Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:230–231

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:230–231

2:230Page 36

فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٢٣٠

And if he has divorced her [for the third time], then she is not lawful to him afterward until [after] she marries a husband other than him.1 And if he [i.e., the latter husband] divorces her [or dies], there is no blame upon them [i.e., the woman and her former husband] for returning to each other if they think that they can keep [within] the limits of Allāh. These are the limits of Allāh, which He makes clear to a people who know [i.e.,understand].

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذا هو الحُكْمُ الخامِسُ مِن أحْكامِ الطَّلاقِ، وهو بَيانُ أنَّ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ قاطِعَةٌ لِحَقِّ الرَّجْعَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ إشارَةٌ إلى الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، إلّا أنّا بَيَّنّا أنَّ الأوْلى أنْ لا يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ لِلزَّوْجِ مَعَ المَرْأةِ بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّانِيَةِ أحْوالًا ثَلاثَةً، أحَدُها: أنْ يُراجِعَها، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ والثّانِي: أنْ لا يُراجِعَها، بَلْ يَتْرُكَها حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ وتَحْصُلَ البَيْنُونَةُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ والثّالِثُ: أنْ يُطَلِّقَها طَلْقَةً ثالِثَةً، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فَإذا كانَتِ الأقْسامُ ثَلاثَةً، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ ألْفاظًا ثَلاثَةً وجَبَ تَنْزِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الألْفاظِ الثَّلاثَةِ عَلى مَعْنًى مِنَ المَعانِي الثَّلاثَةِ، فَأمّا إنْ جَعَلْنا قَوْلَهُ: ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عِبارَةً عَنِ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ كُنّا قَدْ صَرَفْنا لَفْظَيْنِ إلى مَعْنًى واحِدٍ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ، وأهْمَلْنا القِسْمَ الثّالِثَ، ومَعْلُومٌ أنَّ الأوَّلَ أوْلى.

واعْلَمْ أنَّ وُقُوعَ آيَةِ الخُلْعِ فِيما بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ كالشَّيْءِ الأجْنَبِيِّ، ونَظْمُ الآيَةِ: الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.

فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ النَّظْمُ الصَّحِيحُ هو هَذا فَما السَّبَبُ في إيقاعِ آيَةِ الخُلْعِ فِيما بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ؟

صفحة ٩٠

قُلْنا: السَّبَبُ أنَّ الرَّجْعَةَ والخُلْعَ لا يَصِحّانِ إلّا قَبْلَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ، أمّا بَعْدَها فَلا يَبْقى شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ حُكْمَ الرَّجْعَةِ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِحُكْمِ الخُلْعِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ الكُلِّ حُكْمَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّها كالخاتِمَةِ لِجَمِيعِ الأحْكامِ المُعْتَبَرَةِ في هَذا البابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَذْهَبُ جُمْهُورِ المُجْتَهِدِينَ أنَّ المُطَلَّقَةَ بِالثَّلاثِ لا تَحِلُّ لِذَلِكَ الزَّوْجِ إلّا بِخَمْسِ شَرائِطَ: تَعْتَدُّ مِنهُ، وتَعْقِدُ لِلثّانِي، ويَطَؤُها، ثُمَّ يُطَلِّقُها، ثُمَّ تَعْتَدُّ مِنهُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: تَحِلُّ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في أنَّ شَرْطَ الوَطْءِ بِالسُّنَّةِ أوْ بِالكِتابِ، قالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ: الأمْرانِ مَعْلُومانِ بِالكِتابِ. وهَذا هو المُخْتارُ.

وقَبْلَ الخَوْضِ في الدَّلِيلِ لا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى مُقَدِّمَةٍ، قالَ عُثْمانُ بْنُ جِنِّي: سَألْتُ أبا عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِمْ: نَكَحَ المَرْأةَ، فَقالَ: فَرَّقَتِ العَرَبُ بِالِاسْتِعْمالِ، فَإذا قالُوا: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةَ، أرادُوا أنَّهُ عَقَدَ عَلَيْها، وإذا قالُوا: نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ، أرادُوا بِهِ المُجامَعَةَ. وأقُولُ: هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ كَلامٌ مُحَقَّقٌ بِحَسَبَ القَوانِينِ العَقْلِيَّةِ؛ لِأنَّ الإضافَةَ الحاصِلَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ مُغايِرَةٌ لِذاتِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُضافَيْنِ، فَإذا قِيلَ: نَكَحَ فُلانٌ زَوْجَتَهُ، فَهَذا النِّكاحُ أمْرٌ حاصِلٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ زَوْجَتِهِ، فَهَذا النِّكاحُ مُغايِرٌ لَهُ ولِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ الزَّوْجَةُ لَيْسَتِ اسْمًا لِتِلْكَ المَرْأةِ بِحَسَبَ ذاتِها، بَلِ اسْمًا لِتِلْكَ الذّاتِ بِشَرْطِ كَوْنِها مَوْصُوفَةً بِالزَّوْجِيَّةِ، فالزَّوْجَةُ ماهِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الذّاتِ ومِنَ الزَّوْجِيَّةِ، والمُفْرَدُ مُقَدَّمٌ لا مَحالَةَ عَلى المُرَكَّبِ.

إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: إذا قُلْنا: نَكَحَ فُلانٌ زَوْجَتَهُ، فالنِّكاحُ مُتَأخِّرٌ عَنِ المَفْهُومِ مِنَ الزَّوْجِيَّةِ، والزَّوْجِيَّةُ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الزَّوْجَةِ مِن حَيْثُ إنَّها زَوْجَةٌ، تَقَدُّمَ المُفْرَدِ عَلى المُرَكَّبِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَزِمَ القَطْعُ بِأنَّ ذَلِكَ النِّكاحَ غَيْرُ الزَّوْجِيَّةِ، إذا ثَبَتَ هَذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النِّكاحُ غَيْرَ الزَّوْجِيَّةِ، فَكُلُّ مَن قالَ بِذَلِكَ قالَ: إنَّهُ الوَطْءُ، فَثَبَتَ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الوَطْءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَنْكِحَ﴾ يَدُلُّ عَلى الوَطْءِ، وقَوْلُهُ: ﴿زَوْجًا﴾ يَدُلُّ عَلى العَقْدِ، وأمّا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الآيَةَ غَيْرُ دالَّةٍ عَلى الوَطْءِ وإنَّما ثَبَتَ الوَطْءُ بِالسُّنَّةِ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ تَقْتَضِي نَفْيَ الحِلِّ مَمْدُودًا إلى غايَةٍ، وهي قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ﴾ وما كانَ غايَةً لِلشَّيْءِ يَجِبُ انْتِهاءُ الحُكْمِ عِنْدَ ثُبُوتِهِ، فَيَلْزَمُ انْتِهاءُ الحُرْمَةِ عِنْدَ حُصُولِ النِّكاحِ، فَلَوْ كانَ النِّكاحُ عِبارَةً عَنِ العَقْدِ لَكانَتِ الآيَةُ دالَّةً عَلى وُجُوبِ انْتِهاءِ الحُرْمَةِ عِنْدَ حُصُولِ العَقْدِ، فَكانَ رَفْعُها بِالخَبَرِ نَسْخًا لِلْقُرْآنِ بِخَبَرِ الواحِدِ، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ. أمّا إذا حَمَلْنا النِّكاحَ عَلى الوَطْءِ، وحَمَلْنا قَوْلَهُ: ﴿زَوْجًا﴾ عَلى العَقْدِ، لَمْ يَلْزَمْ هَذا الإشْكالُ، وأمّا الخَبَرُ المَشْهُورُ في السُّنَّةِ فَما رُوِيَ «أنَّ تَمِيمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القُرَظِيِّ، كانَتْ تَحْتَ رِفاعَةَ بْنِ وهْبِ بْنِ عَتِيكٍ القُرَظِيِّ ابْنِ عَمِّها، فَطَلَّقَها ثَلاثًا، فَتَزَوَّجَتْ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ القُرَظِيِّ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ وقالَتْ: كُنْتُ تَحْتَ رِفاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وإنَّ ما مَعَهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، وإنَّهُ طَلَّقَنِي قَبْلَ أنْ يَمَسَّنِي، أفَأرْجِعُ إلى ابْنِ عَمِّي؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ ؟ لا حَتّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ويَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ“، والمُرادُ بِالعُسَيْلَةِ الجِماعُ، شَبَّهَ اللَّذَّةَ فِيهِ بِالعَسَلِ. فَلَبِثَتْ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ عادَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَتْ: إنْ زَوْجِي مَسَّنِي. فَكَذَّبَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: كَذَبْتِ في الأوَّلِ فَلَنْ أُصَدِّقَكِ في الآخَرِ. فَلَبِثَتْ حَتّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأتَتْ أبا بَكْرٍ فاسْتَأْذَنَتْ، فَقالَ: لا تَرْجِعِي إلَيْهِ. فَلَبِثَتْ حَتّى مَضى لِسَبِيلِهِ، فَأتَتْ عُمَرَ فاسْتَأْذَنَتْ، فَقالَ: لَئِنْ رَجَعْتِ إلَيْهِ لَأرْجُمَنَّكِ. وفي قِصَّةِ

صفحة ٩١

رِفاعَةَ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ»﴾ .

أمّا القِياسُ فَلِأنَّ المَقْصُودَ مِن تَوْقِيفِ حُصُولِ الحَلِّ عَلى هَذا الشَّرْطِ زَجْرُ الزَّوْجِ عَنِ الطَّلاقِ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الزَّوْجَ يَسْتَنْكِرُ أنْ يَفْتَرِشَ زَوْجَتَهُ رَجُلٌ آخَرُ، ولِهَذا المَعْنى قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّما حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى عَلى نِساءِ النَّبِيِّ أنْ يَنْكِحْنَ غَيْرَهُ لِما فِيهِ مِنَ الغَضاضَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ الزَّجْرَ إنَّما يَحْصُلُ بِتَوْقِيفِ الحِلِّ عَلى الدُّخُولِ، فَأمّا مُجَرَّدُ العَقْدِ فَلَيْسَ فِيهِ زِيادَةُ نَفْرَةٍ، فَلا يَصِحُّ جَعْلُهُ مانِعًا وزاجِرًا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ: إذا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ واحِدَةً أوِ اثْنَتَيْنِ، ثُمَّ نَكَحَتْ زَوْجًا آخَرَ وأصابَها، ثُمَّ عادَتْ إلى الأوَّلِ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْها إلّا طَلْقَةٌ واحِدَةٌ، وهي الَّتِي بَقِيَتْ لَهُ مِنَ الطَّلَقاتِ الأُولى، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَمْلِكُ عَلَيْها ثَلاثًا كَما لَوْ نَكَحَتْ زَوْجًا بَعْدَ الثَّلاثِ. حُجَّةُ الشّافِعِيِّ أنَّ هَذِهِ طَلْقَةٌ ثالِثَةٌ، فَوَجَبَ أنْ تَحْصُلَ الحُرْمَةُ الغَلِيظَةُ، إنَّما قُلْنا: إنَّها طَلْقَةٌ ثالِثَةٌ لِأنَّها طَلْقَةٌ وُجِدَتْ بَعْدَ الطَّلْقَتَيْنِ، والطَّلْقَةُ الثّالِثَةُ مُوجِبَةٌ لِلْحُرْمَةِ الغَلِيظَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أعَمُّ مِن أنْ يُطَلِّقَها الطَّلْقَةَ الثّالِثَةَ مَسْبُوقًا بِنِكاحِ غَيْرِهِ، أوْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ بِنِكاحِ غَيْرِهِ، فَكانَ الكُلُّ داخِلًا فِيهِ.

* * *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا تَزَوَّجَ بِالمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا لِلْغَيْرِ عَلى أنَّهُ إذا أحَلَّها لِلْأوَّلِ بِأنْ أصابَها فَلا نِكاحَ بَيْنَهُما، فَهَذا نِكاحُ مُتْعَةٍ بِأجَلٍ مَجْهُولٍ، وهو باطِلٌ، ولَوْ تَزَوَّجَها بِشَرْطِ أنْ لا يُطَلِّقَها إذا أحَلَّها لِلْأوَّلِ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا يَصِحُّ. والثّانِي: يَصِحُّ ويَبْطُلُ الشَّرْطُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ.

ولَوْ تَزَوَّجَها مُطْلَقًا مُعْتَقِدًا بِأنَّهُ إذا أحَلَّها طَلَّقَها فالنِّكاحُ صَحِيحٌ، ويُكْرَهُ ذَلِكَ، ويَأْثَمُ بِهِ، وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأحْمَدُ: هَذا النِّكاحُ باطِلٌ، دَلِيلُنا أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُرْمَةَ تَنْتَهِي بِوَطْءٍ مَسْبُوقٍ بِعَقْدٍ، وقَدْ وُجِدَتْ فَوَجَبَ القَوْلُ بِانْتِهاءِ الحُرْمَةِ، وحَيْثُ حَكَمْنا بِفَسادِ النِّكاحِ فَوَطِئَها، هَلْ يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ ؟ قَوْلانِ، والأصَحُّ أنَّهُ لا يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيلُ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ فالمَعْنى: إنْ طَلَّقَها الزَّوْجُ الثّانِي الَّذِي تَزَوَّجَها بَعْدَ الطَّلْقَةِ الثّالِثَةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيْ عَلى المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ والزَّوْجِ الأوَّلِ أنْ يَتَراجَعا بِنِكاحٍ جَدِيدٍ، فَذَكَرَ لَفْظَ النِّكاحِ بِلَفْظِ التَّراجُعِ؛ لِأنَّ الزَّوْجِيَّةَ كانَتْ حاصِلَةً بَيْنَهُما قَبْلَ ذَلِكَ، فَإذا تَناكَحا فَقَدْ تَراجَعا إلى ما كانا عَلَيْهِ مِنَ النِّكاحِ، فَهَذا تَراجُعٌ لُغَوِيٌّ.

* * *

بَقِيَ في الآيَةِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: ظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ عِنْدَما يُطَلِّقُها الزَّوْجُ الثّانِي تَحِلُّ المُراجَعَةُ لِلزَّوْجِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ العِدَّةِ اسْتِبْراءُ الرَّحِمِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ هاهُنا، وهَذا هو الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ في أنَّ التَّحْلِيلَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لِأنَّ الوَطْءَ لَوْ كانَ مُعْتَبَرًا لَكانَتِ العِدَّةُ واجِبَةً، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى سُقُوطِ العِدَّةِ؛ لَأنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ حِلَّ المُراجَعَةِ حاصِلٌ عَقِيبَ طَلاقِ الزَّوْجِ الثّانِي، إلّا أنَّ الجَوابَ ما قَدَّمْنا.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الخَلِيلُ والكِسائِيُّ: مَوْضِعُ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ خَفْضٌ بِإضْمارِ الخافِضِ، تَقْدِيرُهُ: في أنْ يَتَراجَعا، وقالَ الفَرّاءُ: مَوْضِعُهُ نَصْبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ.

* * *

صفحة ٩٢

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ ظَنّا أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ ﴿إنْ ظَنّا﴾ أيْ إنْ عَلِما وأيْقَنا أنَّهُما يُقِيمانِ حُدُودَ اللَّهِ، وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّكَ لا تَقُولُ: عَلِمْتُ أنْ يَقُومَ زَيْدٌ، ولَكِنْ عَلِمْتُ أنَّهُ يَقُومُ زَيْدٌ.

والثّانِي: أنَّ الإنْسانَ لا يَعْلَمُ ما في القَدَرِ، وإنَّما يَظُنُّهُ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ في ذَلِكَ إنْ أرادُوا إصْلاحًا﴾؛ فَإنَّ المُعْتَبَرَ هُناكَ الظَّنُّ، فَكَذا هاهُنا، وإذا بَطَلَ هَذا القَوْلُ فالمُرادُ مِنهُ نَفْسُ الظَّنِّ، أيْ مَتى حَصَلَ هَذا الظَّنُّ، وحَصَلَ لَهُما العَزْمُ عَلى إقامَةِ حُدُودِ اللَّهِ، حَسُنَتْ هَذِهِ المُراجَعَةُ، ومَتى لَمْ يَحْصُلْ هَذا الظَّنُّ وخافا عِنْدَ المُراجَعَةِ مِن نُشُوزٍ مِنها أوْ إضْرارٍ مِنهُ، فالمُراجَعَةُ تَحْرُمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: كَلِمَةُ ”إنْ“ في اللُّغَةِ لِلشَّرْطِ، والمُعَلَّقُ بِالشَّرْطِ عُدِمَ عِنْدَ عُدْمِ الشَّرْطِ، فَظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ مَتى لَمْ يَحْصُلْ هَذا الظَّنُّ لَمْ يَحْصُلْ جَوازُ المُراجَعَةِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ جَوازَ المُراجَعَةِ ثابِتٌ، سَواءٌ حَصَلَ هَذا الظَّنُّ أوْ لَمْ يَحْصُلْ، إلّا أنّا نَقُولُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ هَذا شَرْطٌ لِصِحَّةِ المُراجَعَةِ، بَلِ المُرادُ مِنهُ أنَّهُ يَلْزَمُهم عِنْدَ المُراجَعَةِ بِالنِّكاحِ الجَدِيدِ رِعايَةُ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى، وقَصْدُ الإقامَةِ لِحُدُودِ اللَّهِ وأوامِرِهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما بَيَّنَهُ مِنَ التَّكالِيفِ، وقَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُها﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْبالِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مُتَناقِضٌ، وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ أكْثَرُها عامَّةٌ يَتَطَرَّقُ إلَيْها تَخْصِيصاتٌ كَثِيرَةٌ، وأكْثَرُ تِلْكَ المُخَصِّصاتِ إنَّما عُرِفَتْ بِالسُّنَّةِ، فَكانَ المُرادُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ هي حُدُودُ اللَّهِ، وسَيُبَيِّنُها اللَّهُ تَعالى كَمالَ البَيانِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٤٤].

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ عاصِمٌ في رِوايَةِ أبانٍ: ”نُبَيِّنُها“ بِالنُّونِ، وهي نُونُ التَّعْظِيمِ، والباقُونَ بِالياءِ عَلى أنَّهُ يَرْجِعُ عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى.

والمَسْألَةُ الثّالِثَةُ: إنَّما خُصَّ العُلَماءُ بِهَذا البَيانِ لِوُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْتَفِعُونَ بِالآياتِ، فَغَيْرُهم بِمَنزِلَةِ مَن لا يُعْتَدُّ بِهِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢] .

والثّانِي: أنَّهُ خَصَّهم بِالذِّكْرِ كَقَوْلِهِ: ﴿ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البَقَرَةِ: ٩٨] .

والثّالِثُ: يَعْنِي بِهِ العَرَبَ لِعِلْمِهِمْ بِاللِّسانِ.

والرّابِعُ: يُرِيدُ مَن لَهُ عَقْلٌ وعِلْمٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿وما يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] والمَقْصُودُ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ إلّا عاقِلًا عالِمًا بِما يُكَلِّفُهُ؛ لِأنَّهُ مَتى كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ أُزِيحَ عُذْرُ المُكَلَّفِ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأحْكامِ يُبَيِّنُها اللَّهُ لِمَن يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الكِتابَ وبَعَثَ الرَّسُولَ لِيَعْمَلُوا بِأمْرِهِ ويَنْتَهُوا عَمّا نُهُوا عَنْهُ.

2:231Page 37

وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٣١

And when you divorce women and they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or release them according to acceptable terms, and do not keep them, intending harm, to transgress [against them]. And whoever does that has certainly wronged himself. And do not take the verses of Allāh in jest. And remember the favor of Allāh upon you and what has been revealed to you of the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the Prophet's sunnah] by which He instructs you. And fear Allāh and know that Allāh is Knowing of all things.

صفحة ٩٣

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ مَسائِلَ:

المَسْألَةُ الأُولى: أوَّلُ ما يَجِبُ تَقْدِيمُهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: (﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فَتَكُونُ إعادَةُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ ذِكْرِ تِلْكَ الآيَةِ تَكْرِيرًا لِكَلامٍ واحِدٍ في مَوْضِعٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ.

والجَوابُ: أمّا أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ فَهُمُ الَّذِينَ حَمَلُوا قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ عَلى أنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الطَّلَقاتِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وإنَّما المَشْرُوعُ هو التَّفْرِيقُ، فَهَذا السُّؤالُ ساقِطٌ عَنْهُمْ؛ لِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ الجَمْعِ والتَّفْرِيقِ، وهَذِهِ الآيَةُ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ الرَّجْعَةِ، وأمّا أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ وهُمُ الَّذِينَ حَمَلُوا تِلْكَ الآيَةَ عَلى كَيْفِيَّةِ الرَّجْعَةِ، فَهَذا السُّؤالُ وارِدٌ عَلَيْهِمْ، ولَهم أنْ يَقُولُوا: إنَّ مَن ذَكَرَ حُكْمًا يَتَناوَلُ صُوَرًا كَثِيرَةً، وكانَ إثْباتُ ذَلِكَ الحُكْمِ في بَعْضِ تِلْكَ الصُّوَرِ أهَمَّ، لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُعِيدَ بَعْدَ ذَلِكَ الحُكْمِ العامِّ تِلْكَ الصُّورَةَ الخاصَّةَ مَرَّةً أُخْرى؛ لِيَدُلَّ ذَلِكَ التَّكْرِيرُ عَلى أنَّ في تِلْكَ الصُّورَةِ مِن الِاهْتِمامِ ما لَيْسَ في غَيْرِها، وهاهُنا كَذَلِكَ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّهُ لا بُدَّ في مُدَّةِ العِدَّةِ مِن أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فَفِيهِ بَيانُ أنَّ عِنْدَ مُشارَفَةِ العِدَّةِ عَلى الزَّوالِ لا بُدَّ مِن رِعايَةِ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ رِعايَةَ أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عِنْدَ مُشارَفَةِ زَوالِ العِدَّةِ أوْلى بِالوُجُوبِ مِن سائِرِ الأوْقاتِ الَّتِي قَبْلَ هَذا الوَقْتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ أعْظَمَ أنْواعِ الإيذاءِ أنْ يُطَلِّقَها، ثُمَّ يُراجِعَها مَرَّتَيْنِ عِنْدَ آخِرِ الأجَلِ حَتّى تَبْقى في العِدَّةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، فَلَمّا كانَ هَذا أعْظَمَ أنْواعِ المُضارَّةِ لَمْ يَقْبُحْ أنَّ يُعِيدَ اللَّهُ حُكْمَ هَذِهِ الصُّورَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ أعْظَمُ الصُّوَرِ اشْتِمالًا عَلى المُضارَّةِ وأوْلاها بِأنْ يَحْتَرِزَ المُكَلَّفُ عَنْها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ إشارَةٌ إلى المُراجَعَةِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في كَيْفِيَّةِ المُراجَعَةِ، فَقالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا لَمْ يَكُنْ نِكاحٌ ولا طَلاقٌ إلّا بِكَلامٍ، لَمْ تَكُنِ الرَّجْعَةُ إلّا بِكَلامٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: تَصِحُّ الرَّجْعَةُ بِالوَطْءِ. وقالَ مالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنْ نَوى الرَّجْعَةَ بِالوَطْءِ كانَتْ رَجْعَةً وإلّا فَلا.

حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما رُوِيَ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وهي حائِضٌ فَسَألَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”مُرْهُ فَلْيُراجِعْها ثُمَّ لْيُمْسِكْها حَتّى تَطْهُرَ“»، أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالمُراجَعَةِ مُطْلَقًا، وقِيلَ: [ مِن ] دَرَجاتِ الأمْرِ الجَوازُ، فَنَقُولُ: إنَّهُ كانَ مَأْذُونًا بِالمُراجَعَةِ في زَمانِ الحَيْضِ، وما كانَ مَأْذُونًا بِالوَطْءِ في زَمانِ الحَيْضِ، فَيَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ الوَطْءُ رَجْعَةً. وحُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أمَرَ بِمُجَرَّدِ الإمْساكِ، وإذا وطِئَها فَقَدْ أمْسَكَها، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كافِيًا، أمّا الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ لَمّا قالَ: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الكَلامِ، فَظاهِرُ مَذْهَبِهِ أنَّ الإشْهادَ عَلى الرَّجْعَةِ مُسْتَحَبٌّ ولا يَجِبُ، وبِهِ قالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقالَ في (الإمْلاءِ): هو واجِبٌ، وهو اخْتِيارُ

صفحة ٩٤

مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، والحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ ولا يَكُونُ مَعْرُوفًا إلّا إذا عَرَفَهُ الغَيْرُ، وأجْمَعْنا عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ عِرْفانُ غَيْرِ الشّاهِدِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ عِرْفانُ الشّاهِدِ واجِبًا. وأجابَ الأوَّلُونَ بِأنَّ المُرادَ بِالمَعْرُوفِ هو المُراعاةُ وإيصالُ الخَيْرِ، لا ما ذَكَرْتُمْ.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى أثْبَتَ عِنْدَ بُلُوغِ الأجَلِ حَقَّ المُراجَعَةِ، وبُلُوغُ الأجَلِ عِبارَةٌ عَنِ انْقِضاءِ العِدَّةِ، وعِنْدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ لا يَثْبُتُ حَقُّ المُراجَعَةِ.

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: المُرادُ بِبُلُوغِ الأجَلِ مُشارَفَةُ البُلُوغِ، لا نَفْسُ البُلُوغِ، وبِالجُمْلَةِ فَهَذا مِن بابِ المَجازِ الَّذِي يُطْلَقُ فِيهِ اسْمُ الكُلِّ عَلى الأكْثَرِ، وهو كَقَوْلِ الرَّجُلِ إذا قارَبَ البَلَدَ: قَدْ بَلَغْنا.

الثّانِي: أنَّ الأجَلَ اسْمٌ لِلزَّمانِ، فَنَحْمِلُهُ عَلى الزَّمانِ الَّذِي هو آخِرُ زَمانٍ يُمْكِنُ إيقاعُ الرَّجْعَةِ إلَيْهِ، بِحَيْثُ إذا فاتَ لا يَبْقى بَعْدَهُ مُكْنَةُ الرَّجْعَةِ، وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ فَلا حاجَةَ بِنا إلى المَجازِ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ: ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ لِأنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، فَما الفائِدَةُ في التَّكْرارِ؟

والجَوابُ: الأمْرُ لا يُفِيدُ إلّا مَرَّةً واحِدَةً، فَلا يَتَناوَلُ كُلَّ الأوْقاتِ، أمّا النَّهْيُ فَإنَّهُ يَتَناوَلُ كُلَّ الأوْقاتِ، فَلَعَلَّهُ يُمْسِكُها بِمَعْرُوفٍ في الحالِ، ولَكِنْ في قَلْبِهِ أنْ يُضارَّها في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ، فَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا﴾ انْدَفَعَتِ الشُّبُهاتُ وزالَتْ الِاحْتِمالاتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ القَفّالُ: الضِّرارُ هو المُضارَّةُ، قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ [التَّوْبَةِ: ١٠٧] أيِ اتَّخَذُوا المَسْجِدَ ضِرارًا لِيُضارُّوا المُؤْمِنِينَ، ومَعْناهُ رَجَعَ إلى إثارَةِ العَداوَةِ وإزالَةِ الأُلْفَةِ وإيقاعِ الوَحْشَةِ، ومُوجِباتِ النَّفْرَةِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذا الضِّرارِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما رُوِيَ أنَّ الرَّجُلَ كانَ يُطَّلِقُ المَرْأةَ ثُمَّ يَدَعُها، فَإذا قارَبَ انْقِضاءُ القُرْءِ الثّالِثِ راجَعَها، وهَكَذا يَفْعَلُ بِها حَتّى تَبْقى في العِدَّةِ تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ أكْثَرَ.

والثّانِي في تَفْسِيرِ الضِّرارِ: سُوءُ العِشْرَةِ.

والثّالِثُ: تَضْيِيقُ النَّفَقَةِ، واعْلَمْ أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ أكْثَرَ هَذِهِ الأعْمالِ رَجاءَ أنْ تَخْتَلِعَ المَرْأةُ مِنهُ بِمالِها.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: المُرادُ لا تُضارُّوهُنَّ فَتَكُونُوا مُعْتَدِينَ، يَعْنِي فَتَكُونُ عاقِبَةُ أمْرِكم ذَلِكَ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القَصَصِ: ٨] أيْ فَكانَ لَهم، وهي لامُ العاقِبَةِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تُضارُّوهُنَّ عَلى قَصْدِ الِاعْتِداءِ عَلَيْهِنَّ، فَحِينَئِذٍ تَصِيرُونَ عُصاةً لِلَّهِ، وتَكُونُونَ مُتَعَمِّدِينَ قاصِدِينَ لِتِلْكَ المَعْصِيَةِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا أعْظَمُ أنْواعِ المَعاصِي.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

أحَدُها: ظَلَمَ نَفْسَهُ بِتَعْرِيضِها لِعَذابِ اللَّهِ.

وثانِيها: ظَلَمَ نَفْسَهُ بِأنْ فَوَّتَ عَلَيْها مَنافِعَ الدُّنْيا والدِّينِ، أمّا مَنافِعُ الدُّنْيا فَإنَّهُ إذا اشْتَهَرَ فِيما بَيْنَ النّاسِ بِهَذِهِ المُعامَلَةِ القَبِيحَةِ لا يَرْغَبُ في التَّزَوُّجِ بِهِ ولا مُعامَلَتِهِ أحَدٌ، وأمّا مَنافِعُ الدِّينِ فالثَّوابُ الحاصِلُ عَلى حُسْنِ العِشْرَةِ مَعَ الأهْلِ والثَّوابُ الحاصِلُ عَلى الِانْقِيادِ لِأحْكامِ اللَّهِ تَعالى وتَكالِيفِهِ.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ مَن نَسِيَ فَلَمْ يَفْعَلْهُ بَعْدَ أنْ نَصَبَ

صفحة ٩٥

نَفْسَهُ مَنصِبَ مَن يُطِيعُ ذَلِكَ الأمْرَ، يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ اسْتَهْزَأ بِهَذا الأمْرِ ويَلْعَبُ بِهِ، فَعَلى هَذا كُلُّ مَن أُمِرَ بِأنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ طاعَةُ اللَّهِ وطاعَةُ رَسُولِهِ، ثُمَّ وصَلَتْ إلَيْهِ هَذِهِ التَّكالِيفُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها في العِدَّةِ والرَّجْعَةِ والخُلْعِ وتَرْكِ المُضارَّةِ فَلا يَتَشَمَّرُ لِأدائِها، كانَ كالمُسْتَهْزِئِ بِها، وهَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِلْعُصاةِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ.

وثانِيها: المُرادُ: ولا تَتَسامَحُوا في تَكالِيفِ اللَّهِ كَما يُتَسامَحُ فِيما يَكُونُ مِن بابِ الهَزْلِ والعَبَثِ.

والثّالِثُ: «قالَ أبُو الدَّرْداءِ: كانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ في الجاهِلِيَّةِ، ويَقُولُ: طَلَّقْتُ وأنا لاعِبٌ، ويُعْتِقُ ويَنْكِحُ، ويَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقالَ: ”مَن طَلَّقَ أوْ حَرَّرَ أوْ نَكَحَ، فَزَعَمَ أنَّهُ لاعِبٌ فَهو جَدٌّ“» .

والرّابِعُ: قالَ عَطاءٌ: المَعْنى أنَّ المُسْتَغْفِرَ مِنَ الذَّنْبِ إذا كانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ أوْ عَلى مِثْلِهِ، كانَ كالمُسْتَهْزِئِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، والأقْرَبُ هو الوَجْهُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ تَهْدِيدٌ، والتَّهْدِيدُ إذا ذُكِرَ بَعْدَ ذِكْرِ التَّكالِيفِ كانَ ذَلِكَ التَّهْدِيدُ تَهْدِيدًا عَلى تَرْكِها، لا عَلى شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِها، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَهم في أداءِ التَّكالِيفِ بِما ذَكَرَ مِنَ التَّهْدِيدِ، رَغَّبَهم أيْضًا في أدائِها بِأنَّ ذَكَّرَهم أنْواعَ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ، فَبَدَأ أوَّلًا بِذِكْرِها عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ فَقالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، وهَذا يَتَناوَلُ كُلَّ نِعَمِ اللَّهِ عَلى العَبْدِ في الدُّنْيا وفي الدِّينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ بَعْدَ هَذا نِعَمَ الدِّينِ، وإنَّما خَصَّها بِالذِّكْرِ لِأنَّها أجَلُّ مِن نِعَمِ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ والحِكْمَةِ يَعِظُكم بِهِ﴾، والمَعْنى أنَّهُ إنَّما أنْزَلَ الكِتابَ والحِكْمَةَ لِيَعِظَكم بِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ في أوامِرِهِ كُلِّها، ولا تُخالِفُوهُ في نَواهِيهِ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском