Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:164
2:164Page 25
إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤
Indeed, in the creation of the heavens and the earth, and the alternation of the night and the day, and the [great] ships which sail through the sea with that which benefits people, and what Allāh has sent down from the heavens of rain, giving life thereby to the earth after its lifelessness and dispersing therein every [kind of] moving creature, and [His] directing of the winds and the clouds controlled between the heaven and earth are signs for a people who use reason.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا حَكَمَ بِالفَرْدانِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ ذَكَرَ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ أوَّلًا وعَلى تَوْحِيدِهِ وبَراءَتِهِ عَنِ الأضْدادِ والأنْدادِ.
ثانِيًا: وقَبْلَ الخَوْضِ في شَرْحِ تِلْكُمُ الدَّلائِلِ لا بُدَّ مِن بَيانِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: وهي أنَّ النّاسَ اخْتَلَفُوا في أنَّ الخَلْقَ هَلْ هو المَخْلُوقُ أوْ غَيْرُهُ ؟ فَقالَ عالَمٌ مِنَ النّاسِ: الخَلْقُ هو المَخْلُوقُ. واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالآيَةِ والمَعْقُولِ، أمّا الآيَةُ فَهي هَذِهِ الآيَةُ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى قَوْلِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ الآياتِ لَيْسَتْ إلّا في المَخْلُوقِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَلْقَ هو المَخْلُوقُ، وأمّا المَعْقُولُ فَقَدِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ:
أحَدُها: أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنْ إخْراجِ الشَّيْءِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَهَذا الإخْراجُ لَوْ كانَ أمْرًا مُغايِرًا لِلْقُدْرَةِ والأثَرِ فَهو إمّا أنْ يَكُونَ قَدِيمًا أوْ حادِثًا، فَإنْ كانَ قَدِيمًا فَقَدْ حَصَلَ في الأزَلِ مُسَمّى الإخْراجِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، والإخْراجُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ مَسْبُوقٌ بِالعَدَمِ، والأزَلُ هو نَفْيُ المَسْبُوقِيَّةِ، فَلَوْ حَصَلَ الإخْراجُ في الأزَلِ لَزِمَ اجْتِماعُ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وإنْ كانَ مُحْدَثًا فَلا بُدَّ لَهُ أيْضًا مِن مُخْرِجٍ يُخْرِجُهُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن إخْراجٍ آخَرَ، والكَلامُ فِيهِ كَما في الأوَّلِ ويَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى في الأزَلِ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجًا لِلْأشْياءِ مِن عَدَمِها إلى وُجُودِها، ثُمَّ في الأزَلِ هَلْ أحْدَثَ أمْرًا أوْ لَمْ يُحْدِثْ ؟ فَإنْ أحْدَثَ أمْرًا فَذَلِكَ الأمْرُ الحادِثُ هو المَخْلُوقُ، وإنْ لَمْ يُحْدِثْ أمْرًا فاللَّهُ تَعالى قَطُّ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا.
وثالِثُها: أنَّ المُؤَثِّرِيَّةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ ذاتِ المُؤَثِّرِ وذاتِ الأثَرِ، والنِّسْبَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ يَسْتَحِيلُ تَقْرِيرُها بِدُونِ المُنْتَسِبِ، فَهَذِهِ المُؤَثِّرِيَّةُ إنْ كانَتْ حادِثَةً لَزِمَ التَّسَلْسُلُ وإنْ كانَتْ قَدِيمَةً كانَتْ مِن لَوازِمِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وحُصُولُ الأثَرِ إمّا في الحالِ أوْ في الِاسْتِقْبالِ مِن لَوازِمِ هَذِهِ الصِّفَةِ القَدِيمَةِ العَظِيمَةِ، ولازِمُ اللّازِمِ لازِمٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الأثَرُ مِن لَوازِمِ ذاتِ اللَّهِ تَعالى، فَلا يَكُونُ اللَّهُ تَعالى قادِرًا مُخْتارًا، بَلْ مُلْجِأً مُضْطَرًّا إلى ذَلِكَ التَّأْثِيرِ، فَيَكُونُ عِلَّةً مُوجِبَةً، وذَلِكَ كُفْرٌ.
واحْتَجَّ القائِلُونَ بِأنَّ الخَلْقَ غَيْرُ المَخْلُوقِ بِوُجُوهٍ:
أوَّلُها: أنْ قالُوا: لا نِزاعَ في أنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ خالِقٌ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الأشْياءَ، والخالِقُ هو المَوْصُوفُ بِالخَلْقِ، فَلَوْ كانَ الخَلْقُ هو المَخْلُوقُ لَزِمَ كَوْنُهُ تَعالى
صفحة ١٦٢
مَوْصُوفًا بِالمَخْلُوقاتِ الَّتِي مِنها الشَّياطِينُ والأبالِسَةُ والقاذُوراتُ، وذَلِكَ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
وثانِيها: أنّا إذا رَأيْنا حادِثًا حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، قُلْنا: لَوْ وُجِدَ هَذا الشَّيْءُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فَإذا قِيلَ لَنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ وأوْجَدَهُ قَبِلْنا ذَلِكَ وقُلْنا: إنَّهُ حَقٌّ وصَوابٌ، ولَوْ قِيلَ: إنَّهُ إنَّما وُجِدَ بِنَفْسِهِ لَقُلْنا: إنَّهُ خَطَأٌ وكُفْرٌ ومُتَناقِضٌ، فَلَمّا صَحَّ تَعْلِيلُ حُدُوثِهِ بَعْدَما لَمْ يَكُنْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ ولَمْ يَصِحَّ تَعْلِيلُ حُدُوثِهِ بِحُدُوثِهِ بِنَفْسِهِ، عَلِمْنا أنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ مُغايِرٌ لِوُجُودِهِ في نَفْسِهِ، فالخَلْقُ غَيْرُ المَخْلُوقِ.
وثالِثُها: أنَّنا نَعْرِفُ أفْعالَ العِبادِ ونَعْرِفُ اللَّهَ تَعالى وقُدْرَتَهُ مَعَ أنّا لا نَعْرِفُ أنَّ المُؤَثِّرَ في أفْعالِ العِبادِ أهُوَ قُدْرَةُ اللَّهِ أمْ هو قُدْرَةُ العَبْدِ، والمَعْلُومُ غَيْرُ ما هو مَعْلُومٌ، فَمُؤَثِّرِيَّةُ قُدْرَةِ القادِرِ في وُقُوعِ المَقْدُورِ مُغايِرَةٌ لِنَفْسِ تِلْكَ القُدْرَةِ ولِنَفْسِ ذَلِكَ المَقْدُورِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ المُغايَرَةَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ سَلْبِيَّةً؛ لِأنَّهُ نَقِيضُ المُؤَثِّرِيَّةِ الَّتِي هي عَدَمِيَّةٌ، فَهَذِهِ المُؤَثِّرِيَّةُ صِفَةٌ ثُبُوتِيَّةٌ زائِدَةٌ عَلى ذاتِ المُؤَثِّرِ وذاتِ الأثَرِ وهو المَطْلُوبُ.
ورابِعُها: أنَّ النُّحاةَ قالُوا: إذْ قُلْنا: خَلَقَ اللَّهُ العالَمَ فالعالَمُ لَيْسَ هو المَصْدَرَ، بَلْ هو المَفْعُولُ بِهِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ العالَمِ غَيْرُ العالِمِ.
وخامِسُها: أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: خَلْقُ السَّوادِ وخَلْقُ البَياضِ، وخَلْقُ الجَوْهَرِ وخَلْقُ العَرَضِ، فَمَفْهُومُ الخَلْقِ أمْرٌ واحِدٌ في الكُلِّ مُغايِرٌ لِهَذِهِ الماهِيّاتِ المُخْتَلِفَةِ، بِدَلِيلِ أنَّهُ يَصِحُّ تَقْسِيمُ الخالِقِيَّةِ إلى خالِقِيَّةِ الجَوْهَرِ وخالِقِيَّةِ العَرَضِ، ومَوْرِدُ التَّقْسِيمِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأقْسامِ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْقَ غَيْرُ المَخْلُوقِ، فَهَذا جُمْلَةُ ما في هَذِهِ المَسْألَةِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: أصْلُ الخَلْقِ في كَلامِ العَرَبِ التَّقْدِيرُ، وصارَ ذَلِكَ اسْمًا لِأفْعالِ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَ جَمِيعُها صَوابًا، قالَ تَعالى: ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفُرْقانِ: ٢] ويَقُولُ النّاسُ في كُلِّ أمْرٍ مُحْكَمٍ: هو مَعْمُولٌ عَلى تَقْدِيرٍ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ، وأنَّ التَّقْلِيدَ لَيْسَ طَرِيقًا إلى تَحْصِيلِ هَذا الغَرَضِ.
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ: عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٣] فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ النّاسَ إلَهٌ واحِدٌ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . وعَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: حَدِّثُونا عَمّا جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ. فَحَدَّثُوهم بِالعَصا وبِاليَدِ البَيْضاءِ، وسَألُوا النَّصارى عَنْ ذَلِكَ فَحَدَّثُوهم بِإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى، فَقالَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا فَنَزْدادَ يَقِينًا وقُوَّةً عَلى عَدُوِّنا. فَسَألَ رَبَّهُ ذَلِكَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يُعْطِيَهم ولَكِنْ إنْ كَذَّبُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهم عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «ذَرْنِي وقَوْمِي أدْعُوهم يَوْمًا فَيَوْمًا» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ مُبَيِّنًا لَهم أنَّهم إنْ كانُوا يُرِيدُونَ أنْ أجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا لِيَزْدادُوا يَقِينًا فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وسائِرِ ما ذَكَرَ أعْظَمُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ في هَذِهِ الأنْواعِ الثَّمانِيَةِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى أقْسامٍ:
فالقِسْمُ الأوَّلُ: في تَفْصِيلِ القَوْلِ في كُلِّ واحِدٍ مِنها، فالنَّوْعُ الأوَّلُ مِنَ الدَّلائِلِ: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ السَّماواتِ، وقَدْ ذَكَرْنا طَرَفًا مِن ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢] ولْنَذْكُرْ هَهُنا نَمَطًا آخَرَ مِنَ الكَلامِ:
صفحة ١٦٣
رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الحُسامِ كانَ يَقْرَأُ كِتابَ المِجِسْطِيِّ عَلى عُمَرَ الأبْهَرِيِّ، فَقالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ يَوْمًا: ما الَّذِي تَقْرَءُونَهُ ؟ فَقالَ: أُفَسِّرُ آيَةً مِنَ القُرْآنِ. وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ [ق: ٦] فَأنا أُفَسِّرُ كَيْفِيَّةَ بُنْيانِها، ولَقَدْ صَدَقَ الأبْهَرِيُّ فِيما قالَ؛ فَإنَّ كُلَّ مَن كانَ أكْثَرَ تَوَغُّلًا في بِحارِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ تَعالى كانَ أكْثَرَ عِلْمًا بِجَلالِ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ. فَنَقُولُ: الكَلامُ في أحْوالِ السَّماواتِ عَلى الوَجْهِ المُخْتَصَرِ الَّذِي يَلِيقُ بِهَذا المَوْضِعِ مُرَتَّبٌ في فُصُولٍ:
* * *
الفَصْلُ الأوَّلُ
فِي تَرْتِيبِ الأفْلاكِ
قالُوا: أقْرَبُها إلَيْنا كُرَةُ القَمَرِ، وفَوْقَها كُرَةُ عُطارِدٍ، ثُمَّ الزُّهَرَةِ، ثُمَّ كُرَةُ الشَّمْسِ، ثُمَّ كُرَةُ المِرِّيخِ، ثُمَّ كُرَةُ المُشْتَرِي، ثُمَّ كُرَةُ زُحَلَ، ثُمَّ كُرَةُ الثَّوابِتِ، ثُمَّ الفَلَكُ الأعْظَمُ.
واعْلَمْ أنَّ في هَذا المَوْضُوعِ أبْحاثًا:
البَحْثُ الأوَّلُ: ذَكَرُوا في طَرِيقِ مَعْرِفَةِ هَذا التَّرْتِيبِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: السَّيْرُ، وذَلِكَ أنَّ الكَوْكَبَ الأسْفَلَ إذا مَرَّ بَيْنَ أبْصارِنا وبَيْنَ الكَوْكَبِ الأعْلى فَإنَّهُما يُبْصَرانِ كَكَوْكَبٍ واحِدٍ، ويَتَمَيَّزُ السّائِرُ عَنِ المَسْتُورِ بِلَوْنِهِ الغالِبِ، كَصُفْرَةِ عُطارِدٍ، وبَياضِ الزُّهَرَةِ، وحُمْرَةِ المِرِّيخِ، ودُرِّيَّةِ المُشْتَرِي، وكَمَوَدَّةِ زُحَلَ، ثُمَّ إنَّ القُدَماءَ وجَدُوا القَمَرَ يَكْسِفُ الكَواكِبَ السِّتَّةَ، وكَثِيرًا مِنَ الثَّوابِتِ في طَرِيقِهِ في مَمَرِّ البُرُوجِ، وكَوْكَبُ عُطارِدٍ يَكْسِفُ الزُّهَرَةَ، والزُّهَرَةُ تَكْسِفُ المِرِّيخَ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ فَهَذا الطَّرِيقُ يَدُلُّ عَلى كَوْنِ القَمَرِ تَحْتَ الشَّمْسِ لِانْكِسافِها بِهِ، لَكِنْ لا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ سائِرِ الكَواكِبِ أوْ تَحْتَها؛ لِأنَّ الشَّمْسَ لا تَنْكَسِفُ بِشَيْءٍ مِنها لِاضْمِحْلالِ أضْوائِها في ضَوْءِ الشَّمْسِ، فَسَقَطَ هَذا الطَّرِيقُ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّمْسِ.
الثّانِي: اخْتِلافُ المَنظَرِ فَإنَّهُ مَحْسُوسٌ لِلْقَمَرِ وعُطارِدٍ والزُّهَرَةِ، وغَيْرُ مَحْسُوسٍ لِلْمِرِّيخِ والمُشْتَرِي وزُحَلَ، وأمّا في حَقِّ الشَّمْسِ فَقَلِيلٌ جِدًّا، فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ الشَّمْسُ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وهَذا الطَّرِيقُ بَيِّنٌ جِدًّا لِمَنِ اعْتَبَرَ اخْتِلافَ مَنظَرِ الكَواكِبِ، وشاهَدَهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي حَكَيْناهُ، فَأمّا مَن لَمْ يُمارِسْهُ، فَإنَّهُ يَكُونُ مُقَلِّدًا فِيهِ، لا سِيَّما وأنَّ أبا الرَّيْحانِ وهو أُسْتاذُ هَذِهِ الصِّناعَةِ ذَكَرَ في تَلْخِيصِهِ لِفُصُولِ الفَرْغانِيِّ أنَّ اخْتِلافَ المَنظَرِ لا يُحَسُّ بِهِ إلّا في القَمَرِ.
الثّالِثُ: قالَ بَطْلَيْمُوسُ: إنَّ زُحَلَ والمُشْتَرِيَ والمِرِّيخَ تَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ في جَمِيعِ الأبْعادِ، وأمّا عُطارِدُ والزُّهَرَةُ فَإنَّهُما لا يَبْعُدانِ عَنِ الشَّمْسِ بَعْدَ التَّسْدِيسِ، فَضْلًا عَنْ سائِرِ الأبْعادِ، فَوَجَبَ كَوْنُ الشَّمْسِ مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ القِسْمَيْنِ، وهَذا الدَّلِيلُ ضَعِيفٌ، فَإنَّهُ مَنقُوضٌ بِالقَمَرِ، فَإنَّهُ يَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ كُلَّ الأبْعادِ، مَعَ أنَّهُ تَحْتَ الكُلِّ.
* * *
البَحْثُ الثّانِي: في أعْدادِ الأفْلاكِ، قالُوا: إنَّها تِسْعَةٌ فَقَطْ، والحَقُّ أنَّ الرَّصْدَ لَمّا دَلَّ عَلى هَذِهِ التِّسْعَةِ أثْبَتْناها، فَأمّا ما عَداها، فَلَمّا لَمْ يَدُلَّ الرَّصْدُ عَلَيْهِ، لا جَرَمَ ما جَزَمْنا بِثُبُوتِها ولا بِانْتِفائِها، وذَكَرَ ابْنُ سِينا في الشِّفاءِ: إنَّهُ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي إلى الآنِ أنَّ كُرَةَ الثَّوابِتِ كُرَةٌ واحِدَةٌ، أوْ كُراتٌ مُنْطَبِقٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ. وأقُولُ: هَذا الِاحْتِمالُ واقِعٌ؛ لِأنَّ الَّذِي يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى وحْدَةِ كُرَةِ الثَّوابِتِ لَيْسَ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ حَرَكاتِها مُتَساوِيَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ كَوْنُها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ، والمُقَدِّمَتانِ ضَعِيفَتانِ.
صفحة ١٦٤
أمّا المُقَدِّمَةُ الأُولى: فَلِأنَّ حَرَكاتِها وإنْ كانَتْ في حَواسِّنا مُتَشابِهَةً، لَكِنَّها في الحَقِيقَةِ لَعَلَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ لِأنّا لَوْ قَدَّرْنا أنَّ الواحِدَ مِنها يُتِمُّ الدَّوْرَ في سِتَّةٍ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ، والآخَرُ يُتِمُّ هَذا الدَّوْرَ في مِثْلِ هَذا الزَّمانِ لَكِنْ يَنْقُصانِ عاشِرَةً، إذا وزَّعْنا تِلْكَ العاشِرَةَ عَلى أيّامِ سِتَّةٍ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ، لا شَكَّ أنَّ حِصَّةَ كُلِّ يَوْمٍ، بَلْ كُلِّ سَنَةٍ، بَلْ كُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِمّا لا يَصِيرُ مَحْسُوسًا، وإذا كانَ كَذَلِكَ سَقَطَ القَطْعُ بِتَشابُهِ حَرَكاتِ الثَّوابِتِ.
وأمّا المُقَدِّمَةُ الثّانِيَةُ: وهي أنَّها لَمّا تَشابَهَتْ في حَرَكاتِها وجَبَ كَوْنُها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ واحِدَةٍ، وهي أيْضًا لَيْسَتْ يَقِينِيَّةً؛ فَإنَّ الأشْياءَ المُخْتَلِفَةَ لا يُسْتَبْعَدُ اشْتِراكُها في لازِمٍ واحِدٍ، بَلْ أقُولُ: هَذا الِاحْتِمالُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سِينا في كُرَةِ الثَّوابِتِ قائِمٌ في جَمِيعِ الكُراتِ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ إلى وحْدَةِ كُلِّ كُرَةٍ لَيْسَ إلّا ما ذَكَرْناهُ وزَيَّفْناهُ، فَإذَنْ لا يُمْكِنُ الجَزْمُ بِوَحْدَةِ الكُرَةِ المُتَحَرِّكَةِ اليَوْمِيَّةِ، فَلَعَلَّها كُراتٌ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ في مَقادِيرِ حَرَكاتِها بِمِقْدارٍ قَلِيلٍ جِدًّا، لا تَفِي بِضَبْطِ ذَلِكَ التَّفاوُتِ أعْمارُنا، وكَذَلِكَ القَوْلُ في جَمِيعِ المُمَثَّلاتِ والحَوامِلِ.
ومِنَ النّاسِ مَن أثْبَتَ كُرَةً فَوْقَ كُرَةِ الثَّوابِتِ، وتَحْتَ الفَلَكِ الأعْظَمِ، واحْتَجُّوا مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ الرّاصِدِينَ لِلْمَيْلِ الأعْظَمِ وجَدُوهُ مُخْتَلِفَ المِقْدارِ، وكُلُّ مَن كانَ رَصْدُهُ أقْدَمَ كانَ وِجْدانُ المَيْلِ الأعْظَمِ أعْظَمَ؛ فَإنَّ بَطْلَيْمُوسَ وجَدَهُ (كج نا) ثُمَّ وُجِدَ في زَمانِ المَأْمُونِ (كج له) ثُمَّ وُجِدَ بَعْدَ المَأْمُونِ وقَدْ تَناقَصَ بِدَقِيقَةٍ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّ مِن شَأْنِ القُطْبَيْنِ أنْ يَقِلَّ مَيْلُهُما تارَةً ويَكْثُرَ أُخْرى، وهَذا إنَّما يُمْكِنُ إذا كانَ بَيْنَ كُرَةِ الكُلِّ وكُرَةِ الثَّوابِتِ كُرَةٌ أُخْرى يَدُورُ قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيْ كُرَةِ الكُلِّ، ويَكُونُ كُرَةُ الثَّوابِتِ يَدُورُ أيْضًا قُطْباها حَوْلَ قُطْبَيْ تِلْكَ الكُرَةِ فَيَعْرِضُ لِقُطْبِها تارَةً أنْ يَصِيرَ إلى جانِبِ الشَّمالِ مُنْخَفِضًا، وتارَةً إلى جانِبِ الجَنُوبِ مُرْتَفِعًا، فَيَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَنْطَبِقَ مُعَدَّلُ النَّهارِ عَلى مِنطَقَةِ البُرُوجِ، وأنْ يَنْفَصِلَ عَنْهُ تارَةً أُخْرى إلى الجَنُوبِ.
وثانِيها: أنَّ أصْحابَ الأرْصادِ اضْطَرَبُوا اضْطِرابًا شَدِيدًا في مِقْدارِ مَسِيرِ الشَّمْسِ عَلى ما هو مَشْرُوحٌ في المُطَوَّلاتِ، حَتّى إنَّ بَطْلَيْمُوسَ حَكى عَنْ أبْرِخْسَ أنَّهُ كانَ شاكًّا في أنَّ هَذا السَّيْرَ يَكُونُ في أزْمِنَةٍ مُتَساوِيَةٍ أوْ مُخْتَلِفَةٍ.
ثُمَّ إنَّ النّاسَ ذَكَرُوا في سَبَبِ اخْتِلافِهِ قَوْلَيْنِ:
أحَدُهُما قَوْلُ مَن يَجْعَلُ أوْجَ الشَّمْسِ مُتَحَرِّكًا فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ الِاخْتِلافَ الَّذِي يَلْحَقُ حَرَكَةَ الشَّمْسِ مِن هَذِهِ الجِهَةِ يَخْتَلِفُ عِنْدَ نُقْطَتَيِ الِاعْتِدالَيْنِ لِاخْتِلافِ بُعْدِهِما مِنَ الأوْجِ، فَيَخْتَلِفُ زَمانُ سَيْرِ الشَّمْسِ مِن أجْلِهِ.
وثانِيهُما: قَوْلُ أهْلِ الهِنْدِ والصِّينِ وبابِلَ، وأكْثَرِ قُدَماءِ عُلَماءِ الرُّومِ ومِصْرَ والشّامِ: أنَّ السَّبَبَ فِيهِ انْتِقالُ فَلَكُ البُرُوجِ، وارْتِفاعُ قُطْبَيْهِ وانْحِطاطُهُ، وحُكِيَ عَنْ أبْرِخْسَ أنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُ هَذا الرَّأْيَ، وذَكَرَ بارْبا الإسْكَنْدَرانِيُّ أنَّ أصْحابَ الطَّلْسَماتِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ أيْضًا، وأنَّ قُطْبَ فَلَكِ البُرُوجِ يَتَقَدَّمُ عَنْ مَوْضِعِهِ ويَتَأخَّرُ ثَمانِ دَرَجاتٍ، وقالُوا: إنَّ ابْتِداءَ الحَرَكَةِ مِن (كب) دَرَجَةً مِنَ الحُوتِ إلى أوَّلِ الحَمَلِ.
وثالِثُها: أنَّ بَطْلَيْمُوسَ رَصَدَ الثَّوابِتَ فَوَجَدَها تَقْطَعُ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً واحِدَةً، والمُتَأخِّرُونَ رَصَدُوها فَوَجَدُوها تَقْطَعُ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً ونِصْفًا، وهَذا تَفاوُتٌ عَظِيمٌ يَبْعُدُ حَمْلُهُ عَلى التَّفاوُتِ في الآلاتِ الَّتِي تَتَّخِذُها المَهَرَةُ في الصِّناعَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، فَلا بُدَّ مِن حَمْلِهِ عَلى ازْدِيادِ المَيْلِ ونُقْصانِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ القَوْلَ بِثُبُوتِ الفَلَكِ الَّذِي ذَكَرْناهُ.
* * *
البَحْثُ الثّالِثُ: احْتَجُّوا عَلى أنَّ الكَواكِبَ الثّابِتَةَ مَرْكُوزَةٌ في فَلَكٍ فَوْقَ أفْلاكِ هَذِهِ الكَواكِبِ السَّبْعَةِ،
صفحة ١٦٥
فَقالُوا: شاهَدْنا لِهَذِهِ الأفْلاكِ السَّبْعَةِ حَرَكاتٍ أسْرَعَ مِن حَرَكاتِ هَذِهِ الثَّوابِتِ، وثَبَتَ أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةِ الفَلَكِ، وهَذا يَقْتَضِي كَوْنَ هَذِهِ الثَّوابِتِ مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ سِوى هَذِهِ السَّبْعَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَرْكُوزَةً في الفَلَكِ الأعْظَمِ؛ لِأنَّهُ سَرِيعُ الحَرَكَةِ، يَدُورُ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً واحِدَةً بِالتَّقْرِيبِ، ثُمَّ قالُوا: إنَّها مَرْكُوزَةٌ في كُرَةٍ فَوْقَ كُراتِ هَذِهِ السَّبْعَةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ السَّبْعَةَ قَدْ تَكْسِفُ تِلْكَ الثَّوابِتَ، والكاسِفُ تَحْتَ المَكْسُوفِ، فَكُراتُ هَذِهِ السَّبْعَةِ وجَبَ أنْ تَكُونَ دُونَ كُراتِ الثَّوابِتِ.
وهَذا الطَّرِيقُ أيْضًا ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ الكَوْكَبَ لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِحَرَكَةٍ فَلَكِيَّةٍ، وهم إنَّما بَنَوْا عَلى امْتِناعِ الخَرْقِ عَلى الأفْلاكِ، ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا ضَعْفَ دَلائِلِهِمْ عَلى ذَلِكَ.
وثانِيها: سَلَّمْنا أنَّهُ لا بُدَّ لِهَذِهِ الثَّوابِتِ مِن كُراتٍ أُخْرى إلّا أنَّ مَذْهَبَكم أنَّ كُلَّ كُرَةٍ مِن هَذِهِ الكُراتِ السَّبْعَةِ تَنْقَسِمُ إلى أقْسامٍ كَثِيرَةٍ، ومَجْمُوعُها هو الفَلَكُ المُمَثَّلُ، وأنَّ هَذِهِ المُمَثَّلَةَ بَطِيئَةُ الحَرَكَةِ عَلى وِفْقِ حَرَكَةِ كُرَةِ الثَّوابِتِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الثَّوابِتُ مَرْكُوزَةٌ في هَذِهِ المُمَثَّلاتِ البَطِيئَةِ الحَرَكَةِ، فَأمّا السَّيّاراتُ فَإنَّها مَرْكُوزَةٌ في الحَوامِلِ الَّتِي هي أفْلاكٌ خارِجَةُ المَرْكَزِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ لا حاجَةَ إلى إثْباتِ كُرَةِ الثَّوابِتِ.
وثالِثُها: هَبْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن كُرَةٍ أُخْرى فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ كُرَتانِ إحْداهُما فَوْقَ كُرَةِ زُحَلَ، والأُخْرى دُونَ كُرَةِ القَمَرِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ السَّيّاراتِ لا تَمُرُّ إلّا بِالثَّوابِتِ الواقِعَةِ في مَمَرِّ تِلْكَ السَّيّاراتِ، فَأمّا الثَّوابِتُ المُقارِبَةُ لِلْقُطْبَيْنِ فَإنَّ السَّيّاراتِ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنها ولا تُكْسِفُها، فالثَّوابِتُ الَّتِي تَنْكَسِفُ بِهَذِهِ السَّيّاراتِ هَبْ أنّا حَكَمْنا بِكَوْنِها مَرْكُوزَةً في كُرَةٍ فَوْقَ كُرَةِ زُحَلَ، أمّا الَّتِي لا تَنْكَسِفُ بِهَذِهِ السَّيّاراتِ فَكَيْفَ نَعْلَمُ أنَّها لَيْسَتْ دُونَ السَّيّاراتِ، فَثَبْتَ أنَّ الَّذِي قالُوهُ غَيْرُ بُرْهانِيٍّ، بَلِ احْتِمالِيٌّ.
* * *
البَحْثُ الرّابِعُ: زَعَمُوا أنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ حَرَكَتُهُ أسْرَعُ الحَرَكاتِ؛ فَإنَّهُ يَتَحَرَّكُ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ قَرِيبًا مِن دَوْرَةٍ تامَّةٍ، وأنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ.
وأمّا الفَلَكُ الثّامِنُ الَّذِي تَحْتَهُ فَإنَّهُ في نِهايَةِ البُطْءِ، حَتّى إنَّهُ يَتَحَرَّكُ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةً عِنْدَ بَطْلَيْمُوسَ، وعِنْدَ المُتَأخِّرِينَ في كُلِّ سِتَّةٍ وسِتِّينَ سَنَةً دَرَجَةً، وأنَّهُ يَتَحَرَّكُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ عَلى عَكْسِ الحَرَكَةِ الأُولى، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأنّا لَمّا رَصَدْنا هَذِهِ الثَّوابِتَ وجَدْنا لَها حَرَكَةً عَلى خِلافِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ.
واعْلَمْ أنَّ هَذا أيْضًا ضَعِيفٌ، فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الفَلَكَ الأعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً تامَّةً، والفَلَكَ الثّامِنَ أيْضًا يَتَحَرَّكُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ دَوْرَةً إلّا بِمِقْدارٍ نَحْوَ عُشْرِ ثانِيَةٍ، فَلا جَرَمَ نَرى حَرَكَةَ الكَواكِبِ في الحِسِّ مُخْتَلِفَةً عَنِ الحَرَكَةِ الأُولى بِذَلِكَ القَدْرِ القَلِيلِ في خِلافِ جِهَةِ الحَرَكَةِ الأُولى، فَإذا اجْتَمَعَتْ تِلْكَ المَقادِيرُ أحَسَّ كَأنَّ الكَوْكَبَ الثّابِتَ يَرْجِعُ بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ إلى خِلافِ جِهَةِ الحَرَكَةِ اليَوْمِيَّةِ، فَهَذا الِاحْتِمالُ واقِعٌ، وهم ما أقامُوا الدَّلالَةَ عَلى إبْطالِهِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو الحَقُّ وجْهانِ:
الأوَّلُ: وهو بُرْهانِيٌّ، أنَّ حَرَكَةَ الفَلَكِ الثّامِنِ لَوْ كانَتْ إلى خِلافِ حَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ لَكانَ حِينَما يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ إلى جِهَةٍ إمّا أنْ يَتَحَرَّكَ بِحَرَكَةِ نَفْسِهِ إلى خِلافِ تِلْكَ الجِهَةِ أوْ لا يَتَحَرَّكُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِمُقْتَضى حَرَكَةِ نَفْسِهِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ لَزِمَ كَوْنُ الشَّيْءِ الواحِدِ دُفْعَةً واحِدَةً مُتَحَرِّكًا إلى جِهَتَيْنِ، والحَرَكَةُ إلى
صفحة ١٦٦
جِهَتَيْنِ تَقْتَضِي الحُصُولَ في الجِهَتَيْنِ دُفْعَةً وذَلِكَ مُحالٌ، وإنْ كانَ القِسْمَ الثّانِيَ لَزِمَ انْقِطاعُ الحَرَكاتِ الفَلَكِيَّةِ، وهم لا يَرْضَوْنَ بِذَلِكَ.
الثّانِي: أنَّ نِهايَةَ الحَرَكَةِ حاصِلَةٌ لِلْفَلَكِ الأعْظَمِ، ونِهايَةَ السُّكُونِ حاصِلَةٌ لِلْأرْضِ، والأقْرَبُ إلى العُقُولِ أنْ يُقالَ: ما كانَ أقْرَبَ مِنَ الفَلَكِ الأعْظَمِ كانَ أسْرَعَ حَرَكَةً، وكُلُّ ما كانَ أبْعَدَ كانَ أبْطَأ حَرَكَةً، فَفَلَكُ الثَّوابِتِ أقْرَبُ الأفْلاكِ إلَيْهِ، فَلا جَرَمَ لا تَفاوُتَ بَيْنَ الحَرَكَتَيْنِ إلّا بِقَدْرٍ قَلِيلٍ، وهو الَّذِي يَحْصُلُ مِنِ اجْتِماعِ مَقادِيرِ التَّفاوُتِ في كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ دَرَجَةٌ واحِدَةٌ، ويَلِيهِ فَلَكُ زُحَلَ فَإنَّهُ أبْطَأُ مِن فَلَكِ الثَّوابِتِ، فَلا جَرَمَ كانَ تَخَلُّفُهُ عَنِ الفَلَكِ الأعْظَمِ أكْثَرَ، حَتّى إنَّ مَقادِيرَ التَّفاوُتِ إذا اجْتَمَعَتْ بَلَغَتْ في كُلِّ ثَلاثِينَ سَنَةً إلى تَمامِ الدَّوْرِ، وعَلى هَذا القَوْلِ كُلُّ ما كانَ أبْعَدَ عَنِ الفَلَكِ الأعْظَمِ كانَ أبْطَأ حَرَكَةً، فَكانَ تَفاوُتُهُ أكْثَرَ حَتّى يَبْلُغَ إلى فَلَكِ القَمَرِ الَّذِي هو أبْطَأُ الأفْلاكِ حَرَكَةً، فَهو في كُلِّ يَوْمٍ يَتَخَلَّفُ عَنِ الفَلَكِ الأعْظَمِ ثَلاثَ عَشْرَةَ دَرَجَةً، فَلا جَرَمَ يُتَمِّمُ دَوْرَهُ في كُلِّ شَهْرٍ، ولا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الأرْضِ الَّتِي هي أبْعَدُ الأشْياءِ عَنِ الفَلَكِ، فَلا جَرَمَ كانَتْ في نِهايَةِ السُّكُونِ، فَثَبَتَ أنَّ كَلامَهم في هَذِهِ الأُصُولِ مُخْتَلٌّ ضَعِيفٌ، والعَقْلُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى الوُصُولِ إلَيْها.
* * *
الفَصْلُ الثّانِي
فِي مَعْرِفَةِ الأفْلاكِ
القَوْمُ وضَعُوا لِأنْفُسِهِمْ مُقْدِّمَتَيْنِ ظَنِّيَّتَيْنِ:
إحْداهُما: أنَّ حَرَكاتِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ مُتَساوِيَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وأنَّها لا تُبْطِئُ مَرَّةً وتُسْرِعُ أُخْرى، ولَيْسَ لَها رُجُوعٌ عَنْ مُتَوَجِّهاتِها.
والثّانِيَةُ: أنَّ الكَواكِبَ لا تَتَحَرَّكُ بِذاتِها، بَلْ بِتَحَرُّكِ الفَلَكِ، ثُمَّ إنَّهم بَنَوْا عَلى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ مُقَدِّمَةً أُخْرى فَقالُوا: الفَلَكُ الَّذِي يَحْمِلُ الكَواكِبَ إمّا أنْ يَكُونَ مَرْكَزُهُ مَرْكَزَ الأرْضِ أوْ لا يَكُونَ، فَإنْ كانَ مَرْكَزُهُ الأرْضَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَرْكُوزًا في ثِخَنِهِ، أوْ مَرْكُوزًا في جِرْمٍ مَرْكُوزٍ في ثِخَنِ ذَلِكَ الفَلَكِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ اسْتَحالَ أنْ يَخْتَلِفَ قُرْبُ الكَوْكَبِ وبُعْدُهُ مِنَ الأرْضِ، وأنْ يَخْتَلِفَ قَطْعُهُ لِلْقِسِيِّ مِن ذَلِكَ الفَلَكِ، والأعْراضُ الِاخْتِلافُ في حَرَكَةِ الفَلَكِ، أوْ حَرَكَةِ الكَوْكَبِ، وقَدْ فَرَضْنا أنَّهُما لا يُوجَدانِ البَتَّةَ، فَبَقِيَ القِسْمانِ الآخَرانِ:
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الكَوْكَبُ مَرْكُوزًا في جِرْمٍ كُرَوِيٍّ مُسْتَدِيرِ الحَرَكَةِ، مَغْرُوزٍ في ثِخَنِ الفَلَكِ المُحِيطِ بِالأرْضِ، وذَلِكَ الجِرْمُ نُسَمِّيهِ بِالفَلَكِ المُسْتَدِيرِ، فَحِينَئِذٍ يَعْرِضُ بِسَبَبِ حَرَكَتِهِ اخْتِلافُ حالِ الكَوْكَبِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأرْضِ تارَةً بِالقُرْبِ والبُعْدِ وتارَةً بِالرُّجُوعِ والِاسْتِقامَةِ، وتارَةً بِالصِّغَرِ والكِبَرِ في المَنظَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفَلَكُ المُحِيطُ بِالأرْضِ لَيْسَ مَرْكَزُهُ مُوافِقًا لِمَرْكَزِ الأرْضِ، فَهو الفَلَكُ الخارِجُ المَرْكَزِ، ويَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الحامِلُ في أحَدِ نِصْفَيْ فَلَكِ البُرُوجُ مِن ذَلِكَ الفَلَكِ أعْظَمَ مِنَ النِّصْفِ، وفي نِصْفِهِ الآخَرِ أقَلَّ مِنَ النِّصْفِ، فَلا جَرَمَ يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ القُرْبُ والبُعْدُ مِنَ الأرْضِ، وأنْ يَقْطَعَ أحَدَ نِصْفَيِ البُرُوجِ في زَمانٍ أكْثَرَ مِن قَطْعِهِ النِّصْفَ الآخَرَ، فَظَهَرَ أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ الكَواكِبِ في صِغَرِها وكِبَرِها وسُرْعَتِها وبُطْئِها، وقُرْبِها وبُعْدِها مِنَ الأرْضِ لا يُمْكِنُ حُصُولُهُ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الشَّيْئَيْنِ، أعْنِي التَّدْوِيرَ والفَلَكَ الخارِجَ المَرْكَزِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَلْنَرْجِعْ إلى التَّفْصِيلِ: قَوْلُهم في الأفْلاكِ، فَقالُوا: هَذِهِ الأفْلاكُ التِّسْعَةُ، مِنها ما هو كُرَةٌ
صفحة ١٦٧
واحِدَةٌ، وهو الفَلَكُ الأعْظَمُ، وفَلَكُ الثَّوابِتِ، ومِنها ما يَنْقَسِمُ إلى كُرَتَيْنِ، وهو فَلَكُ الشَّمْسِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَنْفَصِلُ مِنهُ فَلَكٌ آخَرُ مَرْكَزُهُ غَيْرُ مَرْكَزِ العالَمِ، بِحَيْثُ يَتَماسُّ سَطْحاهُما المُحَدَّبانِ عَلى نُقْطَةٍ تُسَمّى الأوْجَ، وهو البُعْدُ الأبْعَدُ مِنَ الفَلَكِ المُنْفَصِلِ، ويَتَماسُّ سَطْحاهُما المُقَعَّرانِ عَلى نُقْطَةٍ تُسَمّى الحَضِيضَ، وهو البُعْدُ الأقْرَبُ مِنهُ، وهُما في الحَقِيقَةِ فَلَكٌ واحِدٌ، مُنْفَصِلٌ عَنْهُ فَلَكٌ آخَرُ، إلّا أنَّهُ يُقالُ: فَلَكانِ تَوَسُّعًا، ويُسَمّى المُنْفَصِلُ عَنْهُ الفَلَكَ المُمَثّلَ، والمُنْفَصِلُ الخارِجُ المَرْكَزِ فَلَكَ الأوْجِ، وجِرْمُ الشَّمْسِ مُغْرَقٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَماسُّ سَطْحُهُ سَطْحَيْهِ، ومِنها ما يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثِ أُكَرَ، وهي أفْلاكُ الكَواكِبِ العُلْوِيَّةِ والزُّهَرَةِ، فَإنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَلَكَيْنِ مِثْلَ فَلَكِ الشَّمْسِ، وفَلَكًا آخَرَ مَوْقِعُهُ مِن خارِجِ المَرْكَزِ مِثْلُ مَوْقِعِ جِرْمِ الشَّمْسِ مِن فَلَكِهِ ويُسَمّى: فَلَكَ التَّدْوِيرِ، والكَوْكَبُ مُغْرَقٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَماسُّ سَطْحَهُ، ويُسَمّى الخارِجُ المَرْكَزِ الفَلَكَ الحامِلَ، ومِنها ما يَنْقَسِمُ إلى أرْبَعِ أُكَرَ، وهو فَلَكُ عُطارِدٍ والقَمَرِ، أمّا عُطارِدٌ فَإنَّ لَهُ فَلَكَيْنِ مِثْلَ فَلَكَيِ الشَّمْسِ، ويَنْفَصِلُ مِنَ الثّانِي فَلَكٌ آخَرُ انْفِصالَ الخارِجِ المَرْكَزِ عَنِ المُمَثَّلِ بِحَيْثُ يَقَعُ مَرْكَزُهُ خارِجًا عَنِ المَرْكَزَيْنِ، وبُعْدُهُ عَنْ مَرْكَزِ الخارِجِ المَرْكَزِ مِثْلُ نِصْفِ بُعْدِ ما بَيْنَ مَرْكَزَيِ الخارِجِ المَرْكَزِ والمُمَثَّلِ ويُسَمّى المُنْفَصِلُ عَنْهُ الفَلَكَ المُدِيرَ، والمُنْفَصِلُ الفَلَكَ الحامِلَ، ومِنهُ فَلَكُ التَّدْوِيرِ وعُطارِدٌ فِيهِ كَما سَبَقَ في الكُراتِ الأرْبَعَةِ، وأمّا القَمَرُ فَإنَّ فَلَكَهُ يَنْقَسِمُ إلى كُرَتَيْنِ مُتَوازِيَتَيْنِ، والعُظْمى الفَلَكُ المِثْلُ، والصُّغْرى الفَلَكُ المائِلُ، ويَنْقَسِمُ المائِلُ إلى ثَلاثِ أُكَرَ كَما في الكَواكِبِ الأرْبَعَةِ، وكُلُّ فَلَكٍ يَنْفَصِلُ عَنْهُ فَلَكٌ آخَرُ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي عَرَفْتَها في فَلَكِ الشَّمْسِ، فَإنَّهُ يَبْقى مِنَ المُنْفَصِلِ عَنْهُ كُرَتانِ مُخْتَلِفَتا الثِّخَنِ يُسَمَّيانِ مُتَمِّمَيْنِ لِذَلِكَ الفَلَكِ المُنْفَصِلِ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأفْلاكِ يَتَحَرَّكُ عَلى مَرْكَزِهِ حَرَكَةً دائِمَةً مُتَّصِلَةً إلى أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، والنّاسُ إنَّما وصَلُوا إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ الكُراتِ بِناءً عَلى المُقَدِّمَةِ الَّتِي قَرَّرْناها، ولا شَكَّ أنَّها لَوْ صَحَّتْ لَصَحَّ القَوْلُ بِهَذِهِ الأشْياءِ إنَّما الشَّأْنُ فِيها.
* * *
الفَصْلُ الثّالِثُ
فِي مَقادِيرِ الحَرَكاتِ
قالَ الجُمْهُورُ: إنَّ جَمِيعَ الأفْلاكِ تَتَحَرَّكُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ سِوى الفَلَكِ الأعْظَمِ، والمُدِيرِ لِعُطارِدٍ والفَلَكِ المُمَثَّلِ والمائِلِ والمُدِيرِ لِلْقَمَرِ، فالحَرَكَةُ الشَّرْقِيَّةُ تُسَمّى الحَرَكَةَ إلى التَّوالِي، والغَرْبِيَّةُ إلى خِلافِ التَّوالِي، والفَلَكُ الأعْظَمُ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً سَرِيعَةً في كُلِّ يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ دَوْرَةً واحِدَةً عَلى قُطْبَيْنِ يُسَمَّيانِ قُطْبَيِ العالَمِ، ويُحَرِّكُ جَمِيعَ الأفْلاكِ والكَواكِبِ، وبِهَذِهِ الحَرَكَةِ يَقَعُ لِلْكَواكِبِ الطُّلُوعُ والغُرُوبُ وتُسَمّى الحَرَكَةَ الأُولى، وفَلَكُ الثَّوابِتِ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً بَطِيئَةً في كُلِّ سِتٍّ وسِتِّينَ سَنَةً عِنْدَ المُتَأخِّرِينَ دَرَجَةً واحِدَةً عَلى قُطْبَيْنِ يُسَمَّيانِ قُطْبَيْ فَلَكِ البُرُوجِ، وهُما يَدُورانِ حَوْلَ قُطْبَيِ العالَمِ بِالحَرَكَةِ الأُولى، وتَتَحَرَّكُ عَلى وِفْقِ هَذِهِ الحَرَكَةِ جَمِيعُ الأفْلاكِ المُتَحَرِّكَةِ، وبِهَذِهِ الحَرَكَةِ تَنْتَقِلُ الأوْجاتُ عَنْ مَوْضِعِها مِن فَلَكِ البُرُوجِ وتُسَمّى الحَرَكَةَ الثّانِيَةَ وحَرَكَةَ الأوْجِ وهي حَرَكَةُ الثَّوابِتِ، والثَّوابِتُ إنَّما سُمِّيَتْ ثَوابِتَ لِأسْبابٍ:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences