Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:159–162

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:159–162

2:159Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ ١٥٩

Indeed, those who conceal what We sent down of clear proofs and guidance after We made it clear for the people in the Scripture - those are cursed by Allāh and cursed by those who curse,1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ يَجْرِي عَلى ظاهِرِهِ في العُمُومِ ثُمَّ مِن هَؤُلاءِ مَن زَعَمَ أنَّهُ في اليَهُودِ خاصَّةً، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ سَألُوا نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ عَمّا في التَّوْراةِ مِن صِفاتِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ومِنَ الأحْكامِ، فَكَتَمُوا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ، والأصَمِّ. والأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ، والعارِضُ المَوْجُودُ وهو نُزُولُهُ عِنْدَ سَبَبٍ مُعَيَّنٍ يَقْتَضِي الخُصُوصَ عَلى ما ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.

وثانِيها: أنَّهُ ثَبَتَ أيْضًا في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا لِلْحُكْمِ، ولا شَكَّ أنَّ

صفحة ١٤٨

كِتْمانَ الدِّينِ يُناسِبُهُ اسْتِحْقاقُ اللَّعْنِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإذا كانَ هَذا الوَصْفُ عِلَّةً لِهَذا الحُكْمِ وجَبَ عُمُومُ هَذا الحُكْمِ عِنْدَ عُمُومِ الوَصْفِ. وثالِثُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ حَمَلُوا هَذا اللَّفْظَ عَلى العُمُومِ، وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّها قالَتْ: مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ أعْظَمَ الفِرْيَةَ عَلى اللَّهِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ فَحُمِلَتِ الآيَةُ عَلى العُمُومِ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَوْلا آيَتانِ مِن كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا بَعْدَ أنْ قالَ النّاسُ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ. وتَلا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ واحْتَجَّ مَن خَصَّ الآيَةَ بِأهْلِ الكِتابِ، أنَّ الكِتْمانَ لا يَصِحُّ إلّا مِنهم في شَرْعِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، فَأمّا القُرْآنُ فَإنَّهُ مُتَواتِرٌ، فَلا يَصِحُّ كِتْمانُهُ، قُلْنا: القُرْآنُ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ مُتَواتِرًا يَصِحُّ كِتْمانُهُ، والمُجْمَلُ مِنَ القُرْآنِ إذا كانَ بَيانُهُ عِنْدَ الواحِدِ صَحَّ كِتْمانُهُ، وكَذا القَوْلُ فِيما يَحْتاجُ المُكَلَّفُ إلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القاضِي: الكِتْمانُ تَرْكُ إظْهارِ الشَّيْءِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ، وحُصُولُ الدّاعِي إلى إظْهارِهِ؛ لِأنَّهُ مَتى لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لا يُعَدُّ كِتْمانًا، فَلَمّا كانَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِن أشَدِّ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وصَفَ مَن عَلِمَهُ ولَمْ يُظْهِرْهُ بِالكِتْمانِ، كَما يُوصَفُ أحَدُنا في أُمُورِ الدُّنْيا بِالكِتْمانِ، إذا كانَتْ مِمّا تَقْوى الدَّواعِي عَلى إظْهارِها، وعَلى هَذا الوَجْهِ يُمْدَحُ مَن يَقْدِرُ عَلى كِتْمانِ السِّرِّ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ مِمّا يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ ما يَتَّصِلُ بِالدِّينِ ويَحْتاجُ إلَيْهِ المُكَلَّفُ لا يَجُوزُ أنْ يُكْتَمَ، ومَن كَتَمَهُ فَقَدْ عَظُمَتْ خَطِيئَتُهُ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] وقَرِيبٌ مِنهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] فَهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها مُوجِبَةٌ لِإظْهارِ عُلُومِ الدِّينِ تَنْبِيهًا لِلنّاسِ، وزاجِرَةٌ عَنْ كِتْمانِها، ونَظِيرُها في بَيانِ العِلْمِ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها ذِكْرُ الوَعِيدِ لِكاتِمِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] ورَوى حَجّاجٌ، عَنْ عَطاءٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«مَن كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُلْجَمًا بِلِجامٍ مِن نارٍ» “ .

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾ فالمُرادُ كُلُّ ما أنْزَلَهُ عَلى الأنْبِياءِ كِتابًا ووَحْيًا دُونَ أدِلَّةِ العُقُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والهُدى﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ؛ لِأنّا بَيَّنّا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٣] أنَّ الهُدى عِبارَةٌ عَنِ الدَّلائِلِ فَيَعُمُّ الكُلَّ، فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قالَ: ﴿والهُدى مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ فَعادَ إلى الوَجْهِ الأوَّلِ قُلْنا: الأوَّلُ هو التَّنْزِيلُ، والثّانِي ما يَقْتَضِيهِ التَّنْزِيلُ مِنَ الفَوائِدِ.

واعْلَمْ أنَّ الكِتابَ لَمّا دَلَّ عَلى أنَّ خَبَرَ الواحِدِ والإجْماعَ والقِياسَ حُجَّةٌ، فَكُلُّ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أحَدُ هَذِهِ الأُمُورِ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ، فَكانَ كِتْمانُهُ داخِلًا تَحْتَ الآيَةِ، فَثَبَتَ أنَّهُ تَعالى تَوَعَّدَ عَلى كِتْمانِ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ وجَمَعَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ في الوَعِيدِ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَن أمْكَنَهُ بَيانُ أُصُولِ الدِّينِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ لِمَن كانَ مُحْتاجًا إلَيْها، ثُمَّ تَرَكَها أوْ كَتَمَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الشَّرْعِ مَعَ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ فَقَدْ لَحِقَهُ الوَعِيدُ العَظِيمُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: هَذا الإظْهارُ فَرْضٌ عَلى الكِفايَةِ لا عَلى التَّعْيِينِ، وهَذا لِأنَّهُ إذا أظْهَرَ البَعْضُ صارَ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ فَلَمْ يَبْقَ مَكْتُومًا، وإذا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الكِتْمانِ لَمْ يَجِبْ عَلى الباقِينَ إظْهارُهُ مَرَّةً أُخْرى.

صفحة ١٤٩

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ بِهَذِهِ الآياتِ في قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ فَقالَ: دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى أنَّ إظْهارَ هَذِهِ الأحْكامِ واجِبٌ، ولَوْ لَمْ يَجِبِ العَمَلُ بِها لَمْ يَكُنْ إظْهارُها واجِبًا، وتَمامُ التَّقْرِيرِ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] فَحَكَمَ بِوُقُوعِ البَيانِ بِخَبَرِهِمْ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مَنهِيًّا عَنِ الكِتْمانِ، ومَأْمُورًا بِالبَيانِ؛ لِيَكْثُرَ المُخْبِرُونَ فَيَتَواتَرَ الخَبَرُ ؟

قُلْنا: هَذا غَلَطٌ لِأنَّهم ما نُهُوا عَنِ الكِتْمانِ إلّا وهم مِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكِتْمانُ، ومَن جازَ مِنهُمُ التَّواطُؤُ عَلى الكِتْمانِ جازَ مِنهُمُ التَّواطُؤُ عَلى الوَضْعِ والِافْتِراءِ، فَلا يَكُونُ خَبَرُهم مُوجِبًا لِلْعِلْمِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى التَّعْلِيمِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ التَّعْلِيمِ كانَ أخْذُ الأُجْرَةِ عَلَيْهِ أخْذًا لِلْأُجْرَةِ عَلى أداءِ الواجِبِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٧٤] وظاهِرُ ذَلِكَ يَمْنَعُ أخْذَ الأُجْرَةِ عَلى الإظْهارِ وعَلى الكِتْمانِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ مانِعٌ أخَذَ البَدَلِ عَلَيْهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ﴾ قَبْلُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومِنَ الأحْكامِ، وقِيلَ: أرادَ بِالمَنزِلِ الأوَّلِ ما في كُتُبِ المُتَقَدِّمِينَ، والثّانِي: ما في القُرْآنِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ فاللَّعْنَةُ في أصْلِ اللُّغَةِ هي الإبْعادُ، وفي عُرْفِ الشَّرْعِ الإبْعادُ مِنَ الثَّوابِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ فَيَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَن لِلَعْنَتِهِ تَأْثِيرٌ، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصّالِحِينَ كَذَلِكَ فَهم داخِلُونَ تَحْتَ هَذا العُمُومِ لا مَحالَةَ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١] والنّاسُ ذَكَرُوا وُجُوهًا أُخَرَ: أحَدُها: أنَّ اللّاعِنِينَ هم دَوابُّ الأرْضِ وهَوامُّها، فَإنَّها تَقُولُ: مُنِعْنا القَطَرَ بِمَعاصِي بَنِي آدَمَ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وإنَّما قالَ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ ولَمْ يَقُلِ اللّاعِناتُ لِأنَّهُ تَعالى وصَفَها بِصِفَةِ مَن يَعْقِلُ، فَجَمَعَها جَمْعَ مَن يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] و﴿ياأيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، ﴿وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا﴾ [فصلت: ٢١]، ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] .

وثانِيها: كُلُّ شَيْءٍ سِوى الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَصِحُّ اللَّعْنُ مِنَ البَهائِمِ والجَماداتِ ؟ قُلْنا: عَلى وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وهو أنَّها لَوْ كانَتْ عاقِلَةً لَكانَتْ تَلْعَنُهم.

الثّانِي: أنَّها في الآخِرَةِ إذا أُعِيدَتْ وجُعِلَتْ مِنَ العُقَلاءِ فَإنَّها تَلْعَنُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ في الدُّنْيا وماتَ عَلَيْهِ.

وثالِثُها: أنَّ أهْلَ النّارِ يَلْعَنُونَهم أيْضًا حَيْثُ كَتَمُوهُمُ الدِّينَ، فَهو عَلى العُمُومِ.

ورابِعُها: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إذا تَلاعَنَ المُتَلاعِنانِ وقَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى المُسْتَحِقِّ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقٌّ رَجَعَتْ عَلى اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وخامِسُها: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ لَهم لَعْنَتَيْنِ: لَعْنَةَ اللَّهِ، ولَعْنَةَ الخَلائِقِ. قالَ: وذَلِكَ إذا وُضِعَ الرَّجُلُ في قَبْرِهِ فَيُسْألُ: ما دِينُكَ ؟ ومَن نَبِيُّكَ ؟ ومَن رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ: ما أدْرِي فَيُضْرَبُ ضَرْبَةً يَسْمَعُها كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، فَلا يَسْمَعُ شَيْءٌ صَوْتَهُ إلّا لَعَنَهُ، ويَقُولُ لَهُ المَلَكُ: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ، كَذَلِكَ كُنْتَ في الدُّنْيا.

وسادِسُها: قالَ أبُو مُسْلِمٍ: (اللّاعِنُونَ) هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ، ومَعْنى اللَّعْنِ مِنهم: مُباعَدَةُ

صفحة ١٥٠

المَلْعُونِ ومُشاقَّتُهُ ومُخالَفَتُهُ مَعَ السُّخْطِ عَلَيْهِ والبَراءَةِ مِنهُ. قالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا الكِتْمانَ مِنَ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيهِ اللَّعْنَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ أحَدًا مِنَ الأنْبِياءِ لَمْ يَكْتُمْ ما حُمِّلَ مِنَ الرِّسالَةِ وإلّا كانَ داخِلًا في الآيَةِ.

2:160Page 24

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٠

Except for those who repent and correct themselves and make evident [what they concealed]. Those - I will accept their repentance, and I am the Accepting of Repentance,1 the Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَظِيمَ الوَعِيدِ في الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ الوَعِيدَ يَلْحَقُهم عَلى كُلِّ حالٍ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهم إذا تابُوا تَغَيَّرَ حُكْمُهم، ودَخَلُوا في أهْلِ الوَعِيدِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ التَّوْبَةَ عِبارَةٌ عَنِ النَّدَمِ عَلى فِعْلِ القَبِيحِ لا لِغَرَضٍ سِواهُ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ رَدَّ الوَدِيعَةِ ثُمَّ نَدِمَ عَلَيْهِ لِأنَّ النّاسَ ذَمُّوهُ، أوْ لِأنَّ الحاكِمَ رَدَّ شَهادَتَهُ لَمْ يَكُنْ تائِبًا، وكَذَلِكَ لَوْ عَزَمَ عَلى رَدِّ كُلِّ ودِيعَةٍ، والقِيامِ بِكُلِّ واجِبٍ، لِكَيْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ، أوْ يُمْدَحَ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ تائِبًا، وهَذا مَعْنى الإخْلاصِ في التَّوْبَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا بُدَّ لَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن إصْلاحِ ما أفْسَدَهُ، مَثَلًا لَوْ أفْسَدَ عَلى غَيْرِهِ دِينَهُ بِإيرادِ شُبْهَةٍ عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ إزالَةُ تِلْكَ الشُّبْهَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ ثالِثًا أنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُ ضِدِّ الكِتْمانِ، وهو البَيانُ وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وبَيَّنُوا﴾ فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ لا تَحْصُلُ إلّا بِتَرْكِ كُلِّ ما لا يَنْبَغِي وبِفِعْلِ كُلِّ ما يَنْبَغِي، قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ عَنْ بَعْضِ المَعاصِي مَعَ الإصْرارِ عَلى البَعْضِ لا تَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأصْلَحُوا﴾ عامٌّ في الكُلِّ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ اللَّفْظَ المُطْلَقَ يَكْفِي في صِدْقِهِ حُصُولُ فَرْدٍ واحِدٍ مِن أفْرادِهِ. قالَ أصْحابُنا: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ واجِبٍ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ ذَلِكَ في مَعْرِضِ المَدْحِ والثَّناءِ عَلى نَفْسِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ واجِبًا لَما حَسُنَ هَذا المَدْحُ، ومَعْنى: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أقْبَلُ تَوْبَتَهم، وقَبُولُ التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ إزالَةَ عِقابِ ما تابَ مِنها، فَإنْ قِيلَ: هَلّا قُلْتُمْ أنَّ مَعْنى ﴿فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ هو قَبُولُ التَّوْبَةِ بِمَعْنى المُجازاةِ والثَّوابِ كَما تَقُولُونَ في قَبُولِ الطّاعَةِ ؟ قُلْنا: الطّاعَةُ إنَّما أفادَ قَبُولُها اسْتِحْقاقَ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ لا يُسْتَحَقُّ بِها سِواهُ، وهو الغَرَضُ بِفِعْلِها، ولَيْسَ كَذَلِكَ التَّوْبَةُ لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِإسْقاطِ العِقابِ، وهو الغَرَضُ بِفِعْلِها، وإنْ كانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَسْتَحِقَّ بِها الثَّوابَ إذا لَمْ يَكُنْ مُخْطِئًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأنا التَّوّابُ﴾ القابِلُ لِتَوْبَةِ كُلِّ ذِي تَوْبَةٍ، فَهو مُبالَغَةٌ في هَذا البابِ، ومَعْنى الرَّحِيمِ عَقِيبَ ذَلِكَ: التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ لِرَحْمَتِهِ بِالمُكَلَّفِينَ مِن عِبادِهِ، يَقْبَلُ تَوْبَتَهم بَعْدَ التَّفْرِيطِ العَظِيمِ مِنهم.

2:161–162Page 24

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١

Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - upon them will be the curse of Allāh and of the angels and the people, all together,

خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ١٦٢

Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

صفحة ١٥١

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَلا وجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِبَعْضِ مَن كانَ كَذَلِكَ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: يَجِبُ حَمْلُهُ عَلى الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم، وهُمُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ الآياتِ، واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ التّائِبِينَ مِنهم، ذَكَرَ أيْضًا حالَ مَن يَمُوتُ مِنهم مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، وأيْضًا أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ أنَّ أُولَئِكَ الكاتِمِينَ مَلْعُونُونَ حالَ الحَياةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم مَلْعُونُونَ أيْضًا بَعْدَ المَماتِ. والجَوابُ عَنْهُ: أنَّ هَذا إنَّما يَصِحُّ مَتى كانَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ لا يَكُونُونَ داخِلِينَ تَحْتَ الآيَةِ الأُولى، فَأمّا إذا دَخَلُوا تَحْتَ الأُولى: اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِمْ، فَيَجِبُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى أمْرٍ مُسْتَأْنَفٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ؛ لَمّا ذُكِرَ في الكَلامِ أنَّهُ إذا ماتَ عَلى كُفْرِهِ صارَ الوَعِيدُ لازِمًا مِن غَيْرِ شَرْطٍ، ولَمّا كانَ المُعَلَّقُ عَلى الشَّرْطِ عَدَمًا عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ؛ عَلِمْنا أنَّ الكافِرَ إذا تابَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَكُنْ حالُهُ كَذَلِكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ، وأهْلُ دِينِهِ لا يَلْعَنُونَهُ ؟ قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ أهْلَ دِينِهِ يَلْعَنُونَهُ في الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] .

وثانِيها: قالَ قَتادَةُ، والرَّبِيعُ: أرادَ بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ، كَأنَّهُ لَمْ يَعْتَدَّ بِغَيْرِهِمْ، وحَكَمَ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ النّاسُ لا غَيْرَ.

وثالِثُها: أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَلْعَنُ الجاهِلَ والظّالِمَ؛ لِأنَّ قُبْحَ ذَلِكَ مُقَرَّرٌ في العُقُولِ، فَإذا كانَ هو في نَفْسِهِ جاهِلًا أوْ ظالِمًا وإنْ كانَ لا يَعْلَمُ هو مِن نَفْسِهِ كَوْنَهُ كَذَلِكَ، كانَتْ لَعْنَتُهُ عَلى الجاهِلِ والظّالِمِ تَتَناوَلُ نَفْسَهُ؛ عَنِ السُّدِّيِّ.

ورابِعُها: أنْ يُحْمَلَ وُقُوعُ اللَّعْنِ عَلى اسْتِحْقاقِ اللَّعْنِ، وحِينَئِذٍ يَعُمُّ ذَلِكَ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ عَلى المُسْلِمِينَ لَعْنَ مَن ماتَ كافِرًا، وأنَّ زَوالَ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالمَوْتِ لا يُسْقِطُ عَنّا لَعْنَهُ والبَراءَةَ مِنهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قَدِ اقْتَضى أمْرَنا بِلَعْنِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الكافِرَ لَوْ جُنَّ لَمْ يَكُنْ زَوالُ التَّكْلِيفِ عَنْهُ بِالجُنُونِ مُسْقِطًا لِلَعْنِهِ والبَراءَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ السَّبِيلُ فِيما يُوجِبُ المَدْحَ والمُوالاةَ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ، فَإنَّ مَوْتَ مَن كانَ كَذَلِكَ أوْ جُنُونَهُ، لا يُغَيِّرُ حُكْمَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُدُوثِ الحالِ بِهِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: القائِلُونَ بِالمُوافاةِ احْتَجُّوا بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: عَلَّقَ تَعالى وُجُوبَ لَعْنَتِهِ بِأنْ يَمُوتَ عَلى كُفْرِهِ، فَلَوِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ قَبْلَ المَوْتِ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ، فَعَلِمْنا أنَّ الكُفْرَ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ اللَّعْنِ لَوْ ماتَ صاحِبُهُ عَلَيْهِ، وكَذا الإيمانُ إنَّما يُفِيدُ اسْتِحْقاقَ المَدْحِ إذا ماتَ صاحِبُهُ عَلَيْهِ. (الجَوابُ) الحُكْمُ المُرَتَّبُ عَلى الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ مَجْمُوعُ أُمُورٍ: مِنها اللَّعْنُ لَوْ ماتَ، ومِنها الخُلُودُ في النّارِ، وعِنْدَنا أنَّ هَذا المَجْمُوعَ وهو اللَّعْنُ وحْدَهُ، لِمَ قُلْتُمْ: أنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا فِيهِ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ الكُفْرَ مِنَ الأسْماءِ الشَّرْعِيَّةِ، وما بَقِيَ عَلى الوَضْعِ الأصْلِيِّ وهُمُ المُعْتَزِلَةُ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ واللَّهُ تَعالى وصَفَهم حالَ مَوْتِهِمْ بِأنَّهم كُفّارٌ، ومَعْلُومٌ أنَّ الكُفْرَ بِمَعْنى السَّتْرِ والتَّغْطِيَةِ، لا يَبْقى فِيهِمْ حالَ المَوْتِ؛ لِأنَّ التَّغْطِيَةَ لا تَحْصُلُ إلّا في حَقِّ الحَيِّ الفاهِمِ.

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّخْصِيصِ مَعَ التَّوْكِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ مَعَ أنَّهُ مَخْصُوصٌ عَلى مَذْهَبِ مَن قالَ: المُرادُ بِالنّاسِ بَعْضُهم.

* * *

صفحة ١٥٢

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الخُلُودُ: اللُّزُومُ الطَّوِيلُ، ومِنهُ يُقالُ: أخْلَدَ إلى كَذا أيْ لَزِمَهُ ورَكَنَ إلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: العامِلُ في (خالِدِينَ) الظَّرْفُ مِن قَوْلِهِ (عَلَيْهِمْ) لِأنَّ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ لِلَّعْنَةِ فَهو حالٌ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في ”عَلَيْهِمْ“ كَقَوْلِكَ: عَلَيْهِمُ المالُ صاغِرِينَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: في اللَّعْنَةِ، وقِيلَ في النّارِ إلّا أنَّها أُضْمِرَتْ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها وتَهْوِيلًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١] والأوَّلُ أوْلى لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الضَّمِيرَ إذا وُجِدَ لَهُ مَذْكُورٌ مُتَقَدِّمٌ فَرَدُّهُ إلَيْهِ أوْلى مِن رَدِّهِ إلى ما لَمْ يُذْكَرْ.

الثّانِي: أنَّ حَمْلَ هَذا الضَّمِيرِ عَلى اللَّعْنَةِ أكْثَرُ فائِدَةً مِن حَمْلِهِ عَلى النّارِ؛ لِأنَّ اللَّعْنَ هو الإبْعادُ مِنَ الثَّوابِ بِفِعْلِ العِقابِ في الآخِرَةِ وإيجادِهِ في الدُّنْيا، فَكانَ اللَّعْنُ يَدْخُلُ فِيهِ النّارُ وزِيادَةٌ، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ أوْلى.

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إخْبارٌ عَنِ الحالِ، وفي حَمْلِ الضَّمِيرِ عَلى اللَّعْنِ يَكُونُ ذَلِكَ حاصِلًا في الحالِ، وفي حَمْلِهِ عَلى النّارِ لا يَكُونُ حاصِلًا في الحالِ، بَلْ لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ؛ فَكانَ ذَلِكَ أوْلى، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى وصَفَ هَذا العَذابَ بِأُمُورٍ ثَلاثَةٍ.

أحَدُها: الخُلُودُ وهو المُكْثُ الطَّوِيلُ عِنْدَنا، والمُكْثُ الدّائِمُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، عَلى ما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] .

وثانِيها: عَدَمُ التَّخْفِيفِ، ومَعْناهُ أنَّ الَّذِي يَنالُهم مِن عَذابِ اللَّهِ فَهو مُتَشابِهٌ في الأوْقاتِ كُلِّها، لا يَصِيرُ بَعْضُ الأوْقاتِ أقَلَّ مِن بَعْضٍ، فَإنْ قِيلَ: هَذا التَّشابُهُ مُمْتَنِعٌ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ إذا تَصَوَّرَ حالَ غَيْرِهِ في شِدَّةٍ كالعِقابِ، كانَ ذَلِكَ كالتَّخْفِيفِ مِنهُ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى يُوَفِّرُ عَلَيْهِمْ ما فاتَ وقْتُهُ مِنَ العَذابِ ثُمَّ تَنْقَطِعُ تِلْكَ الزِّيادَةُ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَخْفِيفًا.

الثّالِثُ: أنَّهم حَيْثُما يُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ لا شَكَّ أنَّهُ يَزْدادُ غَمُّهم في ذَلِكَ الوَقْتِ. أجابُوا عَنْهُ: بِأنَّ التَّفاوُتَ في هَذِهِ الأُمُورِ القَلِيلَةِ، فالمُسْتَغْرِقُ بِالعَذابِ الشَّدِيدِ لا يَنْتَبِهُ لِهَذا القَدْرِ القَلِيلِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ قالُوا: ولَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ هَذا العِقابَ مُتَشابِهٌ، وجَبَ أنْ يَكُونَ دائِمًا؛ لِأنَّهم لَوْ جَوَّزُوا انْقِطاعَ ذَلِكَ مِمّا يُخَفِّفُ عَنْهم إذا تَصَوَّرُوهُ، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ الواقِعَ في مِحْنَةٍ عَظِيمَةٍ في الدُّنْيا إذا بُشِّرَ بِالخَلاصِ بَعْدَ أيّامٍ فَإنَّهُ يَفْرَحُ ويُسَرُّ ويَسْهُلُ عَلَيْهِ مَوْقِعُ مِحْنَتِهِ وكُلَّما كانَتْ مِحْنَتُهُ أعْظُمَ، كانَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الرَّوْحِ والتَّخْفِيفِ بِتَصَوُّرِ الِانْقِطاعِ أكْثَرَ.

الصِّفَةُ الثّالِثَةُ: مِن صِفاتِ ذَلِكَ العِقابِ: قَوْلُهُ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ والإنْظارُ هو التَّأْجِيلُ والتَّأْخِيرُ، قالَ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] والمَعْنى: أنَّ عَذابَهم لا يُؤَجَّلُ، بَلْ يَكُونُ حاضِرًا مُتَّصِلًا بِعَذابٍ مِثْلِهِ، فَكَأنَّهُ تَعالى أعْلَمَنا أنَّ حُكْمَ دارِ العَذابِ والثَّوابِ بِخِلافِ حُكْمِ الدُّنْيا، فَإنَّهم يُمْهَلُونَ فِيها إلى آجالٍ قَدَّرَها اللَّهُ تَعالى، وفي الآخِرَةِ لا مُهْلَةَ البَتَّةَ، فَإذا اسْتَمْهَلُوا لا يُمْهَلُونَ، وإذا اسْتَغاثُوا لا يُغاثُونَ وإذا اسْتَعْتَبُوا لا يُعْتَبُونَ، وقِيلَ لَهُمُ؛ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ، والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ الثَّلاثَةَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى لِلْعِقابِ في هَذِهِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلى يَأْسِ الكافِرِ مِنَ الِانْقِطاعِ والتَّخْفِيفِ والتَّأْخِيرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском