Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:198–199, continued
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ يَدُلُّ أنَّ الحُصُولَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ واجِبٌ ويَكْفِي فِيهِ المُرُورُ بِهِ كَما في عَرَفَةَ، فَأمّا الوُقُوفُ هُناكَ فَمَسْنُونٌ، ورُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والنَّخَعِيِّ أنَّهُما قالا: الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَةِ رُكْنٌ بِمَنزِلَةِ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وحُجَّتُهُما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لا ذِكْرَ لَهُ صَرِيحًا في الكِتابِ، وإنَّما وجَبَ بِإشارَةِ الآيَةِ أوْ بِالسُّنَّةِ، والمَشْعَرُ الحَرامُ فِيهِ أمْرُ جَزْمٍ، وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: إنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ:
صفحة ١٥٢
«الحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَن وقَفَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وبِقَوْلِهِ: «مَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ» قالُوا: وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ما قُلْنا؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أمَرَ بِالذِّكْرِ لا بِالوُقُوفِ، فَعَلِمَ أنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ تَبَعٌ لِلذِّكْرِ، ولَيْسَ بِأصْلٍ، وأمّا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَهو أصْلٌ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الذِّكْرِ بِعَرَفاتٍ.
المَسْألَةُ الثّامِنَةُ: ﴿المَشْعَرِ﴾ المَعْلَمُ؛ وأصْلُهُ مِن قَوْلِكَ: شَعَرْتُ بِالشَّيْءِ إذا عَلِمْتَهُ، ولَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ فُلانٌ، أيْ لَيْسَ عِلْمِي بَلَغَهُ وأحاطَ بِهِ، وشِعارُ الشَّيْءِ أعْلامُهُ، فَسَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ المَوْضِعَ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ؛ لِأنَّهُ مَعْلَمٌ مِن مَعالِمِ الحَجِّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقالَ قائِلُونَ: المَشْعَرُ الحَرامُ هو المُزْدَلِفَةُ، وسَمّاها اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الصَّلاةَ والمَقامَ والمَبِيتَ بِهِ والدُّعاءَ عِنْدَهُ، هَكَذا قالَهُ الواحِدِيُّ في ”البَسِيطِ“ قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: الأصَحُّ أنَّهُ قُزَحُ، وهو آخِرُ حَدِّ المُزْدَلِفَةِ. والأوَّلُ أقْرَبُ؛ لِأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذِّكْرَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ يَحْصُلُ عَقِيبَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، وما ذاكَ إلّا بِالبَيْتُوتَةِ بِالمُزْدَلِفَةِ.
* * *
المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اخْتَلَفُوا في الذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ فَقالَ بَعْضُهم: المُرادُ مِنهُ الجَمْعُ بَيْنَ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ هُناكَ، والصَّلاةُ تُسَمّى ذِكْرًا؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أمْرٌ وهو لِلْوُجُوبِ، ولا ذِكْرَ هُناكَ يَجِبُ إلّا هَذا، وأمّا الجُمْهُورُ فَقالُوا: المُرادُ مِنهُ ذِكْرُ اللَّهِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ والتَّهْلِيلِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ نَظَرَ إلى النّاسِ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، وقالَ: كانَ النّاسُ إذا أدْرَكُوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ لا يَنامُونَ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ فَفِيهِ سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: لَمّا قالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ فَلِمَ قالَ مَرَّةً أُخْرى ﴿واذْكُرُوهُ﴾، وما الفائِدَةُ في هَذا التَّكْرِيرِ ؟
والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ مَذْهَبَنا أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى تَوْقِيفِيَّةٌ لا قِياسِيَّةٌ، فَقَوْلُهُ أوَّلًا: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أمْرٌ بِالذِّكْرِ، وقَوْلُهُ ثانِيًا: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أمْرٌ لَنا بِأنْ نَذْكُرَهُ سُبْحانَهُ بِالأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي بَيَّنَها لَنا وأمَرَنا أنْ نَذْكُرَهُ بِها، لا بِالأسْماءِ الَّتِي نَذْكُرُها بِحَسَبِ الرَّأْيِ والقِياسِ.
وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذِّكْرِ أوَّلًا، ثُمَّ قالَ ثانِيًا: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أيْ وافْعَلُوا ما أمَرْناكم بِهِ مِنَ الذِّكْرِ كَما هَداكُمُ اللَّهُ لِدِينِ الإسْلامِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّما أمَرْتُكم بِهَذا الذِّكْرِ لِتَكُونُوا شاكِرِينَ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، ونَظِيرُهُ ما أمَرَهم بِهِ مِنَ التَّكْبِيرِ إذا أكْمَلُوا شَهْرَ رَمَضانَ، فَقالَ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٥] وقالَ في الأضاحِيِّ: ﴿سَخَّرَها لَكم لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ .
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَهُ أوَّلًا: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ أمَرَ بِالذِّكْرِ بِاللِّسانِ، وقَوْلَهُ ثانِيًا: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ أمَرَ بِالذِّكْرِ بِالقَلْبِ، وتَقْرِيرُهُ أنَّ الذِّكْرَ في كَلامِ العَرَبِ ضَرْبانِ:
أحَدُهُما: ذِكْرٌ هو ضِدُّ النِّسْيانِ، والثّانِي: الذِّكْرُ بِالقَوْلِ، فَما هو خِلافُ النِّسْيانِ قَوْلُهُ: ﴿وما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكَهْفِ: ٦٣] وأمّا الذِّكْرُ الَّذِي هو القَوْلُ فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٠]، ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٠٣] فَثَبَتَ أنَّ الذِّكْرَ وارِدٌ بِالمَعْنَيَيْنِ. فالأوَّلُ: مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ بِاللِّسانِ. والثّانِي: عَلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ، فَإنَّ بِهِما يَحْصُلُ تَمامُ
صفحة ١٥٣
العُبُودِيَّةِ.
ورابِعُها: قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ يَعْنِي اذْكُرُوهُ بِتَوْحِيدِهِ كَما ذَكَرَكم بِهِدايَتِهِ.
وخامِسُها: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الذِّكْرِ مُواصَلَةَ الذِّكْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: اذْكُرُوا اللَّهَ واذْكُرُوهُ أيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا بَعْدَ ذِكْرٍ، كَما هَداكم هِدايَةً بَعْدَ هِدايَةٍ، ويَرْجِعُ حاصِلُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحْزابِ: ٤١] .
وسادِسُها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالذِّكْرِ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى القِيامِ بِوَظائِفِ الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ والمَعْنى أنَّ تَوْقِيفَ الذِّكْرِ عَلى المَشْعَرِ الحَرامِ فِيهِ إقامَةٌ لِوَظائِفِ الشَّرِيعَةِ، فَإذا عَرَفْتَ هَذا قَرُبْتَ إلى مَراتِبِ الحَقِيقَةِ، وهو أنْ يَنْقَطِعَ قَلْبُكَ عَنِ المَشْعَرِ الحَرامِ، بَلْ عَنْ مَن سِواهُ؛ فَيَصِيرَ مُسْتَغْرِقًا في نُورِ جَلالِهِ وصَمَدِيَّتِهِ، ويَذْكُرَهُ لِأنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ لِهَذا الذِّكْرِ، ولِأنَّ هَذا الذِّكْرَ يُعْطِيكَ نِسْبَةً شَرِيفَةً إلَيْهِ بِكَوْنِكَ في هَذِهِ الحالَةِ تَكُونُ في مَقامِ العُرُوجِ ذاكِرًا لَهُ ومُشْتَغِلًا بِالثَّناءِ عَلَيْهِ، وإنَّما بَدَأ بِالأوَّلِ وثَنّى بِالثّانِي لِأنَّ العَبْدَ في هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ في مَقامِ العُرُوجِ، فَيَصْعَدُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، وهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ لا يَشْرَحُهُ المَقالُ ولا يُعَبِّرُ عَنْهُ الخَيالُ، ومَن أرادَ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ، فَلْيَكُنْ مِنَ الواصِلِينَ إلى العَيْنِ، دُونَ السّامِعِينَ لِلْأثَرِ.
وسابِعُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ هو ذِكْرَ أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ الحُسْنى، والمُرادُ بِالذِّكْرِ الثّانِي الِاشْتِغالُ بِشُكْرِ نَعْمائِهِ، والشُّكْرُ مُشْتَمِلٌ أيْضًا عَلى الذِّكْرِ، فَصَحَّ أنْ يُسَمِّيَ الشُّكْرَ ذِكْرًا، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الذِّكْرَ الثّانِيَ هو الشُّكْرُ أنَّهُ عَلَّقَهُ بِالهِدايَةِ، فَقالَ: ﴿كَما هَداكُمْ﴾ والذِّكْرُ المُرَتَّبُ عَلى النِّعْمَةِ لَيْسَ إلّا الشُّكْرَ.
وثامِنُها: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ جازَ أنْ يُظَنَّ أنَّ الذِّكْرَ مُخْتَصٌّ بِهَذِهِ البُقْعَةِ وبِهَذِهِ العِبادَةِ، يَعْنِي الحَجَّ، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الشُّبْهَةَ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ يَعْنِي اذْكُرُوهُ عَلى كُلِّ حالٍ، وفي كُلِّ مَكانٍ، لِأنَّ هَذا الذِّكْرَ إنَّما وجَبَ شُكْرًا عَلى هِدايَتِهِ، فَلَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الهِدايَةِ مُتَواصِلَةً غَيْرَ مُنْقَطِعَةٍ، فَكَذَلِكَ الشُّكْرُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَمِرًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ.
وتاسِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ المُرادُ مِنهُ الجَمْعُ بَيْنَ صَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ هُناكَ، ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ والمُرادُ مِنهُ التَّهْلِيلُ والتَّسْبِيحُ.
السُّؤالُ الثّانِي: ما المُرادُ مِنَ الهِدايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما هَداكُمْ﴾ ؟
الجَوابُ: مِنهم مَن قالَ: إنَّها خاصَّةٌ، والمُرادُ مِنهُ كَما هَداكم بِأنْ رَدَّكم في مَناسِكِ حَجِّكم إلى سُنَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنهم مَن قالَ: لا بَلْ هي عامَّةٌ مُتَناوِلَةٌ لِكُلِّ أنْواعِ الهِدايَةِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، ومَعْرِفَةِ مَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وشَرائِعِهِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ إلى ماذا يَعُودُ ؟
الجَوابُ: يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى ”الهُدى“ والتَّقْدِيرُ: وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِ أنْ هَداكم مِنَ الضّالِّينَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ راجِعٌ إلى القُرْآنِ، والتَّقْدِيرُ: واذْكُرُوهُ كَما هَداكم بِكِتابِهِ الَّذِي بَيَّنَ لَكم مَعالِمَ دِينِهِ، وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِ إنْزالِهِ عَلَيْكم مِنَ الضّالِّينَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ فَقالَ القَفّالُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: فِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: وما كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ إلّا الضّالِّينَ، والثّانِي: قَدْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ مِنَ الضّالِّينَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطّارِقِ: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الشُّعَراءِ: ١٨٦] .
2:199Page 31
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٩
Then depart from the place from where [all] the people depart and ask forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: المُرادُ بِهِ الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ، ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ اخْتَلَفُوا فالأكْثَرُونَ مِنهم ذَهَبُوا إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أمْرٌ لِقُرَيْشٍ وحُلَفائِها وهُمُ الحُمْسُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يَتَجاوَزُونَ المُزْدَلِفَةَ ويَحْتَجُّونَ بِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ الحَرَمَ أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ الوُقُوفُ بِهِ أوْلى.
وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَتَرَفَّعُونَ عَلى النّاسِ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ اللَّهِ فَلا نُحِلُّ حَرَمَ اللَّهِ.
وثالِثُها: أنَّهم كانُوا لَوْ سَلَّمُوا أنَّ المَوْقِفَ هو عَرَفاتٌ لا الحَرَمُ، لَكانَ ذَلِكَ يُوهِمُ نَقْصًا في الحَرَمِ، ثُمَّ ذَلِكَ النَّقْصُ كانَ يَعُودُ إلَيْهِمْ، ولِهَذا كانَ الحُمْسُ لا يَقِفُونَ إلّا في المُزْدَلِفَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ أمْرًا لَهم بِأنْ يَقِفُوا في عَرَفاتٍ، وأنْ يُفِيضُوا مِنها كَما تَفْعَلُهُ سائِرُ النّاسِ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا جَعَلَ أبا بَكْرٍ أمِيرًا في الحَجِّ أمَرَهُ بِإخْراجِ النّاسِ إلى عَرَفاتٍ، فَلَمّا ذَهَبَ مَرَّ عَلى الحُمْسِ وتَرَكَهم، فَقالُوا لَهُ: إلى أيْنَ وهَذا مَقامُ آبائِكَ وقَوْمِكَ فَلا تَذْهَبْ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ ومَضى بِأمْرِ اللَّهِ إلى عَرَفاتٍ ووَقَفَ بِها، وأمَرَ سائِرَ النّاسِ بِالوُقُوفِ بِها»، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ يَعْنِي لِتَكُنْ إفاضَتُكم مِن حَيْثُ أفاضَ سائِرُ النّاسِ الَّذِينَ هم واقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ الإفاضَةُ مِن عَرَفاتٍ مَن يَقُولُ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ أمْرٌ عامٌّ لِكُلِّ النّاسِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ المُرادُ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَإنَّ سُنَّتَهُما كانَتِ الإفاضَةَ مِن عَرَفاتٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقِفُ في الجاهِلِيَّةِ بِعَرَفَةَ كَسائِرِ النّاسِ، ويُخالِفُ الحُمْسَ»، وإيقاعُ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ جائِزٌ إذا كانَ رَئِيسًا يُقْتَدى بِهِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] يَعْنِي نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٣] يَعْنِي أبا سُفْيانَ، وإيقاعُ اسْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ المُعَظَّمِ مَجازٌ مَشْهُورٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القَدْرِ: ١] وفي الآيَةِ وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عِبارَةً عَنْ تَقادُمِ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، وأنَّهُ هو الأمْرُ القَدِيمُ، وما سِواهُ فَهو مُبْتَدَعٌ مُحْدَثٌ كَما يُقالُ: هَذا مِمّا فَعَلَهُ النّاسُ قَدِيمًا، فَهَذا جُمْلَةُ الوُجُوهِ في تَقْرِيرِ مَذْهَبِ مَن قالَ: المُرادُ مِن هَذِهِ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ.
القَوْلُ الثّانِي: وهو اخْتِيارُ الضَّحّاكِ: أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الإفاضَةُ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِلرَّمْيِ والنَّحْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ﴾ المُرادُ بِالنّاسِ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وأتْباعُهُما، وذَلِكَ أنَّهُ كانَتْ طَرِيقَتُهُمُ الإفاضَةَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلى ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والعَرَبُ الَّذِينَ كانُوا واقِفِينَ بِالمُزْدَلِفَةِ كانُوا يُفِيضُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فاللَّهُ تَعالى أمَرَهم بِأنْ تَكُونَ إفاضَتُهم مِنَ المُزْدَلِفَةِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَ يَحْصُلُ فِيهِ إفاضَةُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، واعْلَمْ أنَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ القَوْلَيْنِ إشْكالًا:
أمّا الإشْكالُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: فَهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ يَقْتَضِي ظاهِرُهُ أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ غَيْرُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ لِمَكانِ ﴿ثُمَّ﴾ فَإنَّها تُوجِبُ التَّرْتِيبَ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةِ الإفاضَةَ مِن عَرَفاتٍ، مَعَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾
صفحة ١٥٥
كانَ هَذا عَطْفًا لِلشَّيْءِ عَلى نَفْسِهِ، وأنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ، ولِأنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ، ثُمَّ أفِيضُوا مِن عَرَفاتٍ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ.
فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: هَذِهِ الآيَةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والتَّقْدِيرُ: فاتَّقَوْنِ يا أُولِي الألْبابِ، ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم، فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ، وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ يَصِحُّ في هَذِهِ الإفاضَةِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ بِعَيْنِها.
قُلْنا: هَذا وإنْ كانَ مُحْتَمَلًا إلّا أنَّ الأصْلَ عَدَمُهُ، وإذا أمْكَنَ حَمْلُ الكَلامِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مِن غَيْرِ التِزامٍ إلى ما ذَكَرْتُمْ فَأيُّ حاجَةٍ بِنا إلى التِزامِهِ ؟
وأمّا الإشْكالُ عَلى القَوْلِ الثّانِي: فَهو أنَّ القَوْلَ لا يَتَمَشّى إلّا إذا حَمَلْنا لَفْظَ ﴿مِن حَيْثُ﴾ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عَلى الزَّمانِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالمَكانِ لا بِالزَّمانِ.
أجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ بِأنَّ ﴿ثُمَّ﴾ هَهُنا عَلى مِثالِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ﴾ ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البَلَدِ: ١٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البَلَدِ: ١٧] أيْ كانَ مَعَ هَذا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ويَقُولُ الرَّجُلُ لِغَيْرِهِ: قَدْ أعْطَيْتُكَ اليَوْمَ كَذا وكَذا، ثُمَّ أعْطَيْتُكَ أمْسِ كَذا فَإنَّ فائِدَةَ كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ هَهُنا تَأخُّرُ أحَدِ الخَبَرَيْنِ عَنِ الآخَرِ، لا تَأخُّرُ هَذا المُخْبَرِ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ المُخْبَرِ عَنْهُ.
وأجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الثّانِي: بِأنَّ التَّوْقِيتَ بِالزَّمانِ والمَكانِ يَتَشابَهانِ جِدًّا فَلا يَبْعُدُ جَعْلُ اللَّفْظِ المُسْتَعْمَلِ في أحَدِهِما مُسْتَعْمَلًا في الآخَرِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَقَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ مِنَ ”النّاسِ“ إمّا الواقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، وإمّا إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ وأتْباعُهُما، وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ: إنَّ المُرادَ بِالنّاسِ في هَذِهِ الآيَةِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، واحْتَجَّ بِقِراءَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ”ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ“ وقالَ: هو آدَمُ نَسِيَ ما عُهِدَ إلَيْهِ، ويُرْوى أنَّهُ قَرَأ ”النّاسِ“ بِكَسْرِ السِّينِ اكْتِفاءً بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ، والمَعْنى: أنَّ الإفاضَةَ مِنعَرَفاتٍ شَرْعٌ قَدِيمٌ فَلا تَتْرُكُوهُ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ فالمُرادُ مِنهُ الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ مَعَ التَّوْبَةِ بِالقَلْبِ، وهو أنْ يَنْدَمَ عَلى كُلِّ تَقْصِيرٍ مِنهُ في طاعَةِ اللَّهِ، ويَعْزِمَ عَلى أنْ لا يُقَصِّرَ فِيما بَعْدُ، ويَكُونَ غَرَضُهُ في ذَلِكَ تَحْصِيلَ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى لا لِمَنافِعِهِ العاجِلَةِ، كَما أنَّ ذِكْرَ الشَّهادَتَيْنِ لا يَنْفَعُ إلّا والقَلْبُ حاضِرٌ مُسْتَقِرٌّ عَلى مَعْناهُما، وأمّا الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ مِن غَيْرِ حُصُولِ التَّوْبَةِ بِالقَلْبِ فَهو إلى الضَّرَرِ أقْرَبُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ مُطْلَقًا، ورُبَّما كانَ فِيهِمْ مَن لَمْ يُذْنِبْ فَحِينَئِذٍ لا يَحْتاجُ إلى الِاسْتِغْفارِ.
والجَوابُ: أنَّهُ إنْ كانَ مُذْنِبًا فالِاسْتِغْفارُ واجِبٌ، وإنْ لَمْ يُذْنِبْ إلّا أنَّهُ يَجُوزُ مِن نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ صَدَرَ عَنْهُ تَقْصِيرٌ في أداءِ الواجِباتِ، والِاحْتِرازِ عَنِ المَحْظُوراتِ، وجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفارُ أيْضًا تَدارُكًا لِذَلِكَ الخَلَلِ المُجَوَّزِ، وإنْ قَطَعَ بِأنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ألْبَتَّةَ خَلَلٌ في شَيْءٍ مِنَ الطّاعاتِ، فَهَذا كالمُمْتَنِعِ في حَقِّ البَشَرِ، فَمِن أيْنَ يُمْكِنُهُ هَذا القَطْعُ في عَمَلٍ واحِدٍ، فَكَيْفَ في أعْمالِ كُلِّ العُمُرِ، إلّا أنَّ بِتَقْدِيرِ إمْكانِهِ فالِاسْتِغْفارُ أيْضًا
صفحة ١٥٦
واجِبٌ، وذَلِكَ لِأنَّ طاعَةَ المَخْلُوقِ لا تَلِيقُ بِحَضْرَةِ الخالِقِ، ولِهَذا قالَتِ المَلائِكَةُ: سُبْحانَكَ ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، فَكانَ الِاسْتِغْفارُ لازِمًا مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«إنَّهُ لَيُغانُ عَلى قَلْبِي، وإنِّي لَأسْتَغْفِرُ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» “ .
* * *
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ غَفُورًا يُفِيدُ المُبالَغَةَ، وكَذا الرَّحِيمُ، ثُمَّ في الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ التّائِبِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ المُذْنِبَ بِالِاسْتِغْفارِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ بِأنَّهُ كَثِيرُ الغُفْرانِ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ فَهَذا يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لِذَلِكَ المُسْتَغْفِرِ، ويَرْحَمُ ذَلِكَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِحَبْلِ رَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المَغْفِرَةِ المَوْعُودَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ قائِلُونَ: إنَّها عِنْدَ الدَّفْعِ مِنعَرَفاتٍ إلى الجَمْعِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّها عِنْدَ الدَّفْعِ مِنَ الجَمْعِ إلى مِنًى، وهَذا الِاخْتِلافُ مُفَرَّعٌ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾ عَلى أيِّ الأمْرَيْنِ يُحْمَلُ ؟ قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ويَتَأكَّدُ القَوْلُ الثّانِي بِما رَوى نافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَطَّلِعُ عَلَيْكم في مَقامِكم هَذا، فَقَبِلَ مِن مُحْسِنِكم، ووَهَبَ مُسِيئَكم لِمُحْسِنِكم، والتَّبِعاتُ عِوَضُها مِن عِنْدِهِ؛ أفِيضُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ“ فَقالَ أصْحابُهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفَضْتَ بِنا بِالأمْسِ كَئِيبًا حَزِينًا وأفَضْتَ بِنا اليَوْمَ فَرِحًا مَسْرُورًا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”إنِّي سَألْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ بِالأمْسِ شَيْئًا لَمْ يَجُدْ لِي بِهِ: سَألْتُهُ التَّبِعاتِ فَأبى عَلَيَّ بِهِ، فَلَمّا كانَ اليَوْمُ أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ لَكَ: التَّبِعاتُ ضَمَنتُ عِوَضَها مِن عِنْدِي» “ اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ بِفَضْلِكَ يا أكْرَمَ الأكْرَمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences