Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:21

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:21, continued

أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]، ذَمَّ الجَدَلَ وقالَ أيْضًا: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]، قالُوا: فَأمَرَ بِالإعْراضِ عَنْهم عِنْدَ خَوْضِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى.

وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ» “ وقَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”«عَلَيْكم بِدِينِ العَجائِزِ» “ وقَوْلُهُ: ”«إذا ذُكِرَ القَدْرُ فَأمْسِكُوا» “ .

وأمّا الإجْماعُ فَهو أنَّ هَذا عِلْمٌ لَمْ تَتَكَلَّمْ فِيهِ الصَّحابَةُ فَيَكُونُ بِدْعَةً فَيَكُونُ حَرامًا، أمّا أنَّ الصَّحابَةَ ما تَكَلَّمُوا فِيهِ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنهم أنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلِاسْتِدْلالِ في هَذِهِ الأشْياءِ، بَلْ كانُوا مِن أشَدِّ النّاسِ إنْكارًا عَلى مَن خاضَ فِيهِ، وإذا ثَبَتَ هَذا ثَبَتَ أنَّهُ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ حَرامٌ بِالِاتِّفاقِ.

وأمّا الأثَرُ، قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: إيّاكم والبِدَعَ، قِيلَ: وما البِدَعُ يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ؟ قالَ: أهْلُ البِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ في أسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وكَلامِهِ ولا يَسْكُتُونَ عَمّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحابَةُ والتّابِعُونَ. وسُئِلَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الكَلامِ فَقالَ: اتَّبِعِ السُّنَّةَ ودَعِ البِدْعَةَ. وقالَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَأنْ يَبْتَلِيَ اللَّهُ العَبْدَ بِكُلِّ ذَنْبٍ سِوى الشِّرْكِ خَيْرٌ لَهُ مِن أنْ يَلْقاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الكَلامِ. وقالَ: لَوْ أوْصى رَجُلٌ بِكُتُبِهِ العِلْمِيَّةِ لِآخَرَ وكانَ فِيها كُتُبُ الكَلامِ، لَمْ تَدْخُلْ تِلْكَ الكُتُبُ في الوَصِيَّةِ.

وأمّا الحُكْمُ فَهو أنَّهُ لَوْ أوْصى لِلْعُلَماءِ لا يَدْخُلُ المُتَكَلِّمُ فِيهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

فَهَذا مَجْمُوعُ كَلامِ الطّاعِنِينَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.

والجَوابُ: أمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ النَّظَرَ لا يُفِيدُ العِلْمَ فَهي فاسِدَةٌ؛ لِأنَّ الشُّبَهَ الَّتِي ذَكَرُوها لَيْسَتْ ضَرُورِيَّةً بَلْ نَظَرِيَّةٌ، فَهم أبْطَلُوا كُلَّ النَّظَرِ بِبَعْضِ أنْواعِهِ وهو مُتَناقِضٌ، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ النَّظَرَ غَيْرُ مَقْدُورٍ فَهي فاسِدَةٌ؛ لِأنَّهم مُخْتارُونَ في اسْتِخْراجِ تِلْكَ الشُّبَهِ فَيَبْطُلُ قَوْلُهم: إنَّها لَيْسَتِ اخْتِيارِيَّةً، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ التَّعاوِيلَ عَلى النَّظَرِ قَبِيحٌ فَهي مُتَناقِضَةٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُهم أنْ يَكُونَ إيرادُهم لِهَذِهِ الشُّبَهِ الَّتِي أوْرَدُوها قَبِيحًا، وأمّا الشُّبَهُ الَّتِي تَمَسَّكُوا بِها في أنَّ الرَّسُولَ ما أمَرَ بِذَلِكَ فَهو باطِلٌ؛ لِأنّا بَيَّنّا أنَّ الأنْبِياءَ بِأسْرِهِمْ ما جاءُوا إلّا بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلّا جَدَلًا﴾ [الزخرف: ٥٨] فَهو مَحْمُولٌ عَلى الجَدَلِ بِالباطِلِ، تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] . وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، فَجَوابُهُ أنَّ الخَوْضَ لَيْسَ هو النَّظَرُ، بَلِ الخَوْضُ في الشَّيْءِ هو اللَّجاجُ، وأمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ» “ فَذاكَ إنَّما أمَرَ بِهِ لِيُسْتَفادَ مِنهُ مَعْرِفَةُ الخالِقِ، وهو المَطْلُوبُ. وأمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«عَلَيْكم بِدِينِ العَجائِزِ» “ فَلَيْسَ المُرادُ إلّا تَفْوِيضَ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ تَعالى والِاعْتِمادَ في كُلِّ الأُمُورِ عَلى اللَّهِ، عَلى ما قُلْنا. وأمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ”«إذا ذُكِرَ القَدْرُ فَأمْسِكُوا» “ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَّهْيَ الجُزْئِيَّ لا يُفِيدُ النَّهْيَ الكُلِّيَّ.

وأمّا الإجْماعُ فَنَقُولُ: إنْ عَنَيْتُمْ أنَّ الصَّحابَةَ لَمْ يَسْتَعْمِلُوا ألْفاظَ المُتَكَلِّمِينَ فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنهُ القَدْحُ في الكَلامِ، كَما أنَّهم لَمْ يَسْتَعْمِلُوا ألْفاظَ الفُقَهاءِ، ولا يَلْزَمُ مِنهُ القَدْحُ في الفِقْهِ البَتَّةَ، وإنْ عَنَيْتُمْ أنَّهم ما عَرَفُوا اللَّهَ تَعالى ورَسُولَهُ بِالدَّلِيلِ، فَبِئْسَ ما قُلْتُمْ، وأمّا تَشْدِيدُ السَّلَفِ عَلى الكَلامِ فَهو مَحْمُولٌ عَلى أهْلِ البِدْعَةِ، وأمّا مَسْألَةُ الوَصِيَّةِ فَهي مُعارَضَةٌ بِما أنَّهُ لَوْ أوْصى لِمَن كانَ عارِفًا بِذاتِ اللَّهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ وأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ لا يَدْخُلُ فِيهِ الفَقِيهُ. ولِأنَّ مَبْنى الوَصايا

صفحة ٨٩

عَلى العُرْفِ، فَهَذا إتْمامُ هَذِهِ المَسْألَةِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أمّا حَقِيقَةُ العِبادَةِ فَذَكَرْناها في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٤] . وأمّا الخَلْقُ فَحَكى الأزْهَرِيُّ صاحِبُ ”التَّهْذِيبِ“ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ أنَّهُ التَّقْدِيرُ والتَّسْوِيَةُ، واحْتَجُّوا فِيهِ بِالآيَةِ والشِّعْرِ والِاسْتِشْهادِ، أمّا الآيَةُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، أيِ المُقَدِّرِينَ ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ [العنكبوت: ١٧]، أيْ تُقَدِّرُونَ كَذِبًا ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠]، أيْ تُقَدِّرُ.

وأمّا الشِّعْرُ فَقَوْلُ زُهَيْرٍ:

ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

وقالَ آخَرُ:

ولا يَئِطُّ بِأيْدِي الخالِقِينَ ولا ∗∗∗ أيْدِي الخَوالِقِ إلّا جَيِّدُ الأدَمِ

وأمّا الِاسْتِشْهادُ: يُقالُ: خَلَقَ النَّعْلَ: إذا قَدَّرَها وسَوّاها بِالقِياسِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ لِلْأحادِيثِ الَّتِي لا يُصَدَّقُ بِها: أحادِيثُ الخُلُقِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هَذا إلّا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٧]، والخَلاقُ: المِقْدارُ مِنَ الخَيْرِ، وهو خَلِيقٌ؛ أيْ جَدِيرٌ، كَأنَّهُ الَّذِي مِنهُ الخَلاقُ، والصَّخْرَةُ الخَلْقاءُ: المَلْساءُ؛ لِأنَّ في المَلاسَةِ اسْتِواءً، وفي الخُشُونَةِ اخْتِلاقٌ ومِنهُ ”أخْلَقَ الثَّوْبُ“ لِأنَّهُ إذا بَلِيَ صارَ أمْلَسَ واسْتَوى نُتُوُّهُ واعْوِجاجُهُ، فَثَبَتَ أنَّ الخَلْقَ عِبارَةٌ عَنِ التَّقْدِيرِ والِاسْتِواءِ، قالَ القاضِي عَبْدُ الجَبّارِ: الخَلْقُ فِعْلٌ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، واللُّغَةُ لا تَقْتَضِي أنَّ ذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، بَلِ الكِتابُ نَطَقَ بِخِلافِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [المائدة: ١١٠] لَكِنَّهُ تَعالى لَمّا كانَ يَفْعَلُ الأفْعالَ لِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ وكَيْفِيَّةِ المَصْلَحَةِ ولا فِعْلَ لَهُ إلّا كَذَلِكَ، لا جَرَمَ اخْتُصَّ بِهَذا الِاسْمِ. وقالَ أُسْتاذُهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ البَصْرِيُّ: إطْلاقُ اسْمِ ”خالِقٍ“ عَلى اللَّهِ مُحالٌ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ والتَّسْوِيَةَ عِبارَةٌ عَنِ الفِكْرِ والنَّظَرِ والحُسْبانِ، وذَلِكَ في حَقِّ اللَّهِ مُحالٌ.

وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ: الخَلْقُ عِبارَةٌ عَنِ الإيجادِ والإنْشاءِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِ المُسْلِمِينَ: لا خالِقَ إلّا اللَّهُ، ولَوْ كانَ الخَلْقُ عِبارَةً عَنِ التَّقْدِيرِ لَما صَحَّ ذَلِكَ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ بِعِبادَتِهِ، والأمْرُ بِعِبادَتِهِ مَوْقُوفٌ عَلى مَعْرِفَةِ وجُودِهِ، ولَمّا لَمْ يَكُنِ العِلْمُ بِوُجُودِهِ ضَرُورِيًّا بَلِ اسْتِدْلالِيًّا، لا جَرَمَ أوْرَدَ هَهُنا ما يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ.

واعْلَمْ أنَّنا بَيَّنّا في ”الكُتُبِ العَقْلِيَّةِ“ أنَّ الطَّرِيقَ إلى إثْباتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إمّا الإمْكانُ وإمّا الحُدُوثُ وإمّا مَجْمُوعُهُما، وكُلُّ ذَلِكَ إمّا في الجَواهِرِ أوْ في الأعْراضِ. فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الطُّرُقِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى سِتَّةً لا مَزِيدَ عَلَيْها:

أحَدُها: الِاسْتِدْلالُ بِإمْكانِ الذَّواتِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ الغَنِيُّ وأنْتُمُ الفُقَراءُ﴾ [محمد: ٣٨]، وبِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ [الأنعام: ٩١]، ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] .

وثانِيها: الِاسْتِدْلالُ بِإمْكانِ الصِّفاتِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ عَلى ما سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ.

وثالِثُها: الِاسْتِدْلالُ بِحُدُوثِ الأجْسامِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] .

ورابِعُها: الِاسْتِدْلالُ بِحُدُوثِ الأعْراضِ، وهَذِهِ الطَّرِيقَةُ أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى أفْهامِ الخَلْقِ، وذَلِكَ مَحْصُورٌ في أمْرَيْنِ

صفحة ٩٠

دَلائِلُ الأنْفُسِ ودَلائِلُ الآفاقِ، والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في الأكْثَرِ مُشْتَمِلَةٌ عَلى هَذَيْنِ البابَيْنِ، واللَّهُ تَعالى جَمَعَ هَهُنا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ.

أمّا دَلائِلُ الأنْفُسِ، فَهي أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ ما كانَ مَوْجُودًا قَبْلَ ذَلِكَ وأنَّهُ صارَ الآنَ مَوْجُودًا وأنَّ كُلَّ ما وُجِدَ بَعْدَ العَدَمِ فَلا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ، وذَلِكَ المُوجِدُ لَيْسَ هو نَفْسُهُ ولا الأبَوانِ ولا سائِرُ النّاسِ؛ لِأنَّ عَجْزَ الخَلْقِ عَنْ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَلا بُدَّ مِن مُوجِدٍ يُخالِفُ هَذِهِ المَوْجُوداتِ حَتّى يَصِحَّ مِنهُ إيجادُ هَذِهِ الأشْخاصِ، إلّا أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ هَهُنا: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُؤَثِّرُ طَبائِعَ الفُصُولِ والأفْلاكِ والنُّجُومِ ؟ ولَمّا كانَ هَذا السُّؤالُ مُحْتَمَلًا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى افْتِقارِ هَذِهِ الأشْياءِ إلى المُحْدِثِ والمُوجِدِ وهو قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا والسَّماءَ بِناءً﴾ وهو المُرادُ مِن دَلائِلَ الآفاقِ، ويَنْدَرِجُ فِيها كُلُّ ما يُوجَدُ مِن تَغْيِيراتِ أحْوالِ العالَمِ مِنَ الرَّعْدِ والبَرْقِ والرِّياحِ والسَّحابِ واخْتِلافِ الفُصُولِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى أنَّ الأجْسامَ الفَلَكِيَّةَ والأجْسامَ العُنْصُرِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ في الجِسْمِيَّةِ، فاخْتِصاصُ بَعْضِها بِبَعْضِ الصِّفاتِ مِنَ المَقادِيرِ والأشْكالِ والأحْيازِ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِلْجِسْمِيَّةِ ولا لِشَيْءٍ مِن لَوازِمِها. وإلّا وجَبَ اشْتِراكُ الكُلِّ في تِلْكَ الصِّفاتِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ لِأمْرٍ مُنْفَصِلٍ، وذَلِكَ الأمْرُ إنْ كانَ جِسْمًا عادَ البَحْثُ في أنَّهُ لِمَ اخْتُصَّ بِتِلْكَ المُؤَثِّرِيَّةِ مِن بَيْنِ تِلْكَ الأجْسامِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ جِسْمًا فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوجَبًا أوْ مُخْتارًا. والأوَّلُ باطِلٌ، وإلّا لَمْ يَكُنِ اخْتِصاصُ بَعْضِ الأجْسامِ بِبَعْضِ الصِّفاتِ أوْلى مِنَ العَكْسِ فَلا بُدَّ وأنْ يَكُونَ قادِرًا، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الدَّلالَةِ افْتِقارُ جَمِيعِ الأجْسامِ إلى مُؤَثِّرٍ قادِرٍ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا بِجُسْمانِيٍّ، وعِنْدَ هَذا ظَهَرَ أنَّ الِاسْتِدْلالَ بِحُدُوثِ الأعْراضِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ لا يَكْفِي إلّا بَعْدَ الِاسْتِعانَةِ بِإمْكانِ الأعْراضِ والصِّفاتِ.

وإذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما خَصَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الأدِلَّةِ بِالإيرادِ في أوَّلِ كِتابِهِ لِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ هَذا الطَّرِيقَ لَمّا كانَ أقْرَبَ الطُّرُقِ إلى أفْهامِ الخَلْقِ وأشَدَّها التِصاقًا بِالعُقُولِ، وكانَتِ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ في القُرْآنِ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أبْعَدَها عَنِ الدِّقَّةِ وأقْرَبَها إلى الأفْهامِ لِيَنْتَفِعَ بِهِ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الخَواصِّ والعَوامِّ، لا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في أوَّلِ كِتابِهِ ذَلِكَ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ الغَرَضُ مِنَ الدَّلائِلِ القُرْآنِيَّةِ المُجادَلَةَ، بَلِ الغَرَضُ مِنها تَحْصِيلُ العَقائِدِ الحَقَّةِ في القُلُوبِ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الدَّلائِلِ أقْوى مِن سائِرِ الطُّرُقِ في هَذا البابِ؛ لِأنَّ هَذا النَّوْعَ مِنَ الدَّلائِلِ كَما يُفِيدُ العِلْمَ بِوُجُودِ الخالِقِ فَهو يُذَكِّرُ بِنِعَمِ الخالِقِ عَلَيْنا، فَإنَّ الوُجُودَ والحَياةَ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ عَلَيْنا، وتَذْكِيرُ النِّعَمِ مِمّا يُوجِبُ المَحَبَّةَ وتَرْكَ المُنازَعَةِ وحُصُولَ الِانْقِيادِ، فَلِهَذا السَّبَبِ كانَ ذِكْرُ هَذا النَّوْعِ مِنَ الأدِلَّةِ أوْلى مِن سائِرِ الأنْواعِ.

واعْلَمْ أنَّ لِلسَّلَفِ طُرُقًا لَطِيفَةً في هَذا البابِ:

أحَدُها: يُرْوى أنَّ بَعْضَ الزَّنادِقَةِ أنْكَرَ الصّانِعَ عِنْدَ جَعْفَرٍ الصّادِقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ جَعْفَرٌ: هَلْ رَكِبْتَ البَحْرَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: هَلْ رَأيْتَ أهْوالَهُ ؟ قالَ: بَلى؛ هاجَتْ يَوْمًا رِياحٌ هائِلَةٌ فَكَسَّرَتِ السُّفُنَ وغَرَّقَتِ المَلّاحِينَ، فَتَعَلَّقْتُ أنا بِبَعْضِ ألْواحِها ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي ذَلِكَ اللَّوْحُ فَإذا أنا مَدْفُوعٌ في تَلاطُمِ الأمْواجِ حَتّى دُفِعْتُ إلى السّاحِلِ، فَقالَ جَعْفَرٌ: قَدْ كانَ اعْتِمادُكَ مِن قَبْلُ عَلى السَّفِينَةِ والمَلّاحِ ثُمَّ عَلى اللَّوْحِ حَتّى تُنْجِيَكَ، فَلَمّا ذَهَبَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَنْكَ هَلْ أسْلَمْتَ نَفْسَكَ لِلْهَلاكِ أمْ كُنْتَ تَرْجُو السَّلامَةَ بَعْدُ ؟ قالَ: بَلْ رَجَوْتُ السَّلامَةَ، قالَ: مِمَّنْ كُنْتَ تَرْجُوها ؟ فَسَكَتَ الرَّجُلُ، فَقالَ جَعْفَرٌ: إنَّ الصّانِعَ هو الَّذِي كُنْتَ تَرْجُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وهو

صفحة ٩١

الَّذِي أنْجاكَ مِنَ الغَرَقِ، فَأسْلَمَ الرَّجُلُ عَلى يَدِهِ.

وثانِيها: جاءَ في كِتابِ ”دِياناتِ العَرَبِ“ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ: ”«كَمْ لَكَ مِن إلَهٍ ؟“ قالَ: عَشْرَةٌ، قالَ: فَمَن لِغَمِّكَ وكَرْبِكَ ودَفْعِ الأمْرِ العَظِيمِ إذا نَزَلَ بِكَ مِن جُمْلَتِهِمْ ؟ قالَ: اللَّهُ، قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”ما لَكَ مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ» “ .

وثالِثُها: كانَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - سَيْفًا عَلى الدَّهْرِيَّةِ، وكانُوا يَنْتَهِزُونَ الفُرْصَةَ لِيَقْتُلُوهُ، فَبَيْنَما هو يَوْمًا في مَسْجِدِهِ قاعِدٌ إذْ هَجَمَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ بِسُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَقالَ لَهم: أجِيبُونِي عَنْ مَسْألَةٍ ثُمَّ افْعَلُوا ما شِئْتُمْ، فَقالُوا لَهُ: هاتِ، فَقالَ: ما تَقُولُونَ في رَجُلٍ يَقُولُ لَكم: إنِّي رَأيْتُ سَفِينَةً مَشْحُونَةً بِالأحْمالِ مَمْلُوءَةً مِنَ الأثْقالِ قَدِ احْتَوَشَها في لُجَّةِ البَحْرِ أمْواجٌ مُتَلاطِمَةٌ ورِياحٌ مُخْتَلِفَةٌ، وهي مِن بَيْنِها تَجْرِي مُسْتَوِيَةً لَيْسَ لَها مَلّاحٌ يُجْرِيها ولا مُتَعَهِّدٌ يَدْفَعُها، هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ في العَقْلِ ؟ قالُوا: لا، هَذا شَيْءٌ لا يَقْبَلُهُ العَقْلُ ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يا سُبْحانَ اللَّهِ إذا لَمْ يَجُزْ في العَقْلِ سَفِينَةٌ تَجْرِي في البَحْرِ مُسْتَوِيَةً مِن غَيْرِ مُتَعَهِّدٍ ولا مُجْرٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ قِيامُ هَذِهِ الدُّنْيا عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها وتَغَيُّرِ أعْمالِها وسِعَةِ أطْرافِها وتَبايُنِ أكْنافِها مِن غَيْرِ صانِعٍ وحافِظٍ ؟ فَبَكَوْا جَمِيعًا وقالُوا: صَدَقْتَ، وأغْمَدُوا سُيُوفَهم وتابُوا.

ورابِعُها: سَألُوا الشّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما الدَّلِيلُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ؟ فَقالَ: ورَقَةُ الفِرْصادِ طَعْمُها ولَوْنُها ورِيحُها وطَبْعُها واحِدٌ عِنْدَكم ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَتَأْكُلُها دُودَةُ القَزِّ فَيَخْرُجُ مِنها الإبْرَيسَمُ، والنَّحْلُ فَيَخْرُجُ مِنها العَسَلُ، والشّاةُ فَيَخْرُجُ مِنها البَعْرُ، ويَأْكُلُها الظِّباءُ فَيَنْعَقِدُ في نَوافِجِها المِسْكُ، فَمَنِ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الطَّبْعَ واحِدٌ ؟ فاسْتَحْسَنُوا مِنهُ ذَلِكَ وأسْلَمُوا عَلى يَدِهِ وكانَ عَدَدُهم سَبْعَةَ عَشَرَ.

وخامِسُها: سُئِلَ أبُو حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرَّةً أُخْرى فَتَمَسَّكَ بِأنَّ الوالِدَ يُرِيدُ الذَّكَرَ فَيَكُونُ أُنْثى وبِالعَكْسِ، فَدَلَّ عَلى الصّانِعِ.

وسادِسُها: تَمَسَّكَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَلْعَةٍ حَصِينَةٍ مَلْساءَ لا فُرْجَةَ فِيها، ظاهِرُها كالفِضَّةِ المُذابَةِ وباطِنُها كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الجُدْرانُ وخَرَجَ مِنَ القَلْعَةِ حَيَوانٌ سُمَيْعٌ بَصِيرٌ، فَلا بُدَّ مِنَ الفاعِلِ، عَنى بِالقَلْعَةِ البَيْضَةَ وبِالحَيَوانِ الفَرْخَ.

وسابِعُها: سَألَ هارُونُ الرَّشِيدُ مالِكًا عَنْ ذَلِكَ فاسْتَدَلَّ بِاخْتِلافِ الأصْواتِ وتَرَدُّدِ النَّغَماتِ وتَفاوُتِ اللُّغاتِ.

وثامِنُها: سُئِلَ أبُو نُواسِ عَنْهُ، فَقالَ:

تَأمَّلْ في نَباتِ الأرْضِ وانْظُرْ إلى آثارِ ما صَنَعَ المَلِيكُ

عُيُونٌ مِن لُجَيْنٍ شاخِصاتٍ ∗∗∗ وأزْهارٌ كَما الذَّهَبُ السَّبِيكُ

عَلى قُضُبُ الزَّبَرْجَدِ شاهِداتٍ ∗∗∗ بِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ لَهُ شَرِيكُ

وتاسِعُها: سُئِلَ أعْرابِيٌّ عَنِ الدَّلِيلِ فَقالَ: البَعْرَةُ تَدُلُّ عَلى البَعِيرِ. والرَّوْثُ عَلى الحَمِيرِ، وآثارُ الأقْدامِ عَلى المَسِيرِ، فَسَماءٌ ذاتُ أبْراجٍ وأرْضٌ ذاتُ فِجاجٍ وبِحارٌ ذاتُ أمْواجٍ، أما تَدُلُّ عَلى الصّانِعِ الحَلِيمِ العَلِيمِ القَدِيرِ ؟

صفحة ٩٢

وعاشِرُها: قِيلَ لِطَبِيبٍ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟ قالَ: بِإهْلِيلِجٍ مُجَفَّفٍ أُطْلِقُ، ولُعابٍ مُلَيِّنٍ أُمْسِكُ. وقالَ آخَرُ: عَرَفْتُهُ بِنَحْلَةٍ، بِأحَدِ طَرَفَيْها تَعْسِلُ والآخَرِ تَلْسَعُ، والعَسَلُ مَقْلُوبُ اللَّسْعِ.

وحادِي عَشَرِها: حُكْمُ البَدِيهَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤] .

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ القاضِي: الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ أنَّ العِبادَةَ لا تُسْتَحَقُّ إلّا بِذَلِكَ، فَلَمّا ألْزَمَ عِبادَهُ بِالعِبادَةِ بَيَّنَ ما لَهُ ولِأجْلِهِ تَلْزَمُ العِبادَةُ. فَإنْ قِيلَ: فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وخَلْقُ اللَّهِ مَن قَبْلَهم لا يَقْتَضِي وُجُوبَ العِبادَةِ عَلَيْهِمْ، قُلْنا: الجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: إنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ عَلى ما ذَكَرْتَ ولَكِنَّ عِلْمَهم بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهم كَعِلْمِهِمْ بِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ مَن قَبْلَهم لِأنَّ طَرِيقَةَ العِلْمِ بِذَلِكَ واحِدَةٌ.

الثّانِي: أنَّ مَن قَبْلَهم كالأُصُولِ لَهم، وخَلْقُ الأُصُولِ يَجْرِي مَجْرى الإنْعامِ عَلى الفُرُوعِ، فَكَأنَّهُ تَعالى يُذَكِّرُهم عَظِيمَ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: لا تَظُنَّ أنِّي إنَّما أنْعَمْتُ عَلَيْكَ حِينَ وُجِدْتَ بَلْ كُنْتُ مُنْعِمًا عَلَيْكَ قَبْلَ أنْ وُجِدْتَ بِأُلُوفِ سِنِينَ بِسَبَبِ أنِّي كُنْتُ خالِقًا لِأُصُولِكَ وآبائِكَ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ كَلِمَةَ (لَعَلَّ) لِلتَّرَجِّي والإشْفاقِ، تَقُولُ: لَعَلَّ زَيْدًا يُكْرِمُنِي، وقالَ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾ [الشورى: ١٨]، والتَّرَجِّي والإشْفاقُ لا يَحْصُلانِ إلّا عِنْدَ الجَهْلِ بِالعاقِبَةِ، وذَلِكَ عَلى اللَّهِ تَعالى مُحالٌ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ مَعْنى ”لَعَلَّ“ راجِعٌ إلى العِبادِ لا إلى اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤] أيِ اذْهَبا أنْتُما عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما في إيمانِهِ، ثُمَّ اللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ.

وثانِيها: أنَّ مِن عادَةِ المُلُوكِ والعُظَماءِ أنْ يَقْتَصِرُوا في مَواعِيدِهِمُ الَّتِي يُوَطِّنُونَ أنْفُسَهم عَلى إنْجازِها عَلى أنْ يَقُولُوا: لَعَلَّ وعَسى، ونَحْوَهُما مِنَ الكَلِماتِ، أوْ لِلظَّفَرِ مِنهم بِالرَّمْزَةِ أوِ الِابْتِسامَةِ أوِ النَّظْرَةِ الحُلْوَةِ، فَإذا عُثِرَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لِلطّالِبِ شَكٌّ في الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ، فَعَلى هَذا الطَّرِيقِ ورَدَ لَفْظُ (لَعَلَّ) في كَلامِ اللَّهِ تَعالى.

وثالِثُها: ما قِيلَ أنَّ (لَعَلَّ) بِمَعْنى (كَيْ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: و(لَعَلَّ) لا يَكُونُ بِمَعْنى (كَيْ) ولَكِنَّ كَلِمَةَ (لَعَلَّ) لِلْإطْماعِ، والكَرِيمُ الرَّحِيمُ إذا أطْمَعَ فَعَلى ما يُطْمَعُ فِيهِ لا مَحالَةَ، تَجْرِي أطْماعُهُ مَجْرى وعْدِهِ المَحْتُومِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قِيلَ: (لَعَلَّ) في كَلامِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى (كَيْ) . ورابِعُها: أنَّهُ تَعالى فَعَلَ بِالمُكَلَّفِينَ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لاقْتَضى رَجاءَ حُصُولِ المَقْصُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أعْطاهُمُ القُدْرَةَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ وخَلَقَ لَهُمُ العُقُولَ الهادِيَةَ وأزاحَ أعْذارَهم، فَكُلُّ مَن فَعَلَ بِغَيْرِهِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَرْجُو مِنهُ حُصُولَ المَقْصُودِ، فالمُرادُ مِن لَفْظَةِ (لَعَلَّ) فِعْلُ ما لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُهُ لَكانَ مُوجِبًا لِلرَّجاءِ.

خامِسُها: قالَ القَفّالُ: (لَعَلَّ) مَأْخُوذٌ مِن تَكَرُّرِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِمْ: عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، واللّامُ فِيها هي لامُ التَّأْكِيدِ كاللّامِ الَّتِي تَدْخُلُ في (لَقَدْ) فَأصْلُ (لَعَلَّ) عَلَّ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: عَلَّكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ لَعَلَّكَ، فَإذا كانَتْ حَقِيقَتُهُ التَّكْرِيرَ والتَّأْكِيدَ كانَ قَوْلُ القائِلِ: افْعَلْ كَذا لَعَلَّكَ تَظْفَرُ بِحاجَتِكَ، مَعْناهُ افْعَلْهُ فَإنَّ فِعْلَكَ لَهُ يُؤَكِّدُ طَلَبَكَ لَهُ ويُقَوِّيكَ عَلَيْهِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إذا كانَتِ العِبادَةُ تَقْوًى فَقَوْلُهُ: (اعْبُدُوا رَبَّكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ) جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ: اعْبُدُوا رَبَّكم لَعَلَّكم تَعْبُدُونَ. أوِ: اتَّقَوْا رَبَّكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ:

صفحة ٩٣

لا نُسَلِّمُ أنَّ العِبادَةَ نَفْسُ التَّقْوى، بَلِ العِبادَةُ فِعْلٌ يَحْصُلُ بِهِ التَّقْوى؛ لِأنَّ الِاتِّقاءَ هو الِاحْتِرازُ عَنِ المَضارِّ، والعِبادَةُ فِعْلُ المَأْمُورِ بِهِ، ونَفْسُ هَذا الفِعْلِ لَيْسَ هو نَفْسُ الِاحْتِرازِ عَنِ المَضارِّ بَلْ يُوجِبُ الِاحْتِرازَ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: اعْبُدُوا رَبَّكم لِتَحْتَرِزُوا بِهِ عَنْ عِقابِهِ، وإذا قِيلَ في نَفْسِ الفِعْلِ: إنَّهُ اتِّقاءٌ؛ فَذَلِكَ مَجازٌ؛ لِأنَّ الِاتِّقاءَ غَيْرُ ما يَحْصُلُ بِهِ الِاتِّقاءُ، لَكِنْ لِاتِّصالِ أحَدِ الأمْرَيْنِ بِالآخَرِ أُجْرِيَ اسْمُهُ عَلَيْهِ. الثّانِي: أنَّهُ تَعالى إنَّما خَلَقَ المُكَلَّفِينَ لِكَيْ يَتَّقُوا ويُطِيعُوا عَلى ما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فَكَأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِعِبادَةِ الرَّبِّ الَّذِي خَلَقَهم لِهَذا الغَرَضِ، وهَذا التَّأْوِيلُ لائِقٌ بِأُصُولِ المُعْتَزِلَةِ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو: (خَلَقكُّمْ) بِالإدْغامِ، وقَرَأ أبُو السَّمَيْفَعِ: (وخَلَقَ مَن قَبْلَكُمْ) وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (والَّذِينَ مَن قَبْلَكم) . قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: الوَجْهُ فِيهِ أنَّهُ أقْحَمَ المَوْصُولَ الثّانِيَ بَيْنَ الأوَّلِ وصِلَتِهِ تَأْكِيدًا، كَما أقْحَمَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ:

يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أبًا لَكُمُوا

تَيْمًا الثّانِيَ بَيْنَ الأوَّلِ وما أُضِيفَ إلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском