّوْراةُ مِن غَيْرِ تَصْحِيفٍ وتَحْرِيفٍ فَقَدِ اهْتَدَوْا لِأنَّهم يَتَّصِلُونَ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

ورابِعُها: أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ أيْ فَإنْ صارُوا مُؤْمِنِينَ بِمِثْلِ ما بِهِ صِرْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَقَدِ اهْتَدَوْا، فالتَّمْثِيلُ في الآيَةِ بَيْنَ الإيمانَيْنِ والتَّصْدِيقَيْنِ، ورَوى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ ولَكِنْ قُولُوا فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ، قالَ القاضِي: لا وجْهَ لِتَرْكِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ مِن حَيْثُ يُشْكِلُ المَعْنى ويُلَبِّسُ لِأنَّ ذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ المَرْءُ مَذْهَبًا لَزِمَهُ أنْ يُغَيِّرَ تِلاوَةَ كُلِّ الآياتِ المُتَشابِهاتِ وذَلِكَ مَحْظُورٌ والوَجْهُ الأوَّلُ في الجَوابِ هو المُعْتَمَدُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فالمُرادُ فَقَدْ عَمِلُوا بِما هُدُوا إلَيْهِ وقَبِلُوهُ، ومَن هَذا حالُهُ يَكُونُ ولِيًّا لِلَّهِ داخِلًا في أهْلِ رِضْوانِهِ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الهِدايَةَ كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ هَذا الِاهْتِداءِ، وتِلْكَ الهِدايَةُ لا يُمْكِنُ حَمْلُها إلّا عَلى الدَّلائِلِ الَّتِي نَصَبَها اللَّهُ تَعالى وكَشَفَ عَنْها وبَيَّنَ وُجُوهَ دَلالَتِها.

* * *

ثُمَّ بَيَّنَ عَلى وجْهِ الزَّجْرِ ما يَلْحَقُهم إنْ تَوَلَّوْا فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ وفي الشِّقاقِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: الشِّقاقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِّقِّ، كَأنَّهُ صارَ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ صاحِبِهِ بِسَبَبِ العَداوَةِ وقَدْ شَقَّ عَصا المُسْلِمِينَ إذا فَرَّقَ جَماعَتَهم وفارَقَها، ونَظِيرُهُ: المُحادَّةُ وهي أنْ يَكُونَ هَذا في حَدٍّ وذاكَ في حَدٍّ آخَرَ، والتَّعادِي مِثْلُهُ لِأنَّ هَذا يَكُونُ في عُدْوَةٍ وذاكَ في عُدْوَةٍ، والمُجانَبَةُ أنْ يَكُونَ هَذا في جانِبٍ وذاكَ في جانِبٍ آخَرَ. وقالَ آخَرُونَ: إنَّهُ مِنَ المَشَقَّةِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحْرِصُ عَلى ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ ويُؤْذِيهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النِّساءِ: ٣٥] أيْ فِراقَ بَيْنِهِما في الِاخْتِلافِ حَتّى يَشُقَّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ.

البَحْثُ الثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ أيْ إنْ تَرَكُوا مِثْلَ هَذا الإيمانِ فَقَدِ التَزَمُوا المُناقَضَةَ والعاقِلُ لا يَلْتَزِمُ المُناقَضَةَ البَتَّةَ فَحَيْثُ التَزَمُوها عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُهم طَلَبَ الدِّينِ والِانْقِيادَ وإنَّما غَرَضُهُمُ المُنازَعَةُ وإظْهارُ العَداوَةِ.

ثُمَّ لِلْمُفَسِّرِينَ عِباراتٌ:

أوَّلُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ في خِلافٍ مُذْ فارَقُوا الحَقَّ وتَمَسَّكُوا بِالباطِلِ فَصارُوا مُخالِفِينَ لِلَّهِ.

وثانِيها: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ ومُقاتِلٌ في شِقاقٍ: أيْ في ضَلالٍ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ زَيْدٍ في مُنازَعَةٍ ومُحارَبَةٍ.

ورابِعُها: قالَ الحَسَنُ في عَداوَةٍ قالَ القاضِي: ولا يَكادُ يُقالُ في المُعاداةِ عَلى وجْهِ الحَقِّ أوِ المُخالَفَةِ الَّتِي لا تَكُونُ مَعْصِيَةً إنَّهُ شِقاقٌ وإنَّما يُقالُ ذَلِكَ في مُخالَفَةٍ عَظِيمَةٍ تُوقِعُ صاحِبَها في عَداوَةِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ولَعْنِهِ وفي اسْتِحْقاقِ النّارِ فَصارَ هَذا القَوْلُ وعِيدًا مِنهُ تَعالى لَهم وصارَ وصْفُهم بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّ القَوْمَ مُعادُونَ لِلرَّسُولِ مُضْمِرُونَ لَهُ السُّوءَ مُتَرَصِّدُونَ لِإيقاعِهِ في المِحَنِ، فَعِنْدَ هَذا آمَنَهُ اللَّهُ تَعالى مِن كَيْدِهِمْ وآمَنَ المُؤْمِنِينَ مِن شَرِّهِمْ ومَكْرِهِمْ فَقالَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ تَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ وقَلْبِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّهُ تَعالى إذا تَكَفَّلَ بِالكِفايَةِ في أمْرٍ حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِهِ قالَ المُتَكَلِّمُونَ: هَذا إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ فَيَكُونُ مُعْجِزًا دالًّا عَلى صِدْقِهِ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ وذَلِكَ لِأنّا وجَدْنا مُخْبِرَ هَذا القَوْلِ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ لِأنَّهُ تَعالى كَفاهُ شَرَّ اليَهُودِ والنَّصارى ونَصَرَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى غَلَبَهُمُ المُسْلِمُونَ وأخَذُوا دِيارَهم وأمْوالَهم فَصارُوا أذِلّاءَ في أيْدِيهِمْ يُؤَدُّونَ إلَيْهِمُ الخَراجَ والجِزْيَةَ أوْ لا يَقْدِرُونَ البَتَّةَ

صفحة ٧٨

عَلى التَّخَلُّصِ مِن أيْدِيهِمْ وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ مُعْجِزٌ لِأنَّهُ المُتَخَرِّصُ لا يُصِيبُ في مِثْلِ ذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ، قالَ المُلْحِدُونَ: لا نُسَلِّمُ أنَّ هَذا مُعْجِزٌ وذَلِكَ لِأنَّ المُعْجِزَ هو الَّذِي يَكُونُ ناقِضًا لِلْعادَةِ، وقَدْ جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ كُلَّ مَن كانَ مُبْتَلًى بِإيذاءِ غَيْرِهِ فَإنَّهُ يُقالُ لَهُ: اصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ شَرَّهُ، ثُمَّ قَدْ يَقَعُ ذَلِكَ تارَةً ولا يَقَعُ أُخْرى، وإذا كانَ هَذا مُعْتادًا فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ مُعْجِزٌ وأيْضًا لَعَلَّهُ تَوَصَّلَ إلى ذَلِكَ بِرُؤْيا رَآها، وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى دَفْعِهِ، فَإنَّ المُنَجِّمِينَ يَقُولُونَ: مَن كانَ سَهْمُ الغَيْبِ في طالِعِهِ فَإنَّهُ يَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ وإنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا.

والجَوابُ: أنَّهُ لَيْسَ غَرَضُنا مِن قَوْلِنا أنَّهُ مُعْجِزٌ أنَّ هَذا الإخْبارَ وحْدَهُ مُعْجِزٌ، بَلْ غَرَضُنا أنَّ القُرْآنَ يَشْتَمِلُ عَلى كَثِيرٍ مِن هَذا النَّوْعِ، والإخْبارُ عَنِ الأشْياءِ الكَثِيرَةِ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مِمّا لا يَتَأتّى مِنَ المُتَخَرِّصِ الكاذِبِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا وعَدَهُ بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ مِن هَذا الأمْرِ لا يَخْفى عَلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ وعِيدٌ لَهم والمَعْنى أنَّهُ يُدْرِكُ ما يُضْمِرُونَ ويَقُولُونَ وهو عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ لَهم أنْ يَقَعَ مِنهم أمْرٌ إلّا وهو قادِرٌ عَلى كِفايَتِهِ إيّاهم فِيهِ.

الثّانِي: أنَّهُ وعْدٌ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَعْنِي: يَسْمَعُ دُعاءَكَ ويَعْلَمُ نِيَّتَكَ وهو يَسْتَجِيبُ لَكَ ويُوصِلُكَ إلى مُرادِكَ، واحْتَجَّ الأصْحابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ عَلى أنَّ سَمْعَهُ تَعالى زائِدٌ عَلى عِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ قَوْلَهُ: (عَلِيمٌ) بِناءُ مُبالَغَةٍ فَيَتَناوَلُ كَوْنَهُ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَلَوْ كانَ كَوْنُهُ سَمِيعًا عِبارَةً عَنْ عِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ لَزِمَ التَّكْرارُ وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ صِفَةُ كَوْنِهِ تَعالى سَمِيعًا أمْرًا زائِدًا عَلى وصْفِهِ بِكَوْنِهِ عَلِيمًا واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ فَفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ الَّذِي آمَنَ بِهِ المُؤْمِنُونَ لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ، وجَوابُهُ:

2:138Page 21

صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ ١٣٨

[And say, "Ours is] the religion of Allāh. And who is better than Allāh in [ordaining] religion? And we are worshippers of Him."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الجَوابَ الثّانِيَ وهو أنْ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ذَكَرَ بَعْدَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ دَلائِلَ هَذا الدِّينِ واضِحَةٌ جَلِيَّةٌ فَقالَ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الصَّبْغُ ما يُلَوَّنُ بِهِ الثِّيابُ ويُقالُ: صَبَغَ الثَّوْبَ يَصْبُغُهُ بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِها وضَمِّها ثَلاثُ لُغاتٍ صَبْغًا بِفَتْحِ الصّادِ وكَسْرِها لُغَتانِ.

والصِّبْغَةُ: فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِصِبْغَةِ اللَّهِ عَلى أقْوالٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وذَكَرُوا في أنَّهُ لِمَ سُمِّيَ دِينَ اللَّهِ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّ بَعْضَ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَقُولُونَ: هو تَطْهِيرٌ لَهم. وإذا فَعَلَ الواحِدُ بِوَلَدِهِ ذَلِكَ قالَ: الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: اطْلُبُوا صِبْغَةَ اللَّهِ وهي الدِّينُ، والإسْلامُ لا صِبْغَتَهم، والسَّبَبُ في إطْلاقِ لَفْظِ الصِّبْغَةِ عَلى الدِّينِ طَرِيقَةُ المُشاكَلَةِ كَما تَقُولُ لِمَن يَغْرِسُ الأشْجارَ وأنْتَ تُرِيدُ أنْ تَأْمُرَهُ بِالكَرَمِ: اغْرِسْ كَما يَغْرِسُ فُلانٌ تُرِيدُ رَجُلًا مُواظِبًا عَلى الكَرَمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٥، ١٤]، ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النِّساءِ:

صفحة ٧٩

١٤٢ ]، ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٤]، ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشُّورى: ٤٠]، ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ [هُودٍ: ٣٨] .

وثانِيها: اليَهُودُ تَصْبُغُ أوْلادَها يَهُودًا والنَّصارى تَصْبُغُ أوْلادَها نَصارى بِمَعْنى يُلْقُونَهم فَيَصْبُغُونَهم بِذَلِكَ لِما يُشْرِبُونَ في قُلُوبِهِمْ، عَنْ قَتادَةَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُقالُ: فُلانٌ يَصْبُغُ فُلانًا في الشَّيْءِ، أيْ يُدْخِلُهُ فِيهِ ويُلْزِمُهُ إيّاهُ كَما يُجْعَلُ الصَّبْغُ لازِمًا لِلثَّوْبِ وأنْشَدَ ثَعْلَبٌ:

دَعِ الشَّرَّ وانْزِلْ بِالنَّجاةِ تَحَرُّزًا إذا أنْتَ لَمْ يَصْبُغْكَ في الشَّرِّ صابِغُ

وثالِثُها: سُمِّيَ الدِّينُ صِبْغَةً لِأنَّ هَيْئَتَهُ تَظْهَرُ بِالمُشاهَدَةِ مِن أثَرِ الطَّهارَةِ والصَّلاةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفَتْحِ: ٢٩] .

ورابِعُها: قالَ القاضِي قَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فَوَصَفَ هَذا الإيمانَ مِنهم بِأنَّهُ صِبْغَةُ اللَّهِ تَعالى لِيُبَيِّنَ أنَّ المُبايَنَةَ بَيْنَ هَذا الدِّينِ الَّذِي اخْتارَهُ اللَّهُ، وبَيْنَ الدِّينِ الَّذِي اخْتارَهُ المُبْطِلُ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، كَما تَظْهَرُ المُبايَنَةُ بَيْنَ الألْوانِ والأصْباغِ لِذِي الحِسِّ السَّلِيمِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ فِطْرَتُهُ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الرُّومِ: ٣٠] ومَعْنى هَذا الوَجْهِ أنَّ الإنْسانَ مَوْسُومٌ في تَرْكِيبِهِ وبِنْيَتِهِ بِالعَجْزِ والفاقَةِ، والآثارُ الشّاهِدَةُ عَلَيْهِ بِالحُدُوثِ والِافْتِقارِ إلى الخالِقِ فَهَذِهِ الآثارُ كالصِّبْغَةِ لَهُ وكالسِّمَةِ اللّازِمَةِ.

قالَ القاضِي: مَن حَمَلَ قَوْلَهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ عَلى الفِطْرَةِ فَهو مُقارِبٌ في المَعْنى، لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: هو دِينُ اللَّهِ لِأنَّ الفِطْرَةَ الَّتِي أُمِرُوا بِها هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الأدِلَّةُ مِن عَقْلٍ وشَرْعٍ، وهو الدِّينُ أيْضًا، لَكِنَّ الدِّينَ أظْهَرُ لِأنَّ المُرادَ عَلى ما بَيَّنّا هو الَّذِي وصَفُوا أنْفُسَهم بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ في ذَلِكَ: إنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي ألْزَمَكُمُ التَّمَسُّكَ بِهِ فالنَّفْعُ بِهِ سَيَظْهَرُ دِينًا ودُنْيا كَظُهُورِ حُسْنِ الصِّبْغَةِ، وإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى ما ذَكَرْناهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ لِعادَةٍ جارِيَةٍ لِلْيَهُودِ والنَّصارى في صَبْغٍ يَسْتَعْمِلُونَهُ في أوْلادِهِمْ مَعْنًى، لِأنَّ الكَلامَ إذا اسْتَقامَ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ بِدُونِهِ فَلا فائِدَةَ فِيهِ ولْنَذْكُرِ الآنَ بَقِيَّةَ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ:

القَوْلُ الثّالِثُ: أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ هي الخِتانُ، الَّذِي هو تَطْهِيرٌ، أيْ كَما أنَّ المَخْصُوصَ الَّذِي لِلنَّصارى تَطْهِيرٌ لَهم فَكَذَلِكَ الخِتانُ تَطْهِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ أبِي العالِيَةِ.

القَوْلُ الرّابِعُ: إنَّهُ حُجَّةُ اللَّهِ، عَنِ الأصَمِّ، وقِيلَ: إنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، والقَوْلُ الجَيِّدُ هو الأوَّلُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في نَصْبِ ”صِبْغَةَ“ أقْوالٌ:

أحَدُها: أنَّهُ بَدَلٌ مِن ”مِلَّةَ“ وتَفْسِيرٌ لَها.

الثّانِي: اتَّبِعُوا صِبْغَةَ اللَّهِ.

الثّالِثُ: قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ فَيَنْتَصِبُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ وعْدُ اللَّهِ عَمّا تَقَدَّمَهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ فالمُرادُ أنَّهُ يَصْبُغُ عِبادَهُ بِالإيمانِ ويُطَهِّرُهم بِهِ مِن أوْساخِ الكُفْرِ، فَلا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى: ”آمَنّا بِاللَّهِ“ وهَذا يَرُدُّ قَوْلَ مَن يَزْعُمُ أنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ بَدَلٌ مِن مِلَّةِ إبْراهِيمَ أوْ نُصِبَ عَلى الإغْراءِ بِمَعْنى عَلَيْكم صِبْغَةَ اللَّهِ لِما فِيهِ مِن فَكِّ النَّظْمِ وانْتِصابُها عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ هو الَّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، والقَوْلُ ما قالَتْ حِذامُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском