Ar-Razi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:21
2:21Page 4
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١
O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -
القَوْلُ في إقامَةِ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ
أمّا التَّوْحِيدُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكم فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّ في هَذِهِ الآياتِ مَسائِلَ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَدَّمَ أحْكامَ الفِرَقِ الثَّلاثَةِ، أعْنِي المُؤْمِنِينَ والكُفّارَ والمُنافِقِينَ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ، وهو مِن بابِ الِالتِفاتِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتِحَةِ: ٤] وفِيهِ فَوائِدُ: أحَدُها: أنَّ فِيهِ مَزِيدَ هَزٍّ وتَحْرِيكٍ مِنَ السّامِعِ كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ حاكِيًا عَنْ ثالِثٍ: إنَّ فُلانًا مِن قِصَّتِهِ كَيْتَ وكَيْتَ، ثُمَّ تُخاطِبُ ذَلِكَ الثّالِثَ، فَقُلْتَ: يا فُلانُ مِن حَقِّكَ أنْ تَسْلُكَ الطَّرِيقَةَ الحَمِيدَةَ في مَجارِي أُمُورِكَ، فَهَذا الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ يُوجِبُ مَزِيدَ تَحْرِيكٍ لِذَلِكَ الثّالِثِ.
وثانِيها: كَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: جَعَلْتُ الرَّسُولَ واسِطَةً بَيْنِي وبَيْنَكَ أوَّلًا، ثُمَّ الآنَ أزِيدُ في إكْرامِكَ وتَقْرِيبِكَ، فَأُخاطِبُكَ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، لِيَحْصُلَ لَكَ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى الأدِلَّةِ، شَرَفُ المُخاطَبَةِ والمُكالَمَةِ.
وثالِثُها: أنَّهُ مُشْعِرٌ بِأنَّ العَبْدَ إذا كانَ مُشْتَغِلًا بِالعُبُودِيَّةِ فَإنَّهُ يَكُونُ أبَدًا في التَّرَقِّي، بِدَلِيلِ أنَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ، انْتَقَلَ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الحُضُورِ.
ورابِعُها: أنَّ الآياتِ المُتَقَدِّمَةَ كانَتْ في حِكايَةِ أحْوالِهِمْ، وأمّا هَذِهِ الآياتُ فَإنَّها أمْرٌ وتَكْلِيفٌ، فَفِيهِ كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ فَلا بُدَّ مِن راحَةٍ تُقابِلُ هَذِهِ الكُلْفَةَ، وتِلْكَ الرّاحَةُ هي أنْ يَرْفَعَ مَلِكُ المُلُوكِ الواسِطَةَ مِنَ البَيْنِ ويُخاطِبَهم بِذاتِهِ، كَما أنَّ العَبْدَ إذا أُلْزِمَ تَكْلِيفًا شاقًّا فَلَوْ شافَهَهُ المَوْلى، وقالَ: أُرِيدُ مِنكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا فَإنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ الشّاقُّ لَذِيذًا لِأجْلِ ذَلِكَ الخِطابِ.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: حُكِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ والحَسَنِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ، وما كانَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَبِالمَدِينَةِ، قالَ القاضِي: هَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كانَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلى النَّقْلِ فَمُسَلَّمٌ، وإنْ كانَ السَّبَبُ فِيهِ حُصُولَ المُؤْمِنِينَ بِالمَدِينَةِ عَلى الكَثْرَةِ دُونَ مَكَّةَ فَهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنِينَ مَرَّةً بِصِفَتِهِمْ، ومَرَّةً بِاسْمِ جِنْسِهِمْ، وقَدْ يُؤْمَرُ مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِالعِبادَةِ، كَما يُؤْمَرُ
صفحة ٧٦
المُؤْمِنُ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى العِبادَةِ والِازْدِيادِ مِنها، فالخِطابُ في الجَمِيعِ مُمْكِنٌ.
* * *
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الألْفاظَ في الأغْلَبِ عِباراتٌ دالَّةٌ عَلى أُمُورٍ هي: إمّا الألْفاظُ أوْ غَيْرُها، أمّا الألْفاظُ فَهي: كالِاسْمِ والفِعْلِ والحَرْفِ، فَإنَّ هَذِهِ الألْفاظَ الثَّلاثَةَ يَدُلُّ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى شَيْءٍ، هو في نَفْسِهِ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ، وغَيْرُ الألْفاظِ: فَكالحَجَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، ولَفْظُ النِّداءِ لَمْ يُجْعَلْ دَلِيلًا عَلى شَيْءٍ آخَرَ، بَلْ هو لَفْظٌ يَجْرِي مَجْرى عَمَلٍ يَعْمَلُهُ عامِلٌ لِأجْلِ التَّنْبِيهِ.
فَأمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَنا: ”يا زَيْدُ“ بِأُنادِي زَيْدًا، أوْ أُخاطِبُ زَيْدًا فَهو خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ قَوْلَنا: أُنادِي زَيْدًا خَبَرٌ يَحْتَمِلُ التَّصْدِيقَ والتَّكْذِيبَ، وقَوْلُنا: يا زَيْدُ، لا يَحْتَمِلُها.
وثانِيها: أنَّ قَوْلَنا يا زَيْدُ، يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ زَيْدٍ مُنادًى في الحالِ، وقَوْلُنا أُنادِي زَيْدًا، لا يَقْتَضِي ذَلِكَ.
وثالِثُها: أنَّ قَوْلَنا: يا زَيْدُ يَقْتَضِي صَيْرُورَةَ زَيْدٍ مُخاطَبًا بِهَذا الخِطابِ، وقَوْلُنا: أُنادِي زَيْدًا لا يَقْتَضِي ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنَّهُ يُخْبِرُ إنْسانًا آخَرَ بِأنِّي أُنادِي زَيْدًا.
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَنا أُنادِي زَيْدًا إخْبارٌ عَنِ النِّداءِ، والإخْبارُ عَنِ النِّداءِ غَيْرُ النِّداءِ، والنِّداءُ هو قَوْلُنا: يا زَيْدُ، فَإذَنْ قَوْلُنا: أُنادِي زَيْدًا، غَيْرُ قَوْلِنا: يا زَيْدُ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ فَسادُ هَذا القَوْلِ، ثُمَّ هَهُنا نُكْتَةٌ نَذْكُرُها وهي: أنَّ أقْوى المَراتِبِ الِاسْمُ، وأضْعَفَها الحَرْفُ، فَظَنَّ قَوْمٌ أنَّهُ لا يَأْتَلِفُ الِاسْمُ بِالحَرْفِ، وكَذا أعْظَمُ المَوْجُوداتِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأضْعَفُها البَشَرُ ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النِّساءِ: ٢٨] فَقالَتِ المَلائِكَةُ: أيُّ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البَقَرَةِ: ٣٠] فَقِيلَ: قَدْ يَأْتَلِفُ الِاسْمُ مَعَ الحَرْفِ في حالِ النِّداءِ، فَكَذا البَشَرُ يَصْلُحُ لِخِدْمَةِ الرَّبِّ حالَ النِّداءِ والتَّضَرُّعِ ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ [الأعْرافِ: ٢٣]، ﴿وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافِرٍ: ٦٠] .
* * *
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ”يا“ حَرْفٌ وُضِعَ في أصْلِهِ لِنِداءِ البَعِيدِ وإنْ كانَ لِنِداءِ القَرِيبِ لَكِنْ لِسَبَبِ أمْرٍ مُهِمٍّ جِدًّا، وأمّا نِداءُ القَرِيبِ فَلَهُ: أيْ والهَمْزَةُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في نِداءِ مَن سَها وغَفَلَ وإنَ قَرُبَ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ، فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ يَقُولُ الدّاعِي يا رَبِّ يا أللَّهُ وهو ﴿أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] ؟ .
قُلْنا: هو اسْتِبْعادٌ لِنَفْسِهِ مِن مَظانِّ الزُّلْفى وما يُقَرِّبُهُ إلى مَنازِلِ المُقَرَّبِينَ هَضْمًا لِنَفْسِهِ وإقْرارًا عَلَيْها بِالتَّنْقِيصِ حَتّى يَتَحَقَّقَ الإجابَةَ بِمُقْتَضى قَوْلِهِ: ”أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي“ أوْ لِأجْلِ أنَّ إجابَةَ الدُّعاءِ مِن أهَمِّ المُهِمّاتِ لِلدّاعِي.
* * *
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: ”أيْ“ وصْلَةٌ إلى نِداءِ ما فِيهِ الألِفُ واللّامُ كَما أنَّ ”ذُو“ و”الَّذِي“ وصْلَتانِ إلى الوَصْفِ بِأسْماءِ الأجْناسِ ووَصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، وهو اسْمٌ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إلى ما يُزِيلُ إبْهامَهُ، فَلا بُدَّ وأنْ يُرْدِفَهُ اسْمَ جِنْسٍ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ يَتَّصِفُ بِهِ حَتّى يَحْصُلَ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ، فالَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ حَرْفُ النِّداءِ هو أيْ والِاسْمُ التّابِعُ لَهُ صِفَةٌ كَقَوْلِكَ: يا زَيْدُ الظَّرِيفَ إلّا أنَّ أيا لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ اسْتِقْلالَ زَيْدٍ فَلَمْ يَنْفَكَّ عَنِ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها، وأمّا كَلِمَةُ التَّنْبِيهِ المُقْحَمَةُ بَيْنَ الصِّفَةِ ومَوْصُوفِها فَفِيها فائِدَتانِ: الأُولى: مُعاضَدَةُ حَرْفِ النِّداءِ بِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، والثّانِيَةُ: وُقُوعُها عِوَضًا مِمّا يَسْتَحِقُّهُ أيْ مِنَ الإضافَةِ، وإنَّما كَثُرَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى النِّداءُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ لِاسْتِقْلالِهِ بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ والمُبالَغاتِ، فَإنَّ كُلَّ ما نادى اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، والوَعْدِ والوَعِيدِ، واقْتِصاصِ أخْبارِ المُتَقَدِّمِينَ بِأُمُورٍ عِظامٍ، وأشْياءَ يَجِبُ عَلى المُسْتَمِعِينَ أنْ يَتَيَقَّظُوا لَها مَعَ أنَّهم غافِلُونَ عَنْها، فَلِهَذا وجَبَ أنْ يُنادَوْا بِالأبْلَغِ الآكَدِ.
* * *
المَسْألَةُ السّادِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ كُلَّ النّاسِ
صفحة ٧٧
بِالعِبادَةِ فَلَوْ خَرَجَ البَعْضُ عَنْ هَذا الخِطابِ لَكانَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا لِلْعُمُومِ. وهَهُنا أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ لَفْظَ الجَمْعِ المُعَرَّفِ بِلامِ التَّعْرِيفِ يُفِيدُ العُمُومَ، والخِلافُ فِيهِ مَعَ الأشْعَرِيِّ والقاضِي أبِي بَكْرٍ وأبِي هاشِمٍ، لَنا أنَّهُ يَصِحُّ تَأْكِيدُهُ بِما يُفِيدُ العُمُومَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ [الحِجْرِ: ٣٠] ولَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّفْظُ في أصْلِهِ لِلْعُمُومِ لَما كانَ قَوْلُهُ: ﴿كُلُّهُمْ﴾ تَأْكِيدًا، بَلْ بَيانًا؛ ولِأنَّهُ يَصِحُّ اسْتِثْناءُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ عَنْهُ والِاسْتِثْناءُ يُخْرِجُ ما لَوْلاهُ لَدَخَلَ فَوَجَبَ أنْ يُفِيدَ العُمُومَ، وتَمامُ تَقْرِيرِهِ في أُصُولِ الفِقْهِ.
البَحْثُ الثّانِي: لَمّا ثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ يَتَناوَلُ جَمِيعَ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في ذَلِكَ العَصْرِ فَهَلْ يَتَناوَلُ الَّذِينَ سَيُوجَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أمْ لا ؟ والأقْرَبُ أنَّهُ لا يَتَناوَلُهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ خِطابُ مُشافَهَةٍ وخِطابُ المُشافَهَةِ مَعَ المَعْدُومِ لا يَجُوزُ، وأيْضًا فالَّذِينَ سَيُوجَدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ ما كانُوا مَوْجُودِينَ في تِلْكَ الحالَةِ، وما لا يَكُونُ مَوْجُودًا لا يَكُونُ إنْسانًا، وما لا يَكُونُ إنْسانًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ فَإنْ قِيلَ: فَوَجَبَ أنْ لا يَتَناوَلَ شَيْءٌ مِن هَذِهِ الخِطاباتِ الَّذِينَ وُجِدُوا بَعْدَ ذَلِكَ الزَّمانِ وأنَّهُ باطِلٌ قَطْعًا، قُلْنا: لَوْ لَمْ يُوجَدْ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ لَكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ إلّا أنّا عَرَفْنا بِالتَّواتُرِ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ تِلْكَ الخِطاباتِ ثابِتَةٌ في حَقِّ مَن سَيُوجَدُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى قِيامِ السّاعَةِ فَلِهَذِهِ الدَّلالَةِ المُنْفَصِلَةِ حَكَمْنا بِالعُمُومِ.
البَحْثُ الثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أمْرٌ لِلْكُلِّ بِالعِبادَةِ فَهَلْ يُفِيدُ أمْرُ الكُلِّ بِكُلِّ عِبادَةٍ ؟ الحَقُّ لا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ اعْبُدُوا مَعْناهُ ادْخُلُوا هَذِهِ الماهِيَّةَ في الوُجُودِ، فَإذا أتَوْا بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ في الوُجُودِ فَقَدْ أدْخَلُوا الماهِيَّةَ في الوُجُودِ؛ لِأنَّ الفَرْدَ مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ مُشْتَمِلٌ عَلى الماهِيَّةِ؛ لِأنَّ هَذِهِ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنِ العِبادَةِ مَعَ قَيْدِ كَوْنِها هَذِهِ، ومَتى وُجِدَ المُرَكَّبَ فَقَدْ وُجِدَ قَيْداهُ، فالآتِي بِفَرْدٍ مِن أفْرادِ العِبادَةِ آتٍ بِالعِبادَةِ، والآتِي بِالعِبادَةِ آتٍ بِتَمامِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا﴾ وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ خُرُوجُهُ عَنِ العُهْدَةِ، فَإنْ أرَدْنا أنْ نَجْعَلَهُ دالًّا عَلى العُمُومِ نَقُولُ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأجْلِ كَوْنِها عِبادَةً؛ لِأنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِعَلِيَّةِ الوَصْفِ، لا سِيَّما إذا كانَ الوَصْفُ مُناسِبًا لِلْحُكْمِ، وهَهُنا كَوْنُ العِبادَةِ عِبادَةً يُناسِبُ الأمْرَ بِها، لِما أنَّ العِبادَةَ عِبارَةٌ عَنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى وإظْهارِ الخُضُوعِ لَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مُناسِبٌ في العُقُولِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ كَوْنَهُ عِبادَةً عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِها وجَبَ في كُلِّ عِبادَةٍ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِها؛ لِأنَّهُ أيْنَما حَصَلَتِ العِلَّةُ وجَبَ حُصُولُ الحُكْمِ لا مَحالَةَ.
البَحْثُ الرّابِعُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا﴾ لا يَتَناوَلُ الكُفّارَ ألْبَتَّةَ؛ لِأنَّ الكُفّارَ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ، وإذا امْتَنَعَ ذَلِكَ امْتَنَعَ أنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالعِبادَةِ، أمّا أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونُوا مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ؛ فَلِأنَّ الأمْرَ بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إمّا أنْ يَتَناوَلَهُ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عارِفٍ بِاللَّهِ تَعالى أوْ حالَ كَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ تَعالى، أمّا إنْ تَناوَلَهُ حالَ كَوْنِهِ غَيْرَ عارِفٍ بِاللَّهِ فَيَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ عارِفًا بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالصِّفَةِ مَعَ الجَهْلِ بِالذّاتِ مُحالٌ فَلَوْ تَناوَلَهُ الأمْرُ في هَذِهِ الحالَةِ لَكانَ قَدْ تَناوَلَهُ الأمْرُ في حالٍ يَسْتَحِيلُ مِنهُ أنْ يَعْرِفَ كَوْنَهُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الأمْرِ، وذَلِكَ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، وإنْ تَناوَلَهُ الأمْرُ بِالمَعْرِفَةِ حالَ كَوْنِهِ عارِفًا بِاللَّهِ فَذَلِكَ مُحالٌ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَثَبَتَ أنَّ الكافِرَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، وإذا اسْتَحالَ ذَلِكَ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِالعِبادَةِ؛ لِأنَّهُ إمّا أنْ يُؤْمَرَ بِالعِبادَةِ قَبْلَ
صفحة ٧٨
المَعْرِفَةِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّ عِبادَةَ مَن لا يَعْرِفُ مُمْتَنِعَةٌ أوْ يُؤْمَرُ بِالعِبادَةِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ إلّا أنَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ الأمْرُ بِالعِبادَةِ مَوْقُوفًا عَلى الأمْرِ بِالمَعْرِفَةِ، فَلَمّا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرِفَةِ مُمْتَنِعًا كانَ الأمْرُ بِالعِبادَةِ أيْضًا مُمْتَنِعًا، وأيْضًا يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ هَذا الخِطابُ مَعَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَأمْرُهم بِالعِبادَةِ يَكُونُ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ. والجَوابُ: مِنَ النّاسِ مَن قالَ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ المَعْرِفَةِ، كَما أنَّ الأمْرَ بِالزَّكاةِ مَشْرُوطٌ بِحُصُولِ مِلْكِ النِّصابِ، وهَؤُلاءِ هُمُ القائِلُونَ بِأنَّ المَعارِفَ ضَرُورِيَّةٌ، وأمّا مَن لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَعارِفَ لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً فَقالَ: الأمْرُ بِالعِبادَةِ حاصِلٌ، والعِبادَةُ لا تُمْكِنُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ، والأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرٌ بِما هو مِن ضَرُورِيّاتِهِ، كَما أنَّ الطَّهارَةَ إذا لَمْ تَصِحَّ إلّا بِإحْضارِ الماءِ كانَ إحْضارُ الماءِ واجِبًا، والدَّهْرِيُّ لا يَصِحُّ مِنهُ تَصْدِيقُ الرَّسُولِ إلّا بِتَقْدِيمِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَوَجَبَتْ، والمُحْدِثُ لا تَصِحُّ مِنهُ الصَّلاةُ إلّا بِتَقْدِيمِ الطَّهارَةِ فَوَجَبَتْ، والمُودِعُ لا يُمْكِنُهُ رَدُّ الوَدِيعَةِ إلّا بِالسَّعْيِ إلَيْها، فَكانَ السَّعْيُ واجِبًا، فَكَذا هَهُنا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الكافِرُ مُخاطَبًا بِالعِبادَةِ، وشَرْطُ الإتْيانِ بِها الإتْيانُ بِالإيمانِ أوَّلًا ثُمَّ الإتْيانُ بِالعِبادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، بَقِيَ لَهم: الأمْرُ بِتَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ مُحالٌ، قُلْنا: هَذِهِ المَسْألَةُ مُسْتَقْصاةٌ في الأُصُولِ والَّذِي نَقُولُ هَهُنا: إنَّ هَذا الكَلامَ وإنْ تَمَّ في كُلِّ ما يَتَوَقَّفُ العِلْمُ يَكُونُ اللَّهُ آمِرًا عَلى العِلْمِ بِهِ، فَإنَّهُ لا يَجْرِي فِيما عَدا ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ، فَلِمَ لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ بِذَلِكَ؟ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ هَذا الأمْرُ بِتَناوُلِ المُؤْمِنِينَ ؟ .
قَوْلُهُ لِأنَّهُ يَصِيرُ ذَلِكَ أمْرًا بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ وهو مُحالٌ، قُلْنا: لَمّا تَعَذَّرَ ذَلِكَ فَنَحْمِلُهُ إمّا عَلى الأمْرِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى العِبادَةِ أوْ عَلى الأمْرِ بِالِازْدِيادِ مِنها، ومَعْلُومٌ أنَّ الزِّيادَةَ عَلى العِبادَةِ عِبادَةٌ، فَصَحَّ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا﴾ بِالزِّيادَةِ في العِبادَةِ.
البَحْثُ الخامِسُ: قالَ مُنْكِرُو التَّكْلِيفِ: لا يَجُوزُ وُرُودُ الأمْرِ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّكْلِيفِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ التَّكْلِيفَ إمّا أنْ يَتَوَجَّهَ عَلى العَبْدِ حالَ اسْتِواءِ دَواعِيهِ إلى الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ أوْ حالَ رُجْحانِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ فَهو مُحالٌ؛ لِأنَّ في حالِ الِاسْتِواءِ يَمْتَنِعُ حُصُولُ التَّرْجِيحِ؛ لِأنَّ الِاسْتِواءَ يُناقِضُ التَّرْجِيحَ، فالجَمْعُ بَيْنَهُما مُحالٌ، والتَّكْلِيفُ بِالفِعْلِ حالَ اسْتِواءِ الدّاعِيِينَ تَكْلِيفٌ بِما لا يُطاقُ، وإنْ كانَ الثّانِيَ فالرّاجِحُ واجِبُ الوُقُوعِ؛ لِأنَّ المَرْجُوحَ حالَ ما كانَ مُساوِيًا لِلرّاجِحِ كانَ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ، وإلّا فَقَدْ وقَعَ المُمْكِنُ لا عَنْ مُرَجِّحٍ، وإذا كانَ حالُ الِاسْتِواءِ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ فَبِأنْ يَصِيرَ حالَ المَرْجُوحِيَّةِ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ أوْلى، وإذا كانَ المَرْجُوحُ مُمْتَنِعَ الوُقُوعِ كانَ الرّاجِحُ واجِبَ الوُقُوعِ ضَرُورَةَ أنَّهُ لا خُرُوجَ عَنِ النَّقِيضَيْنِ، إذا ثَبَتَ هَذا فالتَّكْلِيفُ إنْ وقَعَ بِالرّاجِحِ كانَ التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا بِإيجادِ ما يَجِبُ وُقُوعُهُ، وإنْ وقَعَ بِالمَرْجُوحِ كانَ التَّكْلِيفُ تَكْلِيفًا بِما يَمْتَنِعُ وُقُوعُهُ، وكِلاهُما تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ.
وثانِيها: أنَّ الَّذِي ورَدَ بِهِ التَّكْلِيفُ إمّا أنْ يَكُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ في الأزَلِ وُقُوعَهُ، أوْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَقَعُ أوْ لَمْ يَعْلَمْ لا هَذا ولا ذاكَ، فَإنْ كانَ الأوَّلَ كانَ واجِبُ الوُقُوعِ مُمْتَنِعَ العَدَمِ، فَلا فائِدَةَ في وُرُودِ الأمْرِ بِهِ، وإنْ عُلِمَ لا وُقُوعُهُ كانَ مُمْتَنِعُ الوُقُوعِ واجِبَ العَدَمِ، فَكانَ الأمْرُ بِإيقاعِهِ أمْرًا بِإيقاعِ المُمْتَنِعِ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ لا هَذا ولا ذاكَ كانَ ذَلِكَ قَوْلًا بِالجَهْلِ عَلى اللَّهِ تَعالى وهو مُحالٌ؛ ولِأنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونُ الأمْرُ كَذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَتَمَيَّزُ المُطِيعُ عَنِ العاصِي، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ في الطّاعَةِ فائِدَةٌ.
وثالِثُها: أنَّ وُرُودَ الأمْرِ بِالتَّكالِيفِ إمّا أنْ يَكُونَ لِفائِدَةٍ أوْ لا لِفائِدَةٍ، فَإنْ كانَ لِفائِدَةٍ فَهي إمّا عائِدَةٌ إلى المَعْبُودِ أوْ إلى العابِدِ أمّا إلى المَعْبُودِ فَمُحالٌ؛ لِأنَّهُ كامِلٌ لِذاتِهِ، والكامِلُ لِذاتِهِ لا يَكُونُ كامِلًا بِغَيْرِهِ؛ ولِأنّا نَعْلَمُ
صفحة ٧٩
بِالضَّرُورَةِ أنَّ الإلَهَ العالِيَ عَلى الدَّهْرِ والزَّمانِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْتَفِعَ بِرُكُوعِ العَبْدِ وسُجُودِهِ، وأمّا إلى العابِدِ فَمُحالٌ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الفَوائِدِ مَحْصُورَةٌ في حُصُولِ اللَّذَّةِ ودَفْعِ الألَمِ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ كُلِّ ذَلِكَ لِلْعَبْدِ ابْتِداءً مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ هَذِهِ المَشاقِّ، فَيَكُونُ تَوَسُّطُها عَبَثًا، والعَبَثُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الحَكِيمِ.
ورابِعُها: أنَّ العَبْدَ غَيْرُ مُوجِدٍ لِأفْعالِهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِها، ومَن لا يَعْلَمُ تَفاصِيلَ الشَّيْءِ لا يَكُونُ مُوجِدًا لَهُ، وإذا لَمْ يَكُنِ العَبْدُ مُوجِدًا لِأفْعالِ نَفْسِهِ فَإنَّ أمْرَهُ بِذَلِكَ الفِعْلِ حالَ ما خَلَقَهُ فِيهِ فَقَدْ أمَرَهُ بِتَحْصِيلِ الحاصِلِ، وإنْ أمَرَهُ بِهِ حالَ ما لَمْ يَخْلُقْهُ فِيهِ فَقَدْ أمَرَهُ بِالمُحالِ وكُلُّ ذَلِكَ باطِلٌ.
وخامِسُها: أنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّكْلِيفِ إنَّما هو تَطْهِيرُ القَلْبِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ، فَلَوْ قَدَّرْنا إنْسانًا مُشْتَغِلَ القَلْبِ دائِمًا بِاللَّهِ تَعالى، وبِحَيْثُ لَوِ اشْتَغَلَ بِهَذِهِ الأفْعالِ الظّاهِرَةِ لَصارَ ذَلِكَ عائِقًا لَهُ عَنِ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يَسْقُطَ عَنْهُ هَذِهِ التَّكالِيفُ الظّاهِرَةُ، فَإنَّ الفُقَهاءَ والقِياسِيِّينَ قالُوا: إذا لاحَ المَقْصُودُ والحِكْمَةُ في التَّكالِيفِ وجَبَ اتِّباعُ الأحْكامِ المَعْقُولَةِ لا اتِّباعُ الظَّواهِرِ.
والجَوابُ عَنِ الشُّبَهِ الثَّلاثَةِ الأُولى مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنَّ أصْحابَ هَذِهِ الشُّبَهِ أوْجَبُوا بِما ذَكَرُوهُ اعْتِقادَ عَدَمِ التَّكالِيفِ، فَهَذا تَكْلِيفٌ يَنْفِي التَّكْلِيفَ وأنَّهُ مُتَناقِضٌ.
الثّانِي: أنَّ عِنْدَنا يَحْسُنُ مِنَ اللَّهِ تَعالى كُلُّ شَيْءٍ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ تَكْلِيفَ ما لا يُطاقُ أوْ غَيْرَهُ؛ لِأنَّهُ تَعالى خالِقٌ مالِكٌ، والمالِكُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ.
البَحْثُ السّادِسُ: قالُوا: الأمْرُ بِالعِبادَةِ، وإنْ كانَ عامًّا لِكُلِّ النّاسِ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ في حَقِّ مَن لا يَفْهَمُ كالصَّبِيِّ والمَجْنُونِ والغافِلِ والنّاسِي، وفي حَقِّ مَن لا يَقْدِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٦] .
ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ مَخْصُوصٌ في حَقِّ العَبِيدِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ عَلَيْهِمْ طاعَةَ مَوالِيهِمْ، واشْتِغالُهم بِطاعَةِ المَوالِي يَمْنَعُهم عَنِ الِاشْتِغالِ بِالعِبادَةِ، والأمْرُ الدّالُّ عَلى وُجُوبِ طاعَةِ المَوْلى أخَصُّ مِنَ الأمْرِ الدّالِّ عَلى وُجُوبِ العِبادَةِ، والخاصُّ يُقَدَّمُ عَلى العامِّ، والكَلامُ في هَذا المَعْنى مَذْكُورٌ في أُصُولِ الفِقْهِ.
* * *
المَسْألَةُ السّابِعَةُ: قالَ القاضِي: الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ وُجُودِ العِبادَةِ ما بَيَّنَهُ مِن خَلْقِهِ لَنا والإنْعامِ عَلَيْنا، واعْلَمْ أنَّ أصْحابَنا يَحْتَجُّونَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يَسْتَحِقُّ بِفِعْلِهِ الثَّوابَ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ خَلْقُهُ إيّانا وإنْعامُهُ عَلَيْنا سَبَبًا لِوُجُوبِ العِبادَةِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ اشْتِغالُنا بِالعِبادَةِ أداءً لِلْواجِبِ، والإنْسانُ لا يَسْتَحِقُّ بِأداءِ الواجِبِ شَيْئًا فَوَجَبَ أنْ لا يَسْتَحِقَّ العَبْدُ عَلى العِبادَةِ ثَوابًا عَلى اللَّهِ تَعالى.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا أمَرَ بِعِبادَةِ الرَّبِّ أرْدَفَهُ بِما يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ وهو خَلْقُ المُكَلَّفِينَ وخَلْقُ مَن قَبْلَهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وطَعَنَ قَوْمٌ مِنَ الحَشْوِيَّةِ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وقالُوا: الِاشْتِغالُ بِهَذا العِلْمِ بِدْعَةٌ، ولَنا في إثْباتِ مَذْهَبِنا وُجُوهٌ نَقْلِيَّةٌ وعَقْلِيَّةٌ، وهَهُنا ثَلاثُ مَقاماتٍ:
المَقامُ الأوَّلُ: في بَيانِ فَضْلِ هَذا العِلْمِ وهو مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ شَرَفَ العِلْمِ بِشَرَفِ المَعْلُومِ فَمَهْما كانَ المَعْلُومُ أشْرَفَ كانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِهِ أشْرَفَ، فَلَمّا كانَ أشْرَفَ المَعْلُوماتِ ذاتُ اللَّهِ تَعالى وصِفاتُهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِهِ أشْرَفَ العُلُومِ.
صفحة ٨٠
وثانِيها: أنَّ العِلْمَ إمّا أنْ يَكُونَ دِينِيًّا أوْ غَيْرَ دِينِيٍّ، ولا شَكَّ أنَّ العِلْمَ الدِّينِيَّ أشْرَفُ مِن غَيْرِ الدِّينِيِّ، وأمّا العِلْمُ الدِّينِيُّ فَإمّا أنْ يَكُونَ هو عِلْمَ الأُصُولِ، أوْ ما عَداهُ، أمّا ما عَداهُ فَإنَّهُ تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلى عِلْمِ الأُصُولِ؛ لِأنَّ المُفَسِّرَ إنَّما يَبْحَثُ عَنْ مَعانِي كَلامِ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ فَرْعٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ المُخْتارِ المُتَكَلِّمِ، وأمّا المُحَدِّثُ فَإنَّما يَبْحَثُ عَنْ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ فَرْعٌ عَلى ثُبُوتِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، والفَقِيهُ إنَّما يَبْحَثُ عَنْ أحْكامِ اللَّهِ، وذَلِكَ فَرْعٌ عَلى التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذِهِ العُلُومَ مُفْتَقِرَةٌ إلى عِلْمِ الأُصُولِ، والظّاهِرُ أنَّ عِلْمَ الأُصُولِ غَنِيٌّ عَنْها فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِلْمُ الأُصُولِ أشْرَفَ العُلُومِ.
وثالِثُها: أنَّ شَرَفَ الشَّيْءِ قَدْ يَظْهَرُ بِواسِطَةِ خَساسَةِ ضِدِّهِ، فَكُلَّما كانَ ضِدُّهُ أخَسَّ كانَ هو أشْرَفَ، وضِدُّ عِلْمِ الأُصُولِ هو الكُفْرُ والبِدْعَةُ، وهُما مِن أخَسِّ الأشْياءِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِلْمُ الأُصُولِ أشْرَفَ الأشْياءِ.
ورابِعُها: أنَّ شَرَفَ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ بِشَرَفِ مَوْضُوعِهِ وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ لِقُوَّةِ بَراهِينِهِ، وعِلْمُ الأُصُولِ مُشْتَمِلٌ عَلى الكُلِّ، وذَلِكَ لِأنَّ عِلْمَ الهَيْئَةِ أشْرَفُ مِن عِلْمِ الطِّبِّ نَظَرًا إلى أنَّ مَوْضُوعَ عِلْمِ الهَيْئَةِ أشْرَفُ مِن مَوْضُوعِ عِلْمِ الطِّبِّ، وإنْ كانَ الطِّبُّ أشْرَفَ مِنهُ نَظَرًا إلى أنَّ الحاجَةَ إلى الطِّبِّ أكْثَرُ مِنَ الحاجَةِ إلى الهَيْئَةِ، وعِلْمُ الحِسابِ أشْرَفُ مِنهُما نَظَرًا إلى أنَّ بَراهِينَ عِلْمِ الحِسابِ أقْوى، أمّا عِلْمُ الأُصُولِ فالمَطْلُوبُ مِنهُ مَعْرِفَةُ ذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، ومَعْرِفَةُ أقْسامِ المَعْلُوماتِ مِنَ المَعْدُوماتِ والمَوْجُوداتِ، ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ أشْرَفَ الأُمُورِ، وأمّا الحاجَةُ إلَيْهِ فَشَدِيدَةٌ؛ لِأنَّ الحاجَةَ إمّا في الدِّينِ أوْ في الدُّنْيا، أمّا في الدِّينِ فَشَدِيدَةٌ؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ هَذِهِ الأشْياءَ اسْتَوْجَبَ الثَّوابَ العَظِيمَ والتَحَقَ بِالمَلائِكَةِ، ومَن جَهِلَها اسْتَوْجَبَ العِقابَ العَظِيمَ والتَحَقَ بِالشَّياطِينِ، وأمّا في الدُّنْيا فَلِأنَّ مَصالِحَ العالَمِ إنَّما تَنْتَظِمُ عِنْدَ الإيمانِ بِالصّانِعِ والبَعْثِ والحَشْرِ، إذْ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ هَذا الإيمانُ لَوَقَعَ الهَرَجُ والمَرَجُ في العالَمِ، وأمّا قُوَّةُ البَراهِينِ فَبَراهِينُ هَذا العِلْمِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتٍ يَقِينِيَّةٍ تَرْكِيبًا يَقِينِيًّا وهَذا هو النِّهايَةُ في القُوَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ هَذا العِلْمَ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ جِهاتِ الشَّرَفِ والفَضْلِ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ العُلُومِ.
وخامِسُها: أنَّ هَذا العِلْمَ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ النَّسْخُ ولا التَّغْيِيرُ، ولا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والنَّواحِي بِخِلافِ سائِرِ العُلُومِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ أشْرَفَ العُلُومِ.
وسادِسُها: أنَّ الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى مَطالِبِ هَذا العِلْمِ وبَراهِينِها أشْرَفُ مِنَ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى المَطالِبِ الفِقْهِيَّةِ بِدَلِيلِ أنَّهُ جاءَ في فَضِيلَةِ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخْلاصِ: ١] و﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٥] وآيَةِ الكُرْسِيِّ ما لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ في فَضِيلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨٢] وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا العِلْمَ أفْضَلُ.
وسابِعُها: أنَّ الآياتِ الوارِدَةَ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أقَلُّ مِن سِتِّمِائَةِ آيَةٍ، وأمّا البَواقِي فَفي بَيانِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والرَّدِّ عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ وأصْنافِ المُشْرِكِينَ، وأمّا الآياتُ الوارِدَةُ في القَصَصِ فالمَقْصُودُ مِنها مَعْرِفَةُ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَلى ما قالَ: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يُوسُفَ: ١١١] فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا العِلْمَ أفْضَلُ، ونُشِيرُ إلى مَعاقِدِ الدَّلائِلِ: أمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ فالقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنهُ:
أوَّلُها: ما ذُكِرَ هَهُنا مِنَ الدَّلائِلِ الخَمْسَةِ وهي خَلْقُ المُكَلَّفِينَ وخَلْقُ مَن قَبْلَهم، وخَلْقُ السَّماءِ وخَلْقُ
صفحة ٨١
الأرْضِ، وخَلْقُ الثَّمَراتِ مِنَ الماءِ النّازِلِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وكُلُّ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن عَجائِبِ السَّماواتِ والأرْضِ، فالمَقْصُودُ مِنهُ ذَلِكَ، وأمّا الَّذِي يَدُلُّ عَلى الصِّفاتِ.
أمّا العِلْمُ فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ ثُمَّ أرْدَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥، ٦] وهَذا هو عَيْنُ دَلِيلِ المُتَكَلِّمِينَ فَإنَّهم يَسْتَدِلُّونَ بِأحْكامِ الأفْعالِ وإتْقانِها عَلى عِلْمِ الصّانِعِ، وهَهُنا اسْتَدَلَّ الصّانِعُ سُبْحانَهُ بِتَصْوِيرِ الصُّوَرِ في الأرْحامِ عَلى كَوْنِهِ عالِمًا بِالأشْياءِ، وقالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [المُلْكِ: ١٤] وهو عَيْنُ تِلْكَ الدَّلالَةِ وقالَ: ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ [الأنْعامِ: ٥٩] وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى كَوْنِهِ تَعالى عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مُخْبِرٌ عَنِ المُغَيَّباتِ فَتَقَعُ تِلْكَ الأشْياءُ عَلى وفْقِ ذَلِكَ الخَبَرِ، فَلَوْلا كَوْنُهُ عالِمًا بِالمُغَيَّباتِ وإلّا لَما وقَعَ كَذَلِكَ، وأمّا صِفَةُ القُدْرَةِ فَكُلُّ ما ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن حُدُوثِ الثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ والحَيَواناتِ المُخْتَلِفَةِ مَعَ اسْتِواءِ الكُلِّ في الطَّبائِعِ الأرْبَعِ فَذاكَ يَدُلُّ عَلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ قادِرًا مُخْتارًا لا مُوجَبًا بِالذّاتِ، وأمّا التَّنْزِيهُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا في مَكانٍ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ فَإنَّ المُرَكَّبَ مُفْتَقِرٌ إلى أجْزائِهِ والمُحْتاجَ مُحْدَثٌ، وإذا كانَ أحَدًا وجَبَ أنْ لا يَكُونُ جِسْمًا وإذا لَمْ يَكُنْ جِسْمًا لَمْ يَكُنْ في المَكانِ، وأمّا التَّوْحِيدُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ و[الأنْبِياءِ: ٢٢] قَوْلُهُ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسْراءِ: ٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ٩١] وأمّا النُّبُوَّةُ فالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ هَهُنا: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٣] وأمّا المَعادُ فَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] وأنْتَ لَوْ فَتَّشْتَ عِلْمَ الكَلامِ لَمْ تَجِدْ فِيهِ إلّا تَقْرِيرَ هَذِهِ الدَّلائِلِ والذَّبَّ عَنْها ودَفْعَ المَطاعِنِ والشُّبُهاتِ القادِحَةِ فِيها، أفَتَرى أنَّ عِلْمَ الكَلامِ يُذَمُّ لِاشْتِمالِهِ عَلى هَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ أوْ لِاشْتِمالِهِ عَلى دَفْعِ المَطاعِنِ والقَوادِحِ عَنْ هَذِهِ الأدِلَّةِ؟ ما أرى أنَّ عاقِلًا مُسْلِمًا يَقُولُ ذَلِكَ ويَرْضى بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences