Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:187

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:187

2:187Page 29

أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧

It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكم هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكم فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى﴾

صفحة ٨٨

﴿يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ في أوَّلِ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ الصّائِمُ إذا أفْطَرَ حَلَّ لَهُ الأكْلُ والشُّرْبُ والوِقاعُ بِشَرْطِ أنْ لا يَنامَ وأنْ لا يُصَلِّيَ العِشاءَ الأخِيرَةَ، فَإذا فَعَلَ أحَدَهُما حَرُمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الأشْياءُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ هَذِهِ الحُرْمَةُ ما كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا البَتَّةَ، بَلْ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ النَّصارى، واللَّهُ تَعالى نَسَخَ بِهَذِهِ الآيَةِ ما كانَ ثابِتًا في شَرْعِهِمْ، وجَرى فِيهِ عَلى مَذْهَبِهِ مِن أنَّهُ لَمْ يَقَعْ في شَرْعِنا نَسْخٌ البَتَّةَ، واحْتَجَّ الجُمْهُورُ عَلى قَوْلِهِمْ بِوُجُوهٍ:

الحُجَّةُ الأُولى: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] يَقْتَضِي تَشْبِيهَ صَوْمِنا بِصَوْمِهِمْ، وقَدْ كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في صَوْمِهِمْ، فَوَجَبَ بِحُكْمِ هَذا التَّشْبِيهِ أنْ تَكُونَ ثابِتَةً أيْضًا في صَوْمِنا، وإذا ثَبَتَ أنَّ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، وهَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِهَذِهِ الحُرْمَةِ لَزِمَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةً لِحُكْمٍ كانَ ثابِتًا في شَرْعِنا.

الحُجَّةُ الثّانِيَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ ولَوْ كانَ هَذا الحِلُّ ثابِتًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أوَّلِ الأمْرِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فائِدَةٌ.

الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾، ولَوْ كانَ ذَلِكَ حَلالًا لَهم لَما كانَ بِهِمْ حاجَةٌ إلى أنْ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم.

الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾، ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ وأنَّهم أقْدَمُوا عَلى المَعْصِيَةِ بِسَبَبِ الإقْدامِ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، لَما صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿فَتابَ عَلَيْكم وعَفا عَنْكُمْ﴾ .

الحُجَّةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾، ولَوْ كانَ الحِلُّ ثابِتًا قَبْلَ ذَلِكَ كَما هو الآنَ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ فائِدَةً.

الحُجَّةُ السّادِسَةُ: هي أنَّ الرِّواياتِ المَنقُولَةَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ دالَّةٌ عَلى أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، هَذا مَجْمُوعُ دَلائِلِ القائِلِينَ بِالنَّسْخِ.

أجابَ أبُو مُسْلِمٍ عَنْ هَذِهِ الدَّلائِلِ فَقالَ:

أمّا الحُجَّةُ الأُولى: فَضَعِيفَةٌ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ تَشْبِيهَ الصَّوْمِ بِالصَّوْمِ يَكْفِي في صِدْقِهِ مُشابَهَتُهُما في أصْلِ الوُجُوبِ.

وأمّا الحُجَّةُ الثّانِيَةُ فَضَعِيفَةٌ أيْضًا لِأنّا نُسَلِّمُ أنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ مَن قَبْلَنا، فَقَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ أنَّ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا عَلى غَيْرِكم فَقَدْ أُحِلُّ لَكم.

وأمّا الحُجَّةُ الثّالِثَةُ: فَضَعِيفٌ أيْضًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ تِلْكَ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْنا الصَّوْمَ، ولَمْ يُبَيِّنْ في ذَلِكَ الإيجازِ زَوالَ تِلْكَ الحُرْمَةِ فَكانَ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ أنَّ تِلْكَ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في الشَّرْعِ المُتَقَدِّمِ، ولَمْ يُوجَدْ في شَرْعِنا ما دَلَّ عَلى زَوالِها فَوَجَبَ القَوْلُ بِبَقائِها، ثُمَّ تَأكَّدَ هَذا الوَهْمُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، فَإنَّ مُقْتَضى التَّشْبِيهِ حُصُولُ

صفحة ٨٩

المُشابِهَةِ في كُلِّ الأُمُورِ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الحُرْمَةُ ثابِتَةً في الشَّرْعِ المُتَقَدِّمِ وجَبَ أنْ تَكُونَ ثابِتَةً في هَذا الشَّرْعِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً قَوِيَّةً إلّا أنَّها لا أقَلَّ مِن أنْ تَكُونَ شُبْهَةً مُوهِمَةً؛ فَلِأجْلِ هَذِهِ الأسْبابِ كانُوا يَعْتَقِدُونَ بَقاءَ تِلْكَ الحُرْمَةِ في شَرْعِنا، فَلا جَرَمَ شَدَّدُوا وأمْسَكُوا عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ؛ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ وأرادَ بِهِ تَعالى النَّظَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالتَّخْفِيفِ لَهم بِما لَوْ لَمْ تَتَبَيَّنِ الرُّخْصَةُ فِيهِ لَشَدَّدُوا وأمْسَكُوا عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ ونَقَصُوا أنْفُسَهم مِنَ الشَّهْوَةِ، ومَنَعُوها مِنَ المُرادِ، وأصْلُ الخِيانَةِ النَّقْصُ، وخانَ واخْتانَ وتَخَوَّنُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَقَوْلِهِمْ: كَسَبَ واكْتَسَبَ وتَكَسَّبُ، فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكم إحْلالُ الأكْلِ والشُّرْبِ والمُباشَرَةِ طُولَ اللَّيْلِ أنَّكم كُنْتُمْ تَنْقُصُونَ أنْفُسَكم شَهَواتِها وتَمْنَعُونَها لَذّاتِها ومَصْلَحَتِها بِالإمْساكِ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ النَّوْمِ كَسُنَّةِ النَّصارى.

وأمّا الحُجَّةُ الرّابِعَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّ التَّوْبَةَ مِنَ العِبادِ الرُّجُوعُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، ومِنَ اللَّهِ الرُّجُوعُ إلى العَبْدِ بِالرَّحْمَةِ والإحْسانِ، وأمّا العَفْوُ فَهو التَّجاوُزُ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى إنْعامَهُ عَلَيْنا بِتَخْفِيفِ ما جَعَلَهُ ثَقِيلًا عَلى مَن قَبْلَنا، كَقَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .

وأمّا الحُجَّةُ الخامِسَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّهم كانُوا بِسَبَبِ تِلْكَ الشُّبْهَةِ مُمْتَنِعِينَ عَنِ المُباشَرَةِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ وأزالَ الشُّبْهَةَ فِيهِ لا جَرَمَ قالَ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ .

وأمّا الحُجَّةُ السّادِسَةُ: فَضَعِيفَةٌ لِأنَّ قَوْلَنا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لِحُكْمٍ كانَ مَشْرُوعًا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِبابِ العَمَلِ ولا يَكُونُ خَبَرُ الواحِدِ حُجَّةً فِيهِ، وأيْضًا فَفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى ضَعْفِ هَذِهِ الرِّواياتِ لِأنَّ المَذْكُورَ في تِلْكَ الرِّواياتِ أنَّ القَوْمَ اعْتَرَفُوا بِما فَعَلُوا عِنْدَ الرَّسُولِ، وذَلِكَ عَلى خِلافِ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ لِأنَّ ظاهِرَهُ هو المُباشَرَةُ، لِأنَّهُ افْتِعالٌ مِنَ الخِيانَةِ، فَهَذا حاصِلُ الكَلامِ في هَذِهِ المَسْألَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: القائِلُونَ بِأنَّ هَذِهِ الحُرْمَةَ كانَتْ ثابِتَةً في شَرْعِنا، ثُمَّ إنَّها نُسِخَتْ ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ الشَّرِيعَةِ يُحَلُّ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ، ما لَمْ يَرْقُدِ الرَّجُلُ أوْ يُصَلِّ العِشاءَ الآخِرَةَ، فَإذا فَعَلَ أحَدُهُما حَرُمَ عَلَيْهِ هَذِهِ الأشْياءُ إلى اللَّيْلَةِ الآتِيَةِ، «فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ عَشِيَّةً وقَدْ أجْهَدَهُ الصَّوْمُ، واخْتَلَفُوا في اسْمِهِ، فَقالَ مُعاذٌ: اسْمُهُ أبُو صِرْمَةَ، وقالَ البَراءُ: قَيْسُ بْنُ صِرْمَةَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أبُو قَيْسِ بْنُ صِرْمَةَ، وقِيلَ: صِرْمَةُ بْنُ أنَسٍ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبَبِ ضَعْفِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْتُ في النَّخْلِ نَهارِي أجْمَعَ حَتّى أمْسَيْتُ فَأتَيْتُ أهْلِي لِتُطْعِمَنِي شَيْئًا فَأبْطَأتْ فَنِمْتُ فَأيْقَظُونِي، وقَدْ حَرُمَ الأكْلُ؛ فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِن مِثْلِهِ؛ رَجَعْتُ إلى أهْلِي بَعْدَما صَلَّيْتُ العِشاءَ الآخِرَةَ، فَأتَيْتُ امْرَأتِي، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَمْ تَكُنْ جَدِيرًا بِذَلِكَ يا عُمَرُ ثُمَّ قامَ رِجالٌ فاعْتَرَفُوا بِالَّذِي صَنَعُوا فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ»﴾ .

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ ”أحَلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثَ“ أيْ أحَلَّ اللَّهُ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ”الرُّفُوثُ“ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: لَيْلَةَ الصِّيامِ أرادَ لَيالِيَ الصِّيامِ فَوَقَعَ الواحِدُ مَوْقِعَ الجَماعَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

فَقُلْنا أسْلِمُوا إنّا أخُوكم فَقَدْ بَرِئَتْ مِنَ الإحَنِ الصُّدُورُ

صفحة ٩٠

وأقُولُ فِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن ”لَيْلَةِ الصِّيامِ“ لَيْلَةً واحِدَةً، بَلِ المُرادُ الإشارَةُ إلى اللَّيْلَةِ المُضافَةِ إلى هَذِهِ الحَقِيقَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قالَ اللَّيْثُ: الرَّفَثُ أصْلُهُ قَوْلُ الفُحْشِ، وأنْشَدَ الزَّجّاجُ:

ورُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ

يُقالُ: رَفَثَ في كَلامِهِ يَرْفُثُ وأرْفَثَ إذا تَكَلَّمَ بِالقَبِيحِ قالَ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أنْشَدَ وهو مُحْرِمٌ:

وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا ∗∗∗ إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسًا

فَقِيلَ لَهُ: أتَرْفُثُ ؟ فَقالَ: إنَّما الرَّفَثُ ما كانَ عِنْدَ النِّساءِ، فَثَبَتَ أنَّ الأصْلَ في الرَّفَثِ هو قَوْلُ الفُحْشِ ثُمَّ جُعِلَ ذَلِكَ اسْمًا لِما يُتَكَلَّمُ بِهِ عِنْدَ النِّساءِ مِن مَعانِيَ الإفْضاءِ، ثُمَّ جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ وعَنْ كُلِّ ما يَتْبَعُهُ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ كَنّى هَهُنا عَنِ الجِماعِ بِلَفْظِ الرَّفَثِ الدّالِّ عَلى مَعْنى القُبْحِ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣]، ﴿دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣]، ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .

جَوابُهُ: السَّبَبُ فِيهِ اسْتِهْجانُ ما وُجِدَ مِنهم قَبْلَ الإجابَةِ كَما سَمّاهُ اخْتِيانًا لِأنْفُسِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ الأخْفَشُ: إنَّما عَدّى الرَّفَثَ بِإلى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ في قَوْلِهِ: ﴿وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١] .

* * *

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾ يَقْتَضِي حُصُولَ الحِلِّ في جَمِيعِ اللَّيْلِ لِأنَّ ”لَيْلَةَ“ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، وإنَّما يَكُونُ اللَّيْلُ ظَرْفًا لِلرَّفَثِ لَوْ كانَ اللَّيْلُ كُلُّهُ مَشْغُولًا بِالرَّفَثِ، وإلّا لَكانَ ظَرْفُ ذَلِكَ الرَّفَثِ بَعْضَ اللَّيْلِ لا كُلَّهُ، فَعَلى هَذا النَّسْخُ حَصَلَ بِهَذا اللَّفْظِ، وأمّا الَّذِي بَعْدَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ فَذاكَ يَكُونُ كالتَّأْكِيدِ لِهَذا النَّسْخِ، وأمّا الَّذِي يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾ يُفِيدُ حِلَّ الرَّفَثِ في اللَّيْلِ، فَهَذا القَدْرُ لا يَقْتَضِي حُصُولَ النَّسْخِ بِهِ فَيَكُونُ النّاسِخُ هو قَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ .

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدْ ذَكَرْنا في تَشْبِيهِ الزَّوْجَيْنِ بِاللِّباسِ وُجُوهًا:

أحُدُها: أنَّهُ لَمّا كانَ الرَّجُلُ والمَرْأةُ يَعْتَنِقانِ، فَيَضُمُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما جِسْمَهُ إلى جِسْمِ صاحِبِهِ حَتّى يَصِيرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ كالثَّوْبِ الَّذِي يَلْبَسُهُ، سُمِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِباسًا. قالَ الرَّبِيعُ: هُنَّ فِراشٌ لَكم وأنْتُمْ لِحافٌ لَهُنَّ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾، يُرِيدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَسْتُرُ صاحِبَهُ عِنْدَ الجِماعِ عَنْ أبْصارِ النّاسِ.

وثانِيها: إنَّما سُمِّيَ الزَّوْجانِ لِباسًا لِيَسْتُرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ عَمّا لا يَحِلُّ، كَما جاءَ في الخَبَرِ ”«مَن تَزَوَّجَ فَقَدْ أحْرَزَ ثُلُثَيْ دِينِهِ» “ .

وثالِثُها: أنَّهُ تَعالى جَعَلَها لِباسًا لِلرَّجُلِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يَخُصُّها بِنَفْسِهِ، كَما يَخُصُّ لِباسَهُ بِنَفْسِهِ، ويَراها أهْلًا لِأنْ يُلاقِيَ كُلُّ بَدَنِهِ كُلَّ بَدَنِها كَما يَعْمَلُهُ في اللِّباسِ.

ورابِعُها: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ سَتْرُهُ بِها عَنْ

صفحة ٩١

جَمِيعِ المَفاسِدِ الَّتِي تَقَعُ في البَيْتِ، لَوْ لَمْ تَكُنِ المَرْأةُ حاضِرَةً، كَما يَسْتَتِرُ الإنْسانُ بِلِباسِهِ عَنِ الحَرِّ والبَرْدِ وكَثِيرٍ مِنَ المَضارِّ.

وخامِسُها: ذَكَرَ الأصَمُّ أنَّ المُرادَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما كانَ كاللِّباسِ السّاتِرِ لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَحْظُورِ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ تَعالى أوْرَدَ هَذا الوَصْفَ عَلى طَرِيقِ الإنْعامِ عَلَيْنا، فَكَيْفَ يُحْمَلُ عَلى التَّسَتُّرِ بِهِنَّ في المَحْظُورِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ: إنَّما وحَّدَ اللِّباسَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ”هُنَّ“ لِأنَّهُ يَجْرِي مَجْرى المَصْدَرِ، وفِعالٌ مِن مَصادِرِ فاعَلَ، وتَأْوِيلُهُ: هُنَّ مُلابِساتٌ لَكم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ﴾، فَنَقُولُ: هو اسْتِئْنافٌ كالبَيانِ لِسَبَبِ الإحْلالِ، وهو أنَّهُ إذا حَصَلَتْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ مِثْلُ هَذِهِ المُخالَطَةِ والمُلابَسَةِ قَلَّ صَبْرُكم عَنْهُنَّ، وضَعُفَ عَلَيْكُمُ اجْتِنابُهُنَّ، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: يُقالُ: خانَهُ يَخُونُهُ خَوْنًا وخِيانَةً إذا لَمْ يَفِ لَهُ، والسَّيْفُ إذا نَبا عَنِ الضَّرْبَةِ فَقَدْ خانَكَ، وخانَهُ الدَّهْرُ إذا تَغَيَّرَ حالُهُ إلى الشَّرِّ، وخانَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ إذا لَمْ يُؤَدِّ الأمانَةَ، وناقِضُ العَهْدِ خائِنٌ، لِأنَّهُ كانَ يُنْتَظَرُ مِنهُ الوَفاءُ فَغَدَرَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] أيْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ، ويُقالُ لِلرَّجُلِ المَدِينِ: إنَّهُ خائِنٌ، لِأنَّهُ لَمْ يَفِ بِما يَلِيقُ بِدِينِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، وقالَ: ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١]، فَفي هَذِهِ الآيَةِ سَمّى اللَّهُ المَعْصِيَةَ بِالخِيانَةِ، وإذا عَلِمْتَ مَعْنى الخِيانَةِ، فَقالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الِاخْتِيانُ مِنَ الخِيانَةِ، كالِاكْتِسابِ مِنَ الكَسْبِ فِيهِ زِيادَةٌ وشِدَّةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ هَهُنا أنَّهم كانُوا يَخْتانُونَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أنَّ تِلْكَ الخِيانَةَ كانَتْ في ماذا ؟ فَلا بُدَّ مِن حَمْلِ هَذِهِ الخِيانَةِ عَلى شَيْءٍ يَكُونُ لَهُ تَعَلُّقٌ بِما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، والَّذِي تَقَدَّمَ هو ذِكْرُ الجِماعِ، والَّذِي تَأخَّرَ قَوْلُهُ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذِهِ الخِيانَةِ الجِماعَ، ثُمَّ هَهُنا وجْهانِ:

أحَدُهُما: عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تُسِرُّونَ بِالمَعْصِيَةِ في الجِماعِ بَعْدَ العَتَمَةِ والأكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ وتَرْكَبُونَ المُحَرَّمَ مِن ذَلِكَ، وكُلُّ مَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ خانَ نَفْسَهُ وقَدْ خانَ اللَّهَ، لِأنَّهُ جَلَبَ إلَيْها العِقابَ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِبُ أنْ يُقْطَعَ عَلى أنَّهُ وقَعَ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى وُقُوعِهِ مِن جَمِيعِهِمْ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ وجَبَ في جَمِيعِهِمْ أنْ يَكُونُوا مُخْتانِينَ لِأنْفُسِهِمْ، لَكَنّا قَدْ عَلِمْنا أنَّ المُرادَ بِهِ التَّبْعِيضُ لِلْعادَةِ والإخْبارُ، وإذا صَحَّ ذَلِكَ فَيَجِبُ أنَّ يُقْطَعَ عَلى وُقُوعِ هَذا الجِماعِ المَحْظُورِ مِن بَعْضِهِمْ، فَمِن هَذا الوَجْهِ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمٍ سابِقٍ وعَلى وُقُوعِ ذَلِكَ مِن بَعْضِهِمْ، ولِأبِي مُسْلِمٍ أنْ يَقُولَ قَدْ بَيَّنّا أنَّ الخِيانَةَ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الوَفاءِ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ، فَأنْتُمْ حَمَلْتُمُوهُ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِطاعَةِ اللَّهِ، ونَحْنُ حَمَلْناهُ عَلى عَدَمِ الوَفاءِ بِما هو خَيْرٌ لِلنَّفْسِ وهَذا أوْلى، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَقُلْ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ اللَّهَ، كَما قالَ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ﴾ [الأنفال: ٢٧] بَلْ قالَ: ﴿كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾، فَكانَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى ما ذَكَرْناهُ إنْ لَمْ يَكُنْ أوْلى فَلا أقَلَّ مِنَ التَّساوِي وبِهَذا التَّقْدِيرِ لا يَثْبُتُ النَّسْخُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ لَوْ دامَتْ تِلْكَ الحُرْمَةُ ومَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ

صفحة ٩٢

يَعْلَمُ أنَّهُ لَوْ دامَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ الشّاقُّ لَوَقَعُوا في الخِيانَةِ، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ ما وقَعَتِ الخِيانَةُ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: التَّفْسِيرُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ فِيهِ إلى إضْمارِ الشَّرْطِ وأنْ يُقالَ: بَلِ الثّانِي أوْلى، لِأنَّ عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ يَصِيرُ إقْدامُهم عَلى المَعْصِيَةِ سَبَبًا لِنَسْخِ التَّكْلِيفِ، وعَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي: عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ لَوْ دامَ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ لَحَصَلَتِ الخِيانَةُ فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لَنَسْخِ التَّكْلِيفِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى عِبادِهِ حَتّى لا يَقَعُوا في الخِيانَةِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ فَمَعْناهُ عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ فَرَجَعَ عَلَيْكم بِالإذْنِ في هَذا الفِعْلِ والتَّوْسِعَةِ عَلَيْكم، وعَلى قَوْلِ مُثْبِتِي النَّسَخِ لا بُدَّ فِيهِ مِن إضْمارٍ تَقْدِيرُهُ: تُبْتُمْ فَتابَ عَلَيْكم فِيهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَفا عَنْكُمْ﴾ فَعَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ مَعْناهُ وسَّعَ عَلَيْكم أنْ أباحَ لَكُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ والمُعاشَرَةَ في كُلِّ اللَّيْلِ، ولَفْظُ العَفْوِ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في التَّوْسِعَةِ والتَّخْفِيفِ. قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«عَفَوْتُ لَكم عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ» “، وقالَ: ”«أوَّلُ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ وآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ» “، والمُرادُ مِنهُ التَّخْفِيفُ بِتَأْخِيرِ الصَّلاةِ إلى آخِرِ الوَقْتِ، ويُقالُ: أتانِي هَذا المالُ عَفْوًا، أيْ سَهْلًا فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ العَفْوِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِسَبْقِ التَّحْرِيمِ، وأمّا عَلى قَوْلِ مُثْبِتِي النَّسْخِ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَفا عَنْكُمْ﴾ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ تَقْدِيرُهُ: عَفا عَنْ ذُنُوبِكم، وهَذا مِمّا يُقَوِّي أيْضًا قَوْلَ أبِي مُسْلِمٍ لِأنَّ تَفْسِيرَهُ لا يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ، وتَفْسِيرَ مُثْبِتِي النَّسْخِ يَحْتاجُ إلى الإضْمارِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا أمْرٌ وارِدٌ عَقِيبَ الحَظْرِ، فالَّذِينَ قالُوا: الأمْرُ الوارِدُ عَقِيبَ الحَظْرِ لَيْسَ إلّا لِلْإباحَةِ، كَلامُهم ظاهِرٌ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا: مُطْلَقُ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ قالُوا إنَّما تَرَكْنا الظّاهِرَ وعَرَفْنا كَوْنَ هَذا الأمْرِ لِلْإباحَةِ بِالإجْماعِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: المُباشَرَةُ فِيها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ أنَّها الجِماعُ، سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِتَلاصُقِ البَشَرَتَيْنِ وانْضِمامِهِما، ومِنها ما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «نَهى أنْ يُباشِرَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ، والمَرْأةُ المَرْأةَ» .

الثّانِي: وهو قَوْلُ الأصَمِّ: إنَّهُ الجِماعُ فَما دُونَهُ وعَلى هَذا الوَجْهِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾، فَمِنهم مَن حَمَلَهُ عَلى كُلِّ المُباشَراتِ ولَمْ يَقْصُرْهُ عَلى الجِماعِ، والأقْرَبُ أنَّ لَفْظَ المُباشَرَةِ لَمّا كانَ مُشْتَقًّا مِن تَلاصُقِ البَشَرَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ مُخْتَصًّا بِالجِماعِ، بَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الجِماعُ فِيما دُونَ الفَرْجِ، وكَذا المُعانَقَةُ والمُلامَسَةُ إلّا أنَّهم إنَّما اتَّفَقُوا في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ هو الجِماعُ؛ لِأنَّ السَّبَبَ في هَذِهِ الرُّخْصَةِ كانَ وُقُوعُ الجِماعِ مِنَ القَوْمِ، ولِأنَّ الرَّفَثَ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُهُ لا يُرادُ بِهِ إلّا الجِماعُ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ إباحَةُ الجِماعِ تَتَضَمَّنُ إباحَةَ ما دُونَهُ صارَتْ إباحَتُهُ دالَّةً عَلى إباحَةِ ما عَداهُ، فَصَحَّ هَهُنا حَمْلُ الكَلامِ عَلى الجِماعِ فَقَطْ، ولَمّا كانَ في الِاعْتِكافِ المَنعُ مِنَ الجِماعِ لا يَدُلُّ عَلى المَنعِ مِمّا دُونَهُ صَلَحَ اخْتِلافُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ، فَهَذا هو الَّذِي يَجِبُ أنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ، عَلى ما لَخَّصَهُ القاضِي.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الآيَةِ وُجُوهًا:

أحَدُها: وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم مِنَ الوَلَدِ بِالمُباشَرَةِ، أيْ: لا تُباشِرُوا لِقَضاءِ الشَّهْوَةِ وحْدَها، ولَكِنْ لِابْتِغاءِ ما وضَعَ اللَّهُ لَهُ النِّكاحَ مِنَ التَّناسُلِ. قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«تَناكَحُوا تَناسَلُوا تَكْثُرُوا» “ .

وثانِيها: أنَّهُ نَهى عَنِ العَزْلِ، وقَدْ رُوِيَتِ الأخْبارُ في كَراهِيَةِ ذَلِكَ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَعْزِلُ

صفحة ٩٣

الرَّجُلُ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها ولا بَأْسَ أنْ يَعْزِلَ عَنِ الأمَةِ، ورَوى عاصِمٌ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ العَزْلَ، وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى أنْ يَعْزِلَ عَنِ الحُرَّةِ إلّا بِإذْنِها» .

وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المَعْنى: ابْتَغُوا المَحِلَّ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم وحَلَّلَهُ دُونَ ما لَمْ يَكْتُبْ لَكم مِنَ المَحِلِّ المُحَرَّمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] .

ورابِعُها: أنَّ هَذا التَّأْكِيدَ تَقْدِيرُهُ: فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا هَذِهِ المُباشَرَةَ الَّتِي كَتَبَها لَكم بَعْدَ أنْ كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْكم.

وخامِسُها: وهو عَلى قَوْلِ أبِي مُسْلِمٍ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، يَعْنِي هَذِهِ المُباشَرَةَ الَّتِي كانَ اللَّهُ تَعالى كَتَبَها لَكم وإنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَها مُحَرَّمَةً عَلَيْكم.

وسادِسُها: أنَّ مُباشَرَةَ الزَّوْجَةِ قَدْ تَحْرُمُ في بَعْضِ الأوْقاتِ بِسَبَبِ الحَيْضِ والنِّفاسِ والعِدَّةِ والرِّدَّةِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يَعْنِي لا تُباشِرُوهُنَّ إلّا في الأحْوالِ والأوْقاتِ الَّتِي أُذِنَ لَكم في مُباشَرَتِهِنَّ.

وسابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ إذْنٌ في المُباشَرَةِ، وقَوْلَهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يَعْنِي لا تَبْتَغُوا هَذِهِ المُباشَرَةَ إلّا مِنَ الزَّوْجَةِ والمَمْلُوكَةِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المعارج: ٣٠] .

وثامِنُها: قالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي الجَوْزاءِ: يَعْنِي اطْلُبُوا لَيْلَةَ القَدْرِ وما كَتَبَ اللَّهُ لَكم مِنَ الثَّوابِ فِيها إنْ وجَدْتُمُوها، وجُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ اسْتَبْعَدُوا هَذا الوَجْهَ، وعِنْدِي أنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ، وذَلِكَ هو أنَّ الإنْسانَ ما دامَ قَلْبُهُ مُشْتَغِلًا بِطَلَبِ الشَّهْوَةِ واللَّذَّةِ، لا يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ أنْ يَتَفَرَّغَ لِلطّاعَةِ والعُبُودِيَّةِ والحُضُورِ، أمّا إذا قَضى وطَرَهُ وصارَ فارِغًا مِن طَلَبِ الشَّهْوَةِ يُمْكِنُهُ حِينَئِذٍ أنْ يَتَفَرَّغَ لِلْعُبُودِيَّةِ، فَتَقْدِيرُ الآيَةِ: فالآنَ باشِرُوهُنَّ حَتّى تَتَخَلَّصُوا مِن تِلْكَ الخَواطِرِ المانِعَةِ عَنِ الإخْلاصِ في العُبُودِيَّةِ، وإذا تَخَلَّصْتُمْ مِنها فابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ مِنَ الإخْلاصِ في العُبُودِيَّةِ في الصَّلاةِ والذِّكْرِ والتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ وطَلَبِ لَيْلَةِ القَدْرِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذِهِ الرِّوايَةَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدَةٍ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”كَتَبَ“ فِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: أنَّ ”كَتَبَ“ في هَذا المَوْضُوعِ بِمَعْنى جَعَلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ [ المُجادَلَةِ: ٢٢] أيْ جَعَلَ، وقَوْلُهُ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [ آلِ عِمْرانَ: ٥٣]، ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [ الأعْرافِ: ١٥٦] أيْ: أجْعَلُها.

وثانِيها: مَعْناهُ قَضى اللَّهُ لَكم، كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [ التَّوْبَةِ: ٥١] أيْ قَضاهُ، وقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾ [آل عمران: ١٥٤] أيْ قَضى.

وثالِثُها: أصْلُهُ هو ما كَتَبَ اللَّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِمّا هو كائِنٌ، وكُلُّ حُكْمٍ حَكَمَ بِهِ عَلى عِبادِهِ فَقَدْ أثْبَتَهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

ورابِعُها: هو ما كَتَبَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن إباحَةِ هَذِهِ الأفْعالِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”وابْتَغُوا“ وقَرَأ الأعْمَشُ ”وابْغُوا“ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾، فالفائِدَةُ في ذِكْرِهِما أنَّ تَحْرِيمَهُما وتَحْرِيمَ الجِماعِ بِاللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ، لَمّا تَقَدَّمَ احْتِيجَ في إباحَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنها إلى دَلِيلٍ خاصٍّ يَزُولُ بِهِ التَّحْرِيمُ، فَلَوِ اقْتَصَرَ تَعالى عَلى قَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ لَمْ يُعْلَمْ بِذَلِكَ زَوالُ تَحْرِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ، فَقَرَنَ إلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ لِتَتِمَّ الدَّلالَةُ عَلى الإباحَةِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: «رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ: أخَذْتُ عِقالَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ

صفحة ٩٤

فَجَعَلْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، وكُنْتُ أقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَأنْظُرُ إلَيْهِما، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِيَ الأبْيَضُ مِنَ الأسْوَدِ، فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ فَضَحِكَ، وقالَ إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا، إنَّما ذَلِكَ بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ»، وإنَّما قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إنَّكَ لَعَرِيضُ القَفا» لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى بَلاهَةِ الرَّجُلِ، ونَقُولُ: يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ تَعالى كَنّى بِذَلِكَ عَنْ بَياضِ أوَّلِ النَّهارِ وسَوادِ آخِرِ اللَّيْلِ، وفِيهِ إشْكالٌ وهو أنَّ بَياضَ الصُّبْحِ المُشَبَّهَ بِالخَيْطِ الأسْوَدِ هو بَياضُ الصُّبْحِ الكاذِبُ، لِأنَّهُ بَياضٌ مُسْتَطِيلٌ يُشْبِهُ الخَيْطَ، فَأمّا بَياضُ الصُّبْحِ الصّادِقُ فَهو بَياضٌ مُسْتَدِيرٌ في الأُفُقِ فَكانَ يَلْزَمُ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ أوَّلُ النَّهارِ مِن طُلُوعِ الصُّبْحِ الكاذِبِ وبِالإجْماعِ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ.

وجَوابُهُ: أنَّهُ لَوْلا قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ لَكانَ السُّؤالُ لازِمًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفَجْرَ إنَّما يُسَمّى فَجْرًا لِأنَّهُ يَنْفَجِرُ مِنهُ النُّورُ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ في الصُّبْحِ الثّانِي لا في الصُّبْحِ الأوَّلِ، فَلَمّا دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفَجْرِ، عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ الصُّبْحَ الكاذِبَ بَلِ الصُّبْحَ الصّادِقَ، فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يُشَبَّهُ الصُّبْحُ الصّادِقُ بِالخَيْطِ، مَعَ أنَّ الصُّبْحَ الصّادِقَ لَيْسَ بِمُسْتَطِيلٍ والخَيْطَ مُسْتَطِيلٌ ؟

وجَوابُهُ: أنَّ القَدْرَ مِنَ البَياضِ الَّذِي يَحْرُمُ هو أوَّلُ الصُّبْحِ الصّادِقِ، وأوَّلُ الصُّبْحِ الصّادِقِ لا يَكُونُ مُنْتَشِرًا بَلْ يَكُونُ صَغِيرًا دَقِيقًا، بَلِ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصُّبْحِ الكاذِبِ أنَّ الصُّبْحَ الكاذِبَ يَطْلُعُ دَقِيقًا، والصّادِقُ يَبْدُو دَقِيقًا، ويَرْتَفِعُ مُسْتَطِيلًا فَزالَ السُّؤالُ، فَأمّا ما حُكِيَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ فَبَعِيدٌ، لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يَخْفى عَلى مِثْلِهِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ كَلِمَةَ“ حَتّى ”لِانْتِهاءِ الغايَةِ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ حِلَّ المُباشَرَةِ والأكْلِ والشُّرْبِ يَنْتَهِي عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ، وزَعَمَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنْ لا شَيْءَ مِنَ المُفْطِراتِ إلّا أحَدُ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا الأُمُورُ الَّتِي تَذْكُرُها الفُقَهاءُ مِن تَكَلُّفِ القَيْءِ والحُقْنَةِ والسُّعُوطِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنها بِمُفْطِرٍ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ هَذِهِ الأشْياءِ كانَتْ مُباحَةً ثُمَّ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى حُرْمَةِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ عَلى الصّائِمِ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَبَقِيَ ما عَداها عَلى الحِلِّ الأصْلِيِّ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنها مُفْطِرًا، والفُقَهاءُ قالُوا إنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ النَّفْسَ تَمِيلُ إلَيْها، وأمّا القَيْءُ والحُقْنَةُ فالنَّفْسُ تَكْرَهُهُما، والسُّعُوطُ نادِرٌ فَلِهَذا لَمْ يَذْكُرْها.

* * *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском