Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:164

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:164, continued

فِي بَيانِ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ الأرْضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ

اعْلَمْ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِأحْوالِ الأرْضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ أسْهَلُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِ السَّماواتِ عَلى ذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الخَصْمَ يَدَّعِي أنَّ اتِّصافَ السَّماواتِ بِمَقادِيرِها وأحْيازِها وأوْضاعِها أمْرٌ واجِبٌ لِذاتِهِ، مُمْتَنِعُ التَّغَيُّرِ، فَيَسْتَغْنِي عَنِ المُؤَثِّرِ، فَيَحْتاجُ في إبْطالِ ذَلِكَ إلى إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَماثُلِ الأجْسامِ الأرْضِيَّةِ، فَإنّا نُشاهِدُ تَغَيُّرَها في جَمِيعِ صِفاتِها، أعْنِي حُصُولَها في أحْيازِها وألْوانِها وطُعُومِها وطِباعِها، ونُشاهِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ الجِبالِ والصُّخُورِ الصُّمِّ يُمْكِنُ كَسْرُها وإزالَتُها عَنْ مَواضِعِها، وجَعْلُ العالِي سافِلًا والسّافِلِ عالِيًا، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ثَبَتَ أنَّ اخْتِصاصَ كُلِّ واحِدٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ المَكانِ والحَيِّزِ والمُماسَّةِ والقُرْبِ مِن بَعْضِ الأجْسامِ والبُعْدِ مِن بَعْضِها مُمْكِنُ التَّغَيُّرِ والتَّبَدُّلِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ اتِّصافَ تِلْكَ الأجْرامِ بِصِفاتِها

صفحة ١٧٥

أمْرٌ جائِزٌ وجَبَ افْتِقارُها في ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ إلى مُدَبِّرٍ قَدِيمٍ عَلِيمٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ قَوْلِ الظّالِمِينَ. وإذا عَرَفْتَ مَأْخَذَ الكَلامِ سَهُلَ عَلَيْكَ التَّفْرِيعُ.

* * *

النَّوْعُ الثّالِثُ مِنَ الدَّلائِلِ: اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا لِلِاخْتِلافِ تَفْسِيرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ افْتِعالٌ مِن قَوْلِهِمْ: خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ إذا ذَهَبَ الأوَّلُ وجاءَ الثّانِي، فاخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَعاقُبُهُما في الذَّهابِ والمَجِيءِ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ يَخْتَلِفُ إلى فُلانٍ إذا كانَ يَذْهَبُ إلَيْهِ ويَجِيءُ مِن عِنْدِهِ، فَذَهابُهُ يَخْلُفُ مَجِيئَهُ، ومَجِيئُهُ يَخْلُفُ ذَهابَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ يَجِيءُ بَعْدَ شَيْءٍ آخَرَ فَهو خَلَفُهُ، وبِهَذا فُسِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] .

والثّانِي: أرادَ اخْتِلافَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في الطُّولِ والقِصَرِ والنُّورِ والظُّلْمَةِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، قالَ الكِسائِيُّ: يُقالُ لِكُلِّ شَيْئَيْنِ اخْتَلَفا: هُما خِلْفانِ.

وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ كَما يَخْتَلِفانِ بِالطُّولِ والقِصَرِ في الأزْمِنَةِ، فَهُما يَخْتَلِفانِ بِالأمْكِنَةِ، فَإنَّ عِنْدَ مَن يَقُولُ: الأرْضُ كُرَةٌ فَكُلُّ ساعَةٍ عَيَّنْتَها فَتِلْكَ السّاعَةُ في مَوْضِعٍ مِنَ الأرْضِ صُبْحٌ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ ظُهْرٌ، وفي مَوْضِعٍ ثالِثٍ عَصْرٌ، وفي رابِعٍ مَغْرِبٌ، وفي خامِسٍ عِشاءٌ، وهَلُمَّ جَرًّا، هَذا إذا اعْتَبَرْنا البِلادَ المُخالِفَةَ في الأطْوالِ، أمّا البِلادُ المُخْتَلِفَةُ بِالعَرْضِ، فَكُلُّ بَلَدٍ يَكُونُ عَرْضُهُ الشَّمالِيُّ أكْثَرَ كانَتْ أيّامُهُ الصَّيْفِيَّةُ أطْوَلَ، ولَيالِيهِ الصَّيْفِيَّةُ أقْصَرَ، وأيّامُهُ الشَّتَوِيَّةُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، فَهَذِهِ الأحْوالُ المُخْتَلِفَةُ في الأيّامِ واللَّيالِي بِحَسَبِ اخْتِلافِ أطْوالِ البُلْدانِ وعَرْضِها أمْرٌ مُخْتَلِفٌ عَجِيبٌ، ولَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في كِتابِهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ فَقالَ في بَيانِ كَوْنِهِ مالِكَ المُلْكِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣] وقالَ في القَصَصِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ أفَلا تَسْمَعُونَ﴾ ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿ومِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [القصص: ٧١] وفي الرُّومِ: ﴿ومِن آياتِهِ مَنامُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وابْتِغاؤُكم مِن فَضْلِهِ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم: ٢٨] وفي لُقْمانَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان: ٢٩] وفي المَلائِكَةِ: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [فاطر: ١٣] وفي يس: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ [يس: ٣٧] وفي الزُّمَرِ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٥] وفي حم غافِرٍ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ والنَّهارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر: ٦١] وفي عم: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ ﴿وجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ [النبأ: ١٠] والآياتُ مِن هَذا الجِنْسِ كَثِيرَةٌ، وتَحْقِيقُ الكَلامِ أنْ يُقالَ: إنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ اخْتِلافَ أحْوالِ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُرْتَبِطٌ بِحَرَكاتِ الشَّمْسِ، وهي مِنَ الآياتِ العِظامِ.

الثّانِي: ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ طُولِ الأيّامِ تارَةً، وطُولِ اللَّيالِي أُخْرى مِنِ اخْتِلافِ الفُصُولِ، وهو الرَّبِيعُ والصَّيْفُ والخَرِيفُ والشِّتاءُ، وهو مِنَ الآياتِ العِظامِ.

الثّالِثُ: أنَّ انْتِظامَ أحْوالِ العِبادِ بِسَبَبِ طَلَبِ الكَسْبِ والمَعِيشَةِ في الأيّامِ وطَلَبِ النَّوْمِ والرّاحَةِ في اللَّيالِي مِنَ الآياتِ العِظامِ.

الرّابِعُ: أنَّ كَوْنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ مُتَعاوِنَيْنِ عَلى تَحْصِيلِ

صفحة ١٧٦

مَصالِحِ الخَلْقِ مَعَ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّضادِّ والتَّنافِي مِنَ الآياتِ العِظامِ، فَإنَّ مُقْتَضى التَّضادِّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ أنْ يَتَفاسَدا لا أنْ يَتَعاوَنا عَلى تَحْصِيلِ المَصالِحِ.

الخامِسُ: أنَّ إقْبالَ الخَلْقِ في أوَّلِ اللَّيْلِ عَلى النَّوْمِ يُشْبِهُ مَوْتَ الخَلائِقِ أوَّلًا عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى في الصُّورِ، ويَقَظَتَهم عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ شَبِيهَةٌ بِعَوْدِ الحَياةِ إلَيْهِمْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وهَذا أيْضًا مِنَ الآياتِ العِظامِ المُنَبِّهَةِ عَلى الآياتِ العِظامِ.

السّادِسُ: أنَّ انْشِقاقَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ بِظُهُورِ الصُّبْحِ المُسْتَطِيلِ فِيهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ كَأنَّهُ جَدْوَلُ ماءٍ صافٍ يَسِيلُ في بَحْرٍ كَدِرٍ بِحَيْثُ لا يَتَكَدَّرُ الصّافِي بِالكَدِرِ ولا الكَدِرُ بِالصّافِي، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالِقُ الإصْباحِ وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦] .

السّابِعُ: أنَّ تَقْدِيرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِالمِقْدارِ المُعْتَدِلِ المُوافِقِ لِلْمَصالِحِ مِنَ الآياتِ العِظامِ، كَما بَيَّنّا أنَّ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ القُطْبُ عَلى سَمْتِ الرَّأْسِ تَكُونُ السَّنَةُ سِتَّةَ أشْهُرٍ فِيها نَهارًا وسِتَّةَ أشْهُرٍ لَيْلًا، وهُناكَ لا يَتِمُّ النُّضْجُ ولا يَصْلُحُ المَسْكَنُ لِحَيَوانٍ ولا يَتَهَيَّأُ فِيهِ شَيْءٌ مِن أسْبابِ المَعِيشَةِ.

الثّامِنُ: أنَّ ظُهُورَ الضَّوْءِ في الهَواءِ لَوْ قُلْنا: إنَّهُ حَصَلَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى ابْتِداءً عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى أجْرى عادَتَهُ بِخَلْقِ ضَوْءٍ في الهَواءِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلا كَلامَ، وإنْ قُلْنا: الشَّمْسُ تُوجِبُ حُصُولَ الضَّوْءِ في الجِرْمِ المُقابِلِ لَهُ كانَ اخْتِصاصُ الشَّمْسِ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ دُونَ سائِرِ الأجْسامِ مَعَ كَوْنِ الأجْسامِ بِأسْرِها مُتَماثِلَةً، يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: المُحَرِّكُ لِأجْرامِ السَّماواتِ مَلِكٌ عَظِيمُ الجُثَّةِ والقُوَّةِ، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ الصّانِعُ ؟ قُلْنا: أمّا عَلى قَوْلِنا فَلَمّا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ غَيْرُ صالِحَةٍ لِلْإيجادِ، فَقَدْ زالَ السُّؤالُ، وأمّا عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ فَقَدْ نَفى أبُو هاشِمٍ هَذا الِاحْتِمالَ بِالسَّمْعِ.

* * *

النَّوْعُ الرّابِعُ مِنَ الدَّلائِلِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الواحِدِيُّ: الفَلَكُ أصْلُهُ مِنَ الدَّوَرانِ وكُلُّ مُسْتَدِيرٍ فَلَكٌ، وفَلَكُ السَّماءِ اسْمٌ لِأطْواقٍ سَبْعَةٍ تَجْرِي فِيها النُّجُومُ، وفَلَكَتِ الجارِيَةُ إذا اسْتَدارَ ثَدْيُها، وفَلْكَةُ المِغْزَلِ مِن هَذا، والسَّفِينَةُ سُمِّيَتْ فُلْكًا؛ لِأنَّها تَدُورُ بِالماءِ أسْهَلَ دَوَرانٍ. قالَ: والفُلْكُ واحِدٌ وجَمْعٌ، فَإذا أرادَ بِها الواحِدَ ذُكِّرَ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ أُنِّثَ، ومِثالُهُ قَوْلُهم: ناقَةٌ هِجانٌ ونُوقٌ هِجانٌ، ودِرْعٌ دِلاصٌ ودُرُوعٌ دِلاصٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: الفُلْكُ إذا أُرِيدَ بِهِ الواحِدُ فَضَمَّةُ الفاءِ فِيهِ بِمَنزِلَةِ ضَمَّةِ باءِ بُرْدٍ وخاءِ خُرْجٍ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ فَضَمَّةُ الفاءِ فِيهِ بِمَنزِلَةِ الحاءِ مِن حُمْرٍ والصّادِ مِن صُفْرٍ، فالضَّمَّتانِ وإنِ اتَّفَقَتا في اللَّفْظِ فَهُما مُخْتَلِفَتانِ في المَعْنى.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ اللَّيْثُ: سُمِّيَ البَحْرُ بَحْرًا لِاسْتِبْحارِهِ، وهو سَعَتُهُ وانْبِساطُهُ ويُقالُ: اسْتَبْحَرَ فُلانٌ في العِلْمِ إذا اتَّسَعَ فِيهِ، وتَبَحَّرَ فُلانٌ في المالِ، وقالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ البَحْرُ بَحْرًا؛ لِأنَّهُ شَقٌّ في الأرْضِ، والبَحْرُ الشَّقُّ ومِنهُ البُحَيْرَةُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرَ الجُبّائِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ العُلَماءِ بِمَواضِعِ البُحُورِ أنَّ البُحُورَ المَعْرُوفَةَ خَمْسَةٌ:

أحَدُها: بَحْرُ الهِنْدِ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ أيْضًا: بَحْرُ الصِّينِ.

والثّانِي: بَحْرُ المَغْرِبِ.

والثّالِثُ: بَحْرُ الشّامِ والرُّومِ ومِصْرَ.

والرّابِعُ: بَحْرُ نِيطَشَ.

والخامِسُ: بَحْرُ جُرْجانَ.

فَأمّا بَحْرُ الهِنْدِ فَإنَّهُ يَمْتَدُّ طُولُهُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ، مِن أقْصى أرْضِ الحَبَشَةِ إلى أقْصى

صفحة ١٧٧

أرْضِ الهِنْدِ والصِّينِ، يَكُونُ مِقْدارُ ذَلِكَ ثَمانِمِائَةِ ألْفِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ ألْفانِ وسَبْعُمِائَةِ مِيلٍ، ويُجاوِزُ خَطَّ الِاسْتِواءِ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ مِيلٍ، وخُلْجانُ هَذا البَحْرِ:

الأوَّلُ: خَلِيجٌ عِنْدَ أرْضِ الحَبَشَةِ، ويَمْتَدُّ إلى ناحِيَةِ البَرْبَرِ، ويُسَمّى الخَلِيجَ البَرْبَرِيَّ، طُولُهُ مِقْدارُ خَمْسُمِائَةِ مِيلٍ وعَرْضُهُ مِائَةُ مِيلٍ.

والثّانِي: خَلِيجُ بَحْرِ أيْلَةَ وهو بَحْرُ القُلْزُمِ، طُولُهُ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سَبْعُمِائَةِ مِيلٍ، ومُنْتَهاهُ إلى البَحْرِ الَّذِي يُسَمّى البَحْرَ الأخْضَرَ، وعَلى طَرَفِهِ القُلْزُمُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِهِ، وعَلى شَرْقِيِّهِ أرْضُ اليَمَنِ وعَدَنٍ، وعَلى غَرْبِيِّهِ أرْضُ الحَبَشَةِ.

الثّالِثُ: خَلِيجُ بَحْرِ أرْضِ فارِسَ، ويُسَمّى الخَلِيجَ الفارِسِيَّ، وهو بَحْرُ البَصْرَةِ وفارِسَ، الَّذِي عَلى شَرْقِيِّهِ تِيزُ ومَكْرانُ، وعَلى غَرْبِيِّهِ عُمانُ طُولُهُ ألْفٌ وأرْبَعُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ خَمْسُمِائَةِ مَيْلٍ، وبَيْنَ هَذَيْنِ الخَلِيجَيْنِ - أعْنِي خَلِيجَ أيْلَةَ وخَلِيجَ فارِسَ - أرْضُ الحِجازِ واليَمَنِ وسائِرُ بِلادِ العَرَبِ، فِيما بَيْنَ مَسافَةِ ألْفٍ وخَمْسِمِائَةِ مَيْلٍ.

الرّابِعُ: يَخْرُجُ مِنهُ خَلِيجٌ آخَرُ إلى أقْصى بِلادِ الهِنْدِ ويُسَمّى الخَلِيجَ الأخْضَرَ، طُولُهُ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةِ مِيلٍ، قالُوا: وفي جَزِيرَةِ بَحْرِ الهِنْدِ مِنَ الجَزائِرِ العامِرَةِ وغَيْرِ العامِرَةِ ألْفٌ وثَلاثُمِائَةٍ وسَبْعُونَ جَزِيرَةً، مِنها جَزِيرَةٌ ضَخْمَةٌ في أقْصى البَحْرِ مُقابِلَ أرْضِ الهِنْدِ في ناحِيَةِ المَشْرِقِ عِنْدَ بِلادِ الصِّينِ وهي سَرَنْدِيبُ، يُحِيطُ بِها ثَلاثَةُ آلافِ مِيلٍ فِيها جِبالٌ عَظِيمَةٌ وأنْهارٌ كَثِيرَةٌ، ومِنها يَخْرُجُ الياقُوتُ الأحْمَرُ، وحَوْلَ هَذِهِ الجَزِيرَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ جَزِيرَةً عامِرَةً، فِيها مَدائِنُ عامِرَةٌ وقُرًى كَثِيرَةٌ، ومِن جَزائِرِ هَذا البَحْرِ جَزِيرَةُ كِلَّةَ الَّتِي يُجْلَبُ مِنها الرَّصاصُ القَلْعِيُّ، وجَزِيرَةُ سَرِيرَةَ الَّتِي يُجْلَبُ مِنها الكافُورُ.

وأمّا بَحْرُ المَغْرِبِ: فَهو الَّذِي يُسَمّى بِالمُحِيطِ، وتُسَمِّيهِ اليُونانِيُّونَ: أُوقْيانُوسَ، ويَتَّصِلُ بِهِ بَحْرُ الهِنْدِ، ولا يُعْرَفُ طَرَفُهُ إلّا في ناحِيَةِ المَغْرِبِ والشَّمالِ، عِنْدَ مُحاذاةِ أرْضِ الرُّوسِ والصَّقالِبَةِ، فَيَأْخُذُ مِن أقْصى المُنْتَهى في الجَنُوبِ، مُحاذِيًا لِأرْضِ السُّودانِ، مارًّا عَلى حُدُودِ السُّوسِ الأقْصى وطَنْجَةَ، وتاهَرْتَ، ثُمَّ الأنْدَلُسِ، والجَلالِقَةِ والصَّقالِبَةِ، ثُمَّ يَمْتَدُّ مِن هُناكَ وراءَ الجِبالِ غَيْرِ المَسْلُوكَةِ والأراضِي غَيْرِ المَسْكُونَةِ نَحْوَ بَحْرِ المَشْرِقِ، وهَذا البَحْرُ لا تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ وإنَّما تَسْلُكُ بِالقُرْبِ مِن سَواحِلِهِ، وفِيهِ سِتُّ جَزائِرَ مُقابِلَ أرْضِ الحَبَشَةِ تُسَمّى: جَزائِرَ الخالِداتِ، ويَخْرُجُ مِن هَذا البَحْرِ خَلِيجٌ عَظِيمٌ في شَمالِ الصَّقالِبَةِ، ويَمْتَدُّ هَذا الخَلِيجُ إلى أرْضِ بُلْغارِ المُسْلِمِينَ، طُولُهُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ثَلاثُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ مِائَةُ مِيلٍ.

وأمّا بَحْرُ الرُّومِ وإفْرِيقِيَّةَ ومِصْرَ والشّامِ: فَطُولُهُ مِقْدارُ خَمْسَةِ آلافِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سِتُّمِائَةِ مِيلٍ، ويَخْرُجُ مِنهُ خَلِيجٌ إلى ناحِيَةِ الشَّمالِ قَرِيبٌ مِنَ الرُّومِيَّةِ، طُولُهُ خَمْسُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سِتُّمِائَةٍ، ويَخْرُجُ مِنهُ خَلِيجٌ آخَرُ إلى أرْضِ سِرَّيْنِ، طُولُهُ مِائَتا مِيلٍ، وفي هَذا البَحْرِ مِائَةٌ واثْنَتانِ وسِتُّونَ جَزِيرَةً عامِرَةً، مِنها خَمْسُونَ جَزِيرَةً عِظامٌ.

وأمّا بَحْرُ نِيطَشَ فَإنَّهُ يَمْتَدُّ مِنَ اللّاذِقِيَّةِ إلى خَلْفِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، في أرْضِ الرُّوسِ والصَّقالِبَةِ، طُولُهُ ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ ثَلاثُمائَةِ مِيلٍ.

وأمّا بَحْرُ جُرْجانَ فَطُولُهُ مِنَ المَغْرِبِ إلى المَشْرِقِ ثَلاثُمِائَةِ مِيلٍ، وعَرْضُهُ سِتُّمائَةِ مِيلٍ، وفِيهِ جَزِيرَتانِ كانَتا عامِرَتَيْنِ فِيمَن مَضى مِنَ الزَّمانِ، ويُعْرَفُ هَذا البَحْرُ بِبَحْرِ آبُسْكُونَ؛ لِأنَّها عَلى فَرْضَتِهِ، ثُمَّ يَمْتَدُّ إلى طَبَرِسْتانَ، والدَّيْلَمِ، والنَّهْرَوانِ، وبابِ الأبْوابِ، وناحِيَةِ أرانَ، ولَيْسَ يَتَّصِلُ بِبَحْرٍ آخَرَ، فَهَذِهِ هي البُحُورُ العِظامُ، وأمّا غَيْرُها فَبُحَيْراتٌ وبَطائِحُ، كَبُحَيْرَةِ خَوارِزْمَ، وبُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ.

صفحة ١٧٨

وحُكِيَ عَنْ أرِسْطاطالِيسَ: أنَّ بَحْرَ أُوقْيانُوسَ مُحِيطٌ بِالأرْضِ بِمَنزِلَةِ المِنطَقَةِ لَها، فَهَذا هو الكَلامُ المُخْتَصَرُ في أمْرِ البُحُورِ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: في كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ بِجَرَيانِ الفُلْكِ في البَحْرِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى وتَقَدَّسَ، وهي مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ السُّفُنَ وإنْ كانَتْ مِن تَرْكِيبِ النّاسِ إلّا أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي خَلَقَ الآلاتَ الَّتِي بِها يُمْكِنُ تَرْكِيبُ هَذِهِ السُّفُنِ، فَلَوْلا خَلْقُهُ لَها لَما أمْكَنَ ذَلِكَ.

وثانِيها: لَوْلا الرِّياحُ المُعِينَةُ عَلى تَحْرِيكِها لَما تَكامَلَ النَّفْعُ بِها.

وثالِثُها: لَوْلا هَذِهِ الرِّياحُ وعَدَمُ عَصْفِها لَما بَقِيَتْ ولَما سَلِمَتْ.

ورابِعُها: لَوْلا تَقْوِيَةُ قُلُوبِ مَن يَرْكَبُ هَذِهِ السُّفُنَ لَما تَمَّ الغَرَضُ، فَصَيَّرَها اللَّهُ تَعالى مِن هَذِهِ الوُجُوهِ مَصْلَحَةً لِلْعِبادِ، وطَرِيقًا لِمَنافِعِهِمْ وتِجاراتِهِمْ.

وخامِسُها: أنَّهُ خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ مِن أطْرافِ العالَمِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وأحْوَجَ الكُلَّ إلى الكُلِّ، فَصارَ ذَلِكَ داعِيًا يَدْعُوهم إلى اقْتِحامِهِمْ هَذِهِ الأخْطارَ في هَذِهِ الأسْفارِ، ولَوْلا أنَّهُ تَعالى خَصَّ كُلَّ طَرَفٍ بِشَيْءٍ وأحْوَجَ الكُلَّ إلَيْهِ لَما ارْتَكَبُوا هَذِهِ السُّفُنَ، فالحامِلُ يَنْتَفِعُ بِهِ لِأنَّهُ يَرْبَحُ، والمَحْمُولُ إلَيْهِ يَنْتَفِعُ بِما حُمِلَ إلَيْهِ.

وسادِسُها: تَسْخِيرُ اللَّهِ البَحْرَ لِحَمْلِ الفُلْكِ مَعَ قُوَّةِ سُلْطانِ البَحْرِ إذا هاجَ، وعِظَمِ الهَوْلِ فِيهِ إذا أرْسَلَ اللَّهُ الرِّياحَ فاضْطَرَبَتْ أمْواجُهُ وتَقَلَّبَتْ مِياهُهُ.

وسابِعُها: أنَّ الأوْدِيَةَ العِظامَ، مِثْلَ: جَيْحُونَ وسَيْحُونَ، تَنْصَبُّ أبَدًا إلى بُحَيْرَةِ خَوارِزْمَ عَلى صِغَرِها، ثُمَّ إنَّ بُحَيْرَةَ خَوارِزْمَ لا تَزْدادُ البَتَّةَ ولا تَمْتَدُّ، فالحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى هو العالِمُ بِكَيْفِيَّةِ حالِ هَذِهِ المِياهِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَنْصَبُّ فِيها.

وثامِنُها: ما في البِحارِ مِنَ الحَيَواناتِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى يُخَلِّصُ السُّفُنَ عَنْها، ويُوَصِّلُها إلى سَواحِلِ السَّلامَةِ.

وتاسِعُها: ما في البِحارِ مِن هَذا الأمْرِ العَجِيبِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ١٩] وقالَ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [فاطر: ١٢] ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بِقُدْرَتِهِ يَحْفَظُ البَعْضَ عَنِ الِاخْتِلاطِ بِالبَعْضِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُرْشِدُ العُقُولَ والألْبابَ إلى افْتِقارِها إلى مُدَبِّرٍ يُدَبِّرُها ومُقَدِّرٍ يَحْفَظُها.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: دَلَّ قَوْلُهُ في صِفَةِ الفُلْكِ: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤] عَلى إباحَةِ رُكُوبِها، وعَلى إباحَةِ الِاكْتِسابِ والتِّجارَةِ وعَلى الِانْتِفاعِ بِاللَّذّاتِ.

* * *

النَّوْعُ الخامِسُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [البقرة: ١٦٤] .

واعْلَمْ أنَّ دَلالَتَهُ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ تِلْكَ الأجْسامَ وما قامَ بِها مِن صِفاتِ الرِّقَّةِ، والرُّطُوبَةِ، والعُذُوبَةِ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى خَلْقِها إلّا اللَّهُ تَعالى، قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] .

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياةِ الإنْسانِ، ولِأكْثَرِ مَنافِعِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨] وقالَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى كَما جَعَلَهُ سَبَبًا لِحَياةِ الإنْسانِ جَعَلَهُ سَبَبًا لِرِزْقِهِ قالَ تَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] .

ورابِعُها: أنَّ السَّحابَ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المِياهِ العَظِيمَةِ، الَّتِي تَسِيلُ مِنها الأوْدِيَةُ العِظامُ تَبْقى مُعَلَّقَةً في جَوِّ السَّماءِ وذَلِكَ مِنَ الآياتِ العِظامِ.

وخامِسُها: أنَّ نُزُولَها عِنْدَ التَّضَرُّعِ واحْتِياجِ الخَلْقِ إلَيْهِ مُقَدَّرٌ بِمِقْدارِ النَّفْعِ مِنَ الآياتِ العِظامِ، قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ نُوحٍ: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [ نُوحٍ:

صفحة ١٧٩

١١ ] .

وسادِسُها: ما قالَ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩] وقالَ: ﴿وتَرى الأرْضَ هامِدَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ وأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] فَإنْ قِيلَ: أفَتَقُولُونَ: إنَّ الماءَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ عَلى الحَقِيقَةِ أوْ مِنَ السَّحابِ أوْ تُجَوِّزُونَ ما قالَهُ بَعْضُهم مِن أنَّ الشَّمْسَ تُؤَثِّرُ في الأرْضِ فَيَخْرُجُ مِنها أبْخِرَةٌ مُتَصاعِدَةٌ، فَإذا وصَلَتْ إلى الجَوِّ البارِدِ بَرَدَتْ فَثَقُلَتْ فَنَزَلَتْ مِن فَضاءِ المُحِيطِ إلى ضِيقِ المَرْكَزِ، فاتَّصَلَتْ فَتَوَلَّدَتْ مِنِ اتِّصالِ بَعْضِ تِلْكَ الذَّرّاتِ بِالبَعْضِ قَطَراتٌ هي قَطَراتُ المَطَرِ.

قُلْنا: بَلْ نَقُولُ: إنَّهُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ كَما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو الصّادِقُ في خَبَرِهِ، وإذا كانَ قادِرًا عَلى إمْساكِ الماءِ في السَّحابِ، فَأيُّ بُعْدٍ في أنْ يُمْسِكَهُ في السَّماءِ، فَأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّهُ مِن بِحارِ الأرْضِ فَهَذا مُمْكِنٌ في نَفْسِهِ، لَكِنَّ القَطْعَ بِهِ لا يُمْكِنُ إلّا بَعْدَ القَوْلِ بِنَفْيِ الفاعِلِ المُخْتارِ، وقِدَمِ العالَمِ، وذَلِكَ كُفْرٌ؛ لِأنّا مَتى جَوَّزْنا الفاعِلَ المُخْتارَ القادِرَ عَلى خَلْقِ الجِسْمِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُنا مَعَ إمْكانِ هَذا القِسْمِ أنْ نَقْطَعَ بِما قالُوهُ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [الجاثية: ٥] فاعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحَياةَ مِن جِهاتٍ:

أحَدُها: ظُهُورُ النَّباتِ الَّذِي هو الكَلَأُ والعُشْبُ وما شاكَلَهُما مِمّا لَوْلاهُ لَما عاشَتْ دَوابُّ الأرْضِ.

وثانِيها: أنَّهُ لَوْلاهُ لَما حَصَلَتِ الأقْواتُ لِلْعِبادِ.

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى يُنْبِتُ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدْرِ الحاجَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ضَمِنَ أرْزاقَ الحَيَواناتِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلّا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾ [هود: ٦] .

ورابِعُها: أنَّهُ يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الألْوانِ والطُّعُومِ والرَّوائِحِ وما يَصْلُحُ لِلْمَلابِسِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ.

وخامِسُها: يَحْصُلُ لِلْأرْضِ بِسَبَبِ النَّباتِ حُسْنٌ ونَضْرَةٌ ورِواءٌ ورَوْنَقٌ فَذَلِكَ هو الحَياةُ.

واعْلَمْ أنَّ وصْفَهُ تَعالى ذَلِكَ بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ مَجازٌ؛ لِأنَّ الحَياةَ لا تَصِحُّ إلّا عَلى مَن يُدْرِكُ ويَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ، وكَذَلِكَ المَوْتُ، إلّا أنَّ الجِسْمَ إذا صارَ حَيًّا حَصَلَ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الحَسَنِ والنَّضْرَةِ والبَهاءِ والنُّشُورِ والنَّماءِ، فَأطْلَقَ لَفْظَ الحَياةِ عَلى حُصُولِ هَذِهِ الأشْياءِ، وهَذا مِن فَصِيحِ الكَلامِ الَّذِي عَلى اخْتِصارِهِ يَجْمَعُ المَعانِيَ الكَثِيرَةَ.

واعْلَمْ أنَّ إحْياءَ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها يَدُلُّ عَلى الصّانِعِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: نَفْسُ الزَّرْعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ في مَقْدُورِ أحَدٍ عَلى الحَدِّ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَيْهِ.

وثانِيها: اخْتِلافُ ألْوانِها عَلى وجْهٍ لا يَكادُ يُحَدُّ ويُحْصى.

وثالِثُها: اخْتِلافُ طُعُومِ ما يَظْهَرُ عَلى الزَّرْعِ والشَّجَرِ.

ورابِعُها: اسْتِمْرارُ العاداتِ بِظُهُورِ ذَلِكَ في أوْقاتِها المَخْصُوصَةِ.

* * *

النَّوْعُ السّادِسُ مِنَ الآياتِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ ونَظِيرُهُ جَمِيعُ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى خِلْقَةِ الإنْسانِ، وسائِرِ الحَيَواناتِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [ النِّساءِ: ١ ) .

واعْلَمْ أنَّ حُدُوثَ الحَيَواناتِ قَدْ يَكُونُ بِالتَّوْلِيدِ، وقَدْ يَكُونُ بِالتَّوالُدِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَلا بُدَّ فِيهِما مِنَ الصّانِعِ الحَكِيمِ فَلْنُبَيِّنْ ذَلِكَ في النّاسِ ثُمَّ في سائِرِ الحَيَواناتِ.

أمّا الإنْسانُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلى افْتِقارِهِ في حُدُوثِهِ إلى الصّانِعِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: يُرْوى أنَّ واحِدًا قالَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنِّي أتَعَجَّبُ مِن أمْرِ الشِّطْرَنْجِ، فَإنَّ رُقْعَتَهُ ذِراعٌ في ذِراعٍ، ولَوْ

صفحة ١٨٠

لَعِبَ الإنْسانُ ألْفَ ألْفِ مَرَّةٍ، فَإنَّهُ لا يَتَّفِقُ مَرَّتانِ عَلى وجْهٍ واحِدٍ. فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: هَهُنا ما هو أعْجَبُ مِنهُ، وهو أنَّ مِقْدارَ الوَجْهِ شِبْرٌ في شِبْرٍ، ثُمَّ إنَّ مَوْضِعَ الأعْضاءِ الَّتِي فِيها كالحاجِبَيْنِ والعَيْنَيْنِ والأنْفِ والفَمِ، لا يَتَغَيَّرُ البَتَّةَ، ثُمَّ إنَّكَ لا تَرى شَخْصَيْنِ في الشَّرْقِ والغَرْبِ يَشْتَبِهانِ، فَما أعْظَمَ تِلْكَ القُدْرَةَ والحِكْمَةَ الَّتِي أظْهَرَتْ في هَذِهِ الرُّقْعَةِ الصَّغِيرَةِ هَذِهِ الِاخْتِلافاتِ الَّتِي لا حَدَّ لَها.

وثانِيها: أنَّ الإنْسانَ مُتَوَلِّدٌ مِنَ النُّطْفَةِ، فالمُؤَثِّرُ في تَصْوِيرِ النُّطْفَةِ وتَشْكِيلِها قُوَّةٌ مَوْجُودَةٌ في النُّطْفَةِ أوْ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِيها، فَإنْ كانَتِ القُوَّةُ المُصَوَّرَةُ فِيها فَتِلْكَ القُوَّةُ إمّا أنْ يَكُونَ لَها شُعُورٌ وإدْراكٌ وعِلْمٌ وحِكْمَةٌ حَتّى تَمَكَّنَتْ مِن هَذا التَّصْوِيرِ العَجِيبِ، وأمّا أنْ لا تَكُونَ تِلْكَ القُوَّةُ كَذَلِكَ، بَلْ يَكُونُ تَأْثِيرُها بِمُجَرَّدِ الطَّبْعِ والعِلِيَّةِ، والأوَّلُ ظاهِرُ الفَسادِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ حالَ اسْتِكْمالِهِ أكْثَرُ عِلْمًا وقُدْرَةً، ثُمَّ إنَّهُ حالَ كَمالِهِ لَوْ أرادَ أنْ يُغِيِّرَ شَعْرَةً عَنْ كَيْفِيَّتِها لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَحالُ ما كانَ في نِهايَةِ الضَّعْفِ كَيْفَ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ !

وأمّا إنْ كانَتْ تِلْكَ القُوَّةُ مُؤَثِّرَةً بِالطَّبْعِ، فَهَذا المَعْنى إمّا أنْ يَكُونَ جِسْمًا مُتَشابِهَ الأجْزاءِ في نَفْسِهِ، أوْ يَكُونَ مُخْتَلِفَ الأجْزاءِ، فَإنْ كانَ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ فالقُوَّةُ الطَّبِيعِيَّةُ إذا عَمِلَتْ في المادَّةِ البَسِيطَةِ، لا بُدَّ وأنْ يَصْدُرَ مِنهُ فِعْلٌ مُتَشابِهٌ، وهَذا هو الكُرَةُ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الإنْسانُ عَلى صُورَةِ كُرَةٍ، وتَكُونُ جَمِيعُ الأجْزاءِ المُفْتَرَضَةِ في تِلْكَ الكُرَةِ مُتَشابِهَةً في الطَّبْعِ، وهَذا هو الَّذِي يَسْتَدِلُّونَ بِهِ عَلى أنَّ البَسائِطَ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ كُراتٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بُدَّ لِلنُّطْفَةِ في انْقِلابِها لَحْمًا ودَمًا وإنْسانًا مِن مُدَبِّرٍ ومُقَدِّرٍ لِأعْضائِها وقُواها وتَراكِيبِها، وما ذاكَ إلّا الصّانِعُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

وثالِثُها: الِاسْتِدْلالُ بِأحْوالِ تَشْرِيحِ أبْدانِ الحَيَواناتِ والعَجائِبِ الواقِعَةِ في تَرْكِيبِها وتَأْلِيفِها، وإيرادُ ذَلِكَ في هَذا المَوْضِعِ كالمُتَعَذِّرِ لِكَثْرَتِها، واسْتِقْصاءِ النّاسِ في شَرْحِها في الكُتُبِ المَعْمُولَةِ في هَذا الفَنِّ.

ورابِعُها: ما رُوِيَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سُبْحانَ مَن بَصَّرَ بِشَحْمٍ، وأسْمَعَ بِعَظْمٍ، وأنْطَقَ بِلَحْمٍ. ومِن عَجائِبِ الأمْرِ في هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ أهْلَ الطَّبائِعِ قالُوا: أعْلى العَناصِرِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ هو النّارَ؛ لِأنَّها حارَّةٌ يابِسَةٌ، وأدْوَنُ مِنها في اللَّطافَةِ الهَواءُ ثُمَّ الماءُ، والأرْضُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ تَحْتَ الكُلِّ لِثِقَلِها وكَثافَتِها ويُبْسِها، ثُمَّ إنَّهم قَلَبُوا هَذِهِ القَضِيَّةَ في تَرْكِيبِ بَدَنِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ أعْلى الأعْضاءِ مِنهُ عَظْمُ القِحْفِ، والعَظْمُ بارِدٌ يابِسٌ عَلى طَبِيعَةِ الأرْضِ، وتَحْتَهُ الدِّماغُ وهو بارِدٌ رَطْبٌ عَلى طَبْعِ الماءِ، وتَحْتَهُ النَّفَسُ وهو حارٌّ رَطْبٌ عَلى طَبْعِ الهَواءِ، وتَحْتَ الكُلِّ: القَلْبُ، وهو حارٌّ يابِسٌ عَلى طَبْعِ النّارِ، فَسُبْحانَ مَن بِيَدِهِ قَلْبُ الطَّبائِعِ يُرَتِّبُها كَيْفَ يَشاءُ، ويُرَكِّبُها كَيْفَ أرادَ.

ومِمّا ذَكَرْنا في هَذا البابِ أنَّ كُلَّ صانِعٍ يَأْتِي بِنَقْشٍ لَطِيفٍ فَإنَّهُ يَصُونُهُ عَنِ التُّرابِ؛ كَيْ لا يُكَدِّرَهُ، وعَنِ الماءِ كَيْ لا يَمْحُوَهُ، وعَنِ الهَواءِ كَيْ لا يُزِيلَ طَراوَتَهُ ولَطافَتَهُ، وعَنِ النّارِ كَيْلا تَحْرِقَهُ، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وضَعَ نَقْشَ خِلْقَتِهِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] وقالَ: ﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وقالَ في الهَواءِ: ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وقالَ أيْضًا: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها﴾ [المائدة: ١١٠] وقالَ: ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وقالَ في النّارِ: ﴿وخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [ الرَّحْمَنِ: ١٥ ) وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صُنْعَهُ بِخِلافِ صُنْعِ كُلِّ أحَدٍ.

وخامِسُها: انْظُرْ إلى الطِّفْلِ بَعْدَ انْفِصالِهِ مِنَ الأُمِّ، فَإنَّكَ لَوْ وضَعْتَ عَلى فَمِهِ وأنْفِهِ ثَوْبًا يَقْطَعُ نَفَسَهُ لَماتَ في الحالِ، ثُمَّ إنَّهُ بَقِيَ في الرَّحِمِ الضَّيِّقِ مُدَّةً مَدِيدَةً، مَعَ تَعَذُّرِ النَّفَسِ هُناكَ ولَمْ يَمُتْ، ثُمَّ إنَّهُ بَعْدَ الِانْفِصالِ يَكُونُ مِن أضْعَفِ الأشْياءِ وأبْعَدِها عَنِ الفَهْمِ، بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ الماءِ والنّارِ،

صفحة ١٨١

وبَيْنَ المُؤْذِي والمُلِذِّ، وبَيْنَ الأُمِّ وبَيْنَ غَيْرِها، ثُمَّ إنَّ الإنْسانَ وإنْ كانَ في أوَّلِ أمْرِهِ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ عَنِ الفَهْمِ، فَإنَّهُ بَعْدَ اسْتِكْمالِهِ أكْمَلُ الحَيَواناتِ في الفَهْمِ والعَقْلِ والإدْراكِ، لِيَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ مِن عَطِيَّةِ القادِرِ الحَكِيمِ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِالطَّبْعِ لَكانَ كُلُّ مَن كانَ أذْكى في أوَّلِ الخِلْقَةِ كانَ أكْثَرَ فَهْمًا وقْتَ الِاسْتِكْمالِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ عَلى الضِّدِّ مِنهُ، عَلِمْنا أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن عَطِيَّةِ اللَّهِ الخالِقِ الحَكِيمِ.

وسادِسُها: اخْتِلافُ الألْسِنَةِ واخْتِلافُ طَبائِعِهِمْ، واخْتِلافُ أمْزِجَتِهِمْ مِن أقْوى الدَّلائِلِ، ونَرى الحَيَواناتِ البَرِّيَّةَ والجَبَلِيَّةَ شَدِيدَةَ المُشابَهَةِ بَعْضَها بِالبَعْضِ، ونَرى النّاسَ مُخْتَلِفِينَ جِدًّا في الصُّورَةِ، ولَوْلا ذَلِكَ لاخْتَلَّتِ المَعِيشَةُ، ولاشْتَبَهَ كُلُّ أحَدٍ بِأحَدٍ، فَما كانَ يَتَمَيَّزُ البَعْضُ عَنِ البَعْضِ، وفِيهِ فَسادُ المَعِيشَةِ. واسْتِقْصاءُ الكَلامِ في هَذا النَّوْعِ لا مَطْمَعَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском