Ar-RaziAl‑Baqarah · 2:246–247

Ar-Razi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:246–247

2:246Page 40

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦

Have you not considered the assembly of the Children of Israel after [the time of] Moses when they said to a prophet of theirs, "Send to us a king, and we will fight in the way of Allāh"? He said, "Would you perhaps refrain from fighting if battle was prescribed for you?" They said, "And why should we not fight in the cause of Allāh when we have been driven out from our homes and from our children?" But when battle was prescribed for them, they turned away, except for a few of them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.

القِصَّةُ الثّانِيَةُ

قِصَّةُ طالُوتَ

﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى المَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسى إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا مِنهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾

المَلَأُ الأشْرافُ مِنَ النّاسِ، وهو اسْمُ الجَماعَةِ، كالقَوْمِ والرَّهْطِ والجَيْشِ، وجَمْعُهُ أمْلاءٌ، قالَ الشّاعِرُ:

وقالَ لَها الأمْلاءُ مِن كُلِّ مَعْشَرٍ وخَيْرُ أقاوِيلِ الرِّجالِ سَدِيدُها

وأصْلُها مِنَ المَلْءِ، وهُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ العُيُونَ هَيْبَةً ورِواءً، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَمْلَئُونَ المَكانَ إذا حَضَرُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: المَلَأُ الرُّؤَساءُ، سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَمْلَئُونَ القُلُوبَ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ، مِن قَوْلِهِمْ: مَلَأ الرَّجُلُ يَمْلَأُ مِلْأةً فَهو مَلِيءٌ.

* * *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: تَعَلُّقُ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى لَمّا فَرَضَ القِتالَ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ثُمَّ أمَرَنا بِالإنْفاقِ فِيهِ لِما لَهُ مِنَ التَّأْثِيرِ في كَمالِ المُرادِ بِالقِتالِ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهي أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالقِتالِ نَكَثُوا وخالَفُوا فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ونَسَبَهم إلى الظُّلْمِ، والمَقْصُودُ مِنهُ أنْ لا يُقَدِّمَ المَأْمُورُونَ بِالقِتالِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى المُخالَفَةِ، وأنْ يَكُونُوا مُسْتَمِرِّينَ في القِتالِ مَعَ أعْداءِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ الَّذِي ذَكَرْناهُ حاصِلٌ، سَواءٌ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ مَن كانَ مِن أُولَئِكَ، وأنَّ أُولَئِكَ المَلَأ مَن كانُوا أوْ لَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ هو التَّرْغِيبُ في بابِ الجِهادِ وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ، وإنَّما يُعْلَمُ مَن ذَلِكَ النَّبِيُّ ومَن ذَلِكَ المَلَأُ بِالخَبَرِ المُتَواتِرِ وهو مَفْقُودٌ، وأمّا خَبَرُ الواحِدِ فَإنَّهُ لا يُفِيدُ إلّا الظَّنَّ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونِ بْنِ أفْرايِمَ بْنِ يُوسُفَ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ كَما يَحْتَمِلُ الِاتِّصالَ يَحْتَمِلُ الحُصُولَ مِن بَعْدِ زَمانٍ، ومِنهم مَن قالَ: كانَ اسْمُ ذَلِكَ النَّبِيِّ أشْمُوِيلَ مِن بَنِي هارُونَ واسْمُهُ بِالعَرَبِيَّةِ: إسْماعِيلُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، وقالَ

صفحة ١٤٥

السُّدِّيُّ: هو شَمْعُونُ، سَمَّتْهُ أُمُّهُ بِذَلِكَ، لِأنَّها دَعَتِ اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَها ولَدًا فاسْتَجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَها، فَسَمَّتْهُ شَمْعُونَ، يَعْنِي سَمِعَ دُعاءَها فِيهِ، والسِّينُ تَصِيرُ شِينًا بِالعِبْرانِيَّةِ، وهو مِن ولَدِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ وهْبٌ والكَلْبِيُّ: إنَّ المَعاصِيَ كَثُرَتْ في بَنِي إسْرائِيلَ، والخَطايا عَظُمَتْ فِيهِمْ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ لَهم فَسَبى كَثِيرًا مِن ذَرارِيهِمْ، فَسَألُوا نَبِيَّهم مَلِكًا تَنْتَظِمُ بِهِ كَلِمَتُهم ويَجْتَمِعُ بِهِ أمْرُهم، ويَسْتَقِيمُ حالُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ، وقِيلَ: تَغَلَّبَ جالُوتُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قِوامُ بَنِي إسْرائِيلَ بِمَلِكٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ يُجاهِدُ الأعْداءَ، ويُجْرِي الأحْكامَ، ونَبِيٍّ يُطِيعُهُ المَلِكُ، ويُقِيمُ أمْرَ دِينِهِمْ، ويَأْتِيهِمْ بِالخَبَرِ مِن عِنْدِ رَبِّهِمْ.

* * *

أمّا قَوْلُهُ: ﴿نُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ قُرِئَ (نُقاتِلْ) بِالنُّونِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالنُّونِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ حالٌ، أيِ: ابْعَثْهُ لَنا مُقَدِّرِينَ القِتالَ، أوِ اسْتِئْنافٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَصْنَعُونَ بِالمَلِكِ، قالُوا: نُقاتِلُ، وقُرِئَ بِالياءِ والجَزْمِ عَلى الجَوابِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَلِكًا) أمّا قَوْلُهُ: ﴿قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ ألّا تُقاتِلُوا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ هَهُنا، وفي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، واللُّغَةُ المَشْهُورَةُ فَتْحُها ووَجْهُ قِراءَةِ نافِعٍ ما حَكاهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ أنَّهم يَقُولُونَ: هو عَسِيٌّ بِكَذا وهَذا يُقَوِّي (عَسِيتُمْ) بِكَسْرِ السِّينِ، ألا تَرى أنَّ (عَسِيٌّ بِكَذا)، مِثْلُ حَرِيٍّ وشَحِيحٍ ؟ وطَعَنَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَ: لَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ (عَسِيٌّ رَبُّكم) أجابَ أصْحابُ نافِعٍ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الياءَ إذا سَكَنَتْ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها حَصَلَ في التَّلَفُّظِ بِها نَوْعُ كُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، ولَيْسَتِ الياءُ مِن (عَسِيٌّ) كَذَلِكَ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ في الكِتابَةِ ياءً إلّا أنَّها في اللَّفْظِ مَدَّةٌ، وهي خَفِيفَةٌ فَلا تَحْتاجُ إلى خِفَّةٍ أُخْرى.

والجَوابُ الثّانِي: هَبْ أنَّ القِياسَ يَقْتَضِي جَوازَ (عَسِيٌّ رَبُّكم) إلّا أنّا ذَكَرْنا أنَّهُما لُغَتانِ، فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ بِاللُّغَتَيْنِ فَيَسْتَعْمِلَ إحْداهُما في مَوْضِعٍ والأُخْرى في مَوْضِعٍ آخَرَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَبَرُ (هَلْ عَسَيْتُمْ) هو قَوْلُهُ: ﴿ألّا تُقاتِلُوا﴾ والشَّرْطُ فاصِلٌ بَيْنَهُما، والمَعْنى: هَلْ قارَبْتُمْ أنْ تُقاتِلُوا؛ بِمَعْنى أتَوَقَّعُ جُبْنَكم عَنِ القِتالِ فَأدْخَلَ (هَلْ) مُسْتَفْهِمًا عَمّا هو مُتَوَقَّعٌ عِنْدَهُ ومَظْنُونٌ، وأرادَ بِالِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرَ، وثَبَتَ أنَّ المُتَوَقَّعَ كائِنٌ لَهُ، وأنَّهُ صائِبٌ في تَوَقُّعِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّ القَوْمَ قالُوا: ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى ضَمانٍ قَوِيٍّ خُصُوصًا وأتْبَعُوا ذَلِكَ بِعِلَّةٍ قَوِيَّةٍ تُوجِبُ التَّشَدُّدَ في ذَلِكَ، وهو قَوْلُهم: ﴿وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنهُ العَدُوُّ هَذا المَبْلَغَ فالظّاهِرُ مِن أمْرِهِ الِاجْتِهادُ في قَمْعِ عَدُوِّهِ ومُقاتَلَتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: المَشْهُورُ أنَّهُ يُقالُ: ما لَكَ تَفْعَلُ كَذا ؟ ولا يُقالُ: ما لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا ؟ قالَ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] وقالَ: ﴿وما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [الحديد: ٨] .

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ المُبَرِّدِ: أنَّ (ما) في هَذِهِ الآيَةِ جَحْدٌ لا اسْتِفْهامٌ، كَأنَّهُ قالَ: ما لَنا نَتْرُكُ القِتالَ، وعَلى هَذا الطَّرِيقِ يَزُولُ السُّؤالُ.

صفحة ١٤٦

الوَجْهُ الثّانِي: أنْ نُسَلِّمَ أنَّ (ما) هَهُنا بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ عَلى هَذا القَوْلِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الأخْفَشُ: (أنْ) هَهُنا زائِدَةٌ، والمَعْنى: ما لَنا لا نُقاتِلُ وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ القَوْلَ بِثُبُوتِ الزِّيادَةِ في كَلامِ اللَّهِ خِلافُ الأصْلِ.

الثّانِي: قالَ الفَرّاءُ: الكَلامُ هَهُنا مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ قَوْلَكَ: ما لَكَ لا تُقاتِلُ ؟ مَعْناهُ: ما يَمْنَعُكَ أنْ تُقاتِلَ ؟ فَلَمّا ذَهَبَ إلى مَعْنى المَنعِ حَسُنَ إدْخالُ (أنْ) فِيهِ، قالَ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] وقالَ: ﴿ما لَكَ ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٣٢] .

الثّالِثُ: قالَ الكِسائِيُّ: مَعْنى ﴿وما لَنا ألّا نُقاتِلَ﴾: أيُّ شَيْءٍ لَنا في تَرْكِ القِتالِ ؟ ثُمَّ سَقَطَتْ كَلِمَةُ (في)، ورَجَّحَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ قَوْلَ الكِسائِيِّ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ، قالَ: وذَلِكَ لِأنَّ عَلى قَوْلِ الفَرّاءِ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، والتَّقْدِيرُ: ما يَمْنَعُنا مِن أنْ نُقاتِلَ، إذا كانَ لا بُدَّ مِن إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ عَلى القَوْلَيْنِ، ثُمَّ عَلى قَوْلِ الكِسائِيِّ يَبْقى اللَّفْظُ مَعَ هَذا الإضْمارِ عَلى ظاهِرِهِ، وعَلى قَوْلِ الفَرّاءِ لا يَبْقى، فَكانَ قَوْلُ الكِسائِيِّ لا مَحالَةَ أوْلى وأقْوى.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ تَوَلَّوْا﴾ فاعْلَمْ أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ فَبَعَثَ لَهم مَلِكًا وكَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ فَتَوَلَّوْا.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ عَبَرُوا مِنهُمُ النَّهَرَ وسَيَأْتِي ذِكْرُهم، وقِيلَ: كانَ عَدَدُ هَذا القَلِيلِ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ عَلى عَدَدِ أهْلِ بَدْرٍ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ هو عالِمٌ بِمَن ظَلَمَ نَفْسَهُ حِينَ خالَفَ رَبَّهُ ولَمْ يَفِ بِما قِيلَ مِن رَبِّهِ، وهَذا هو الَّذِي يَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ قَبْلَ ذَلِكَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى أكَّدَ وُجُوبَ ذَلِكَ بِأنْ ذَكَرَ قِصَّةَ بَنِي إسْرائِيلَ في الجِهادِ وعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ مَن تَقَدَّمَ عَلى مِثْلِهِ فَهو ظالِمٌ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَسْتَحِقُّهُ الظّالِمُ وهَذا بَيِّنٌ في كَوْنِهِ زَجْرًا عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ وفي كَوْنِهِ بَعْثًا عَلى الجِهادِ، وأنْ يَسْتَمِرَّ كُلُّ مُسْلِمٍ عَلى القِيامِ بِذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

2:247Page 40

وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧

And their prophet said to them, "Indeed, Allāh has sent to you Saul as a king." They said, "How can he have kingship over us while we are more worthy of kingship than him and he has not been given any measure of wealth?" He said, "Indeed, Allāh has chosen him over you and has increased him abundantly in knowledge and stature. And Allāh gives His sovereignty to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing [in favor] and Knowing."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهم إنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكم طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكم وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ لَمّا بَيَّنَ في الآيَةِ الأُولى أنَّهُ أجابَهم إلى ما سَألُوا، ثُمَّ إنَّهم تَوَلَّوْا فَبَيَّنَ أنَّ أوَّلَ ما تَوَلَّوْا إنْكارُهم إمْرَةَ طالُوتَ، وذَلِكَ لِأنَّهم طَلَبُوا مِن نَبِيِّهِمْ أنْ يَطْلُبَ مِنَ اللَّهِ أنْ يُعَيِّنَ لَهم مَلِكًا فَأجابَهم بِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَهم طالُوتَ مَلِكًا، قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: طالُوتُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، كَجالُوتَ وداوُدَ، وإنَّما امْتَنَعَ مِنَ الصَّرْفِ لِتَعْرِيفِهِ وعُجْمَتِهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ مِنَ الطُّولِ؛ لِما وُصِفَ بِهِ مِنَ البَسْطَةِ في الجِسْمِ، ووَزْنُهُ إنْ كانَ مِنَ الطُّولِ فَعَلُوتُ، وأصْلُهُ طَوَلُوتُ، إلّا أنَّ امْتِناعَ صَرْفِهِ يَدْفَعُ أنْ يَكُونَ مِنهُ، إلّا أنْ يُقالَ: هو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ وافَقَ عَرَبِيًّا كَما وافَقَ

صفحة ١٤٧

حِطَّةٌ حِنْطَةً، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ أحَدُ سَبَبَيْهِ العُجْمَةَ لِكَوْنِهِ عِبْرانِيًّا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَيَّنَهُ لِأنْ يَكُونَ مَلِكًا لَهم أظْهَرُوا التَّوَلِّيَ عَنْ طاعَتِهِ، والإعْراضَ عَنْ حُكْمِهِ، وقالُوا: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا﴾ واسْتَبْعَدُوا جِدًّا أنْ يَكُونَ هو مَلِكًا عَلَيْهِمْ، قالَ المُفَسِّرُونَ: وسَبَبُ هَذا الِاسْتِبْعادِ أنَّ النُّبُوَّةَ كانَتْ مَخْصُوصَةً بِسِبْطٍ مُعَيَّنٍ مِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو سِبْطُ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ومِنهُ مُوسى وهارُونُ، وسِبْطُ المَمْلَكَةِ، سِبْطُ يَهُوذا، ومِنهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ، وأنَّ طالُوتَ ما كانَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ السِّبْطَيْنِ، بَلْ كانَ مِن ولَدِ بِنْيامِينَ فَلِهَذا السَّبَبِ أنْكَرُوا كَوْنَهُ مَلِكًا لَهم، وزَعَمُوا أنَّهم أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ، ثُمَّ إنَّهم أكَّدُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِشُبْهَةٍ أُخْرى، وهي قَوْلُهم: ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ فَقِيرٌ، واخْتَلَفُوا فَقالَ وهْبٌ، كانَ دَبّاغًا، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ مُكارِيًا، وقالَ آخَرُونَ، كانَ سَقّاءً.

فَإنْ قِيلَ: ما الفَرْقُ بَيْنَ الواوَيْنِ في قَوْلِهِ: (ونَحْنُ أحَقُّ) وفي قَوْلِهِ: (ولَمْ يُؤْتَ) .

قُلْنا: الأُولى لِلْحالِ، والثّانِيَةُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ يَتَمَلَّكُ عَلَيْنا والحالُ أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ التَّمَلُّكَ لِوُجُودِ مَن هو أحَقُّ بِالمُلْكِ، وأنَّهُ فَقِيرٌ ولا بُدَّ لِلْمَلِكِ مِن مالٍ يَعْتَضِدُ بِهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أجابَ عَنْ شُبَهِهِمْ بِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ والإمْرَةِ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ، كانَ إخْبارُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى أنَّهُ جَعَلَ طالُوتَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ حُجَّةً قاطِعَةً في ثُبُوتِ المُلْكِ لَهُ؛ لِأنَّ تَجْوِيزَ الكَذِبِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ يَقْتَضِي رَفْعَ الوُثُوقِ بِقَوْلِهِمْ، وذَلِكَ يَقْدَحُ في ثُبُوتِ نَبُوَّتِهِمْ ورِسالَتِهِمْ، وإذا ثَبَتَ صِدْقُ المُخْبِرِ ثَبَتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ كانَ مَلِكًا واجِبَ الطّاعَةِ وكانَتِ الِاعْتِراضاتُ ساقِطَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (اصْطَفاهُ) أيْ أخَذَ المُلْكَ مِن غَيْرِهِ صافِيًا لَهُ، واصْطَفاهُ، واسْتَصْفاهُ بِمَعْنى الِاسْتِخْلاصِ، وهو أنْ يَأْخُذَ الشَّيْءَ خالِصًا لِنَفْسِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّفْوَةِ، والأصْلُ فِيهِ اصْتَفى بِالتّاءِ فَأُبْدِلَتِ التّاءُ طاءً لِيَسْهُلَ النُّطْقُ بِها بَعْدَ الصّادِ، وكَيْفَما كانَ الِاشْتِقاقُ فالمُرادُ ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِالمُلْكِ والإمْرَةِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِأنَّهُ اصْطَفى الرُّسُلَ ووَصَفَهم بِأنَّهُمُ: المُصْطَفَوْنَ الأخْيارَ، ووَصَفَ الرَّسُولَ بِأنَّهُ المُصْطَفى.

* * *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ الإمامَةَ مَوْرُوثَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ مَلِكُهم مَن لا يَكُونُ مِن بَيْتِ المَمْلَكَةِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذا ساقِطٌ، والمُسْتَحِقُّ لِذَلِكَ مَن خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .

الوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ وتَقْرِيرُ هَذا الجَوابِ أنَّهم طَعَنُوا في اسْتِحْقاقِهِ لِلْمُلْكِ بِأمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ بَيْتِ المُلْكِ.

الثّانِي: أنَّهُ فَقِيرٌ، واللَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّهُ أهْلٌ لِلْمُلْكِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ حَصَلَ لَهُ وصْفانِ:

أحَدُهُما: العِلْمُ.

والثّانِي: القُدْرَةُ.

وهَذانِ الوَصْفانِ أشَدُّ مُناسَبَةً لِاسْتِحْقاقِهِ المُلْكَ مِنَ الوَصْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ مِن بابِ الكَمالاتِ الحَقِيقِيَّةِ، والمالُ والجاهُ لَيْسا كَذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ مِنَ الكِمالاتِ الحاصِلَةِ لِجَوْهَرِ نَفْسِ الإنْسانِ، والمالُ والجاهُ أمْرانِ مُنْفَصِلانِ عَنْ ذاتِ الإنْسانِ.

الثّالِثُ: أنَّ العِلْمَ والقُدْرَةَ لا يُمْكِنُ سَلْبُهُما عَنِ الإنْسانِ، والمالُ والجاهُ يُمْكِنُ سَلْبُهُما عَنِ الإنْسانِ.

والرّابِعُ: أنَّ العِلْمَ بِأمْرِ الحُرُوبِ، والقَوِيَّ

صفحة ١٤٨

الشَّدِيدَ عَلى المُحارَبَةِ يَكُونُ الِانْتِفاعُ بِهِ في حِفْظِ مَصْلَحَةِ البَلَدِ، وفي دَفْعِ شَرِّ الأعْداءِ أتَمَّ مِنَ الِانْتِفاعِ بِالرَّجُلِ النَّسِيبِ الغَنِيِّ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ بِضَبْطِ المَصالِحِ، وقُدْرَةٌ عَلى دَفْعِ الأعْداءِ، فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا أنَّ إسْنادَ المُلْكِ إلى العالِمِ القادِرِ، أوْلى مِن إسْنادِهِ إلى النَّسِيبِ الغَنِيِّ.

* * *

ثُمَّ هَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ أصْحابُنا في مَسْألَةِ خَلْقِ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ والجِسْمِ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُلُومَ الحاصِلَةَ لِلْخَلْقِ، إنَّما حَصَلَتْ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى وإيجادِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هَذِهِ الإضافَةُ إنَّما كانَتْ لِأنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُعْطِي العَقْلَ ونَصَبَ الدَّلائِلَ، وأجابَ الأصْحابُ بِأنَّ الأصْلَ في الإضافَةِ المُباشَرَةُ دُونَ التَّسَبُّبِ.

* * *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ بِالبَسْطَةِ في الجِسْمِ طُولُ القامَةِ، وكانَ يَفُوقُ النّاسَ بِرَأْسِهِ ومَنكِبِهِ، وإنَّما سُمِّيَ طالُوتَ لِطُولِهِ، وقِيلَ: المُرادُ مِنَ البَسْطَةِ في الجِسْمِ الجَمالُ، وكانَ أجْمَلَ بَنِي إسْرائِيلَ وقِيلَ: المُرادُ القُوَّةُ، وهَذا القَوْلُ عِنْدِي أصَحُّ لِأنَّ المُنْتَفَعَ بِهِ في دَفْعِ الأعْداءِ هو القُوَّةُ والشِّدَّةُ، لا الطُّولُ والجَمالُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ البَسْطَةَ في العِلْمِ، عَلى البَسْطَةِ في الجِسْمِ، وهَذا مِنهُ تَعالى تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الفَضائِلَ النَّفْسانِيَّةَ أعْلى وأشْرَفُ وأكْمَلُ مِنَ الفَضائِلِ الجِسْمانِيَّةِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ عَنِ الشُّبْهَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ﴾ وتَقْرِيرُهُ أنَّ المُلْكَ لِلَّهِ والعَبِيدَ لِلَّهِ فَهو سُبْحانُهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشاءُ، ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ، لِأنَّ المالِكَ إذا تَصَرَّفَ في مُلْكِهِ فَلا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ في فِعْلِهِ.

الوَجْهُ الرّابِعُ: في الجَوابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَعالى واسِعُ الفَضْلِ والرِّزْقِ والرَّحْمَةِ، وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، والتَّقْدِيرُ: أنْتُمْ طَعَنْتُمْ في طالُوتَ بِكَوْنِهِ فَقِيرًا، واللَّهُ تَعالى واسِعُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ، فَإذا فَوَّضَ المُلْكَ إلَيْهِ، فَإنْ عَلِمَ أنَّ المُلْكَ لا يَتَمَشّى إلّا بِالمالِ، فاللَّهُ تَعالى يَفْتَحُ عَلَيْهِ بابَ الرِّزْقِ والسَّعَةِ في المالِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ واسِعٌ، بِمَعْنى مُوَسِّعٌ، أيْ يُوَسِّعُ عَلى مَن يَشاءُ مِن نِعَمِهِ، وتَعَلُّقُهُ بِما قَبْلَهُ عَلى ما ذَكَرْناهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ واسِعٌ بِمَعْنى ذُو سَعَةٍ، ويَجِيءُ فاعِلٌ ومَعْناهُ ذُو كَذا، كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] أيْ: ذاتِ رِضًا، وهَمٌّ ناصِبٌ ذُو نَصَبٍ، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: (عَلِيمٌ) أنَّهُ تَعالى مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى إغْناءِ الفَقِيرِ عالِمٌ بِمَقادِيرِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في تَدْبِيرِ المُلْكِ، وعالِمٌ بِحالِ ذَلِكَ المُلْكِ في الحاضِرِ والمُسْتَقْبَلِ، فَيَخْتارُ لِعِلْمِهِ بِجَمِيعِ العَواقِبِ ما هو مَصْلَحَتُهُ في قِيامِهِ بِأمْرِ المُلْكِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском