Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:207–209
2:207Page 32
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧
And of the people is he who sells himself, seeking means to the approval of Allāh. And Allāh is Kind to [His] servants.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا وصَفَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ مَن يَبْذُلُ دِينَهُ لِطَلَبِ الدُّنْيا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ حالَ مَن يَبْذُلُ دُنْياهُ ونَفْسَهُ ومالَهُ لِطَلَبِ الدِّينِ، فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ في الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ:
أحَدُها: رَوى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعانَ، وفي عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وفي سُمَيَّةَ أُمِّهِ، وفي ياسِرٍ أبِيهِ، وفي بِلالٍ مَوْلى أبِي
صفحة ١٧٤
بَكْرٍ، وفي خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، وفي عابِسٍ مَوْلى حُوَيْطِبٍ أخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهم، فَأمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولِي مالٌ ومَتاعٌ، ولا يَضُرُّكم كُنْتُ مِنكم أوْ مِن عَدْوِّكم تَكَلَّمْتُ بِكَلامٍ، وأنا أكْرَهُ أنْ أنْزِلَ عَنْهُ وأنا أُعْطِيكم مالِي ومَتاعِي وأشْتَرِي مِنكم دِينِي، فَرَضُوا مِنهُ بِذَلِكَ وخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فانْصَرَفَ راجِعًا إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، وعِنْدَ دُخُولِ صُهَيْبٍ المَدِينَةَ لَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ لَهُ: رَبِحَ بَيْعُكَ، فَقالَ لَهُ صُهَيْبٌ: وبَيْعُكَ فَلا يَخْسَرُ ما ذاكَ ؟ فَقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذا، وقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ، وأمّا خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ وأبُو ذَرٍّ فَقَدْ فَرّا وأتَيا المَدِينَةَ، وأمّا سُمَيَّةُ فَرُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ ثُمَّ قُتِلَتْ وقُتِلَ ياسِرٌ، وأمّا الباقُونَ فَأعْطَوْا بِسَبَبِ العَذابِ بَعْضَ ما أرادَ المُشْرِكُونَ فَتُرِكُوا، وفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ [النَّحْلِ: ٤١] بِتَعْذِيبِ أهْلِ مَكَّةَ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ [النَّحْلِ: ٤١] بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ، ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، وفِيهِمْ نَزَلَ: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾ .
والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ أمَرَ بِمَعْرُوفٍ ونَهى عَنْ مُنْكَرٍ، عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
والرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ باتَ عَلى فِراشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ خُرُوجِهِ إلى الغارِ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا نامَ عَلى فِراشِهِ قامَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ رَأْسِهِ، ومِيكائِيلُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وجِبْرِيلُ يُنادِي: بَخٍ بَخٍ مَن مِثْلُكَ يا ابْنَ أبِي طالِبٍ يُباهِي اللَّهُ بِكَ المَلائِكَةَ ونَزَلَتِ الآيَةُ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الشِّراءِ: البَيْعُ، قالَ تَعالى: ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يُوسُفَ: ٢٠] أيْ باعُوهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُكَلَّفَ باعَ نَفْسَهُ بِثَوابِ الآخِرَةِ وهَذا البَيْعُ هو أنَّهُ بَذَلَها في طاعَةِ اللَّهِ، مِنَ الصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ والجِهادِ، ثُمَّ تَوَصَّلَ بِذَلِكَ إلى وِجْدانِ ثَوابِ اللَّهِ، كانَ ما يَبْذُلُهُ مِن نَفْسِهِ كالسِّلْعَةِ، وصارَ الباذِلُ كالبائِعِ، واللَّهُ كالمُشْتَرِي، كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ تِجارَةً، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [الصَّفِ: ١٠] وعِنْدِي أنَّهُ يُمْكِنُ إجْراءُ لَفْظَةِ الشِّراءِ عَلى ظاهِرِها وذَلِكَ أنَّ مَن أقْدَمَ عَلى الكُفْرِ والشِّرْكِ والتَّوَسُّعِ في مَلاذِ الدُّنْيا والإعْراضِ عَنِ الآخِرَةِ وقَعَ في العَذابِ الدّائِمِ فَصارَ في التَّقْدِيرِ كَأنَّ نَفْسَهُ كانَتْ لَهُ، فَبِسَبَبِ الكُفْرِ والفِسْقِ خَرَجَتْ عَنْ مِلْكِهِ وصارَتْ حَقًّا لِلنّارِ والعَذابِ، فَإذا تَرَكَ الكُفْرَ والفِسْقَ وأقَدَمَ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ صارَ كَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ العَذابِ والنّارِ فَصارَ حالُ المُؤْمِنِ كالمُكاتَبِ يَبْذُلُ دارَهِمَ مَعْدُودَةً ويَشْتَرِي بِها نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يَبْذُلُ أنْفاسًا مَعْدُودَةً ويَشْتَرِي بِها نَفْسَهُ أبَدًا لَكِنَّ المَكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دارَهِمُ، فَكَذا المُكَلَّفُ لا يَنْجُو عَنْ رِقِّ العُبُودِيَّةِ ما دامَ لَهُ نَفْسٌ واحِدٌ في الدُّنْيا، ولِهَذا قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٣١] وقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحِجْرِ: ٩٩] .
فَإنْ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ نَفْسَهُ مُشْتَرِيًا حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١١١] وهَذا يَمْنَعُ كَوْنَ المُؤْمِنِ مُشْتَرِيًا.
قُلْنا: لا مُنافاةَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَهو كَمَنِ اشْتَرى ثَوْبًا بِعَبْدٍ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنهُما بائِعٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُشْتَرٍ،
صفحة ١٧٥
فَكَذا هَهُنا وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَلا يُحْتاجُ إلى تَرْكِ الظّاهِرِ وإلى حَمْلِ لَفْظِ الشِّراءِ عَلى البَيْعِ.
إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا كُلُّ مَشَقَّةٍ يَتَحَمَّلُها الإنْسانُ في طَلَبِ الدِّينِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ المُجاهِدُ، ويَدْخُلُ فِيهِ الباذِلُ مُهْجَتَهُ الصّابِرُ عَلى القَتْلِ، كَما فَعَلَهُ أبُو عَمّارٍ وأُمُّهُ، ويَدْخُلُ فِيهِ الآبِقُ مِنَ الكُفّارِ إلى المُسْلِمِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ المُشْتَرِي نَفْسَهُ مِنَ الكُفّارِ بِمالِهِ كَما فَعَلَ صُهَيْبٌ، ويَدْخُلُ فِيهِ مَن يُظْهِرُ الدِّينَ والحَقَّ عِنْدَ السُّلْطانِ الجائِرِ.
ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بَعَثَ جَيْشًا فَحاصَرُوا قَصْرًا فَتَقَدَّمَ مِنهم واحِدٌ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: ألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ، فَقالَ عُمَرُ: كَذَبْتُمْ رَحِمَ اللَّهُ أبا فُلانٍ، وقَرَأ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ المَشَقَّةَ الَّتِي يَتَحَمَّلُها الإنْسانُ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ الشَّرْعِ حَتّى يَدْخُلَ بِسَبَبِهِ تَحْتَ الآيَةِ، فَأمّا لَوْ كانَ عَلى خِلافِ الشَّرْعِ فَهو غَيْرُ داخِلٍ فِيهِ بَلْ يُعَدُّ ذَلِكَ مِن بابِ إلْقاءِ النَّفْسِ في التَّهْلُكَةِ نَحْوَ ما إذا خافَ التَّلَفَ عِنْدَ الِاغْتِسالِ مِنَ الجَنابَةِ فَفَعَلَ، قالَ قَتادَةُ: أما واللَّهِ ما هم بِأهْلِ حَرُوراءَ المُرّاقِ مِنَ الدِّينِ ولَكِنَّهم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لَمّا رَأوُا المُشْرِكِينَ يَدَّعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ قاتَلُوا عَلى دِينِ اللَّهِ وشَرَوْا أنْفُسَهم غَضَبًا لِلَّهِ وجِهادًا في سَبِيلِهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ أيْ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، و”يَشْرِي“ بِمَعْنى يَشْتَرِي.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ فَمِن رَأْفَتِهِ أنَّهُ جَعَلَ النَّعِيمَ الدّائِمَ جَزاءً عَلى العَمَلِ القَلِيلِ المُنْقَطِعِ، ومِن رَأْفَتِهِ جَوَّزَ لَهم كَلِمَةَ الكُفْرِ إبْقاءً عَلى النَّفْسِ، ومِن رَأْفَتِهِ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها ومِن رَأْفَتِهِ ورَحْمَتِهِ أنَّ المُصِرَّ عَلى الكُفْرِ مِائَةَ سَنَةٍ إذا تابَ ولَوْ في لَحْظَةٍ أسْقَطَ كُلَّ ذَلِكَ العِقابِ. وأعْطاهُ الثَّوابَ الدّائِمَ، ومِن رَأْفَتِهِ أنَّ النَّفْسَ لَهُ والمالَ، ثُمَّ إنَّهُ يَشْتَرِي مُلْكَهُ بِمُلْكِهِ فَضْلًا مِنهُ ورَحْمَةً وإحْسانًا.
2:208Page 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
O you who have believed, enter into Islām completely [and perfectly] and do not follow the footsteps of Satan. Indeed, he is to you a clear enemy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِ أنَّهُ يَسْعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، أمَرَ المُسْلِمِينَ بِما يُضادُّ ذَلِكَ، وهو المُوافَقَةُ في الإسْلامِ وفي شَرائِعِهِ، فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ والكِسائِيُّ ”السَّلْمِ“ بِفَتْحِ السِّينِ، وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ [الأنْفالِ: ٦١] وقَوْلِهِ: ﴿وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾ [مُحَمَّدٍ: ٣٥] وقَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ ”السِّلامِ“ بِكَسْرِ السِّينِ في الكُلِّ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ السِّينِ في هَذِهِ، والَّتِي في البَقَرَةِ، والَّتِي في سُورَةِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ”وتَدْعُوا إلى السِّلْمِ“ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِكَسْرِ السِّينِ في هَذِهِ الَّتِي في البَقَرَةِ وحْدَها وبِفَتْحِ السِّينِ في الأنْفالِ، وفي سُورَةِ مُحَمَّدٍ، فَذَهَبَ ذاهِبُونَ إلى أنَّهُما لُغَتانِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ، مِثْلَ: رَطْلٍ ورِطْلٍ، وجَسْرٍ وجِسْرٍ،
صفحة ١٧٦
وقَرَأ الأعْمَشُ بِفَتْحِ السِّينِ واللّامِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أصْلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الِانْقِيادِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣١] والإسْلامُ إنَّما سُمِّيَ إسْلامًا لِهَذا المَعْنى، وغَلُبَ اسْمُ السِّلْمِ عَلى الصُّلْحِ وتَرْكِ الحَرْبِ، وهَذا أيْضًا راجِعٌ إلى هَذا المَعْنى؛ لِأنَّ عِنْدَ الصُّلْحِ يَنْقادُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ ولا يُنازِعُهُ فِيهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وفِيهِ لُغاتٌ ثَلاثٌ: السِّلْمُ، والسَّلْمُ، والسَّلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في الآيَةِ إشْكالٌ، وهو أنَّ كَثِيرًا مِنَ المُفَسِّرِينَ حَمَلُوا السِّلْمَ عَلى الإسْلامِ، فَيَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في الإسْلامِ، والإيمانُ هو الإسْلامُ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، ولِأجْلِ هَذا السُّؤالِ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ وُجُوهًا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ، والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمُ ادْخُلُوا بِكُلِّيَّتِكم في الإسْلامِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ، أيْ آثارَ تَزْيِينِهِ وغُرُورِهِ في الإقامَةِ عَلى النِّفاقِ، ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ احْتَجَّ عَلى صِحَّتِهِ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما ورَدَتْ عَقِيبَ ما مَضى مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ الآيَةَ. فَلَمّا وصَفَ المُنافِقَ بِما ذَكَرَ دَعا في هَذِهِ الآيَةِ إلى الإيمانِ بِالقَلْبِ وتَرْكِ النِّفاقِ.
وثانِيها: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن مُسْلِمِي أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ وذَلِكَ لِأنَّهم حِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ أقامُوا بَعْدَهُ عَلى تَعْظِيمِ شَرائِعِ مُوسى، فَعَظَّمُوا السَّبْتَ، وكَرِهُوا لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، وكانُوا يَقُولُونَ: تَرْكُ هَذِهِ الأشْياءِ مُباحٌ في الإسْلامِ، وواجِبٌ في التَّوْراةِ، فَنَحْنُ نَتْرُكُها احْتِياطًا، فَكَرِهَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم وأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً، أيْ في شَرائِعِ الإسْلامِ كافَّةً، ولا يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ اعْتِقادًا لَهُ وعَمَلًا بِهِ؛ لِأنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في التَّمَسُّكِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ بَعْدَ أنْ عَرَفْتُمْ أنَّها صارَتْ مَنسُوخَةً، والقائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ جَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿كافَّةً﴾ مِن وصْفِ السِّلْمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ادْخُلُوا في جَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ اعْتِقادًا وعَمَلًا.
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ واقِعًا عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِالكِتابِ المُتَقَدِّمِ ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ أكْمِلُوا طاعَتَكم في الإيمانِ وذَلِكَ أنْ تُؤْمِنُوا بِجَمِيعِ أنْبِيائِهِ وكُتُبِهِ فادْخُلُوا بِإيمانِكم بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبِكِتابِهِ في السِّلْمِ عَلى التَّمامِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ في تَحْسِينِهِ عِنْدَ الِاقْتِصارِ عَلى دِينِ التَّوْراةِ بِسَبَبِ أنَّهُ دِينٌ اتَّفَقُوا كُلُّهم عَلى أنَّهُ حَقٌّ بِسَبَبِ أنَّهُ جاءَ في التَّوْراةِ: تَمَسَّكُوا بِالسَّبْتِ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، وبِالجُمْلَةِ فالمُرادُ مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ الشُّبُهاتُ الَّتِي يَتَمَسَّكُونَ بِها في بَقاءِ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ.
ورابِعُها: هَذا الخِطابُ واقِعٌ عَلى المُسْلِمِينَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِالألْسِنَةِ ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيْ دُومُوا عَلى الإسْلامِ فِيما تَسْتَأْنِفُونَهُ مِنَ العُمُرِ، ولا تَخْرُجُوا عَنْهُ ولا عَنْ شَيْءٍ مِن شَرائِعِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ ولا تَلْتَفِتُوا إلى الشُّبُهاتِ الَّتِي تُلْقِيها إلَيْكم أصْحابُ الضَّلالَةِ والغَوايَةِ ومَن قالَ بِهَذا التَّأْوِيلِ قالَ: هَذا الوَجْهُ مُتَأكَّدٌ بِما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ وبِما بَعْدَها، أمّا ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو ما ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في
صفحة ١٧٧
صِفَةِ ذَلِكَ المُنافِقِ في قَوْلِهِ: ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ وما ذَكَرْنا هُناكَ أنَّ المُرادَ مِنهُ إلْقاءُ الشُّبُهاتِ إلى المُسْلِمِينَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: دُومُوا عَلى إسْلامِكم ولا تَتَّبِعُوا تِلْكَ الشُّبُهاتِ الَّتِي يَذْكُرُها المُنافِقُونَ، وأمّا ما بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢١٠] يَعْنِي هَؤُلاءِ الكُفّارُ مُعانِدُونَ مُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ قَدْ أُزِيحَتْ عِلَلُهم وهم لا يُوقِفُونَ قَوْلَهم بِهَذا الدِّينِ الحَقِّ إلّا عَلى أُمُورٍ باطِلَةٍ مِثْلَ أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظِلٍّ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةِ.
فَإنْ قِيلَ: المَوْقُوفُ بِالشَّيْءِ يُقالُ لَهُ: دُمْ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لا يُقالُ لَهُ: ادْخُلْ فِيهِ، والمَذْكُورُ في الآيَةِ هو قَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا﴾ .
قُلْنا: إنَّ الكائِنَ في الدّارِ إذا عَلِمَ أنَّ لَهُ في المُسْتَقْبَلِ خُرُوجًا عَنْها فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أنْ يُؤْمَرَ بِدُخُولِها في المُسْتَقْبَلِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وإنْ كانَ كائِنًا فِيها في الحالِ، لِأنَّ حالَ كَوْنِهِ فِيها غَيْرُ الحالَةِ الَّتِي أُمِرَ أنْ يَدْخُلَها، فَإذا كانَ في الوَقْتِ الثّانِي قَدْ يَخْرُجُ عَنْها صَحَّ أنْ يُؤْمَرَ بِدُخُولِها، ومَعْلُومٌ أنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ يَخْرُجُونَ عَنْ خِصالِ الإيمانِ بِالنَّوْمِ والسَّهْوِ وغَيْرِهِما مِنَ الأحْوالِ فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالدُّخُولِ في المُسْتَقْبَلِ في الإسْلامِ.
وخامِسُها: أنْ يَكُونَ السِّلْمُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مَعْناهُ الصُّلْحُ وتَرْكُ المُحارَبَةِ والمُنازَعَةِ، والتَّقْدِيرُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً أيْ كُونُوا مُوافِقِينَ ومُجْتَمِعِينَ في نُصْرَةِ الدِّينِ واحْتِمالِ البَلْوى فِيهِ، ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ بِأنْ يَحْمِلَكم عَلى طَلَبِ الدُّنْيا والمُنازَعَةِ مَعَ النّاسِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٣] وقالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٠٠] وقالَ: ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٠٣] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«المُؤْمِنُ يَرْضى لِأخِيهِ ما يَرْضى لِنَفْسِهِ» “ وهَذِهِ الوُجُوهُ في التَّأْوِيلِ ذَكَرَها جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ وعِنْدِي فِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إشارَةٌ إلى المَعْرِفَةِ والتَّصْدِيقِ بِالقَلْبِ، وقَوْلَهُ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ الذُّنُوبِ والمَعاصِي، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْصِيَةَ مُخالَفَةٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، فَيَصِحُّ أنْ يُسَمّى تَرْكُها بِالسِّلْمِ، أوْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ كُونُوا مُنْقادِينَ لِلَّهِ في الإتْيانِ بِالطّاعاتِ، وتَرْكِ المَحْظُوراتِ، وذَلِكَ لِأنَّ مَذْهَبَنا أنَّ الإيمانَ باقٍ مَعَ الِاشْتِغالِ بِالمَعاصِي، وهَذا تَأْوِيلٌ ظاهِرٌ.
وثانِيها: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ السِّلْمِ كَوْنَ العَبْدِ راضِيًا ولَمْ يَضْطَرِبْ قَلْبُهُ عَلى ما رُوِيَ في الحَدِيثِ: ”«الرِّضا بِالقَضاءِ بابُ اللَّهِ الأعْظَمُ» “ .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ تَرْكَ الِانْتِقامِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفُرْقانِ: ٧٢] وفي قَوْلِهِ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعْرافِ: ١٩٩] فَهَذا هو الكَلامُ في وُجُوهِ تَأْوِيلاتِ هَذِهِ الآيَةِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القَفّالُ ”كافَّةً“ يَصِحُّ أنْ يَرْجِعَ إلى المَأْمُورِينَ بِالدُّخُولِ أيِ ادْخُلُوا بِأجْمَعِكم في السِّلْمِ، ولا تَفَرَّقُوا ولا تَخْتَلِفُوا، قالَ قُطْرُبٌ: تَقُولُ العَرَبُ: رَأيْتُ القَوْمَ كافَّةً وكافِّينَ ورَأيْتُ النِّسْوَةَ كافّاتٍ ويَصْلُحُ أنْ يَرْجِعَ إلى الإسْلامِ أيِ ادْخُلُوا في الإسْلامِ كُلِّهِ أيْ في كُلِّ شَرائِعِهِ، قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذا ألْيَقُ بِظاهِرِ التَّفْسِيرِ لِأنَّهم أُمِرُوا بِالقِيامِ بِها كُلِّها، ومَعْنى الكافَّةِ في اللُّغَةِ الحاجِزَةُ المانِعَةُ، يُقالُ: كَفَفْتُ فَلانًا عَنِ السُّوءِ أيْ مَنَعْتُهُ، ويُقالُ: كَفَّ القَمِيصَ لِأنَّهُ مَنَعَ الثَّوابَ عَنِ الِانْتِشارِ، وقِيلَ لِطَرَفِ اليَدِ: كَفٌّ لِأنَّهُ يُكَفُّ بِها عَنْ سائِرِ البَدَنِ، ورَجُلٌ مَكْفُوفٌ أيْ كُفَّ بَصَرُهُ مِن أنْ يُبْصِرَ، فالكافَّةُ مَعْناها المانِعَةُ، ثُمَّ صارَتِ اسْمًا لِلْجُمْلَةِ الجامِعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاجْتِماعَ يَمْنَعُ مِنَ التَّفَرُّقِ والشُّذُوذِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ أيِ ادْخُلُوا في شَرائِعِ
صفحة ١٧٨
الإسْلامِ إلى حَيْثُ يَنْتَهِي شَرائِعُ الإسْلامِ فَتَكُفُّوا مِن أنْ تَتْرُكُوا شَيْئًا مِن شَرائِعِهِ، أوْ يَكُونَ المَعْنى ادْخُلُوا كُلُّكم حَتّى تَمْنَعُوا واحِدًا مِن أنْ لا يَدْخُلَ فِيهِ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فالمَعْنى: ولا تُطِيعُوهُ، ومَعْرُوفٌ في الكَلامِ أنْ يُقالَ فِيمَنِ اتَّبَعَ سُنَّةَ إنْسانٍ اقْتَفى أثَرَهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قَوْلِهِ: اتَّبَعْتُ خُطُواتِهِ. وخُطُواتٌ جَمْعُ خُطْوَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فَقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: إنَّ ”مُبِينٌ“ مِن صِفاتِ البَلِيغِ الَّذِي يُعْرِبُ عَنْ ضَمِيرِهِ، وأقُولُ: الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدُّخانِ: ٢] ولا يَعْنِي بِقَوْلِهِ مُبِينًا إلّا ذَلِكَ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُ الشَّيْطانِ بِأنَّهُ مُبِينٌ مَعَ أنّا لا نَرى ذاتَهُ ولا نَسْمَعُ كَلامَهُ.
قُلْنا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ عَداوَتَهُ لِآدَمَ ونَسْلِهِ فَلِذَلِكَ الأمْرِ صَحَّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينٌ وإنْ لَمْ يُشاهَدْ، ومِثالُهُ: مَن يُظْهِرُ عَداوَتَهُ لِرَجُلٍ في بَلَدٍ بَعِيدٍ فَقَدْ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّ فَلانًا عَدُوٌّ مُبِينٌ لَكَ وإنْ لَمْ يُشاهِدْهُ في الحالِ، وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ؛ وهو أنَّ الأصْلَ في الإبانَةِ القَطْعُ، والبَيانُ إنَّما سُمِّيَ بَيانًا لِهَذا المَعْنى، فَإنَّهُ يَقْطَعُ بَعْضَ الِاحْتِمالاتِ عَنْ بَعْضٍ، فَوَصْفُ الشَّيْطانِ بِأنَّهُ مُبِينٌ مَعْناهُ أنَّهُ يَقْطَعُ المُكَلَّفَ بِوَسْوَسَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ وثَوابِهِ ورِضْوانِهِ.
فَإنْ قِيلَ: كَوْنُ الشَّيْطانِ عَدُوًّا لَنا إمّا أنْ يَكُونَ بِسَبَبِ أنْ يُقْصَدَ إيصالُ الآلامِ والمَكارِهِ إلَيْنا في الحالِ، أوْ بِسَبَبِ أنَّهُ بِوَسْوَسَتِهِ يَمْنَعُنا عَنِ الدِّينِ والثَّوابِ، والأوَّلُ باطِلٌ، إذْ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأوْقَعَنا في الأمْراضِ والآلامِ والشَّدائِدِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنْ كانَ الثّانِي فَهو أيْضًا باطِلٌ لِأنَّ مَن قَبِلَ مِنهُ تِلْكَ الوَسْوَسَةَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] إذا ثَبَتَ هَذا فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهُ عَدُوٌّ مُبِينُ العَداوَةِ، والحالُ ما ذَكَرْناهُ ؟
الجَوابُ: أنَّهُ عَدُوٌّ مِنَ الوَجْهَيْنِ مَعًا؛ أمّا مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحاوِلُ إيصالَ الضَّرَرِ إلَيْنا فَهو كَذَلِكَ إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى مَنَعَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُرِيدًا لِإيصالِ الضَّرَرِ إلَيْنا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلَيْها، وأمّا مِن حَيْثُ إنَّهُ يُقْدِمُ عَلى الوَسْوَسَةِ فَمَعْلُومٌ أنَّ تَزْيِينَ المَعاصِي وإلْقاءَ الشُّبُهاتِ كُلُّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الإنْسانِ في الباطِلِ وبِهِ يَصِيرُ مَحْرُومًا عَنِ الثَّوابِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ جِهاتِ العَداوَةِ.
2:209Page 32
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
But if you slip [i.e., deviate] after clear proofs have come to you, then know that Allāh is Exalted in Might and Wise.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ أبُو السَّمّالِ ”زَلِلْتُمْ“ بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى، وهُما لُغَتانِ كَضَلَلْتُ وضَلِلْتُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: يُقالُ: زَلَّ يَزِلُّ زُلُولًا وزِلْزالًا إذا دَحَضَتْ قَدَمُهُ وزَلَّ في الطِّينِ، ويُقالُ لِمَن زَلَّ في حالٍ كانَ عَلَيْها: زَلَّتْ بِهِ الحالُ، ويُسَمّى الذَّنْبُ زَلَّةً، يُرِيدُونَ بِهِ الزَّلَّةَ لِلزَّوالِ عَنِ الواجِبِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ أيْ
صفحة ١٧٩
أخْطَأْتُمُ الحَقَّ وتَعَدَّيْتُمُوهُ، وأمّا سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في السِّلْمِ كافَّةً، فَمَن قالَ في الأوَّلِ: إنَّهُ في المُنافِقِينَ، فَكَذا الثّانِي، ومَن قالَ: إنَّهُ في أهْلِ الكِتابِ فَكَذا الثّانِي، وقِسِ الباقِيَ عَلَيْهِ.
يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ في تَحْرِيمِ السَّبْتِ ولَحْمِ الإبِلِ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ مُحَمَّدٌ ﷺ وشَرائِعُهُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ بِالنِّقْمَةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ أفْعالِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالُوا: لَئِنْ شِئْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ لَنَتْرُكَنَّ كُلَّ كِتابٍ غَيْرَ كِتابِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النِّساءِ: ١٣٦] .
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ فِيهِ سُؤالٌ وهو أنَّ الحُكْمَ المَشْرُوطَ إنَّما يَحْسُنُ في حَقِّ مَن لا يَكُونُ عارِفًا بِعَواقِبِ الأُمُورِ، وأجابَ قَتادَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: قَدْ عَلِمَ أنَّهم سَيَزِلُّونَ، ولَكِنَّهُ تَعالى قَدَّمَ ذَلِكَ وأوْعَدَ فِيهِ لِكَيْ يَكُونَ لَهُ حُجَّةٌ عَلى خَلْقِهِ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ يَعْنِي إنِ انْحَرَفْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَدْخُلُ في هَذا الكَبائِرُ والصَّغائِرُ، فَإنَّ الِانْحِرافَ كَما يَحْصُلُ بِالكَثِيرِ يَحْصُلُ بِالقَلِيلِ. فَتَوَعَّدَ تَعالى عَلى كُلِّ ذَلِكَ زَجْرًا لَهم عَنِ الزَّوالِ عَنِ المِنهاجِ لِكَيْ يَتَحَرَّزَ المُؤْمِنُ عَنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ لِأنَّ ما كانَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ فَلا شَكَّ في وُجُوبِ الِاحْتِرازِ عَنْهُ، وما لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ مِنَ الكَبائِرِ فَإنَّهُ لا يُؤْمَنُ كَوْنُ العِقابِ مُسْتَحِقًّا بِهِ، وحِينَئِذٍ يَجِبُ الِاحْتِرازُ عَنْهُ.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ؛ أمّا الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ فَهي الدَّلائِلُ عَلى الأُمُورِ الَّتِي تُثْبِتُ صِحَّةَ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلّا بَعْدَ ثُبُوتِها؛ نَحْوَ العِلْمِ بِحُدُوثِ العالَمِ وافْتِقارِهِ إلى صانِعٍ يَكُونُ عالِمًا بِالمَعْلُوماتِ كُلِّها، قادِرًا عَلى المُمْكِناتِ كُلِّها، غَنِيًّا عَنِ الحاجاتِ كُلِّها، ومِثْلَ العِلْمِ بِالفَرْقِ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ، والعِلْمِ بِدَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ البَيِّناتِ العَقْلِيَّةِ، وأمّا البَيِّناتُ السَّمْعِيَّةُ فَهي البَيانُ الحاصِلُ بِالقُرْآنِ، والبَيانُ الحاصِلُ بِالسُّنَّةِ، فَكُلُّ هَذِهِ البَيِّناتِ داخِلَةٌ في الآيَةِ مِن حَيْثُ إنَّ عُذْرَ المُكَلَّفِ لا يَزُولُ عِنْدَ حُصُولِ كُلِّ هَذِهِ البَيِّناتِ.
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قالَ القاضِي: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُؤاخَذَةَ بِالذَّنْبِ لا تَحْصُلُ إلّا بَعْدَ البَيانِ وإزاحَةِ العِلَّةِ، فَإذا عَلَّقَ الوَعِيدَ بِشَرْطِ مَجِيءِ البَيِّناتِ وحُصُولِها، فَبِأنْ لا يَجُوزَ أنْ يَحْصُلَ الوَعِيدُ لِمَن لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الفِعْلِ أصْلًا أوْلى، ولِأنَّ الدَّلالَةَ لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا أُولُو القُدْرَةِ، وقَدْ يَنْتَفِعُ بِالقُدْرَةِ مَعَ فَقْدِ الدَّلالَةِ، وقالَ أيْضًا: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ حُصُولُ البَيِّناتِ لا حُصُولُ اليَقِينِ مِنَ المُكَلَّفِ فَمِن هَذا الوَجْهِ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُتَمَكِّنَ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ يَلْحَقُهُ الوَعِيدُ كالعارِفِ، فَبَطَلَ قَوْلُ مَن زَعَمَ أنْ لا حُجَّةَ لِلَّهِ عَلى مَن يَعْلَمُ ويَعْرِفُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ﴾ إشارَةٌ إلى ذَنْبِهِمْ وجُرْمِهِمْ، فَكَيْفَ يَدُلُّ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عَلى الزَّجْرِ والتَّهْدِيدِ.
الجَوابُ: أنَّ العَزِيزَ مَن لا يُمْنَعُ عَنْ مُرادِهِ، وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِكَمالِ القُدْرَةِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ سُبْحانَهُ
صفحة ١٨٠
وتَعالى قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ، فَكانَ عَزِيزًا عَلى الإطْلاقِ، فَصارَ تَقْدِيرُ الآيَةِ: فَإنْ زَلَلْتُمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ البَيِّناتُ، فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُقْتَدِرٌ عَلَيْكم لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ عَنْكم، فَلا يَفُوتُهُ ما يُرِيدُهُ مِنكم وهَذا نِهايَةٌ في الوَعِيدِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ مِن ضُرُوبِ الخَوْفِ ما لا يَجْمَعُهُ الوَعِيدُ بِذِكْرِ العِقابِ، ورُبَّما قالَ الوالِدُ لِوَلَدِهِ: إنْ عَصَيْتَنِي فَأنْتَ عارِفٌ بِي، وأنْتَ تَعْلَمُ قُدْرَتِي عَلَيْكَ وشِدَّةَ سَطْوَتِي، فَيَكُونُ هَذا الكَلامُ في الزَّجْرِ أبْلَغَ مِن ذِكْرِ الضَّرْبِ وغَيْرِهِ، فَإنْ قِيلَ: أفَهَذِهِ الآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعْدِ كَما أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى الوَعِيدِ ؟ قُلْنا: نَعَمْ مِن حَيْثُ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَكِيمٌ﴾ فَإنَّ اللّائِقَ بِالحِكْمَةِ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ فَكَما يَحْسُنُ مِنَ الحَكِيمِ إيصالُ العَذابِ إلى المُسِيءِ فَكَذَلِكَ يَحْسُنُ مِنهُ إيصالُ الثَّوابِ إلى المُحْسِنِ، بَلْ هَذا ألْيَقُ بِالحِكْمَةِ وأقْرَبُ لِلرَّحْمَةِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: احْتَجَّ مَن قالَ بِأنَّهُ لا وُجُوبَ لِشَيْءٍ قَبْلَ الشَّرْعِ بِهَذِهِ الآيَةِ قالَ: لِأنَّهُ تَعالى أثْبَتَ التَّهْدِيدَ والوَعِيدَ بِشَرْطِ مَجِيءِ البَيِّناتِ، ولَفْظُ ”البَيِّناتِ“ لَفْظُ جَمْعٍ يَتَناوَلُ الكُلَّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الوَعِيدَ مَشْرُوطٌ بِمَجِيءِ كُلِّ البَيِّناتِ وقَبْلَ الشَّرْعِ لَمْ تَحْصُلْ كُلُّ البَيِّناتِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَحْصُلَ الوَعِيدُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَتَقَرَّرَ الوُجُوبُ قَبْلَ الشَّرْعِ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما يَقُولُهُ المُجْبِرَةُ مِن أنَّهُ تَعالى يُرِيدُ مِنَ السُّفَهاءِ والكُفّارِ السَّفاهَةَ والكُفْرَ لَما جازَ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ حَكِيمٌ، لِأنَّ مَن فَعَلَ السَّفَهَ وأرادَهُ كانَ سَفِيهًا، والسَّفِيهُ لا يَكُونُ حَكِيمًا. أجابَ الأصْحابُ بِأنَّ الحَكِيمَ هو العالِمُ بِعَواقِبِ الأُمُورِ؛ فَيَرْجِعُ مَعْنى كَوْنِهِ تَعالى حَكِيمًا إلى أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ وذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَهُ خالِقًا لِكُلِّ الأشْياءِ ومُرِيدًا لَها، بَلْ يُوجِبُ ذَلِكَ لِما بَيَّنّا أنَّهُ لَوْ أرادَ ما عُلِمَ عَدَمُهُ لَكانَ قَدْ أرادَ تَجْهِيلَ نَفْسِهِ فَقالُوا: لَوْ لَزِمَ ذَلِكَ لَكانَ إذا أمَرَ بِما عُلِمَ عَدَمُهُ فَقَدْ أمَرَ بِتَجْهِيلِ نَفْسِهِ.
قُلْنا: هَذا إنَّما يَلْزَمُ لَوْ كانَ الأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرًا بِما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ، وهَذا عِنْدَنا مَمْنُوعٌ فَإنْ قالُوا: لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَزِمَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، قُلْنا: هَذا عِنْدَنا جائِزٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: يُحْكى أنَّ قارِئًا قَرَأ ”غَفُورٌ رَحِيمٌ“ فَسَمِعَهُ أعْرابِيٌّ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: إنْ كانَ هَذا كَلامُ اللَّهِ فَلا يَقُولُ كَذا، الحَكِيمُ لا يَذْكُرُ الغُفْرانَ عِنْدَ الزَّلَلِ؛ لِأنَّهُ إغْراءٌ عَلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences