Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:178–179

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:178–179, continued

البَحْثُ الرّابِعُ: بِأيِّ مَعْنًى أثْبَتَ اللَّهُ وصْفَ الأُخُوَّةِ.

والجَوابُ: قِيلَ: إنَّ ابْنَ عَبّاسٍ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ كَوْنِ الفاسِقِ مُؤْمِنًا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى سَمّاهُ مُؤْمِنًا حالَ ما وجَبَ القِصاصُ عَلَيْهِ، وإنَّما وجَبَ القِصاصُ عَلَيْهِ إذا صَدَرَ عَنْهُ القَتْلُ العَمْدُ العُدْوانُ، وهو بِالإجْماعِ مِنَ الكَبائِرِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ صاحِبَ الكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ الأُخُوَّةَ بَيْنَ القاتِلِ وبَيْنَ ولِيِّ الدَّمِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الأُخُوَّةَ تَكُونُ بِسَبَبِ الدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فَلَوْلا أنَّ الإيمانَ باقٍ مَعَ الفِسْقِ وإلّا لَما بَقِيَتِ الأُخُوَّةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِ الإيمانِ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى نَدَبَ إلى العَفْوِ عَنِ القاتِلِ، والنَّدْبُ إلى العَفْوِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِ، أجابَتِ المُعْتَزِلَةُ عَنِ الوَجْهِ الأوَّلِ فَقالُوا: إنْ قُلْنا المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ هُمُ الأئِمَّةُ فالسُّؤالُ زائِلٌ، وإنْ قُلْنا: إنَّهم هُمُ القاتِلُونَ فَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّ القاتِلَ قَبْلَ إقْدامِهِ عَلى القَتْلِ كانَ مُؤْمِنًا، فَسَمّاهُ اللَّهُ تَعالى مُؤْمِنًا بِهَذا التَّأْوِيلِ.

والثّانِي: أنَّ القاتِلَ قَدْ يَتُوبُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ مُؤْمِنًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أدْخَلَ فِيهِ غَيْرَ التّائِبِ عَلى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ.

وأمّا الوَجْهُ الثّانِي: وهو ذِكْرُ الأُخُوَّةِ، فَأجابُوا عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ قَبْلَ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ أحَدًا، ولا شَكَّ أنَّ المُؤْمِنِينَ إخْوَةٌ قَبْلَ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ.

والثّانِي: الظّاهِرُ أنَّ الفاسِقَ يَتُوبُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ ولِيُّ المَقْتُولِ أخًا لَهُ.

والثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعْلُهُ أخًا لَهُ في النَّسَبِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] .

والرّابِعُ: أنَّهُ حَصَلَ بَيْنَ ولِيِّ الدَّمِ وبَيْنَ القاتِلِ تَعَلُّقٌ واخْتِصاصٌ، وهَذا القَدْرُ يَكْفِي في إطْلاقِ اسْمِ الأُخُوَّةِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: قُلْ لِصاحِبِكَ كَذا إذا كانَ بَيْنَهُما أدْنى تَعَلُّقٍ.

والخامِسُ: ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الأُخُوَّةِ لِيَعْطِفَ أحَدَهُما عَلى صاحِبِهِ بِذِكْرِ ما هو ثابِتٌ بَيْنَهُما مِنَ الجِنْسِيَّةِ في الإقْرارِ والِاعْتِقادِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الوُجُوهَ بِأسْرِها تَقْتَضِي تَقْيِيدَ الأُخُوَّةِ بِزَمانٍ دُونَ زَمانٍ، وبِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ، واللَّهُ تَعالى أثْبَتَ الأُخُوَّةَ عَلى الإطْلاقِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:

البَحْثُ الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ رَفْعٌ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ: فَحُكْمُهُ اتِّباعٌ، أوْ هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَعَلَيْهِ اتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ.

البَحْثُ الثّانِي: قِيلَ: عَلى العافِي الِاتِّباعُ بِالمَعْرُوفِ، وعَلى المَعْفُوِّ عَنْهُ أداءٌ بِإحْسانٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: هُما عَلى المَعْفُوِّ عَنْهُ فَإنَّهُ يُتْبِعُ عَفْوَ العافِي بِمَعْرُوفٍ، ويُؤَدِّي ذَلِكَ المَعْرُوفَ إلَيْهِ بِإحْسانٍ.

البَحْثُ الثّالِثُ: الِاتِّباعُ بِالمَعْرُوفِ أنْ لا يُشَدِّدَ بِالمُطالَبَةِ، بَلْ يَجْرِي فِيها عَلى العادَةِ المَأْلُوفَةِ، فَإنْ كانَ مُعْسِرًا فالنَّظِرَةُ، وإنْ كانَ واجِدًا لَعِينِ المالِ فَإنَّهُ لا يُطالِبُهُ بِالزِّيادَةِ عَلى قَدْرِ الحَقِّ، وإنْ كانَ واجِدًا لِغَيْرِ المالِ الواجِبِ، فالإمْهالُ إلى أنْ يَبْتاعَ ويَسْتَبْدِلَ، وأنْ لا يَمْنَعَهُ بِسَبَبِ الِاتِّباعِ عَنْ تَقْدِيمِ الأهَمِّ مِنَ الواجِباتِ، فَأمّا

صفحة ٤٨

الأداءُ بِإحْسانٍ فالمُرادُ بِهِ أنْ لا يَدَّعِيَ الإعْدامَ في حالِ الإمْكانِ ولا يُؤَخِّرَهُ مَعَ الوُجُودِ، ولا يُقَدِّمَ ما لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ، وأنْ يُؤَدِّيَ ذَلِكَ المالَ عَلى بِشْرٍ وطَلاقَةٍ وقَوْلٍ جَمِيلٍ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ بِشَرْعِ القِصاصِ والدِّيَةِ، تَخْفِيفٌ في حَقِّكم؛ لِأنَّ العَفْوَ وأخْذَ الدِّيَةَ مُحَرَّمانِ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ والقِصاصُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمُ البَتَّةَ، والقِصاصُ والدِّيَةُ مُحَرَّمانِ عَلى أهْلِ الإنْجِيلِ والعَفْوُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِمْ، وهَذِهِ الأُمَّةُ مُخَيَّرَةٌ بَيْنَ القِصاصِ والدِّيَةِ والعَفْوِ تَوْسِعَةً عَلَيْهِمْ وتَيْسِيرًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التَّخْفِيفُ يَعْنِي جاوَزَ الحَدَّ إلى ما هو أكْثَرُ مِنهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: المُرادُ أنْ لا يَقْتُلَ بَعْدَ العَفْوِ والدِّيَةِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ إذا عَفَوْا وأخَذُوا الدِّيَةَ، ثُمَّ ظَفِرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِالقاتِلِ قَتَلُوهُ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وقِيلَ المُرادُ: أنْ يَقْتُلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أوْ أكْثَرَ مِن قاتَلِهِ، أوْ طَلَبَ أكْثَرَ مِمّا وجَبَ لَهُ مِنَ الدِّيَةِ، أوْ جاوَزَ الحَدَّ بَعْدَما بَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّةَ القِصاصِ. ويَجِبُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الجَمِيعِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وهو المَشْهُورُ أنَّهُ نَوْعٌ مِنَ العَذابِ شَدِيدُ الألَمِ في الآخِرَةِ.

والثّانِي: رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّ العَذابَ الألِيمَ هو أنْ يُقْتَلَ لا مَحالَةَ ولا يُعْفى عَنْهُ ولا يُقْبَلَ الدِّيَةُ مِنهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا أُعافِي أحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أنْ أخَذَ الدِّيَةَ» “ وهو المَرْوِيُّ عَنِ الحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ المَفْهُومَ مِنَ العَذابِ الألِيمِ عِنْدَ الإطْلاقِ هو عَذابُ الآخِرَةِ.

وثانِيها: أنّا بَيَّنّا أنَّ القَوَدَ تارَةً يَكُونُ عَذابًا وتارَةً يَكُونُ امْتِحانًا، كَما في حَقِّ التّائِبِ، فَلا يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمِ العَذابِ عَلَيْهِ إلّا في وجْهٍ دُونَ وجْهٍ.

وثالِثُها: أنَّ القاتِلَ لِمَن عُفِيَ عَنْهُ لا يَجُوزُ أنْ يَخْتَصَّ بِأنْ لا يُمَكَّنَ ولِيُّ الدَّمِ مِنَ العَفْوِ عَنْهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حَقُّ ولِيِّ الدَّمِ فَلَهُ إسْقاطُهُ قِياسًا عَلى تَمَكُّنِهِ مِن إسْقاطِ سائِرِ الحُقُوقِ واللَّهُ أعْلَمُ.

2:179Page 27

وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩

And there is for you in legal retribution [saving of] life, O you [people] of understanding, that you may become righteous.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ القِصاصَ وكانَ القِصاصُ مِن بابِ الإيلامِ تَوَجَّهَ فِيهِ سُؤالٌ وهو أنْ يُقالَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِكَمالِ رَحْمَتِهِ إيلامُ العَبْدِ الضَّعِيفِ ؟ فَلِأجْلِ دَفْعِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ عَقِيبَهُ حِكْمَةَ شَرْعِ القِصاصِ فَقالَ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ: وُجُوهٌ

الأوَّلُ: أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّ نَفْسَ القِصاصِ حَياةٌ؛ لِأنَّ القِصاصَ إزالَةٌ لِلْحَياةِ، وإزالَةُ الشَّيْءِ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ نَفْسَ ذَلِكَ الشَّيْءِ، بَلِ المُرادُ أنَّ شَرْعَ القِصاصِ يُفْضِي إلى الحَياةِ في حَقِّ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا، وفي حَقِّ مَن يُرادُ جَعْلُهُ مَقْتُولًا وفي حَقِّ غَيْرِهِما أيْضًا، أمّا في حَقِّ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا فَلِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ لَوْ قَتَلَ قُتِلَ تَرَكَ القَتْلَ فَلا يَقْتُلُ فَيَبْقى حَيًّا، وأمّا في حَقِّ مَن يُرادُ جَعْلُهُ مَقْتُولًا فَلِأنَّ مَن أرادَ قَتْلَهُ إذا خافَ مِنَ القِصاصِ تَرَكَ قَتْلَهُ فَيَبْقى غَيْرَ مَقْتُولٍ، وأمّا في حَقِّ غَيْرِهِما فَلِأنَّ في شَرْعِ القِصاصِ بَقاءَ مَن هَمَّ بِالقَتْلِ، أوْ مَن يَهُمُّ بِهِ، وفي بَقائِهِما بَقاءُ مَن يَتَعَصَّبُ لَهُما؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ تَعْظُمُ بِسَبَبِ القَتْلِ فَتُؤَدِّي إلى المُحارَبَةِ الَّتِي تَنْتَهِي إلى قَتْلِ عالَمٍ مِنَ النّاسِ، وفي تَصَوُّرِ كَوْنِ القِصاصِ مَشْرُوعًا

صفحة ٤٩

زَوالُ كُلِّ ذَلِكَ وفي زَوالِهِ حَياةُ الكُلِّ.

الوَجْهُ الثّانِي: في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّ المُرادَ مِنها أنَّ نَفْسَ القِصاصِ سَبَبُ الحَياةِ وذَلِكَ؛ لِأنَّ سافِكَ الدَّمِ إذا أُقِيدَ مِنهُ ارْتَدَعَ مَن كانَ يَهُمُّ بِالقَتْلِ فَلَمْ يَقْتُلْ، فَكانَ القِصاصُ نَفْسُهُ سَبَبًا لِلْحَياةِ مِن هَذا الوَجْهِ، واعْلَمْ أنَّ الوَجْهَ الَّذِي ذَكَرْناهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالقِصاصِ الَّذِي هو القَتْلُ، يَدْخَلُ فِيهِ القِصاصُ في الجَوارِحِ والشِّجاجِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ إنْ جَرَحَ عَدُوَّهُ اقْتُصَّ مِنهُ زَجَرَهُ ذَلِكَ عَنِ الإقْدامِ، فَيَصِيرُ سَبَبًا لِبَقائِهِما؛ لِأنَّ المَجْرُوحَ لا يُؤْمَنُ فِيهِ المَوْتُ، وكَذَلِكَ الجارِحُ إذا اقْتُصَّ مِنهُ، وأيْضًا فالشَّجَّةُ والجِراحَةُ الَّتِي لا قَوَدَ فِيها داخِلَةٌ تَحْتَ الآيَةِ؛ لِأنَّ الجارِحَ لا يَأْمَنُ أنْ تُؤَدِّيَ جِراحَتُهُ إلى زُهُوقِ النَّفْسِ فَيَلْزَمُ القَوَدُ، فَخَوْفُ القِصاصِ حاصِلٌ في النَّفْسِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ المُرادَ مِنَ القِصاصِ إيجابُ التَّسْوِيَةِ فَيَكُونُ المُرادُ أنَّ في إيجابِ التَّسْوِيَةِ حَياةٌ لِغَيْرِ القاتِلِ؛ لِأنَّهُ لا يُقْتَلُ غَيْرُ القاتِلِ بِخِلافِ ما يَفْعَلُهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والوَجْهُ الرّابِعُ: قَرَأ أبُو الجَوْزاءِ ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ أيْ فِيما قَصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ والقِصاصِ وقِيلَ: (القِصاصُ) القُرْآنُ، أيْ لَكم في القُرْآنِ حَياةٌ لِلْقُلُوبِ كَقَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢] و﴿ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢] . واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اتَّفَقَ عُلَماءُ البَيانِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الإيجازِ مَعَ جَمْعِ المَعانِي بِاللُّغَةِ بالِغَةٌ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ العَرَبَ عَبَّرُوا عَنْ هَذا المَعْنى بِألْفاظٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِمْ: قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ، وقَوْلُ آخَرِينَ: أكْثِرُوا القَتْلَ لِيَقِلَّ القَتْلُ، وأجْوَدُ الألْفاظِ المَنقُولَةِ عَنْهم في هَذا البابِ قَوْلُهم: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، ثُمَّ إنَّ لَفْظَ القُرْآنِ أفْصَحُ مِن هَذا، وبَيانُ التَّفاوُتِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ أخْصَرُ مِنَ الكُلِّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (ولَكم) لا يَدْخُلُ في هَذا البابِ، إذْ لا بُدَّ في الجَمِيعِ مِن تَقْدِيرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَ القائِلِ: قَتْلُ البَعْضِ إحْياءٌ لِلْجَمِيعِ لا بُدَّ فِيهِ مِن تَقْدِيرٍ مِثْلِهِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، فَإذا تَأمَّلْتَ عَلِمْتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ أشَدُّ اخْتِصارًا مِن قَوْلِهِمْ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ.

وثانِيها: أنَّ قَوْلَهم: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الشَّيْءِ سَبَبًا لِانْتِفاءِ نَفْسِهِ وهو مُحالٌ، وقَوْلَهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ هو نَوْعٌ مِنَ القَتْلِ وهو القِصاصُ، ثُمَّ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لِمُطْلَقِ الحَياةِ لِأنَّهُ ذَكَرَ الحَياةَ مُنَكَّرَةً، بَلْ جَعَلَهُ سَبَبًا لِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الحَياةِ.

وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهم: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، فِيهِ تَكْرارٌ لِلَفْظِ القَتْلِ، ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ كَذَلِكَ.

ورابِعُها: أنَّ قَوْلَ القائِلِ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ، لا يُفِيدُ إلّا الرَّدْعَ عَنِ القَتْلِ، وقَوْلُهُ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ يُفِيدُ الرَّدْعَ عَنِ القَتْلِ وعَنِ الجَرْحِ وغَيْرِهِما فَهو أجْمَعُ لِلْفَوائِدِ.

وخامِسُها: أنَّ نَفْيَ القَتْلِ مَطْلُوبٌ تَبَعًا مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ حُصُولَ الحَياةِ، وأمّا الآيَةُ فَإنَّها دالَّةٌ عَلى حُصُولِ الحَياةِ وهو مَقْصُودٌ أصْلِيٌّ، فَكانَ هَذا أوْلى.

وسادِسُها: أنَّ القَتْلَ ظُلْمًا قَتْلٌ، مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ نافِيًا لِلْقَتْلِ بَلْ هو سَبَبٌ لِزِيادَةِ القَتْلِ، إنَّما النّافِي لِوُقُوعِ القَتْلِ هو القَتْلُ المَخْصُوصُ وهو القِصاصُ، فَظاهِرُ قَوْلِهِمْ باطِلٌ، أمّا الآيَةُ فَهي صَحِيحَةٌ ظاهِرًا وتَقْدِيرًا، فَظَهَرَ التَّفاوُتُ بَيْنَ الآيَةِ وبَيْنَ كَلامِ العَرَبِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: احْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فَسادِ قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ في قَوْلِهِمْ: إنَّ المَقْتُولَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَوَجَبَ أنْ يَمُوتَ. فَقالُوا: إذا كانَ الَّذِي يُقْتَلُ يَجِبُ أنْ يَمُوتَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ، فَهَبْ أنَّ شَرْعَ القِصاصِ يَزْجُرُ مَن يُرِيدُ أنْ يَكُونَ قاتِلًا عَنِ الإقْدامِ عَلى القَتْلِ، لَكِنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ يَمُوتُ سَواءٌ قَتَلَهُ هَذا القاتِلُ أوْ لَمْ يَقْتُلْهُ،

صفحة ٥٠

فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ شَرْعُ القِصاصِ مُفْضِيًا إلى حُصُولِ الحَياةِ.

فَإنْ قِيلَ: إنّا إنَّما نَقُولُ فِيمَن قُتِلَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ كانَ يَمُوتُ لا فِيمَن أُرِيدَ قَتْلُهُ ولَمْ يُقْتَلْ فَلا يَلْزَمُ ما قُلْتُمْ، قُلْنا ألَيْسَ إنَّما يُقالُ فِيمَن قُتِلَ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ ؟ فَإذا قُلْتُمْ: كانَ يَمُوتُ فَقَدْ حَكَمْتُمْ في أنَّ مِن حَقِّ كُلِّ وقْتٍ صَحَّ وُقُوعُ قَتْلِهِ أنْ يَكُونَ مَوْتُهُ كَقَتْلِهِ، وذَلِكَ يُصَحِّحُ ما ألْزَمْناكم؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ عَلى قَوْلِكُمُ المَعْلُومِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْهُ؛ إمّا لِأنَّهُ مَنَعَهُ مانِعٌ عَنِ القَتْلِ، أوْ بِأنْ خافَ قَتْلَهُ أنَّهُ كانَ يَمُوتُ وفي ذَلِكَ صِحَّةُ ما ألْزَمْناكم، هَذا كُلُّهُ ألْفاظُ القاضِي.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأُولِي الألْبابِ﴾ فالمُرادُ بِهِ العُقَلاءُ الَّذِينَ يَعَرِفُونَ العَواقِبَ ويَعْلَمُونَ جِهاتِ الخَوْفِ، فَإذا أرادُوا الإقْدامَ عَلى قَتْلِ أعْدائِهِمْ، وعَلِمُوا أنَّهم يُطالِبُونَ بِالقَوَدِ صارَ ذَلِكَ رادِعًا لَهم؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يُرِيدُ إتْلافَ غَيْرِهِ بِإتْلافِ نَفْسِهِ فَإذا خافَ ذَلِكَ كانَ خَوْفُهُ سَبَبًا لِلْكَفِّ والِامْتِناعِ، إلّا أنَّ هَذا الخَوْفَ إنَّما يَتَوَلَّدُ مِنَ الفِكْرِ الَّذِي ذَكَرْناهُ مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ يَهْدِيهِ إلى هَذا الفِكْرِ، فَمَن لا عَقْلَ لَهُ يَهْدِيهِ إلى هَذا الفِكْرِ لا يَحْصُلُ لَهُ هَذا الخَوْفُ، فَلِهَذا السَّبَبِ خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الخِطابِ أُولِي الألْبابِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَفْظَةُ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي، وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ مَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وجَوابُهُ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] .

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الجُبّائِيُّ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أرادَ مِنَ الكُلِّ التَّقْوى، سَواءٌ كانَ في المَعْلُومِ أنَّهم يَتَّقُونَ أوْ لا يَتَّقُونَ بِخِلافِ قَوْلِ المُجْبِرَةِ، وقَدْ سَبَقَ جَوابُهُ أيْضًا في تِلْكَ الآيَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في تَفْسِيرِ الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: قَوْلُ الحَسَنِ والأصَمِّ أنَّ المُرادَ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ نَفْسَ القَتْلِ بِخَوْفِ القِصاصِ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ هو التَّقْوى مِن كُلِّ الوُجُوهِ ولَيْسَ في الآيَةِ تَخْصِيصٌ لِلتَّقْوى، فَحَمْلُهُ عَلى الكُلِّ أوْلى. ومَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما كَتَبَ عَلى العِبادِ الأُمُورَ الشّاقَّةَ مِنَ القِصاصِ وغَيْرِهِ لِأجْلِ أنْ يَتَّقُوا النّارَ بِاجْتِنابِ المَعاصِي ويَكُفُّوا عَنْها، فَإذا كانَ هَذا هو المَقْصُودَ الأصْلِيَّ وجَبَ حَمْلُ الكَلامِ عَلَيْهِ.

الحُكْمُ الخامِسُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском