Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:144

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:144

2:144Page 22

قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٤٤

We have certainly seen the turning of your face, [O Muḥammad], toward the heaven, and We will surely turn you to a qiblah with which you will be pleased. So turn your face [i.e., yourself] toward al-Masjid al-Ḥarām.1 And wherever you [believers] are, turn your faces [i.e., yourselves] toward it [in prayer]. Indeed, those who have been given the Scripture [i.e., the Jews and the Christians] well know that it is the truth from their Lord. And Allāh is not unaware of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾

صفحة ١٠٠

اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

القَوْلُ الأوَّلُ: وهو المَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، أنَّ ذَلِكَ كانَ لِانْتِظارِ تَحْوِيلِهِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا وُجُوهًا:

أحَدُها: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُحِبُّ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، إلّا أنَّهُ ما كانَ يَتَكَلَّمُ بِذَلِكَ، فَكانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ لِهَذا المَعْنى، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «”يا جِبْرِيلُ، ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلى غَيْرِها فَقَدْ كَرِهْتُها“ فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: ”أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ فاسْألْ رَبَّكَ ذَلِكَ“ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدِيمُ النَّظَرَ إلى السَّماءِ رَجاءَ مَجِيءِجِبْرِيلَ بِما سَألَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ»، وهَؤُلاءِ ذَكَرُوا في سَبَبِ هَذِهِ المِحْنَةِ أُمُورًا.

الأوَّلُ: أنَّ اليَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهُ يُخالِفُنا ثُمَّ إنَّهُ يَتَّبِعُ قِبْلَتَنا، ولَوْلا نَحْنُ لَمْ يَدْرِ أيْنَ يَسْتَقْبِلُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ كَرِهَ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِهِمْ.

الثّانِي: أنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَقْدِرُ أنْ يُصَيِّرَ ذَلِكَ سَبَبًا لِاسْتِمالَةِ العَرَبِ ولِدُخُولِهِمْ في الإسْلامِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أحَبَّ أنْ يَحْصُلَ هَذا الشَّرَفُ لِلْمَسْجِدِ الَّذِي في بَلْدَتِهِ ومَنشَئِهِ لا في مَسْجِدٍ آخَرَ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا الوَجْهِ وقالَ: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَكْرَهَ قِبْلَةً أُمِرَ أنْ يُصَلِّيَ إلَيْها، وأنْ يُحِبَّ أنْ يُحَوِّلَهُ رَبُّهُ عَنْها إلى قِبْلَةٍ يَهْواها بِطَبْعِهِ، ويَمِيلُ إلَيْها بِحَسَبِ شَهْوَتِهِ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَ وعَلَّمَ أنَّ الصَّلاحَ في خِلافِ الطَّبْعِ والمَيْلِ. واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّأْوِيلَ قَلِيلُ التَّحْصِيلِ؛ لِأنَّ المُسْتَنْكَرَ مِنَ الرَّسُولِ أنْ يُعْرِضَ عَمّا أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ويَشْتَغِلَ بِما يَدْعُوهُ طَبْعُهُ إلَيْهِ، فَأمّا أنْ يَمِيلَ قَلْبُهُ إلى شَيْءٍ فَيَتَمَنّى في قَلْبِهِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ، فَذَلِكَ مِمّا لا إنْكارَ عَلَيْهِ، لا سِيَّما إذا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، أيْ بَعْدُ في أنْ يَمِيلَ طَبْعُ الرَّسُولِ إلى شَيْءٍ فَيَتَمَنّى في قَلْبِهِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لَهُ فِيهِ، وهَذا مِمّا لا اسْتِبْعادَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدِ اسْتَأْذَنَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعالى بِذَلِكَ فَأخْبَرَهُ جِبْرِيلُ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أذِنَ لَهُ في هَذا الدُّعاءِ، وذَلِكَ لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَسْألُونَ اللَّهَ تَعالى شَيْئًا إلّا بِإذْنٍ مِنهُ لِئَلّا يَسْألُوا ما لا صَلاحَ فِيهِ، فَلا يُجابُوا إلَيْهِ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، فَلَمّا أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ في الإجابَةِ عَلِمَ أنَّهُ يُسْتَجابُ إلَيْهِ، فَكانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ يَنْتَظِرُ مَجِيءَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالوَحْيِ في الإجابَةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُحَوِّلُ القِبْلَةَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى قِبْلَةٍ أُخْرى، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُ إلى أيِّ مَوْضِعٍ يُحَوِّلُها، ولَمْ تَكُنْ قِبْلَةٌ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الكَعْبَةِ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ يَنْتَظِرُ الوَحْيَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُهُ بِغَيْرِ صَلاةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأمَرَهُ أنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، والقائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعَ مِنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ ولَمْ يُعَيَّنْ لَهُ القِبْلَةُ، فَكانَ يَخافُ أنْ يَرِدَ وقْتُ الصَّلاةِ ولَمْ تَظْهَرِ القِبْلَةُ فَتَتَأخَّرَ صَلاتُهُ؛ فَلِذَلِكَ كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ، عَنِ الأصَمِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ وُعِدَ بِذَلِكَ وقِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ باقِيَةٌ بِحَيْثُ تَجُوزُ الصَّلاةُ إلَيْها، لَكِنْ لِأجْلِ الوَعْدِ كانَ يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ، ولِأنَّهُ كانَ يَرْجُو عِنْدَ التَّحْوِيلِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ، نَحْوَ: رَغْبَةِ العَرَبِ في الإسْلامِ، والمُبايَنَةِ عَنِ اليَهُودِ، وتَمْيِيزِ المُوافِقِ مِنَ المُنافِقِ، فَلِهَذا كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى، وإلّا لَما كانَتِ القِبْلَةُ الثّانِيَةُ ناسِخَةً لِلْأُولى، بَلْ كانَتْ مُبْتَدَأةً، والمُفَسِّرُونَ أجْمَعُوا عَلى أنَّها ناسِخَةٌ لِلْأُولى، ولِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ

صفحة ١٠١

يُؤْمَرَ بِالصَّلاةِ إلّا مَعَ بَيانِ مَوْضِعِ التَّوَجُّهِ. الرّابِعُ: أنَّ تَقَلُّبَ وجْهِهِ في السَّماءِ هو الدُّعاءُ.

القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ، قالُوا: لَوْلا الأخْبارُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى هَذا القَوْلِ وإلّا فَلَفْظُ الآيَةِ يَحْتَمِلُ وجْهًا آخَرَ، وهو أنَّهُ يَحْتَمِلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في أوَّلِ مَقْدَمِهِ المَدِينَةِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ إذا صَلّى بِمَكَّةَ جَعَلَ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذِهِ صَلاةٌ إلى الكَعْبَةِ فَلَمّا هاجَرَ لَمْ يَعْلَمْ أيْنَ يَتَوَجَّهُ، فانْتَظَرَ أمْرَ اللَّهِ تَعالى حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقالَ قَوْمٌ: كانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلى الكَعْبَةِ فَلَمّا صارَ إلى المَدِينَةِ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ كانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، إلّا أنَّهُ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَها: وقالَ قَوْمٌ: بَلْ كانَ يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَطْ وبِالمَدِينَةِ أوَّلًا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ لِما فِيهِ مِنَ الصَّلاحِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا في تَوَجُّهِ النَّبِيِّ ﷺ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ هَلْ كانَ فَرْضًا لا يَجُوزُ غَيْرُهُ، أوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ مُخَيَّرًا في تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ وإلى غَيْرِهِ، فَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: قَدْ كانَ مُخَيَّرًا في ذَلِكَ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ فَرْضًا مُحَقَّقًا بِلا تَخْيِيرٍ.

واعْلَمْ أنَّهُ عَلى أيِّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَقَدْ صارَ مَنسُوخًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُخَيَّرًا في التَّوَجُّهِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ، «أنَّ نَفَرًا قَصَدُوا الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ لِلْبَيْعَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وكانَ فِيهِمُ البَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، فَتَوَجَّهَ بِصَلاتِهِ إلى الكَعْبَةِ في طَرِيقِهِ، وأبى الآخَرُونَ وقالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَوَجَّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلى قِبْلَةٍ - يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ - لَوْ ثَبَتَّ عَلَيْها أجْزَأكَ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنافِ الصَّلاةِ»، فَدَلَّ عَلى أنَّهم قَدْ كانُوا مُخَيَّرِينَ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَرْتَضِي القِبْلَةَ الأُولى، فَلَوْ كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَها وبَيْنَ الكَعْبَةِ ما كانَ يَتَوَجَّهُ إلَيْها فَحَيْثُ تَوَجَّهَ إلَيْها مَعَ أنَّهُ كانَ ما يَرْتَضِيها عَلِمْنا أنَّهُ ما كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَها وبَيْنَ الكَعْبَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَشْهُورُ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إنَّما صارَ مَنسُوخًا بِالأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: التَّوَجُّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والأثَرِ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ يَقْتَضِي صِحَّةَ المَذْهَبِ الَّذِي قُلْناهُ بِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ والدَّرَجَةِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ في التَّرْتِيبِ عَلى خِلافِ الأصْلِ، فَثَبَتَ ما قُلْناهُ، وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أمْرَ القِبْلَةِ أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ، والأمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ، إنَّما المَذْكُورُ في القُرْآنِ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾

صفحة ١٠٢

فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ ناسِخًا لِذَلِكَ، لا لِلْأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ فَلَنُعْطِيَنَّكَ ولَنُمَكِّنَنَّكَ مِنِ اسْتِقْبالِها، مِن قَوْلِكَ ولَّيْتُهُ كَذا، إذا جَعَلْتَهُ والِيًا، أوْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي سَمْتَها دُونَ سَمْتِ بَيْتِ المَقْدِسِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿تَرْضاها﴾ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: تَرْضاها تُحِبُّها وتَمِيلُ إلَيْها؛ لِأنَّ الكَعْبَةَ كانَتْ أحَبَّ إلَيْهِ مِن غَيْرِها بِحَسَبِ مَيْلِ الطَّبْعِ، قالَ القاضِي: هَذا لا يَجُوزُ فَإنَّهُ مِنَ المُحالِ أنْ يَقُولَ اللَّهُ تَعالى: فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً يَمِيلُ طَبْعُكَ إلَيْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَقْدَحُ في حِكْمَتِهِ تَعالى فِيما يُكَلِّفُ، ويَقْدَحُ في حالِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما يُرِيدُهُ في حالِ التَّكْلِيفِ، وهَذا الِاعْتِراضُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الطَّعْنَ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى: إنّا حَوَّلْناكَ إلى القِبْلَةِ الَّتِي مالَ طَبْعُكَ إلَيْها بِمُجَرَّدِ مَيْلِ طَبْعِكَ، فَأمّا لَوْ قالَ: إنّا حَوَّلْناكَ إلى القِبْلَةِ الَّتِي مالَ طَبْعُكَ إلَيْها لِأجْلِ أنَّ الحِكْمَةَ والمَصْلَحَةَ وافَقَتْ مَيْلَ طَبْعِكَ فَأيُّ ضَرَرٍ يَلْزَمُ مِنهُ! وقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» “ فَكانَ طَبْعُهُ يَمِيلُ إلى الصَّلاةِ مَعَ أنَّ المَصْلَحَةَ كانَتْ مُوافِقَةً لِذَلِكَ.

وثانِيها: ﴿قِبْلَةً تَرْضاها﴾ أيْ: تُحِبُّها بِسَبَبِ اشْتِمالِها عَلى المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ. وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: أيْ كُلَّ جِهَةٍ وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها فَهي لَكَ رِضًا لا يَجُوزُ أنْ تَسْخَطَ، كَما فَعَلَ مَنِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، فَلَمّا تَحَوَّلَتِ القِبْلَةُ ارْتَدُّوا. ورابِعُها: ﴿تَرْضاها﴾ أيْ: تَرْضى عاقِبَتَها لِأنَّكَ تَعْرِفُ بِها مَن يَتَّبِعُكَ لِلْإسْلامِ، فَمَن يَتَّبِعُكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن دُنْيا يُصِيبُها أوْ مالٍ يَكْتَسِبُهُ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الوَجْهِ هاهُنا جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الواجِبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِجُمْلَتِهِ لا بِوَجْهِهِ فَقَطْ، والوَجْهُ يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ نَفْسُ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ولِأنَّ بِالوَجْهِ تُمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ كُلِّ الذّاتِ بِالوَجْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الشَّطْرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:

أحَدُهُما: النِّصْفُ يُقالُ: شَطَرْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ نِصْفَيْنِ، ويُقالُ في المَثَلِ أجْلِبُ جَلْبًا لَكَ شَطْرُهُ أيْ نِصْفُهُ.

والثّانِي: نَحْوَهُ وتِلْقاءَهُ وِجْهَتَهُ، واسْتَشْهَدَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كِتابِ ”الرِّسالَةِ“ عَلى هَذا بِأبْياتٍ أرْبَعَةٍ: قالَ خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ:

ألا مَن مُبْلِغٌ عَمْرًا رَسُولًا وما تُغْنِي الرِّسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو

وقالَ ساعِدَةُ بْنُ جُؤَيَّةَ:

أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعٍ: أقِيمِي ∗∗∗ صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ

وقالَ لَقِيطٌ الإيادِيُّ:

وقَدْ أظَلَّكُمُ مِن شَطْرِ شِعْرِكُمُ ∗∗∗ هَوْلٌ لَهُ ظُلَمٌ يَغْشاكُمُ قِطَعا

وقالَ آخَرُ:

صفحة ١٠٣

إنَّ العَسِيرَ بِها داءٌ مُخامِرُها ∗∗∗ فَشَطْرُها بَصَرُ العَيْنَيْنِ مَسْحُورُ

قالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يُرِيدُ تِلْقاءَها بَصَرُ العَيْنَيْنِ مَسْحُورٌ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الآيَةِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ والمُتَأخِّرِينَ، واخْتِيارُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كِتابِ الرِّسالَةِ: أنَّ المُرادَ: جِهَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ وتِلْقاءَهُ وجانِبَهُ، قَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ”تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ“ .

القَوْلُ الثّانِي: وهو قَوْلُ الجُبّائِيِّ واخْتِيارُ القاضِي أنَّ المُرادَ مِنَ الشَّطْرِ هاهُنا: وسَطُ المَسْجِدِ ومُنْتَصَفُهُ؛ لِأنَّ الشَّطْرَ هو النِّصْفُ، والكَعْبَةُ واقِعَةٌ مِنَ المَسْجِدِ في النِّصْفِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، فَلَمّا كانَ الواجِبُ هو التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ، وكانَتِ الكَعْبَةُ واقِعَةً في نِصْفِ المَسْجِدِ حَسُنَ مِنهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ يَعْنِي النِّصْفَ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وكَأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ بُقْعَةِ الكَعْبَةِ، قالَ القاضِي: ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا وجْهانِ.

الأوَّلُ: أنَّ المُصَلِّيَ خارِجَ المَسْجِدِ لَوْ وقَفَ بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى المَسْجِدِ، ولَكِنْ لا يَكُونُ مُتَوَجِّهًا إلى مُنْتَصَفِ المَسْجِدِ الَّذِي هو مَوْضِعُ الكَعْبَةِ لا تَصِحُّ صَلاتُهُ.

الثّانِي: أنّا لَوْ فَسَّرْنا الشَّطْرَ بِالجانِبِ لَمْ يَبْقَ لِذِكْرِ الشَّطْرِ مَزِيدُ فائِدَةٍ؛ لِأنَّكَ إذا قُلْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ فَقَدْ حَصَلَتِ الفائِدَةُ المَطْلُوبَةُ، أمّا لَوْ فَسَّرْنا الشَّطْرَ بِما ذَكَرْناهُ كانَ لِذِكْرِهِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَوَلِّ وجْهَكَ المَسْجِدَ الحَرامَ لا يُفْهَمُ مِنهُ وُجُوبُ التَّوَجُّهِ إلى مُنْتَصَفِهِ الَّذِي هو مَوْضِعُ الكَعْبَةِ، فَلَمّا قِيلَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ حَصَلَتْ هَذِهِ الفائِدَةُ الزّائِدَةُ، فَكانَ حَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا المَحْمَلِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: لَوْ حَمَلْنا الشَّطْرَ عَلى الجانِبِ يَبْقى لِذِكْرِ الشَّطْرِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ، وهي أنَّهُ لَوْ قالَ: فَوَلِّ وجْهَكَ المَسْجِدَ الحَرامَ، لَزِمَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ؛ لِأنَّ مَن في أقْصى المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ المَسْجِدَ، أمّا إذا قالَ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أيْ جانِبَ المَسْجِدِ، دَخَلَ فِيهِ الحاضِرُونَ والغائِبُونَ، قُلْنا: هَذِهِ الفائِدَةُ مُسْتَفادَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِ: شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ زِيادَةُ فائِدَةٍ، هَذا تَقْرِيرُ هَذا الوَجْهِ، وفِيهِ إشْكالٌ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: فَوَلِّ وجْهَكَ نِصْفَ المَسْجِدِ وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالنِّصْفِ، وفَرْقٌ بَيْنَ النِّصْفِ وبَيْنَ المَوْضِعِ الَّذِي عَلَيْهِ يُقْبَلُ التَّنْصِيفُ، والكَلامُ إنَّما يَسْتَقِيمُ لَوْ حُمِلَ عَلى الثّانِي، إلّا أنَّ اللَّفْظَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدِ اخْتَلَفُوا في أنَّ المُرادَ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ يُحْكى في كِتابِ ”شَرْحِ السُّنَّةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ. وقالَ آخَرُونَ: القِبْلَةُ هي الكَعْبَةُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ ما أُخْرِجَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أخْبَرَنِي أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قالَ: «لَمّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ البَيْتَ دَعا في نَواحِيهِ كُلِّها ولَمْ يُصَلِّ حَتّى خَرَجَ مِنهُ، فَلَمّا خَرَجَ صَلّى رَكْعَتَيْنِ في قِبَلِ الكَعْبَةِ وقالَ: هَذِهِ القِبْلَةُ»، قالَ القَفّالُ: وقَدْ ورَدَتِ الأخْبارُ الكَثِيرَةُ في صَرْفِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، وفي خَبَرِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ: «ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبَةِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يَتَوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ»، وفي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ «فِي صَلاةِ أهْلِ قُباءَ: فَأتاهم آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ»، وفي رِوايَةِ ثُمامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أنَسٍ: «جاءَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ فَنادى: إنَّ القِبْلَةَ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ»، وهَكَذا عامَّةُ الرِّواياتِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلِ المُرادُ المَسْجِدُ الحَرامُ كُلُّهُ، قالُوا: لِأنَّ الكَلامَ

صفحة ١٠٤

يَجِبُ إجْراؤُهُ عَلى ظاهِرِ لَفْظِهِ إلّا إذا مَنَعَ مِنهُ مانِعٌ، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ كُلُّهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّما أُسْرِيَ بِهِ خارِجَ المَسْجِدِ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مُسَمًّى بِالمَسْجِدِ الحَرامِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ التَّهْذِيبِ: الجَماعَةُ إذا صَلَّوْا في المَسْجِدِ الحَرامِ يُسْتَحِبُّ أنْ يَقِفَ الإمامُ خَلْفَ المَقامِ، والقَوْمُ يَقِفُونَ مُسْتَدِيرِينَ بِالبَيْتِ، فَإنْ كانَ بَعْضُهم أقْرَبَ إلى البَيْتِ مِنَ الإمامِ جازَ، فَلَوِ امْتَدَّ الصَّفُّ في المَسْجِدِ فَإنَّهُ لا تَصِحُّ صَلاةُ مَن خَرَجَ عَنْ مُحاذاةِ الكَعْبَةِ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ تَصِحُّ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ الجِهَةَ كافِيَةٌ، وهَذا اخْتِيارُ الشَّيْخِ الغَزالِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ الإحْياءِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: القُرْآنُ، والخَبَرُ، والقِياسُ، أمّا القُرْآنُ فَهو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ لِأنّا دَلَّلْنا عَلى أنَّ المُرادَ مِن شَطْرِ المَسْجِدِ الحَرامِ جانِبُهُ، وجانِبُ الشَّيْءِ هو الَّذِي يَكُونُ مُحاذِيًا لَهُ وواقِعًا في سَمْتِهِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ إنَّما يُقالُ: إنَّ زَيْدًا ولّى وجْهَهُ إلى جانِبِ عَمْرٍو، ولَوْ قابَلَ بِوَجْهِهِ وجْهَهُ، وجَعَلَهُ مُحاذِيًا لَهُ، حَتّى أنَّهُ لَوْ كانَ وجْهُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما إلى جانِبِ المَشْرِقِ، إلّا أنَّهُ لا يَكُونُ وجْهُ أحَدِهِما مُحاذِيًا لِوَجْهِ الآخَرِ، لا يُقالُ: إنَّهُ ولّى وجْهَهُ إلى جانِبِ عَمْرٍو، فَثَبَتَ دَلالَةُ الآيَةِ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبٌ.

وأمّا الخَبَرُ فَما رَوَيْنا «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا خَرَجَ مِنَ الكَعْبَةِ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ في قِبْلَةِ الكَعْبَةِ وقالَ: ”هَذِهِ القِبْلَةُ“»، وهَذِهِ الكَلِمَةُ تُفِيدُ الحَصْرَ فَثَبَتَ أنَّهُ لا قِبْلَةَ إلّا عَيْنُ الكَعْبَةِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأخْبارِ الَّتِي رَوَيْناها في أنَّ القِبْلَةَ هي الكَعْبَةُ، وأمّا القِياسُ فَهو أنَّ مُبالَغَةَ الرَّسُولِ ﷺ في تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ أمْرٌ بَلَغَ مَبْلَغَ التَّواتُرِ، والصَّلاةُ مِن أعْظَمِ شَعائِرِ الدِّينِ، وتَوْقِيفُ صِحَّتِها عَلى اسْتِقْبالِ عَيْنِ الكَعْبَةِ بِما يُوجِبُ حُصُولَ مَزِيدِ شَرَفِ الكَعْبَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا، ولِأنَّ كَوْنَ الكَعْبَةِ قِبْلَةً أمْرٌ مَعْلُومٌ، وكَوْنَ غَيْرِها قِبْلَةً أمْرٌ مَشْكُوكٌ، والأوْلى رِعايَةُ الِاحْتِياطِ في الصَّلاةِ، فَوَجَبَ تَوْقِيفُ صِحَّةِ الصَّلاةِ عَلى اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِأُمُورٍ.

الأوَّلُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ إلى جانِبِهِ، فَمَن ولّى وجْهَهُ إلى الجانِبِ الَّذِي حَصَلَتِ الكَعْبَةُ فِيهِ فَقَدْ أتى بِما أُمِرَ بِهِ سَواءٌ كانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ أمْ لا، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» “، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ بَيْنَ مَشْرِقٍ ومَغْرِبٍ فَهو قِبْلَةٌ؛ لِأنَّ جانِبَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهو بِالِاتِّفاقِ لَيْسَ بِقِبْلَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي هو بَيْنَ مَشْرِقٍ مُعَيَّنٍ ومَغْرِبٍ مُعَيَّنٍ قِبْلَةٌ، ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ المَشْرِقِ الشِّتْوِيِّ وبَيْنَ المَغْرِبِ الصَّيْفِيِّ فَإنَّ ذَلِكَ قِبْلَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ المَشْرِقَ الشِّتْوِيَّ جَنُوبِيٌّ مُتَباعِدٌ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ بِمِقْدارِ المَيْلِ، والمَغْرِبَ الصَّيْفِيَّ شَمالِيٌّ مُتَباعِدٌ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ بِمِقْدارِ المَيْلِ، والَّذِي بَيْنَهُما هو سَمْتُ مَكَّةَ، قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى مَذْهَبِنا أوْلى مِنهُ بِالدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِكم، أمّا فِعْلُ الصَّحابَةِ فَمِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ مَسْجِدِ قُباءَ كانُوا في صَلاةِ الصُّبْحِ بِالمَدِينَةِ مُسْتَقْبِلِينَ لِبَيْتِ المَقْدِسِ، مُسْتَدْبِرِينَ لِلْكَعْبَةِ؛ لِأنَّ المَدِينَةَ بَيْنَهُما، فَقِيلَ لَهم: ألا إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ، فاسْتَدارُوا في أثْناءِ الصَّلاةِ مِن غَيْرِ طَلَبِ دَلالَةٍ، ولَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهِمْ، وسُمِّيَ مَسْجِدُهم بِذِي القِبْلَتَيْنِ، ومُقابَلَةُ العَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ لا تُعْرَفُ إلّا بِأدِلَّةٍ هَنْدَسِيَّةٍ يَطُولُ النَّظَرُ فِيها، فَكَيْفَ أدْرَكُوها عَلى البَدِيهَةِ في أثْناءِ الصَّلاةِ وفي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ.

الثّانِي: أنَّ النّاسَ مِن عَهْدِ

صفحة ١٠٥

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَنَوُا المَساجِدَ في جَمِيعِ بِلادِ الإسْلامِ، ولَمْ يُحْضِرُوا قَطُّ مُهَنْدِسًا عِنْدَ تَسْوِيَةِ المِحْرابِ، ومُقابَلَةُ العَيْنِ لا تُدْرَكُ إلّا بِدَقِيقِ نَظَرِ الهَنْدَسَةِ.

وأمّا القِياسُ فَمِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبًا إمّا عِلْمًا أوْ ظَنًّا، وجَبَ أنْ لا تَصِحَّ صَلاةُ أحَدٍ قَطُّ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ مُحاذاةُ الكَعْبَةِ مِقْدارَ نَيْفٍ وعِشْرِينَ ذِراعًا فَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ أهْلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَقِفُوا في مُحاذاةِ هَذا المِقْدارِ، بَلِ المَعْلُومُ أنَّ الَّذِي يَقَعُ مِنهم في مُحاذاةِ هَذا القَدْرِ القَلِيلِ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى كَثِيرٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ العِبْرَةَ في أحْكامِ الشَّرْعِ بِالغالِبِ، والنّادِرُ مُلْحَقٌ بِهِ، فَوَجَبَ أنْ لا تَصِحَّ صَلاةُ أحَدٍ مِنهم لا سِيَّما وذَلِكَ الَّذِي وقَعَ في مُحاذاةِ الكَعْبَةِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ وقَعَ في مُحاذاتِها، وحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى صِحَّةِ صَلاةِ الكُلِّ عَلِمْنا أنَّ المُحاذاةَ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَإنْ قِيلَ: الدّائِرَةُ وإنْ كانَتْ عَظِيمَةً إلّا أنَّ جَمِيعَ النُّقَطِ المَفْرُوضَةِ عَلَيْها تَكُونُ مُحاذِيَةً لِمَرْكَزِ الدّائِرَةِ، فالصُّفُوفُ الواقِعَةُ في العالَمِ بِأسْرِها كَأنَّها دائِرَةٌ بِالكَعْبَةِ، والكَعْبَةُ كَأنَّها نُقْطَةٌ لِتِلْكَ الدّائِرَةِ إلّا أنَّ الدّائِرَةَ إذا صَغُرَتْ صَغُرَ التَّقَوُّسُ والِانْحِناءُ في جَمِيعِها، وإنِ اتَّسَعَتْ وعَظُمَتْ لَمْ يَظْهَرِ التَّقَوُّسُ والِانْحِناءُ في كُلِّ واحِدٍ مِن قِسْمَيْها، بَلْ نَرى كُلَّ قِطْعَةٍ مِنها شَبِيهًا بِالخَطِّ المُسْتَقِيمِ، فَلا جَرَمَ صَحَّتِ الجَماعَةُ بِصَفٍّ طَوِيلٍ في المَشْرِقِ والمَغْرِبِ يَزِيدُ طُولُها عَلى أضْعافِ البَيْتِ، والكُلُّ يُسَمَّوْنَ مُتَوَجِّهِينَ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ، قُلْنا: هَبْ أنَّ الأمْرَ عَلى ما ذَكَرْتُمُوهُ ولَكِنَّ القِطْعَةَ مِنَ الدّائِرَةِ العَظِيمَةِ وإنْ كانَتْ شَبِيهَةً بِالخَطِّ المُسْتَقِيمِ في الحِسِّ، إلّا أنَّها لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مُنْحَنِيَةً في نَفْسِها؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ في نَفْسِها مُسْتَقِيمَةً، وكَذا القَوْلُ في جَمِيعِ قِطَعِ تِلْكَ الدّائِرَةِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الدّائِرَةُ مُرَكَّبَةً مِن خُطُوطٍ مُسْتَقِيمَةٍ يَتَّصِلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ إمّا مُضَلَّعَةً أوْ خَطًّا مُسْتَقِيمًا وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ، فَعَلِمْنا أنَّ كُلَّ قِطْعَةٍ مِنَ الدّائِرَةِ الكَبِيرَةِ فَهي في نَفْسِها مُنْحَنِيَةٌ، فالصُّفُوفُ المُتَّصِلَةُ في أطْرافِ العالَمِ إنَّما يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُسْتَقْبِلًا لِعَيْنِ الكَعْبَةِ لَوْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصُّفُوفُ واقِعَةً عَلى الخَطِّ المُسْتَقِيمِ، بَلْ إذا حَصَلَ فِيها ذَلِكَ الِانْحِناءُ القَلِيلُ، إلّا أنَّ ذَلِكَ الِانْحِناءَ القَلِيلَ الَّذِي لا يَفِي بِإدْراكِهِ الحِسُّ البَتَّةَ، لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ التَّكْلِيفِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ الصُّفُوفِ جاهِلًا بِأنَّهُ هَلْ هو مُسْتَقْبِلٌ لِعَيْنِ الكَعْبَةِ أمْ لا، فَلَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ شَرْطًا لَكانَ حُصُولُ هَذا الشَّرْطِ مَجْهُولًا لَكَ، والشَّكُّ في حُصُولِ الشَّرْطِ يَقْتَضِي الشَّكَّ في حُصُولِ المَشْرُوطِ، فَوَجَبَ أنْ يَبْقى كُلُّ واحِدٍ مِن أهْلِ هَذِهِ الصُّفُوفِ شاكًّا في صِحَّةِ صَلاتِهِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ لا يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ البَتَّةَ، وحَيْثُ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ العَيْنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لا عِلْمًا ولا ظَنًّا، وهَذا كَلامٌ بَيِّنٌ.

الثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبًا ولا سَبِيلَ إلَيْهِ إلّا بِالدَّلالَةِ الهَنْدَسِيَّةِ، وما لا يَتَأدّى الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ تَعَلُّمُ الدَّلالَةِ الهَنْدَسِيَّةِ واجِبًا عَلى كُلِّ أحَدٍ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ، فَإنْ قِيلَ: عِنْدَنا اسْتِقْبالُ عَيْنِ الجِهَةِ واجِبٌ ظَنًّا لا يَقِينًا، والمُفْتَقِرُ إلى الدَّلائِلِ الهَنْدَسِيَّةِ هو الِاسْتِقْبالُ يَقِينًا لا ظَنًّا، قُلْنا: لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبًا لَكانَ القادِرُ عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ لا يَجُوزُ لَهُ الِاكْتِفاءُ بِالظَّنِّ، والرَّجُلُ قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ تَعَلُّمِ الدَّلائِلِ الهَنْدَسِيَّةِ فَكانَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ تِلْكَ الدَّلائِلِ، ولَمّا لَمْ يَجِبْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ واجِبٌ.

صفحة ١٠٦

الثّالِثُ: لَوْ كانَ اسْتِقْبالُ العَيْنِ واجِبًا إمّا عِلْمًا أوْ ظَنًّا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ الظَّنِّ إلّا بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الأماراتِ، وما لا يَتَأدّى الواجِبُ إلّا بِهِ فَهو واجِبٌ، فَكانَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ تَعَلُّمُ تِلْكَ الأماراتِ فَرْضَ عَيْنٍ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُكَلَّفِينَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ اسْتِقْبالَ العَيْنِ غَيْرُ واجِبٍ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في دَلائِلِ القِبْلَةِ: اعْلَمْ أنَّ الدَّلائِلَ إمّا أرْضِيَّةٌ وهي الِاسْتِدْلالُ بِالجِبالِ، والقُرى، والأنْهارِ، أوْ هَوائِيَّةٌ وهي الِاسْتِدْلالُ بِالرِّياحِ، أوْ سَماوِيَّةٌ وهي النُّجُومُ.

أمّا الأرْضِيَّةُ والهَوائِيَّةُ فَغَيْرُ مَضْبُوطَةٍ ضَبْطًا كُلِّيًّا، فَرُبَّ طَرِيقٍ فِيهِ جَبَلٌ مُرْتَفِعٌ لا يُعْلَمُ أنَّهُ عَلى يَمِينِ المُسْتَقْبِلِ أوْ شِمالِهِ أوْ قُدّامَهُ أوْ خَلْفَهُ، فَكَذَلِكَ الرِّياحُ قَدْ تَدُلُّ في بَعْضِ البِلادِ ولَسْنا نَقْدِرُ عَلى اسْتِقْصاءِ ذَلِكَ، إذْ كُلُّ بَلَدٍ بِحُكْمٍ آخَرَ في ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском